سرد بالمبضع للحالات الصعبة
الخطوط المتوازيــة التي لا تلتقي أبداً رياضياً، تلتقي في مجموعة ( تماماً قبلة ) فالخط لا يبقى على حالـه، لا بد أن يلين أو ينكسر و إذا كان صلباً لدرجة استحالة ذلك فلا بد من التقاطع أي أن يدخل خط ثالث أو أكثر، إذاً التوازي ليس حالة أبدية.التوازي حالة غربة، و تنافس، حالة استاتيكية، أما الانكسار و التقاطع فحالة تلاقي، ألفة ، حب أو نفور . حالة جدل.
ينتج عن التلاقي الزوايا، بدلالاتها و هي الهاجس الملح عند باسم سليمان في هذه المجموعة.
فالزاوية عنده تولد شعوراً متبدلاً تبدل حالات الحياة، انكسار و انكفاء، تمرد ، حنو، ضيق، تنافر، تآلف، إهمال و توثب، الزاوية حيز رمزي يعبر بحدة عن الحياة، و هو ذو وجهتين ضيق مطبق مغلق و منبثق منفرج نحو أفق أوسع.
و قد عبر عن ذلك من الإهداء الذي أتى على شكل قصة قصيرة جداً صاغها مكثفة إلى حد الاختزال الذي يضمر احتمالات عدة، تتيح للقارئ تبني أي احتمال منها وفق رؤيته، لكن هذا لن يعفيه من إعادة قراءتها أكثر من مرة.
تتوزع قصص المجموعة بين القصة الومضة و القصة المشهد إلى القصة القصيرة بشكلها المعروف.
القصص الومضة التقطت بحساسية عميقة و حادة أحياناً، و هي تقوم على المفارقة الناجمة عن التباين بين قطبين لحدث معين، سلبي و إيجابي، مما يخلق توتراً مؤثراً لدى المتلقي فأشخاص هذه القصص ينتقلون من السلب إلى الإيجاب، و بالعكس و بالتالي هم يمرون بالحالتين فاعلين و منفعلين. لا يبدو الكاتب معنياً برصد البعد النفسي لهذا التبدل و الانتقال فهذا يستدعي سرداً أطول و معالجة أوسع. هو يلتقط الحالة فقط و يصوغها بذكاء تكثيف و بفنية عالية، و يترك للقارئ تحسس تداعياتها.
و هو ما بنيت عليه قصص ( نهيق الذاكرة – السيجار- الحزام )
النمط الآخر من القصص التي اعتمدت الإختزال هو ما يمكن تسميته بالقصة المشهد، فرض هذا التصنيف محتوى القصص، فهي ترصد حالات و أحداث في ذروتها ( الولادة – الفطام )
يقدم الحدث هنا بشكل معلق، كأنه حدث للتو، و بالتالي هو في طور الحركة، و هذا ما جعل هذه القصص تأخذ سمة المشهد، فالصورة استاتيكية كحدث، ديناميكية بإيحاءاتها أما المشهد فهو سيرورة الصورة.
القصص الأخرى أحاطت بالحدث التي تناولته بشكل أوسع فجاءت أطول كسرد و مساحة زمنية، تختلف البنية السردية لهذه القصص، فقصتي اللوحة – الريشة اللتين تتكاملان كقصة واحدة و يمكن قراءتهما كقصتين منفصلتين، بنيتا على التداعيات المتمحورة حول وضع معين يزكيه حدث تنطلق منه القصة، الحدث هو موت الرسام، الحبيب، الزوج، و الوضع هو العلاقة الاشكالية بينه و بين الراوية بطلة القصة التي تقدم هذه العلاقة بتداعيات تنطلق من الآن لحظة القص، تتقاطع هذه التداعيات في بؤرة واحدة متوترة و ضاجة.
قصة المسافر تجربة إشكالية لتجاوز الحكائية التقليدية، الكاتب هنا يحاول التحرر من أسلوب السرد التقليدي، فليس هناك نسق واحد للسرد بل خطوط متعددة يتنقل بينها بحرية. و هي تتقاطع أو تتنافر لكنها تعزز رغبته بتسليط انتباهنا على ما يريد قوله. بغض النظر عن نجاحه في ذلك أم عدمه.
قصة يحكمها القلق، حتى المكان يبدو في حالة تجاذب فهو متحرك بالنسبة للأرض كونه مقعد في باص، و ثابت بالنسبة للباص ككل، و هو باب يفتح مسارب لأمكنة أخرى.
أما الزمان فهو سويات متدرجة، و الكاتب في لحظته الراهنة على قمة هذا التدرج، يمضي بترجيع للذكريات متحرراً من الترتيب تنازلياً، الذكريات لا تعترف بالأسبقية، ما يلح منها يأخذه بكليته. و كذلك يسري في أحلامه تصاعدياً بإيحاء من رغباته و أحاسيسه الفائتة، قصة تسفر عن إنسان تحت وطأة رغبة ما أو خيبة أو ربما حلم، فيها توظيف مكثف الدلالة لمفردات حياتية عديدة أتت في موقعها، أغنت لغتها لتأخذ طابع الشاعرية، فبعض المقاطع يبدو كقصيدة يمكن أن تكون منفصلة، و هذا أدى إلى تماهي الحدث في خضم اللغة و طمسه أحياناً بدلاً أن تكون حاملةً له ومعبرةً عنه.
الكاتب لماح بشكل كبير في التقاط الحدث و اللحظة القصصية، يبرز ذلك من خلال رصده حالات إنسانية خاصة، كمرض التوحد في قصة الذبابة، فقد تناول هذه الحالة بحساسية و ذلك من داخل شخصية القصة، لكنه لم يكن عبئاً على هذه الشخصية و لم نشعر أنه يقف ورائها بل تركها و كأنها هي بشكل حقيقي تقول ما تشعر به.
قصص المجموعة الأخيرة تنكفأ إلى الحكائية و إلى السرد القصصي بأقانيمه المعروفة، ما يميزها ذلك الإيقاع السريع النابض بالحيوية و التوتر و الذي وقعته تلك الوحدات اللغوية القصيرة المتلاحقة كما في قصة ( لكن كعب البغل ) و قصة ( المطهر ) الطريفة بموضوعها و أشخاصها- الأحذية البالية المرمية- و هي هنا ليست مجرد أحذية مقطعة مثقوبة، بل صورة عن أصحابها، الأحذية هنا تعرية لهم. إنها الفناء السفلي الحقيقي لحد الخشونة من أنفسهم.
هناك ألفاظ تترد في نصوص المجموعة، و هي تشكل خاصة من خصائص نص الكاتب، هذه الألفاظ ترد اصطلاحاً بدلالات متعددة، مثل كلمة ( الشيء ) التي ترد في قصص( نهيق الذاكرة – السيجار – الغبار ) كدلالة على ما هو أدنى من الإنسان، بينما تدل على الأشياء الملموسة في قصة ( خمريات الحر ).
يتساوى الإنسان و الكائنات و الأشياء الفعلية في وقوعها تحت دلالة هذه الكلمة، قد يكون هذا تعبيراً عما وصلت إليه حالة التشييء مع تسطح المفاهيم و بلادة الأحاسيس التي تجعل من الإنسان ككائن سام مجر شيء لا أكثر.
المجموعة محاولة جريئة لاستنباط شكلاً خاصاً من السرد، و الجرأة لا تقف على ذلك فقط بل تشمل مواضيع القصص، حيث تجهر في تناول بعض ما نحرص على توريته من حياتنا، و ذلك في رهافة و حدة، و هذا ما يجعلها مميزة و هامة. جميلة جمال الأشياء التي لا تنالها بسهولة.
باسم سليمان كالوتر المشدود، متوفز لا يعرف الاسترخاء، قد يكون تعباً لكنه يصدر نغماً حقيقياً و جميلاً. ربما عليه أن يستدير إلى الجهة المفتوحة من الزاوية، فمن الصعب إلغاء الخطوط رغم توقنا لذلك.
النور
مفيد عيسى أحمد