الفصل الثالث تغريبة السودان في' عهد الأمان 'يا لالا يا يمة المشينة*بعد لمشت ولت دارتبطلنا و النفحة طارتشعر شعبي من بلاد ' الجريد '*المشينة : القطار في لهجة الجنوب الغربي التونسي الباب التاسعو فيه تفاصيل عن برج بابل الجديد وذكر للوباء الذي ضرب أواني الفخار في ' تافلالت ' * فهج أهلها إلى بلاد الهمامة في الجنوب التونسي . و تفصيل حال أهل طرابلس الذين وصلوا إلى المتلوي في بداية هذا القرن.( 1 )تمتد ' القرية الحديثة ' أمامك وسيعة مترامية الأطراف تملأ منازلها السهل الكبير . تحدها من الجهات الأربع جبال جرداء رمادية قاتمة ترتع بين شقوقها العقارب ة الأفاعي و بنات آوى . ووديانها سحيقة تنبت في مستنقعاتها أشجار الطرفاء و الطلح و العرعار . و يجري ماؤها آسنا يطن فوقه البعوض و الناموس.في هذا الخلاء زرع الفرنسيون مدينة تعج بالحياة . فما كان بالأمس قفرا تحول بلمسة ساحر إلى ' برج بابل ' يرطن فيه الخلق بلغات شرقية و غربية : فرنسية و إيطالية و مالطية و أسبانية وروسية و بربرية و عربية بلهجاتها المختلفة تختلط فيها قلقلة أهل الشمال و الساحل بنطق القاف الثقيلة لأهل الجنوب . و الكل في غليان محموم.أول من وصل إلى الموقع ، الفرنسيون ، بنوا الجسور و القناطر فوق الوديان و فجروا الوديان التي اعترضت طريقهم و مدوا سكة الحديد من ميناء ' صفاقس ' حتى محطة ' المتلوي ' بطول تجاوز مائتي كيلومتر . ثم حملوا القطارات أدباشهم وحطوا الرحال في ساحة المحطة.استقبل مدير الشركة القادمين و أشار بيده إلى جهة الغرب قائلا :- هذه مدينتكم فادخلوها بسلام آمنين.و مشى أمامهم يتقدمهم بخطى واثقة.( 2 )أجمل ما في ' القرية الحديثة ' حيها الأوروبي الذي خط أساساته معماريون فرنسيون على شاكلة مدن المناجم في شمال فرنسا. و قام بالبناء عملة إيطاليون و أسبان فجاء الحي على شكل رقعة شطرنج بشوارعه المتوازية المتقاطعة فيما بينها بنظام بديع.يتوسط هذا الحي المدينة و يتربع في أجمل أمكنتها و يشرف من بعيد على بقية الأحياء التي استحدثتها الشركة للعملة الذين جلبتهم من الريف المغربي ، من ' السوس ' و ' تافلالت ' و من بلاد ' القبائل ' من الجزائر و من ' وادي سوف ' و من داخل صحاري ليبيا و مدنها الساحلية . على جنبات شوارعه قامت المباني البهيجة ' فيلا ' مدير الشركة الفخمة بقرميدها الأحمر العنابي و بجنتها مترامية الأطراف . و قصور المهندسين ودور العملة المهرة . و قريبا من قصر المدير تزدهي بناية الإدارة بفخامتها : عواميد منقوشة و أقواس بديعة و شرفات تطل على الجهات الأربع . يقابلها في الجهة الأخرى المقتصدية و مركز الجندرمة و المستشفى ثم مدرسة لتعليم أطفال الموظفين ، فقاعة السينما . و ينفتح الفضاء على ساحة واسعة في وسطها بستان به أشجار غريبة جلبها الفرنسيون من الغابات البعيدة يطل عليها منزل فخم لإقامة الضيوف ثم ملعب لكرة القدم و آخر لكرة المضرب و ثالث للكرة الحديدية . و في طرف الحي قامت الأبرشية يعلوها الصلبان الكبيرة و ترن النواقيس في برجها العالي. و يقصدها في أيام الآحاد و الأعياد رجال و نساء أجمل من ملائكة الرحمان . في الطرف الآخر ، في الحي ، بعيدا عن المساكن ارتفعت مداخن الورشات.يقف على عتبات الشوارع رجال غلاظ شداد يمنعون العرب من عبورها . رجال يتكلمون لغة كالعربية و ما هي بالعربية . عرفت فيما بعد أنها لغة البربر سكان جبال الأطلس الذين وفدوا من المغرب للعمل داخل أنفاق المنجم ثم اختار منهم الفرنسيون ضخام الجثث للعمل حراسا لشوارع ' باريس الصغيرة 'بعد أن سلحوهم بعصي غليظة و بالكلام النابي.كان هؤلاء البربر أول من وصل على ' القرية الحديثة ' بعد أن قتلت منهم أوبئة نهاية القرن الماضي خلقا كثيرا حتى ظنوا أنه الفناء . و لم يعد بمقدورهم دفن الموتى في المقابر فحولوا ساحات البيوت إلى مدافن جماعية رصوا فيها الآباء مع الأبناء و الخالات مع العمات و الجدود مع الجدات . و تجرأت الطيور الجوارح فأكلت من أطراف المرضى قبل أن يموتوا. و لم تجد من يزجرها فصارت تخطف الرضع من فوق أثداء الأمهات و تطير بهم في الجو لتقدمهم وجبة لصغارها. و يصل صراخ هؤلاء الأطفال مسامع الآباء من فوق سابع السماوات و لا من يجيب. و لما أنهى الوباء الفتك بالأحياء التفت إلى أواني الفخار المعلقة على الجدران . كانت المسامير المدقوقة في قلب الجدران تتقلقل و تميل يمنة و يسرة و تنحل الخيوط الماسكة بالصور و تتفتت قطعا صغيرة فتسقط المعلقات على الأرض محدثة دويا و فرقعة . و تتناثر شظايا الأواني على الأرض الموبوءة.كانت جثث الحمير و الكلاب و الفئران و المعيز تملأ الشوارع حين نفخ في الصور فقامت قيامتهم . جاء متعهدون إلى المداشر و القرى ينتدبون عمالا لشركة فسقاط قفصة فتفاءلوا بخيرات تونس' الخضراء' على مر العصور و قرروا الرحيل.التقط الفرنسيون الرجال من كل محطة يصلها القطار. عائلات بأكملها أو بقايا عائلات غادرت البلاد إلى حيث لا يعلم إلا الله ملؤوا العربات المعدة للبشر ثم انداحوا يملؤون بقية العربات : عربات البضائع و عربات نقل الدواب . و قطعوا الفيافي يقتلهم الطوى. ووهبهم حراس القطار الخبز ، واحدة لكل كهل و نصف خبزة لكل صغير طيلة اليوم و أغلقوا وراءهم أبواب الحديد.كان القطار يقف في المحطات النائية فيتفقد الحراس العربات . يراقبون الركاب و يتخلصون من الموتى ثم تعود عربات القطار إلى الانتحاب فوق السكة إلى أن وصلوا إلى المحطة الأخيرة فنزل هؤلاء البشر ذوو الملامح الصفراء الذابلة في الساحة الكبيرة . باتوا ليلتهم الأولى في العراء ثم طلب منهم المترجم أن يختاروا مكان إقامتهم فيمموا شطر الجبل.قالوا هنا سنبني حينا ، فلم يعترض أحد.( 3 )وقفت قرب محطة القطار مع المترجم و جماعة من المسؤولين عن الشركة نراقب رجال البدو القاطنين قريبا من المحطة وقد جاءوا في صحبة النساء اللاتي كن يملأن القرب و القلال من الماء الذي وفرته الشركة في خزانات معدنية كبيرة لفائدة أعوانها.و ساد الترقب الموقف ، فعدد العملة الذين وصلوا من الغرب مازال غير كاف لبداية الأشغال في المنجم . و الأهالي يرفضون الدخول إلى الأنفاق و يفضلون رعي الأغنام و فلاحة الأرض على نبش التراب بين الصخور في أعماق الأرض.عاد المتعهدون الذين بعثت بهم فرمسا لاستقدام عملة من ليبيا منذ شهر بعد أن وعدوا بحضور الرجال وراءهم. و لكن الأيام مرت و لم يصل أحد. و بدأ الملل يسري بين المترقبين حين ثار غبار كبير سد ما بين السماء و الأرض . و بدأ يقترب قادما من جهة الشرق. رأيت الابتهاج يغمر وجوه الفرنسيين و كثرت رطانتهم مع المترجم . و جرى أطفال إلى سطوح المباني القريبة فاعتلوها واضعين أيديهم الصغيرة فوق حواجبهم مدققين النظر نحو الأفق. و انجلى الغبار عن جيش جرار من الخلق . رجال و نساء و أطفال ودواب و بغال وحمير و خيول و خيام على عربات مدفوعة باليد أو مجرورة بالدواب . و امتلأ المكان بالصياح و الهرج و ببكاء الأطفال و عربدة الرجال و بنظرات النسوة المنكسرة. و انتشر هذا الخلق في الساحة الكبيرة المحاذية لمحطة القطار . فأشار مدير الشركة إلى المترجم طالبا منه الحديث مع سيد القوم . بعد دقائق تقدم نحو المدير رجل وقور في السبعين من عمره يرتدي برنسا من الصوف مشدود إلى صدره بحلق فضي و يضع على رأسه شاشية و يلف الشاشية بعمامة صفراء من الحرير . قدم نفسه على أنه ' مفتاح الهوني ' و أنه سيد هذا الفصيل من الطرابلسية و أنه يريد الاستيطان في هذه الأرض و لا يبغي سوى العمل وراحة البال.و بدأت أفواج الطرابلسية تصل إلى المحطة فوجا وراء فوج فيشير إليهم الشيخ مفتاح بالجهة التي يقفون فيها إلى أن اكتمل نصابهم فهنأهم الفرنسي بالسلامة و أوصى المترجم بالإحسان إليهم و غادر المكان.قضى الطرابلسية ليلتهم الأولى بساحة المحطة بينما راح الشيخ مفتاح و رجال من خلصائه يبحثون عن المكان الذي سيستقرون فيه . بحثوا طويلا إلى أن وقع اختيارهم على فسحة من الأرض منبسطة و قريبة من سفح الجبل فقال الشيخ : هنا سيكون المستقر . و في الصباح الباكر صلى بأهله صلاة الصبح و جمعوا أدباشهم و يمموا شطر الجبل .قال الشيخ ' مفتاح الهوني ' بعد أن عاد يطوف بالمكان عدة مرات :- أعينوني على اختيار مكان قبر الحياة يا أولاد العم.فرد الجماعة :- أنت سيدنا ، وقد تركنا لك أمرنا منذ خروجنا الأول من الوطن، فاختر لنا ما يعجبك.قال الشيخ :- و لكنني أريد أن تشاركوني في الأمر . فأنا لا أود أن تقولوا بعد سنين ، شيخنا غرر بنا .فأشار أحدهم إلى رأس من الأرض المبسوطة تحيط به الوديان الجافة من ثلاث جهات و يحاذيه الجبل من الجهة الرابعة و يربطة ببقية الأرض مسرب صغير .قال :- ما رأي سيدنا في هذا الموقع ؟التفت الشيخ ' مفتاح الهوني ' إلى حيث يشير الرجل وابتسم :-نعم الاختيار يا أخي . هنا فقط يمكنني أن أطمئن على بنات عمومتكم . سيسترنا هذا المكان حتى نعود إلى الديار.وانهمك الجميع في العمل . حفر جماعة مغاور داخل جنبات الوادي و بنى آخرون أكواخا بالحجارة و الطين ووضعوا فوقها أسقفا من أغصان الطرفاء و العرعار و الطلح و الأعشاب الصحراوية اليابسة. ونصب المترفون منهم خياما غطوها بجلود الأغنام و الجمال.و بدأت الحياة تدم في المخيم الجديد . قاقت دجاجات وارتفع الدخان من تحت قدور الكسكسي و العصيدة الطرابلسية .
===
الباب العاشر وفيه تفاصيل عن مغارة ' علي بابا ' و غرائب عن الأرواح الهائمة في أنفاق الجبل و أعاجيب عن رجال برؤوس بغال و بغال برؤوس آدمية ، و هلم جرا .(1)بعد وصولي بأربعة أيام إلى ' المتلوي ' انتدبتني شركة الفسفاط عامل أنفاق. أيامها كانت الشركة تمر بأزمة خانقة إذ قل الإقبال على العمل داخل الأنفاق بعد حدوث انهيارات كبيرة في دواميس هضبة جبل ' الوصيف ' . ورغم أن الشركة أذاعت أنباء تقلل من الخسائر البشرية و تصل بها إلى حدودها الدنيا فإن العمال الذين بقوا خارج الأنفاق يؤكدون أن عدد المفقودين فاق الخمسمائة . و هم الهلع و الذعر المكان فغادر كثير من العمال المنطقة و عادوا من حيث أتوا . و انتحر المهندس الذي تسبب في الحادث . أكلته عجلات القطار الرابط بين ' المتلوي ' و ' صفاقس ' و ظلت بقايا لحمه معلقة على سكة الحديد لعدة أيام . و هدد الإفلاس الشركة الكبيرة وهي في بداياتها إذ تعطل الإنتاج لمدة كبيرة حتى كاد مديرو الشركة في ' باريس ' يصفون حساباتها و يعلنون التوبة عن هذه المغامرة.و فاحت كراهية الفرنسيين في المكان فقد كان المهندسون يرفضون نصب أعمدة الخشب في الأماكن التي يخلونها من الفسفاط و يدعون أن جدران الأنفاق شديدة الصلابة و تستطيع تحمل ضغط ملايين الأطنان من الحجارة دون أن تتصدع و تنهار. و لكن تقديراتهم ذهبت سدى إذ انفجر الجبل في لحظة واحدة و دك الأنفاق دقا ، فسدت الصخور المتساقطة على طول عدة كيلومترات الأبواب و تعذر تقديم المساعدة للعمال الذين أسرهم سلطان الجبل. و بين غمضة عين و انفتاحتها تحول المنجم الذي كان يعج بالحياة ليلا نهارا إلى جبانة كبيرة تطير في أنفاقه مئات الأرواح الهائمة و هي تدق على جدران الجبل باحثة لها عن منفذ للخلاص.حين استظهرت لدى الإدارة ببطاقة الانتداب ، مكنوني من أدوات العمل : فانوس و فأس و مجرفة وجعلوني أوقع على ' وصل تسليم ' يلزمني بدفع هذه المقتنيات بالتقسيط بعد حصولي على أجرتي ، على أن أتركها في موقع العمل إذا عن لي الرجوع عن التزاماتي نحو الشركة.صباح الغد ، وقفت مذهولا أمام باب النفق الذي سأجتازه للوصول إلى أعماق الجبل . و تذكرت ما مر بي من وقائع فقلت في نفسي ستكون مغامرتك في الحياة في هذا الجب الذي قال فيه أحد أولياء الله الصالحين حين مر من أمامه : ' الداخل فيه مفقود ، و الخارج منه مولود ، و لا حول و لا قوة إلا بالله العظيم '.و تسلمني ' مرزاق القبائلي ' من رئيس الحضيرة التي عينت فيها ليعلمني كيف أحفر بالمثقاب حفرا في لحم الجبل . و كيف أدس الديناميت في تلك الحفر . و كيف أفجر تلك الأصابع الرقيقة التي تحدث دويا كدوي الرعد . و علمني كيف أكون شجاعا دون تهور لأن أحابيل سلطان الجبل لا تحصى و لا تعد و سف ملك الموت معلق فوق رؤوسنا لا ندري متى ينزل فيقص الرقاب و يفشخ الهامات.و مات ' مرزاق القبائلي ' بعد أن التقيته بستة شهور . سلبه شق * أمواله ثم قتله قتلة شنيعة . أكل نصفه و ترك لنا النصف الآخر. و تسلمت رسالة الشق بعد أن تسلمت قيادة فريق العمل .* روى أبو عمرو عثمان الجاحظ في كتاب الحيوان قال :' ومن الجن جنس صورة الواحد منهم على نصف سورة الإنسان . له نصف رأس و عين و كذلك جميع أعضائه . و هو يقفز برجله قفزا شديدا و يعدو عدوا منكرا .'كتاب الحيوان / الجزء السادس طبعة دار الكتاب/ بيروت 1969( 2 )في السوق ، اكتريت حانوتا جعلت منه مقر إقامتي . أثثته بما تيسر من الأدوات الضرورية للحياة و أحكمت إغلاق بابه بقفل اشتريته من مقتصدية الشركة . و علقت المفتاح في حزامي فلا أمان في هذه الأرض التي جمعت فيها الأجناس و الأديان و الملل و النحل و اختلط فيها المؤمن بالكافر و العربي بالأعجمي.كانت السوق يعج بخلق كثير . وكان معظم الرجال يمضون وقتهم جالسين تحت حيطان الدكاكين التي بناها منذ مدة قريبة تجار طرابلس .وجوه الرجال كئيبة تطل منها عيون ذليلة أكلها الرمد و أبدانهم منهكة تغطيها أسمال بالية : بقايا برانس و جياب من الصوف الخشن . و اللحاف التي تغطي رؤوسهم حال لونها الأبيض و تحول إلى الرمادي.و كانت السوق تغلي بالأصوات التي ترتفع من كل الجهات ، تنادي صديقا أو تطلب صدقة أو تلعن أو تسب أو تعدد حسنات سلعة أو تطلب عفو الرب و غفرانه أو تعلن ميعاد دفن أحد الموتى ... و الكل في هرج و مرج.كنت خلال إقامتي بالحانوت في الأيام الأولى أقضي الوقت مراقبا هؤلاء الرجال القادمين من كل مكان . من أقاصي جبال الريف في المغرب إلى صحاري ' فزان ' بليبيا . كل هذا الخلق سمع بالأعجوبة التي أحدثها ' الكفار ' في تونس فتركوا ما في أيديهم و جاءوا. وشوش الأصدقاء إلى بعضهم بعضا و هجوا دون أن يعلم بهم الأهل.و باع البدو قطعانهم الهزيلة و قصدوا المدينة الجديدة التي بناها الروم .و أكل الجراد صابة القمح في ضواحي ' إفريقية ' فترك له أهلها المكان و جاءوا إلى هنا.و شحت المياه في واحات الجريد فهرب ' الخماسة ' من تحت ظل النخلة التي لم تعد تعطي تمرا سمينا فعوضوه بخبز المنجم.و أحرقت الضرائب ملاك الأراضي فباعوها للمعمرين الفرنسيين و عوضوا المنجل بالفأس و المجرفة، و الأفق الرحب بدواميس الجبل و أنفاقه.لم يكن أحد من هؤلاء الرجال يدري قبل أعوام قليلة أنه سيدفع ثمن الخبز الذي سيأكله من العرق الذي سيسيل فوق تراب أنفاق جبال الثالجة.كان جميع الرجال يرهبون لحظة مواجهة الجبل للمرة الأولى . كنت أراهم يقفون لساعات ساهمين أمام باب النفق . تمر سحابة حزن على الوجوه . ترعد و تمطر . و تعزف رياح . و تزمجر عواصف و يحرق الجوع الأكباد فيغامر الجبان قبل الصنديد و يخترق حواجز الخوف و يمضي يقطع من لحم الجبل ليطعم الفراخ الجائعة .البارحة ، انتدبت الشركة عاملا جديدا ضمن فريقي .جاء الرجل يعوض العم ' سالم الطرودي ' الذي ودعنا بالأمس ورجع إلى ' وادي سوف ' . قال إنه يعمل بالمنجم ستة أشهر و بالواحة ستة أشهر و إنه يعود في كل سنة خلال شهور الخريف و الشتاء لجني التمر و لدفء البيت .بعد أن قطعنا نصف كيلومتر داخل النفق ، اقترب مني الرجل و بدأ يحدثني مستعطفا:- كرامة لله. أخرجني من هنا أيها الرجل .لقد بلغني أن شقا قتل البارحة ' مرزاق القبائلي ' ، فضحك أصحابي ووبخه أحدهم :- اصمت يا أخي ودعنا نستهل هذا اليوم على خير.فصمت الرجل و مشى وراءنا خطوات أخرى. كان كلما توغل داخل النفق ازدادت الظلمة حلكة و شحت أضواء الفوانيس . و كانت مشية الرجل تتثاقل، فيعود إلى الاستعطاف:- يرحم الله والديكم ، أخرجني من هنا.و لا مجيب...كنا نسرع في النزول . و تزداد الخطى خفة. فالمنحدر حاد و الحيطان المسندة بالخشب صارت وراءنا. و النفق يفتح فما كفم الغول. يبتلع الرجال و البغال و العربات الصغيرة ة الضوء الشحيح و نداءات الأصدقاء.و يتفرق الجمع في كل الاتجاهات.يترك العمال الشارع الرئيسي الواسع و يشرقون و يغربون . يدخلون أزقة النفق الصغيرة و ينقسمون أفواجا تذهب بدورها في اتجاهات شتى إلى أن بقينا وحدنا : خمسة رجال . كنت رئيس الحضيرة . و كان معي عاملان و معاونان . كنا قد تعودنا على النزول داخل النفق ماعدا هذا العامل الجديد الذي مازال يخطو بحذر وراءنا.قال لي ونحن ننزل من القطار الذي حملنا حتى باب النفق إنه قدم رشوة كبيرة إلى مستكتب فرنسي يعمل بالإدارة حتى تسارع الشركة بانتدابه .فقلت له : كم دفعت ؟قال : خمسمائة فرنك قلت : يلزمك نصف سنة من الكد المتواصل حتى تسترجع هذا المبلغ .ففغر فاه ولم يعد لمبادلتي الحديث . و امتلأ المكان بالصمت إلى أن همهم:- بعد أن بعت غنماتي ندمت. ولكن هل ينفع الندم ؟و غطت وجهه الكآبة و الحزن ، فعاد يحدث نفسه :- لقد غرر بي ابن عمي . جاءنا كالعريس . رأسه حليق و ثيابه نظيفو و جيبه ممتلئ بالفرنكات . و قال لنا : إن الفلوس في منجم الفسفاط ملقاة على قارعة الطريق. فصدقته أنا الغبي و فرطت في رزقي و جئت إلى هنا.و تسمر الرجل في مكانه وبدأ يصيح صياحا هستيريا :- أخرجوني من هذا الجحيم يا أولاد الكلب.هم رجل بالعودة إليه وهو يقول :- سأذهب لأؤدبه:فلم أتركه يذهب ، و قلت له :- أتركه يصيح يا أخي سيؤدبه ظلام المنجم.فجرى الرجل وراء خطانا حين رآنا لا نلتفت إليه .رفعت الفانوس فرأيت وجهه قد ابيض من الرعب . ورأيت الشرر يتطاير من عينيه ـ فابتسمت له لكنه لم يعر ابتسامتي انتباها. و عاد إلى العويل :- هل سأعمل تحت هذا الجبل ؟ هل سأظل نصف يوم تحت هذه الأكوام من الحجارة ؟ أبدا . لن يكون هذا . سأضرب رأسي بهذه الفأس إن لم تخرجوني من هنا .ووجه نصل الفأس إلى جبهته وهم بشدخ رأسه لكنني اختطفت الفأس من يده وضربته بجمع يدي على وجهه فسقط يتمرغ في التراب . و أجهش باكيا :- خذ فأسي و معولي و جرابي هدية مني ورافقني إلى باب النفق يا سيدي.و اختطف يدي التي ضربته بها وراح يلثمها بقوة.و حاصرني الندم و شدد علي الخناق فقلت له برقة:- وحد الله يا رجل و توكل عليه فهل نفسك أغلى من نفوس كل هؤلاء الرجال؟؟قال : لا و الله و لكنني مستغرب . فكيف تقبلون العمل هنا و لا تخافون الموت؟فرددت على حديثه متفهما:- الموت لا ينجيك من آفاته ، حصن ، و لو شيدته بالجندل.قال : كف عن حديث العلماء و كلمني بالعربي.فضحكت و أشرت إلى الباب الذي دخلنا منه منذ نصف ساعة و قلت له :- وراءك الصراط المستقيم . عد من حيث أتيت ، فستجد رحمة الرب .التفت فلم ير سوى كتلة من الظلام الدامس فهر كالجرو المضروب و ناح:- أرني الطريق إلى رحمة الرب يا أخي . أنتم تعملون داخل قبر. و الموت قريب منكم . و أنا لا أريد أن أموت الآن . مازالت لي مهام كثيرة أريد أن أقضيها.فعدت أطمئنه و أعده خيرا إلى أن وصلنا إلى مكان العمل فطلبت منه أن يستريح فوق كدس أدباشنا و أن يراقبنا من بعيد.حفرت داخل جدران الجبل حفرا عميقة بواسطة المثقاب ثم حشوتها بأصابع الديناميت وربطت الأصابع بخيوط جهزناها بصواعق . وطلبت من رفاقي أن يبتعدوا قدر الإمكان . و بدأت أعد الانفجارات: واحد ... اثنان ... سبعة ... . و كان البدوي يراقب المكان مشدوها. هرب من فوق كدس ثيابنا حين سمع الانفجار الأول و لكنه عاد إلى مخبئه لأن أصوات الانفجارات كانت تأتي من كل الأمكنة فرؤساء الحضائر يستعدون للعمل في نفس الوقت حتى أن الجبل يتحول إلى ساحة معركة لا تهدأ إلا حين تبقر الجدران و يسيل من بين شقوق الصخور دم الجبل ة قد تحول إلى تراب تفوح منه رائحة الحيتان و الحيوانات البحرية الأخرى التي ماتت منذ ملايين السنين.و أزعجت الانفجارات الشق و فريقه فاختبأوا في زوايا الأنفاق متربصين بالرجال . بحثوا عن الغافل فأكلوه وعن الشاب فشربوا دمه . و تفرقوا في الأمكنة البعيدة في أعماق الجبل يسلبون و ينهبون . فتكدست أنصاف الجثث في كل مكان . و ملأ الهلع القلوب الواجفة.ظل هذا القتل مريبا. لم يجد له عملة المناجم تفسيرا إلى أن اكتشف عزيز السلطاني شقا* . ذهب ليتفقد العامل الجديد فرأى الشق باركا فوق صدره يمص الدم من عرق فصده في عنقه . و الرجل يخبط برجليه و يخور خوار الثيران القتيلة. التقط عزيز بلطة ورمى بها ظهر الشق فطنت على الصخر و لكنها أخطأت الهدف . التفت ' سيد الجبل ' بعين حمراء تقدح شررا و قفز برجل واحدة وعدا كالريح تاركا وراءه رائحة كريهة. رائحة الجيف النتنة.( 3 ) كنا خمسة رجال واقفين قريبا من باب المغارة الجديدة التي بدأنا بشقها في قلب الجبل. لما أعيانا الوقوف جلسنا القرفصاء على الأرض و عيوننا تتابع تساقط قطع الحجارة هنا و هناك في الأماكن التي لم تسند بعد بقطع الخشب فظلت عارية تفغر فاها و تقذف بالتراب بين اللحظة و الأخرى.امتدت الأيدي بحذر إلى قطع الخبز وحبات الطماطم و البصل . ودهست الأضراس الطعام بدون شهية ، فالخطر ماثل أمام أعيننا و الشق لابد في الأمكنة يترقب غفلة الرجل ليفتك منه روحه و يضعها في جيوبه الكثيرة و يهرب بها إلى الأماكن القصية.كان معي عاملان و معاونان. المعاونان طويلان و نحيلان فمهنتهما تتطلب طول القامة و كثيرا من الشجاعة. الرجلان يعدان لي أصابع الديناميت و يربطانها بالخيوط و الصواعق حين أكون بصدد حفر ثقوب في الصخور بمغزلي الدوار.بعد ذلك نتعاون جميعا على حشو هذه الأصابع داخل الثقوب ، في قلب الجبل. و نشعل الفتائل و نهرب بعيدا ليدك الديناميت الصخور و يهشمها تهشيما فتنهار مختلطة بالفسفاط و ' المارني '* و أسنان الحيتان العملاقة و القواقع المتحجرة لحيوانات البحر . و نترقب إلى أن يعود للجبل هدوءه فنعرف أن ساعة الجد قد آن أوانها فيدحرج العاملان عربات الفسفاط الصغيرة على سكة الحديد و ينهمك الجميع في رفع التراب و ملء العربات و نهر البغال الحرونة و الصياح و الغناء و التقاذف بالسباب و النكات الماجنة.و أستغل لهوهم وجدهم فأندس من جديد داخل المغارة . أصلح ما أفسدته الانفجاريات و أسند الخشبات التي أمالها تساقط الحجارة و التراب و أغطي السقف بقطع من الخشب الصلب لحمايتها من انهيارات جديدة.كنا يومها مشغولين بفرحنا فقد أنجزنا عملنا كاملا و بدأنا نستعد لمغادرة النفق حين طن الجبل فوق رؤوسنا . أعرف بالحدس أن هذا الطنين نذير شؤم . و أعرف أيضا أنه بداية لانهيارات صخرية لا قدرة للخشب على تحملها فأشرت إلى الجميع بالانتباه الشديد و الحذر و الإصغاء إلى همس الحجارة. و تكرر الطنين لطيفا خفيفا في المرات الأولى ثم صرت الخشبات المسنودة على السقف صريرا موجعا وسالت منها قطرات ماء، فدعوت الجماعة إلى الفرار و الاختباء في أماكن حصينة . و لم نكد نغادر المكان حتى وقع الانفجار العظيم . تهشمت الخشبات و تطايرت عشرات الأمطار و هطلت من السقف حجارة من سجيل ملأت الأركان حتى فاضت.و تدافعت نحونا هادرة كالرعود المكتومة. ولم يعد للجبل هدوءه إلا بعد ساعة أو أكثر.نظرت إلى أصحابي فوجدتهم صامتين . ورأيت صفرة الأموات تجتاح وجوههم . وكان قلبي يدق بعنف الطبول.طنت أول من انسل من المخبأ ، فتبعني البقية.اقتربنا بحذر من مكان الانهيارات ووقفنا ننصت إلى صوت الجبل فعرفت أن ثورته قد انتهت ولكن إلى حين و إن ساعة الجد قد حلت فقد تكدس تراب الفسفاط في كل مكان و ستكون غنيمتنا كبيرة هذا اليوم، فلن نكتفي بملء ما علينا من عربات و إنما سنزيد فوق المطلوب عربات أخرى ستحسب لنا يوم القبض. فشمرنا من جديد على السواعد و أشرعنا الفؤوس و عولنا على الله لما تناهى إلى أسماعنا صوت استغاثة يأتي من بعيد .كانت أصوات كثيرة تتصايح و تطلب النجدة.' إلينا يا رحمة الرب...إلينا يا غضب الأجداد...إلينا فإننا نموت...إلينا يا أولاد الحلال...إلينا يا أولاد الكلب...إلينا يا أولاد الزنى...إلينا فإننا نختنق...إننا نختنق ... ن ... خ ... ت ... ن ... ق ... 'كانت الأصوات غريبة. و كانت تصل إلى موقعنا منهكة من التعب فكأنها قطعت آلاف الأميال أو آلاف السنين. و منت أحسها هزيلة ، بلا طعم رغم المرارة الساكنة في توسلاتها و في سبابها.و كنا ، كلما وصلت دفعة جديدة من هذه الأصوات يزداد استغرابنا أكثر فنحن نحفر في مقطع جديد لم يدخله قبلنا أحد.فمن أين تأتي هذه الأصوات ؟التفت إلى أصحابي فوجدتهم حيارى يصيخون إلى الجهة التي تأتي منها الأصوات غير مصدقين لهذه الهواتف البعيدة . ثم رمينا المعاول و الفؤوس و جلسنا على كدس من الحجارة إلى أن قال أحد المعاونين :- لماذا لا نذهب إلى نجدة هذه الأصوات؟- ماذا تقول ؟رد عليه المعاون الآخر وهل هناك رجال وراء هذا المقطع؟ من أين دخلوا و نحن نبعج بطن الجبل للمرة الأولى؟و رد عامل ظل صامتا كل هذه المدة:- ربما ولدوا داخل الجبل وهم يطلبون الآن الخروج إلى النور بعد أن شبوا واشتد عودهم.رأيت على ضوء الفوانيس المعلقة على الأعمدة الغضب على وجه المعاون الذي انطلق صائحا :- أتسخر مني يا ابن الفاجرة ؟ هل أصابك الصمم ؟ ألا تسمع النداءات و الاستغاثات ؟ سأدق عظامك بهذا الحجر...و مد يده نحو خناق الرجل.لكن الأصوات عادت تقرع أسماعنا بوضوح هذه المرة:- إلي يا أولاد القحبة إني أموت.فتراخت قبضة المعاون على عنق الرجل و نظر نحوي يطلب المشورة.قلت له و أنا مضطرب شديد الاضطراب :- تعالوا ورائي، ولكن حاذروا حتى لا نكون لقمة سائغة للشق و أصحابه.نظر الرجال في وجوه بعضهم مدة ثم بدأنا في التسلل بين أكوان الحجارة و التراب. كنا نتحرك بحذر دافعين بالحجارة في كل الاتجاهات إلى أن ظهر لنا نفق صغير لا يزيد قطره على خمسين سنتيمترا . نفق يمتد بعيدا داخل بطن الجبل.كان ضوء الفوانيس لا يصل إلى نهاية النفق . وكانت الحيرة على الوجوه.قال المعاون الذي اقترح الذهاب إلى نجدة الأصوات:- لماذا لا نواصل المسيرة ؟ هل أصابكم الخوف؟و نظر في وجهي بتحد فرفعت يدي عاليا و صفعته بعنف قائلا :- لست أشجع منا يا ابن الزانية. اتركنا فقط نحل هذه الورطة بهدوء.رأيت التشفي على وجه العامل الذي خنقه هذا الرجل قبل قليل فندمت على فعلتي . و نظرت نحوه فرأيت في عينيه غلا و غيضا مكتومين. فزاد ندمي على فعلتي لأن القتل يصبح في هذه الحالة أسهل على الإنسان من شربة ماء. فماذا لو نزل على رأسي بفأس أو بحجر من هذه الحجارة المبعثرة في كل مكان.فقلت له لأخفف من غضبه :- المعذرة يا أخي. لقد فقدت أعصابي.لكنه لم يرد على كلامي . فاقترب مني المعاون الآخر يشد أزري . و ظل العاملان الآخران واقفين في مكانهما إلى أن غض الرجل بصره و قال :- قبلت اعتذارك هذه المرة ، لكن لا تعد إلى ضربي و إلا شدخت رأسك بحجر.فقلت في نفسي: هذا ما كنت أخشاه ، فما أسهل أن يصرعني داخل هذه القطعة من الجحيم.و طلبت من الجماعة أن يترقبونا و أن لا يغادروا هذا المكان حتى نعود.ثم أشرت إلى معاوني بالزحف ورائي . و تسللت داخل النفق كحنش. كنت أدفع أمامي فانوسا . و كان الفانوس ينطفئ بعد كل عدة أمتار. و امتلأ فمي و أنفي بالتراب. و سال على عيني العرق فصارتا تحرقانني . و كان المعاون يدفعني من رجلي دون أن يفوه بكلمة .وواصلت الزحف في الظلام بعد أن أعياني إشعال الفانوس كلما انطفأ. كنت امضي داخل رحم الجبل ابحث عن نهاية لهذا النفق.وكنت كلما مددت يدي إلى الجانبين لمست الجدران وحط السقف على راسي .و أحسست بشد المعاون على رجلي يرتخي داخل النفق ثم سمعته يتكلم- هيا بنا نعود يا عزيزي أرى كأن لا نهاية لهذا النفق فرددت عليه بحزم :- اصبر يا صديقي و لا تبتئس، إني أرى الفرج وراء أبواب الجبل. واطلب رحمة ربك إن رحمة الرب قريبة.أحس بالسخرية في كلامي فتماسك و عاد يشد على رجلي كأحسن ما يكون الشد.و تواصل زحفنا في الظلام الدامس إلى أن لفحت وجهي نسمة باردة. و أصبح المكان فسيحا. فلا جدران تضغط على جنبي و لا سقف فوق رأسي يكتم أنفاسي.مددت يدي إلى الولاعة و أشعلت عود ثقاب . وجدت نفسي في الضوء الشاحب وسط قاعة فسيحة يزيد ارتفاعها على ثلاثة أمتار و تمتد أمامي بعيدا فعدت إلى الفانوس أشعله . ثم وقفت متثاقلا . كان معاوني قد سبقني إلى الوقوف وكانت علامات الهلع مرسومة على وجهه . رأيته يشير بإصبعه إلى الركن الشرقي من المغارة فاتجهت بنظري حيث يشير . و هالني ما رأيت. كتل من العظام الآدمية و الحيوانية مكدسة فوق بعضها. رؤوس بغال و أقحاف رؤوس بشر و فكوك سفلية و عظام لأذرع و أرجل و ... في الجهة الأخرى من المغارة رأيت هيكلا عظميا قائما على رجليه. كانت بقايا ثيابه قد تكدست تحته وكان فانوسه ملقى على جنبه ورأسه مائل قليلا إلى الوراء كالمتكئ على الجدار. ورأيت على الضوء الشاحب بريقا أخاذا. اقتربت من البريق فإذا هي قطع نقود ذهبية. التقطتها بيد مرتعشة ووضعتها في كفي. ورحت أمعن النظر فيها .اقترب مني المعاون و بدأ يتفحصها بأصابعه مذهولا. تركت له القطع الثلاثة وابتعدت داخل النفق الذي صار في مقدوري المشي فيه وأنا واقف فجرى معاوني ورائي بعد أن أطلق صرخة استغاثة خفيفة و طلب مني أن أترقبه. ابتسمت ووجهت ضوء الفانوس إلى ناحيته فالتصق بي حتى أحسست رائحة أنفاسه الحارة تلفح وجهي.و تساءل في هلع:- هل أكل الشق و أصحابه كل هذا الخلق؟فقلت له:- لقد اكتشفنا مقبرة جبل ' الوصيف ' . هنا هلك أكثر من خمسمائة عامل في العام الأول من هذا القرن.و أضفت هامسا:- و تلك الأصوات التي استمعنا إليها هي استغاثات أرواح أولئك العملة و قد ظلت هائمة تطوف في أنفاق الجبل باحثة عن مخرج إلى أن انهار اليوم الحاجز الذي سد عليها الطريق فوصلت إلينا ضعيفة واهنة. و هاهي ذي تقودنا إلى المقبرة. ازداد معاوني رعبا، فعاد يلتصق بي . فدفعته عني بلطف و طلبت منه أن يعود إلى الهدوء. فأطلق صوتا كالنحيب:- و كيف تريدني أن أهدأ و أنا أحس برفيف أجنحة أرواح هؤلاء الموتى الذين أكلهم الشق؟فقلت له ساخرا :- لقد طارت الأرواح و خرجت من الثقب الذي أحدثناه منذ حين في قلب الجبل.و عاد إليه الهدوء بعض الشيء فواصلنا المسير داخل النفق. كانت عظام الموتى مكدسة في كل مكان على مسافة تزيد على كيلومترين . و كانت رؤوس البغال تبدو كبيرة جدا بعدما انحسر عنها اللحم و الجلد، فيثيرني منظرها وسط عظام الآدميين. و يركب رأسي الجنون فأعبث برؤوس البغال. أحولها من مكانها و أضعها على هياكل عظام بشرية. و أقف أتأمل المنظر الغريب. آدمي برأس بغل . فأحدث نفسي قائلا:- أو لسنا حقيقة بشرا برؤوس بغال؟ لو لم نكن على هذه الشاكلة لما قبلنا العمل في هذا المنجم لنتقاضى بعض الفرنكات التي لا تكاد تفي بالحاجة ، ثم نبذرها في الحانات أو في المواخير.و بدأت أدور حول نفسي و أصيح :- أنا آدمي برأس بغل.و أقف هنيهة لأرد أنفاسي ثم أعود إلى الدوران و الصراخ إلى أن كدت أفقد وعيي فعدت أدراجي مترنحا كالثمل. بحثت عن معاوني فوجدته قريبا من باب النفق و قد أقعى على مؤخرته. قال لي :- هيا نعود إلى أصحابنا . لقد ضاق نفسي و ما عدت أستطيع الوقوف.فقلت له :- معك الحق يا رجل، فلا مكان لنا هنا . لنترك هؤلاء الموتى يستريحون في رقدتهم الأبدية .ما كدت أنهي كلامي حتى رفرفت فوق رأسي أجنحة . و أحسست بهواء خفيف يهب على وجهي فأسندت معاوني و جعلته يتكئ على كتفي و عدنا نقرع الباب الذي دخلنا منه هذه الجبانة المنسية في أعماق الجبل.بعد جهد مضن عدنا من جديد إلى المكان الذي انطلقنا منه . كان العمال الذين تركناهم في الحراسة فد اختفوا فحملت معاوني الذي ما عاد يطيق المشي على ظهري و جررته جرا إلى الخارج فوجدت الجماعة أمام باب النفق. كانوا في حيرة من أمرهم لا يدرون هل ينهون الخبر إلى إدارة الشركة أم يسكتون عن الأمر حتى الصباح. و هاهي ذي عودتنا تنهي المسألة.سألني أحدهم عما أصاب المعاون فقلت له إنه مريض و طلبت منه أن يعينني على حمله إلى داره، فأحضر لي عربة وضعناه عليها و حثثنا السير. فقد هبط الليل و غطى المكان بكتل كثيفة من الظلام.و كان معاوني يهذي . كان يقول إنه وجد كنز الشق الذي سلبه من العمال و إن داخل النفق دارا ملأى بقطع الذهب . ثم يصمت فيستحثه الآخرون و يلحون عليه ليتكلم . فيقول لهم إن كلبا يحرس هذا الذهب و قد منه من الاستئثار به. ثم أخرج من جيبه قطع الذهب الثلاث التي وجدتها في المغارة الأولى . فقلت لهم إنه يهذي و إن هذه القطع هي كل ما وجدنا داخل المغارة. فرأيت شكا على وجوههم و تكذيبا لحديثي . فتركتهم و شأنهم و انصرفت. كانوا قد تحولوا إلى أوادم برؤوس بغال فتجمعوا حول رفيقهم و طلبوا منه أن يحكي لهم عما صادفهم في المغارة. فقال لهم إن الذهب يلمع على التراب لمعان عيون القطط في الظلمة. و إنني كنت أمنعه من تجميعه. و كنت أهدده حتى لا يفضح الاكتشاف لأنني أريد أن أستأثر بالكنز. و ظهر الغضب على عيون أصحابي فزدت من سرعتي حتى لا ينالني منهم مكروه.بعد ثلاثة أيام التقيت واحدا منهم في السوق ، قريبا من بيتي. كان زائغ البصر و محموما .مسكني من يدي و قادني إلى كرسي في مقهى ' بو طالب الغرياني ' و جلس أمامي ليقول لي إن أصحابي قد عادوا إلى النفق بعد أن أوصلوا المعاون إلى بيته. ثم بدأ يحلف مؤكدا أن كلبا أسود ضخم الجثة كان يحرس باب النفق وكان يمنعهم من الاقتراب من الكنز. و أنهم عادوا مرة أخرى مصحوبين بقطع من اللحم أطعموا منها الكلب. لكنه بعد أن أكلها ازداد شراسة و بدأ ينبح بصوت كالرعد، ففروا هاربين و أبصارهم مخطوفة ببريق الذهب المكدس في كل مكان.و قال إنهم لم ييأسوا فغافلوا الكلب الذي نام بعد أن دسوا له المخدر في اللحم و تاهوا داخل أنفاق فوجدوا عظام الأوادم و البغال مكدسة حيث ولوا وجوههم.و فاجأهم وصول الشق و أصحابه ، فأربك خطتهم . سد أحدهم باب النفق و تقافز البقية وراءهم.كانوا كلما أمسكوا أحدهم نزعوا عنه ثيابه و تداولوا على نكاحه الواحد تلو الآخر.نكحوهم نكاح البهائم و تركوهم صرعى ثم ولوا الأدبار.و سألته:- كيف نجوت منهم؟فقال :- أعمى الله بصائرهم و نجاني كما نجى إبراهيم من النار.ألم تقل لنا أكثر من مرة : إن الله بصير بعباده يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. فدعوته و أنا كظيم أن نجني من هذا الخطب، فنجوت.فقلت له : أنت تختلق هذه الحكاية. و كلامك هذا كذب في كذب . فاستشاط غضبا و بدأ في سبي و لعني قائلا إنه سيجمع حولي كل من يدب في هذه السوق ليفضحني. لكنني لاينته حتى هدأ ثم حدثته عن العمال الطرابلسيين الذين عملوا في المنجم ساعة وقوع الحادث و الذين كانوا يحولون فرنكات رواتبهم إلى قطع ذهبية يخيطون عليها بدلاتهم التي يلبسونها كل يوم حتى لا تسرف منهم في المبيتات الجماعية التي بنتها فرنسا لعمالها، و إن هذه القطع هي ذهب ' الشق '. لكنه رفض هذا التفسير. و عاد يهدد بفضح هذا السر إذا لم أمكنه من نصيب من الذهب. و قام ، فرأيت رأس بغل ينبت فوق كتفيه .فقلت له :- تعال غدا صباحا لأعطيك نصيبك. و لكنه لم يعد أبدا، فقد مات قبل أن يصل إلى بيته.* كثيرا ما يعرض الشق للرجل المسافر إذا كان وحده . فربما أهلكه فزعا ، وربما أهلكه ضربا و قتلا .أورده الجاحظ في كتاب الحيوان المذكور سابقا .
الفصل الرابعبغايا لعموم عملة شركة فسفاط قفصةالباب الحادي عشر وفيه حديث عن حب' ميلود الطرهوني' ل ' حسيبة النائلية'و كيف منع رجال ' القبائل ' نساء الماخور عن العمال الطرابلسيين . و أعاجيب تتعلق بنبوءة عرافة التقت الطرهوني في الصحراء . و ملائكة نزلت من السماء لتواري في ثرى ' المتلوي ' قتلى الفتنة الطرابلسية الخ... الخ ...و كبرت حكاية ' الشق' و جنده ، فشغلت هذه البلية الكبار و الصغار مدة طويلة إلى أن طفت على السطح أحداث الفتنة التي أشعلها ' ميلود الطرهوني ' بين ' الطرابلسية ' و ' رجال القبائل ' فهزت هذه الأحداث القرية هزا عنيفا و تناسى الخلق حكايات الجن .و لكن إلى حين...كان معاوني ' ميلود الطرهوني ' طرابلسيا غريب الأطوار. رجل يخاطر بحياته في كل الأوقات دون أن يطرف له جفن. ولكنه يفلت دائما من براثن الموت في اللحظات الأخيرة. أخرجناه ثلاث مرات من تحت الردم . قي المرة الأخيرة يئسنا من عودته إلى الحياة و بدأنا نبكيه ، لكن صديقة ' صالح البوسيفي' ظل ينفخ داخل حنجرته إلى أن رمشت جفونه و حرك شفتيه. فتركناه في مكانه وعدنا نمد سكة الحديد داخل النفق و نملأ العربات الصغيرة بالتراب و نخبط البغال على أردافها و نزجرها حتى تجر العربات و تسرع في العدو. و عند نهاية الوردية عاد معنا إلى حي الطرابلسية ليشرب الشاي و يسب ككافر و يعد لسهرة الليل و لمجلس الخمر. فهو ينفق فرنكاته على النساء و الخمر. شعاره : ' اللي جابه النهار يديه الليل ' مبذرا ليلا ما يكسبه نهارا قائلا لمنتقديه: - من يضمن لي منكم أنني لن أترك مخ رأسي غدا على صخور النفق؟فتكفهر الوجوه و ينفض من حوله لائموه، فيشيعهم بقهقهات و شباب مشين.البارحة ، عندما قابلاه في الحانة ، كان على غير عادته حزينا و مهموما. عابثته و حدثته عن ' حسيبة النائلية ' فلم يتجاوب مع عبثي. فعرفت أن الأمر خطير فتركته لشأنه و بدأت أبتعد. لكن صوته المشحون بالفجيعة ردني إليه:- يعال يا ' عزيز '! . ما عهدتك تضجر مني بهذه السرعة!فقلت له :- حالك البائس لم يشجعني على مواصلة الحديث معك!فقال :- أعرف أنني سأكون سبب بلاء شديد لأهلي و لكن لا راد لقضاء الله!فقلت له مازحا:- و لم ذلك يا براقش؟فقال :- منعتني جماعة من رجال ' القبائل ' الجزائريين من الوصول إلى ' حسيبة ' و هي كما تعرف أغلى عندي من روحي .فقلت :- و لماذا يمنعونها عنك و هي تعمل في الماخور و أنت تدفع ما فيه الكفاية؟قال :- رجال القبائل قرروا ذلك و انتهى الأمر.قلت :- و ماذا قرروا؟قال :- سيمنعون بناتهم على بقية الرجال في هذا المنجم بدعوى أنهن جزائريات و أن شركة الفسفاط جاءت بهن من جبال ' جرجرة ' للترفيه عن العمال الجزائريين فقط.و ضرب كفا بكف وهو يتأوه:- يمنعون عني 'حسيبة' هؤلاء الأوباش . و الله لن يمتعني عنها أحد و سأقاتل من أجلها ملك الموت و سأقتله.و صار يخبط رأسه على الحائط .فهدأت من ثورته و قلت :- قم بنا إلى دار بنات ' أولاد نائل ' فقد اشتقت أنا أيضا إلى غنائهن و رقصهن و نكاتهن البذيئة.فظل صامتا مدة ثم قام وهو يقول :-لا فائدة يا أخي.فلن تنفع وساطتك مع هؤلاء الأوباش.و مشينا باتجاه الماخور. حاذينا حي ' السوافة ' بقبابه البيضاء التي يكثر تحتها الفساد و تقل البركة و اقتربنا من الحب ' الأوروبي ' فلفحنا هواء منعش تفوح منه روائح الورد و الياسمين. وواصلنا المسير حتى وصلنا حي ' المحطة ' فرأينا القطارات جاثمة فوق سكك الحديد كأنها وحوش أسطورية خرجت من باطن الأرض. وحوش تنفث دخانا أسود و تطلق بين الحين و الآخر زعيقا و خوارا.رأيت نساء البدو القاطنين في المداشر القريبة يتقاتلن قرب صهاريج الماء و يتقاذفن بالسباب و السطول و الكلام البذيء و لا يهدأن إلا حين يطل ناظر المحطة بكسوته الشبيهة بلباس الجندرمة فينهرهن و يطردهن بعد أن يحكم إغلاق حنفيات الماء.و غير بعيد عن المحطة تسكن بنات أولاد نايل. عشر بنات جاء بهن واحد من متعهدي الانتدابات الذين أرسلتهم السلطات الفرنسية لجلب العمال من الجزائر و المغرب ، فعاد و معه هؤلاء البنات. و أعجبت الفكرة مسؤولي الشركة فأقطعتهن دارا بعيدة عن الأحياء المأهولة بالسكان المسلمين و ألزمنهن بالعمل لفائدة الشركة و بعدم الامتناع عن كل طالب لذة على أن يدفع بالحاضر و مسبقا.و سارت الأمور على أحسن حال مدة سنة و بعض السنة . كانت البنات فيها قرة أعين العمال العرب و الكفار من فرنسيين و طليان و روس و أسبان و مالطيين و بلغار و بولونيين و الناس أجمعين.تفنن متعدو الانتدابات في إحضار الجميلات من البنات إلى الميغى ، فاختاروا الطويلة و السمينة بعد أن عرفوا ميل العرب إلى البدينات . و أفرطوا في التجديد . صاروا يسفرون القديمات و يعودون بغيرهن كلما أحسوا بملل مرتادي الحي و ضيقهن من نساء الماخور.وكان أكثر مريدي هذه الدار من العمال الطرابلسيين . هناك يسكرون و يعربدون و لا يعودون إلى مساكنهم البائسة التي بنتها لهم الشركة إلا فجرا ، فينامون بضع ساعات يفيقون بعدها على عواء صفارة المنجم. فينتفضون كالضباع و يهرولون باتجاه القطارات التي تحملهم كل صباح قريبا من أبواب الأنفاق.كان الجو هادئا و نحن نقترب من الماخور . و كانت أضواء خافتة تجاهد للخروج من وراء زجاج النوافذ حين اقتربت من الباب ففاجأني صوت غليظ:هيه ! أنت قف مكانك !التفت أبحث عن صديقي الطرهوني فوجدته يقف غير بعيد مني.و خرج لنا من الظلام عشرة رجال مسلحين بهراوات و سكاكين ،و صار قائدهم يلوح بمسدس و يدور حولنا.عرف القائد ميلود الطرهوني ، فزجره :ـ ألم أطلب منك الابتعاد عن هذا المكان و عدم الاقتراب من هنا مرة أخرى؟و دفعه في صدره بجمع يده .حاولت الوقوف بينهما ، فانهالت على صدغي لكمة لم أعرف مصدرها . و سمعت الطرهوني يصيح :ـ أريد إن أقابل حسيبة يا أولاد الكلب !و صمت بعد أن دكّته الركلات دكا، فهوى على وجهه مغشيا عليه، فجره وجلان من رجليه و رميا به قريبا من محطة القطار ، فتحاملت على نفسي و لحقت به.ظللت أرشه بالماء و أضرب برفق على وجنتيه حتى أفاق و عاد إليه وعيه فصار ينهنه و يبكي بصوت خافت فقلت له :ـ كف عن هذا البكاء يا رجل، فعهدي بك رابط الجأش شجاعا!فرد:ـ لقد أبكتني مذلتي في هذه البلاد الغريبة. لو كنت في البلاد لما قدر عليّ هؤلاء الزعران يا أخي!عد بنا ، ليخرجن ّ الأعزّ منها الأذلّ!ثم اتكأ على كتفي و يممنا طريق العودة .وصلنا فجرا إلى حومة الطرابلسية فقصدنا المسجد الجامع .البناية مسقوفة بجريد النخل و سعفه ، يقوم على الخدمة فيها رجل ضرير ، مقرئ للقرآن يدرب الصبيان في الصباح على القراءة و الكتابة و حفظ بعض الآيات من قصار السور و يصلي بالمؤمنين الصلوات الخمس كل يوم . صوته العذب يقرأ به الذكر الحكيم آناء الليل و أطراف النهار ، و يرفع به الآذان في ميقاته.دفع ميلود الطرهوني باب الخشب و دخل إلى المسجد . أفاق الرجل الضرير على صوت الباب و هو ينفتح فاعتدل في جلسته و أصاخ السمع . نزع الطرهوني حذاءه و مشى على الحضر التي تغطي الأرضية حتى وقف عند رأس الرجل. بقي جامدا في مكانه دون أن يتفوه بكلمة إلى أن قال الضرير:ـ أخيرا جئت يا ابن بهية ! إني أشم في رائحتك نذر الموت و البوار !فقال ميلود الطرهوني :ـ لقد أهان أجلاف بلاد القبائل كرامة رجال الصحراء . و لا بد من الانتصار لكرامتنا يا شيخنا!فقال الرجل الضرير:ـ أعرف أنك منذور للدم يا رجل ، و لكن سأحاول أن لا تعلو كلمتك على الحق هذه المرة يا ابن بهيجة و غلا فلن تقوم لكم قائمة بعد اليوم يا أمة الخراب.و تركنا واقفين و ذهب يرفع آذان الصبح بعد أن اعتلى حائطا قصيرا.قي الصباح ، تجمع الرجال كعادتهم في السوق . بدو جاءوا من تخوم الصحراء و رجال هاربون من الخدمة العسكرية و عياق و قتلة مازالت ثيابهم ملطخة بدم ضحاياهم ، جاءوا إلى هذه الأصقاع المنسية يخبئون جرائمهم داخل أنفاق الجبل و يموتون دون أن يعرف أحد أسماءهم الحقيقية أو البلاد التي جاءوا منها. كانوا يعملون في منجم من مناجم قفصة شهرا ليغادروه إلى منجم آخر ، فيبدلون أسماءهم و شخصياتهم و يتزوجون أو يطلقون و يدفنون ابنا أو بنتا في جبانة يستحدثونها في التو و الساعة يحفرون بضعة أشبار في الأرض الصلدة و يوارون الطفل الثرى دون أن يقرأ أحد على روحه شيئا من كلام الرب و يغادرون المكان ليخرج من ذاكرتهم بعد أن يختفوا وراء أول هضبة. و تطل الكلاب السائبة على الوليمة ، تتعارك فيما بينها ثم تنبش التراب و تتخاطف اللحم الطري و تنهش الجثة في طرفة عين ثم تعوي و تختفي داخل شعاب الجبل.كان ميلود الطرهوني ذاهلا وهو يكلم أبناء ملته من الطرابلسية و يحرضهم على الأخذ بالثأر من رجال القبائل . و يذكرهم بالقتلى الذين ماتوا في حضيرة العمل التي أشرف عليها حمو القبائلي و بالمهندس الفرنسي الذي طرد أكثر من عشرين عاملا من ذويهم جراء وشاية ابن عمه بوشعيب.و راح يعدد المظالم التي ارتكبها رجال القبائل في حق الطرابلسية وحلقة المستمعين تكبر . و الهمهمة تعلو.و اللغط يرتفع. و نذر الشر تطير في الجو و ترتفع بارتفاع حرارة النهار إلى أن صارت لا تطاق . فقال قائل :ــ الليلة سنذهب مرة أخرى على دار بنات أولاد نائل و سنتحدى رجال القبائل . نحن لا نطلب أكثر من حقنا في هؤلاء القحاب!و نسي الرجال حمو القبائلي و ابن عمه بوشعيب ليذكروا الغبن الذي لحقهم جراء غلق أبواب الماخور في وجوههم !و ضربوا موعدا للقاء بعد صلاة العشاء.في الموعد المحدد جمع الطرهوني أصحابه و قصد المحطة . الشوارع خالية . و عواء الكلاب يأتي من بعيد من وراء دواوير البدو الساكنين على تخوم البلدة الحديثة يملأ المكان بشر مستطير، فمشى الرجال بحذر خوفا من أن تباغتهم حجارة رجال ' تيزي وزو ' . و لكن خاب ظنهم ، فقد ظل الهدوء سيد الموقف إلى أن وصلوا أمام باب الماخور.اقترب الطرهوني من الباب و رفع مطرقة صغيرة من النحاس على شكل يد مضمومة . اليد معلقة على صدر الباب فوق يد حديدية مبسوطة . اليد معلقة على صدر الباب فوق يد حديدية مبسوطة. دقها الرجل ثلاث دقات كعادته أيام كان سيد هذه الدار. لكن لم يجيه أحد رغم اللغط المكتوم في الداخل. فعاد يدق بعنف أكبر اليد المقبوضة على اليد المبسوطة . و يهدأ قليلا ثم يعود إلى الدق من جديد إلى أن انفرج الباب. من خلال الفتحة الصغيرة أطلت حسيبة. لم يصدق الطرهوني عينيه . و لم تعرفه المرأة من النظرة الأولى فالظلام دامس خارج البيت . ظل الرجل و المرأة صامتين لإلى أن نهنه الطرهوني:- ها أنذا أظفر بك أخيرا أيتها الحبيبة. ارتمت حسيبة في حضنه وهي غير مصدقة أنها في حضرة مجنونها وظلت ترتجف إلى أن هتف صوت أجش:- من بالباب يا حسيبة ؟ولم يحصل على جواب ، فقام واقفا فجذب المرأة من حضن الرجل وهو يصرخ :- هكذا إذن أيتها الفاجرة ، تتركين مجلسنا و ترتمين في أحضان هذا المخنث!و ضرب برجله ما بين فخذي الطرهوني . جاءت الضربة مباغتة فلم يستطع تفاديها . ولم يسمع أصدقاءه سوى آه مجروحة ، ثم تكوم على الأرض . وجر الدب حسيبة إلى الداخل وأغلق الباب وراءه بعنف.أبعد الرجال الطرهوني من أمام الماخور ، ثم انهالوا على الحوش رجما بالحجارة. قذفوا الدار بكل ما قدروا عليه من حصى وعصي . و أخرج أحدهم مسدسا وأطلق في الهواء عدة طلقات ثم بدأوا يدكون الباب بخشبة أحضرها أحدهم من حضيرة بناء قريبة من المكان. فعلا صراخ النسوة وعويلهن واختلط بسباب الرجال الهاجمين على الحوش وبزعيقهم وبذاءتهم . وحضر رجال الجندرمة . أخطرهم ناظر المحطة بالحادث فجاءوا . أخرجوا بنادقهم وصوبوها نحو وجوه الرجال ورطنوا بلغتهم الفرنسية المخلوطة بكلمات عربية نابيةثم بدأوا في إطلاق الرصاص في الهواء فانسحب الرجال في كل الاتجاهات وذابوا داخل الأزقة الملتوية .وعاد الطرابلسيون إلى السوق يحرضون رجالهم على قتال أجلاف جبال الجزائر ويذكرونهم بمحاباة مهندسي الشركة وإطاراتها لهؤلاء الرجال ويدسون في حديثهم حكايات كثيرة وقعت لهم داخل أنفاق المنجم مع هؤلاء المجرمين الذين يدفعون بالطرابلسية إلى الأماكن الخطرة ويكلفون العمال حديثي العهد بالخدمة بتفجير المفرقعات دون دربة أو دراية بمخاطرها . فأهلكوا خلقا كثيرا و تمتعوا بتقدير مدير الشركة فكلفهم بقيادة الحضائر وزاد في رواتبهم وأجزل لهم العطايا على حساب الرجال الذين أكلهم الردم داخل الأنفاق.وبيت الطرابلسية لأمر خطير ، قالوا :- الليلة سنهاجم حي ' القبائل ' ونطردهم من هذه الديار كما يطرد الموبوؤون ونسبي نساءهم لنجعل منهن بغايا لعموم عملة شركة الفسفاط ، عربا و أعاجم . و أقسموا على ذلك بأغلظ الأيمان ثم تفرقوا يجمعون الأسلحة ويجيشون الرجال ويمنعون عملة وردية الليل من الالتحاق بالعمل.وبلغ رجال ' القبائل ' الخبر فتمترسوا داخل حيهم وحولوا منازلهم إلى قلاع حربية. وجمعوا أكداس الحجارة فوق السطوح وأقاموا الحواجز على الأزقة وباتوا يترقبون الغزو وهم يكزون على أسنانهم ويعضون على الحديد.وتنادى الطرابلسية من كل مكان فجاء الجعافرة وورفلة وأولاد الطرهوني وأبوعجيلة والتاجوري والغرياني وعسكروا قريبا من الحي ، فأولم لهم التجار . ذبحوا الخرفان والنعاج وأحضروا من مقتصدية الشركة قوارير الخمر فأكلوا وشربوا وعربدوا . وجيء بالطبل والزكرة فرقصوا وتهتكوا إلى أن هبط الظلام.فقال قائلهم:- لن نهجم الساعة ، فرجال القبائل لا محالة على أهبة الاستعداد . سنفوت عنهم هذه الفرصة ولن نترك لهم الأمل في النيل منا.ونام الجميع وكأن شيئا لم يكن. ثم عادوا في الغد إلى صنيع الأمس ، هجروا العمل في المنجم وأحضروا الشراب ونحروا الذبائح وشووا اللحم وسكروا وغنوا ورقصوا . ودامت الوليمة ثلاثة أيام متتالية. وبدأ التراخي يدب في عروق المدافعين عن حي ' القبائل ' فقالوا :- هؤلاء الطرابلسية أجبن من أن يهاجموا حينا.الليلة سنعود إلى العمل وسنترك حامية منم الشباب تدافع عن المنافذ، واستعدوا لوردية الليل.ولم يسكر الطرابلسية ذلك المساء . تجمعوا في دور الأقارب يحرضون بعضهم بعضا على الأخذ بالثأر والانتقام للدم المسفوك في كهوف مناجم الفسفاط . قالوا إن أرواح القتلى الذين تسبب حمو القبائلي في سحقهم تحت الصخور تطير كل ليلة فوق منازل الحي ـ تلبس ريش طيور البوم وتظل تنعب فوق الرؤوس تنادي بثأرها وتلعن جبننا وتخاذلنا . الليلة سنجعل طيور البوم ترتوي من دم رجال القبائل.ومع مغيب شمس اليوم بدأت طلائع المهاجمين تحوم حول حي الأعداء. زرعوا عيونهم في كل مكان وتأكدوا من أن الرجال قرروا العمل في دورية الليل. فعادوا يخبرون أصحابهم بذلك مستبشرين بأن ساعة الانتقام قد أزفت.في الهزيع الأخير من ليلة الأحد 5 ماي 1907 هاجم الطرابلسية حي القبائل من الجهات الأربع. كان الشباب المكلفين بالدفاع عن الحي قد ناموا وكانت غالبية الرجال يعملون في النفق. اندفعت جموع المهاجمين بعنف داخل الحي فسحقوا الحواجز وهشموا الأبواب وسعوا في الأرض فسادا. وأفاق الشباب من ارتباكهم فرفعوا المشاعل على خط طوله أكثر من كيلومترين ، من آخر بناية في الحي إلى باب النفق. إنها الإشارة المتفق عليها بين المدافعين عن الحي والرجال الذين ذهبوا للعمل في وردية الليل . وعلت أصوات النذير مخلوطة بالظلام والفجيعة.- أكل الذئب النعجات، إلى فؤوسكم يا رجال القبائل.وفي رمشة عين غادر أكثر من ألف رجل باب النفق والتحقوا بساحة المعركة مسلحين بالهراوات والبنادق والديناميت والمسدسات. كانوا كلما وصلوا مشعلا أطفأوه ليعلم المدافعين عن الحي مكان وجودهم إلى أن وصلوا ، فحاصروا الحي من جميع الجهات. وارتقت النساء السطوح فانهالت الحجارة على رؤوس الطرابلسية وأكل من لحمهم رصاص البنادق والمسدسات. فلم يجدوا حلا لورطتهم وقد أصبحوا بين نارين سوى إشعال فتيل اللهب في جدران البيوت الخشبية . فاختلط لحم الأطفال المشوي بالزيت والدقيق والسكر والشاي . وسال الدم يلطخ الجدران بلون الأقحوان.كان رجال القبائل كلما أمسكوا طرابلسيا رموه في اللهب المشتعل ومنعوه من الخروج منه وهم يرجمونه بالحجارة والعصي وقطع الخشب . وتفنن الطرابلسيون في إيذاء النساء وفي هتك أعراضهن . ووصل رجال الجندرمة ، أحاطوا بالحي وظلوا ينظرون دون أن يطلقوا رصاصة تخويف واحدة.وتمكن جماعة من ميلود الطرهوني ، حاصروه في زنقة فحاول القفز على حائط فلم يفلح. وظل يقاوم ويحاول الإفلات من الأيدي الكثيرة إلى أن هده الإعياء فاستسلم لهم. قادوه إلى ساحة الحي وحفروا له حفرة ثم دفعوه فيها . تركوا رأسه وصدره عاريين ودفنوا بقية الجسد . ثم جمعوا أطفال الحي وقالوا لهم : - ارجموا الفاسق.وانهالت الحجارة على الرأس والصدر فشدخت الرأس وأحدثت رضوضا رهيبة في الصدر . ولم يتأوه الطرهوني ، ولم يفه بكلمة استرحام واحدة إلى أن سال مخه على ثيابه مخلوطا بالدم والألم المكتوم.وأحدث الطرابلسيون فجوة في الحصار ففروا من خلالها تاركين وراءهم القتلى و الجرحى وحيا اشتعلت النيران في كل منازله.وسيطر رجال القبائل مرة أخرى على الحي ، فجمعوا قتلى وجرحى الطرابلسية في الساحة. كدسوا الجميع كومة واحدة وابتدأت عملية الفرز. أبعدوا الأحياء عن الأموات وشحذوا السكاكين إلى أن صارت تبرق ثم بدأوا في جذع أنوف الأسرى وفي قص آذانهم. ومروا إلى الأموات ففعلوا بهم ما فعلوه بالأحياء والجرحى. وطلبوا خيطا وإبرة فشكلوا بالآذان والأنوف المقطوعة عقدا زينوا به عنق حمار . وجاء الشباب فساقوا الحمار حتى مشارف حي الطرابلسية ، ثم عادوا إلى حيهم فرصوا الأموات مع الجرحى وأحضروا أصابع كثيرة من ' الديناميت ' فوضعوها في جيوب الأحياء وفي أفواه الموتى وداخل بطونهم . وتجرأ أحدهم فدس إصبع ديناميت في دبر ميلود الطرهوني . وربطوا هذه المتفجرات بخيط أوصلوه إلى صاعق وأشعلوا النيران بالخيط وابتعدوا... فانفجر كدس اللحم وطارت الجثث مشكلة صورة فقاعة كبيرة جذعها في الأرض ورأسها في قلب السماء. ثم تفتتت وتناثرت فوق مساحة واسعة على شكل هباءات من اللجم والدم.ووصل الحمار إلى حي الطرابلسية . كان الجميع في هرج ومرج فلم يلتفت أحد إلى عقد الآذان والأنوف الذي يزين الحمار إلى أن تحلق حوله جمع من الصبية وهم ينظرون إلى هذا العقد العجيب. نزع أصغرهم العقد وراح يعد الأنوف والآذان. ويغلط ، فيعود من جديد إلى العد : واحد ... اثنان .. ثلاثة .. ويغلط فيعود إلى العد ويعود إلى الغلط إلى أن اقتربت منهم ففروا في كل الاتجاهات تاركين العقد على الأرض . تأملت هذه الأعضاء الآدمية في حزن ورهبة : أنوف مختلفة الألوان و الأشكال وآذان صغيرة كآذان الأطفال وأخرى كبيرة ومفلطحة. كلها أذبلها الموت . كنت قريبا من المسجد الجامع فقلت :- لماذا لا أحمل هذا العقد إلى الشيخ الضرير ؟ودفعت الباب. سمعت الرجل يقرأ من قصار السور ، فسلمت عليه لكنه تجاهلني. ظل يرتل الآيات البينات إلى أن انتصف النهار وأنا واقف في مكاني.وسحرني صوته وسلبني عقلي فانهمكت في القراءة معه في سري إلى أن هم بالقيام يريد وضوء الظهر، فرميت العقد في حجره. مرر الرجل أصابعه على قطع اللحم وقال :- فعلها ابن بهية؟فقلت :بلى يا مولانا - فعاد يجلس . وبدأ في عد الآذان والأنوف . عدها أكثر من مرة . وكان وجهه يزداد شحوبا كلما أنهى العد. ثم همس :- ثلاثون أنفا وستون أذناوأضاف بعد مدة :- لكنني لا أجد أذنا لابن بهية . أعرفها مثقوبة ، ظل يتأرجح في شحمتها قرط من الذهب إلى أن بلغ .فهل فر من ساحة المعركة بعد أن أشعل نارها؟قلت :- لا يا مولانا، أكلت الطيور لحمه حين طار فتافيت في أرجاء السماوات السبعة.قال الشيخ ، وظل ابتسامة باهتة يرتسم على شفتيه:- لقد أنستني الأيام الطويلة أن عرافة قالت له ، لن تجد لك قبرا حين تموت يا ملعونكانت القافلة قد توسطت الصحراء حين خرجت لنا تلك العرافة من حيث لا ندري . تفرست في وجوهنا واحدا واحدا ثم طلبت يده . دفرها الطرهوني ، ولكنها ألحت في الطلبفقال لها : أغربي عني يا أخت الشيطان ورماها بقطعة من الفضة.التقطت المرأة القطعة ودستها في جيبها وعادت تطلب يده، فمدها لها . أفردتها أمامها مدة وبدأت تقرأ في خطوطها ، فارتاعت. اصفر وجهها وزاغت عيناها وبدأت ترتجف ثم فجأة التقطت قفتها وعصاها وفرت.جرت كمن تجري وراءه كلاب الجحيم.الجمت المفاجأة ميلود الطرهوني في الأول فتركها تبتعد ثم جرى وراءها جري السلوقي وراء أرنب شارد ، إلى أن أمسك بها بعد لأي ومشقة.كانت المرأة تضطرب وتهذي :- هاك فضتك يا رجل واتركني فلن أقول لك ما يخبئ لك الغيب.لكنه طمأنها :- لا تخافي يا مباركة . قولي ما رأيت وأنت آمنة فلن أمسك بسوء مهما قلت.وعادت تلحف في طلب الأمان ، فأمنها عن مالها وعرضها وروحها . فقالت له : ستكون موتتك شنيعة يا أخي ولن تجد لجثتك قبرا في هذه الأرض الوسيعة ، وسيأكل لحمك طيور السماء وهوام الأرض.وعوض أن يصيب الفزع ميلود الطرهوني ، بدأ في الضحك والقهقهة . ضحك حتى سالت الدموع من عينيه والمرأة تنظر إليه مدهوشة إلى أن هدأ. فذهبت وهي تلتفت وراءها غير مصدقة أنها نجت من الموت . ترها تبتعد خطوات ثم ناداها :- تعالي خذي ثمن بشارتك يا ملعونةوأفرغ في يدها كل ما في جيبه من نقود فضية ونحاسية.وعاد إلى الضحك والقهقهة.بعد مدة قال الشيخ :- لا تذهب. ترقبني حتى أعود من الميضأة.فجلست قريبا من المنبر البسيط المصنوع من خشب النخل وأنا محاصر بصور أصحاب هذه الآذان والأنوف ، إلى أن هاد الضرير.استقبل القبلة ، وطلب مني أن أضع العقد بين يديه ففرق بين الآذان والأنوف وبسط أمامه قطعا من القماش الأبيض النظيف. صار يضع أنفا على الكفن ويختار له بدقة أذنين من الآذان المعروضة عليه ويقول :- هذا صالح بن بوزيد البوسيفيويقيم على روحه الصلاة.ثم يمر إلى روح أخرى.كنت في كل مرة أحفر مقدار شبر في ساحة المسجد ثم أضع هذه القطع الآدمية في الكفن الذي أعده الشيخ وأهم بدفنها فيشير الرجل برأسه أن ترقب قليلا إلى أن هبط الليل فقام ودعاني إلى الوقوف وراءه . قرأ سوري يس سبع مرات فتحولت الحفر الصغيرة إلى مقابر . ونظرت فإذا داخل كل قبر جسما آدميا كامل الصفات . وعاد إلى سورة يس يقرأ من آياتها ، فامتلأ المسجد بأصوات تردد القرآن . رأيت رجالا يشع النور من وجوههم يهيلون التراب على القبور ثم يمسحون الأرض بأيديهم فتعود إلى حالتها الأولى.ودعاني الشيخ إلى صلاة الجنازة فصليت معه على القتلى صلاة جماعية ، وغادرت المكان.رأيت طيورا تحوم فوق رأسي . طيور سوداء و بيضاء شبيهة بطائر الخطاف . رأيتها تحط على الأرض التي سوتها الأيدي النورانية . وحين التفت مرة أخرى وأنا أقترب من الباب ، اختفت الطيور فكأن الأرض ابتلعتها.في الخارج جمع الطرابلسيون ما خف وزنه وغلا ثمنه ويمموا وجه المحطة فامتلأت العربات بجموعهم الغفيرة. وزمجرت القاطرات ونفثت دخانها الأسود ثم تحركت عجلاتها وهي تئز وتعوي.وابتلعها سراب شهر ماي وقد وصل مبكرا هذه السنة . بعد صلاة العشاء وصلت طلائع رجال القبائل إلى حي الطرابلسية . اقتربوا من المكان بخطى الذئاب وهم يرفعون الفؤوس والهراوات. ولكن هدوءا غريبا كان يعم الحي فاقتحموه من الجهة الغربية القريبة من السوق. كانت الدكاكين موصدة، وكانت كلاب سائبة تمرح قرب حانوت الجزار وتلعق بقايا عظام جمل نحر البارحة. شجع الهدوء المهاجمين فاندفعوا داخل الحي . وجدوا أبواب المنازل مفتوحة والبيوت على حالها. الفرش في بيوت النوم تترقب النائمين. والنار تشتعل تحت القدور . ورائحة الشاي المحروق تفوح من البراريد التي تفحمت.كان الحي قفرا كأن لم يكن منذ حين يعج بالحياة ، فجاس الرجال داخله إلى أن وصلوا قرب المسجد الجامع فسمعوا صوت المؤدب يجرح الهدوء . يعلوا حينا وينخفض حينا آخر. فوقفوا وراء الباب صفا واحدا مدة ثم اندفعوا فجأة داخل الصحن. ولكن صوت المقرئ زاد فارتفع وعلا على أصوات جلبتهم وضجيجهم.قال قائلهم :- ماذا سنفعل بهذا الطرابلسي ؟فرد آخر :- سأضع حد السكين على عنقه وأحزه.واعترض ثالث :- هذا لن يكون في المسجد . نحن على كل حال مسلمون ولن نقتل هذا الرجل بجريرة غيره.فقال حكيمهم :- عندي فكرة ، سنطرده من المدينة وكفى المؤمنين شر القتال.وأعجبت الفكرة الجميع فأخرجوا الرجل من المسجد . أركبوه حمارا وقادوا الحمار خارج البلدة ومشوا حتى بلغوا سكة الحديد التي تتجه شرقا. تركوا الحمار قريبا من السكة وعادوا دون أن يلتفتوا إلى الوراء.وبدأت كلاب البدو الذين نصبوا خيامهم قريبا من خزانات ماء الشركة في النباح.
الفصل الخامسحكاية ' الرومي ' الذي عشق مسلمةالباب الثاني عشرفي ذكر الحادثة التي ذكرت ' عزيز السلطاني ' بابنة عمه فاطمة التي نسيها في ' عتيقة ' وأخبار عن الكلاب التي أكلت جثة ابن رئيس المحطة وطرف من مناقب الفرنسي ' لويس ' الرئيس الجديد لمحطة القطار ، و الماجريات التي قادته إلى قلب ' عائشة ' البدوية.1هممت بمغادرة دكان العطار الطرابلسي حين اقتربت مني عجوز سوداء. مدت لي يدها تطلب صدقة فلم التفت إليها وواصلت طريقي . مشيت بضع خطوات ثم التفت إلى الوراء.رأيت العجوز واقفة تحت شمس الظهيرة تمد يدها للفراغ . كانت شاحبة ومخذولة فاتجهت إلى ظل ممدود قريبا من المقهى وجلست تمسح عرقها.. تحركت في رأسي ملايين الصور دفعة واحدة حتى أصابني دوار خفيف. وتوقفت صورة كبيرة بالألوان الطبيعية أمام ناظري. هذه المرأة أعرفها . نعم أعرفها بالتأكيد.وبدأت أراجع ما خبأته الذاكرة.رأيت ' الدار الكبيرة ' تعج بالحياة. وسمعت صهيل امرأة يعلو فوق كل الأصوات. أيامها كانت شابة وكنت معجبا بنطقها للغة العربية. صوتها أغن ينطق الحروف بلكنة بلاد السودان فتزدهي الكلمات بين شفتيها وتورق وتزهر وتملأ المكان عطرا وشذى. كنت أعشق عوالمها خاصة إذا ركبتها سورة غضب فتتكلم بيديها ورأسها وتحرك بدنها في كل الاتجاهات . ويختلط عندها الكلام العربي بلغة الأعاجم ، و السباب بالرقص المجنون في غابات إفريقيا . فيشدني إليها هذا الغضب شدا وثيقا . وتدعوني فأستجيب. أقضي الأيام الطويلة في بيتها . وأنام في فراشها لا يزعجني سوى حضور الأعمام عندها بين الفينة و الأخرى . يدخلون ويخرجون سراعا ، فتتعرى لهم أمامي بدون خجل . يلتمع في ألق الصباح بدنها الأبنوسي ، ويرتج نهداها كفرخي حمام يهمان بالطيران. ويركبونها فيفوح في أرجاء الغرفة عطر الند والبخور . ويخرجون ، فأسرح وأمرح في ملكوت الرب مسبحا بحمدها وشكرها.وفاح شذى الزهور من جديد فاقتربت من المرأة. قطعت عمرا كاملا في بضع خطى، فصدمني عماها. عيناها تتحركان في محجريهما في وجل. ورأسها لا يكف عن الدوران.كلمتها فلم تجاوبني. كنت كمن يحادث تمثالا.وكانت في تلك الأيام البعيدة شبيهة بتمثال من الآبنوس. أضجر حضورها حرائر الدار فدسسن لها من حاول قتلها ، ولكنها نجت من كيدهن حتى ظن الجميع أنها محمية بطلاسم جلبتها معها من بلاد الزنوج.لمستها في يدها فرمشت أجفانها. ورأيت ظل ابتسامة على شفتيها، فعدت إلى محادثتها . لكنها ظلت ساهمة تتحرك كالمخبولة وتميل رأسها يمنة ويسرة.وبدأت في هزها ، فخافت وحاولت الإفلات مني فتشبثت بها أريد أن أسألها عن الرجال السود الذين غادروا القرية بعد الفاجعة التي ألمت بالعائلة. ثم أشفقت عليها حين رأيتها تضطرب بين يدي اضطراب العصفور في القفص . وهممت بمغادرة المكان . ثم عدت أتريث بعد أن رأيت رجلا يقترب. كان واقفا منذ مدة ، قريبا مني . شده حديثي مع المرأة فقال :- أنت تحدث بكماء صماء يا رجل وأضاف حين لاحظ استغرابي :-هذه العجوز فقدت السمع والنطق أثناء فاجعة انهيار ' جبل الوصيف ' عام ألف وتسعمائة بعد أن مات كل رجال قبيلتها.وسألته :- هل عرفت هؤلاء الرجال قبل الفاجعة ؟فقال :- جاءوا مع القافلة التي عادت من ' قابس ' بعد أن أوصلت غرائر الفسفاط إلى الميناء.وقال :- لقد وجد رجال القافلة هذا القبيل الأسود من الرجال والنساء وبعض الأطفال في بحر الرمال المتحركة وهم قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، فحملوهم على الجمال وغنى لهم الحادي فامتلأت بطونهم بالمن والسلوى . وعادت العافية إلى الوجوه السمراء والسواعد المفتولة.ولما دعا داعي الشركة : ' حي على خير العمل ' لبوا النداء . اقتحموا مجاهل الأنفاق ودفعوا عربات التراب بأكتافهم حين كلت البغال وقاتلوا أشباح الموتى التي ماتوا في الأيام الأولى تحت الردم حتى أجلوهم من المكان. ولكنهم هلكوا بدورهم عن آخرهم خلال الانهيار العظيم . ولم يبق منهم سوى النساء والأطفال وهذه العجوز التي ترى.وسألته عن النساء الأخريات فقال إنهن تفرقن مع الريح . والباقيات منهن صرن خادمات في منازل مهندسي الشركة.وعدت أسأل عن الأطفال فهمهم :- صاروا خدما للنساء الفرنسيات يحملون لهن القفاف حين يذهبن للتبضع من السوق ويدفعون عربات الرضع ويلاعبون الأطفال الصغار والكلاب وقت اشتغال النساء في المطبخ أو خلال نوم القيلولة.وفتشت عن العجوز فلم أجد لها أثرا . ذابت في سراب الهاجرة.ونبتت فكرة في رأسي : لا بد أن أعود إلى القرية لأصطحب معي ' فاطمة ' تلبسني وألبسها في هذه الديار. لقد ذكرتني الزنجية بالوعد الذي قطعته على نفسي وأنا أحاول وضع رجلي داخل ركاب الفرس.2بعد أيام ، عدت إلى ' عتيقة ' أبحث عن ' فاطمة ' . كنت أعرف أن عيون ' الباشا ' تبحث عني في كل مكان ، فلم أجازف بدخول القرية نهارا . ترقبت حتى هبط الليل وطرقت باب أمي. وجدت سريرها باردا ولم أشم رائحة عطرها في المكان فعرفت أن مكروها ألم بها فاشتد وجيب قلبي وخامرتني ظنون شتى.أعرف أن زوجها شرس وأعرف أنه لن يتورع عن الفتك بها إذا قدر أن مهمتها انتهت. ولكن من أين لي أن أعرف مصيرها ؟ فاشتد وجلي وذهبت إلى قصر ' الأجداد' . دخلت من خلال السرداب المفضي إلى الإسطبل وذهبت رأسا إلى بيت ' فاطمة ' . كانت رائحتها تجذبني نحو بابها بخيوط من عبير. بقيت واقفا أمام الباب مدة حتى هدأت الحركة في الداخل ثم انفتحت في وجهي أبوابها. رأيت ' فاطمة ' في كامل زينتها ، معطرة ، يقطر الماء من شعرها ، تنظر إلى وجهي وتبتسم. ثم قالت : ' عرفت الآن طريقي يا ابن العم . لقد أعلمني ' هاتف ' قبل ثلاثة أيام أنك ذكرتني . مر ' الهاتف ' فوق قصرنا . حط فوق السطوح ونادى ثلاثا : يا فاطمة فخرجت إلى صحن الدار. سمعت الصوت صافيا كالدق على النحاس ولم أر الشخص . وعاد ' الهاتف ' إلى النداء مرة أخرى : لا تتعبي نفسك في البحث عني ، ولكن هاتي البشارة.فقلت له :- ابشر يا ' رئي ' *فقال :- غدا يزورك ' عزيز ' جهزي نفسك لسفر طويل وذاب الصوت في السماء الصافية، فتطهرت من رجس الشيطان ولبست لك هذا الثوب الأبيض وأشرعت لك الأبواب السريةضممت ' فاطمة ' إلى صدري وحملت حقيبتها وهممت بالخروج لكنها ذكرتني ببشارة ' الرئي '.قالت : دونك وهذا التيس الأسود ، اذبحه ولطخ الأبواب بدمه.فبسملت ، وذكرت اسم الله على الذبيحة.وسال الدم بين الفخذين، فعرفت أني أوفيت بالبشارة.3وزمجرت محركات القاطرات من جديد . وأزت العجلات تحت الأثقال. وعاد العمال إلى الأنفاق. وارتفع صياح الباعة في الأسواق ، ورغاء الجمال أمام دكاكين القصابين. وعادت نداءات ' البراح ' تدعو البدو المعسكرين قريبا من المنجم للالتحاق بإدارة الشركة لجني المال مرة كل نصف شهر عوض التسكع وراء الشياه الهزيلة. فاكتريت منزلا في قرية ' فيليب توماس ' به غرفتان ومطبخ وبيت خلاء وشبابيك تطل على الشارع . ودفعت مقابل الكراء نصف مرتبي الشهري. قلت : حتى لا أهين فاطمة بالسكن الجماعي مع الأغراب.' وقد شجعني على كراء ه>ا المنزل قربه من حنفية الماء العمومية، فالماء عزيز في هذه الديار. وفاطمة لن تقدر على عراك البدويات ومصاولة الرجال حتى تملأ سطلا أو قربة.وأهمني كثيرا هذا الموضوع ، فصرت أبحث له عن حل في السر والعلن ، إلى أن اهتديت إلى قلب ' لويس' حارس الخزانات.كانت الشركة تجلب الماء من قفصة عن طريق القطار في صهاريج كبيرة أوكلت حراستها للفرنسي ' لويس ' وشددت في أن يعطي منه نصيبا للأهالي لا يزيد على عشر الكمية . وتمتعت عائلات المهندسين والعمال الأوروبيين بالباقي. فأقاموا المسابح في دورهم وتفننوا في زراعة الأشجار وفي تنسيق الأزهار وتركوا العرب يتقاتلون على قطرة ماء.قدمت لخازن الماء هدايا صغيرة : عراجين تمر وسلال تين مجلوبة من بلاد الجريد، فوهبني مقابل هذه الهدايا مرغوبي من الماء.وتطورت علاقتي بهذا الرجل بسرعة عجيبة. طلب مني أن أعلمه اللغة العربية، فتعلمها بيسر. وصار يلبس الجبة الواسعة ويأكل الكسكسي بيديه. ويطلب مني أن أغني له أغاني البدو الحزينة، فينصت لغنائي حتى تبتل عينيه بالدموع ويذبل لونه. ثم راح يسألني عن الإسلام، وعن عادات المسلمين وتقاليدهم مستمعا لأجوبتي بانتباه كبير.كان ' لويس ' يختلف كثيرا عن بقية الفرنسيين الذين لم يحاولوا إلا في القليل النادر الاختلاط بالعرب فظلوا يعيشون في عالمهم الصغير، في حيهم الراقي.يتزاورون فيما بينهم ويحيون أعيادهم في قاعة الأفراح الفسيحة . ويلعبون كرة القدم وكرة المضرب والكرة الحديدية في الأماسي، تحت الأشجار الظليلة ، أمام أنظار الحراس المغاربة.وعلى قدر حب ' لويس ' للعرب ، كانت كراهية رئيس المحطة لهم كبيرة. اشتط الرجل في منعهم من الاقتراب من خزانات الماء. وأطلق كلبه الضخم وراء الصبيان والنساء فروع الكبير والصغير . وجعل ساحة المحطة مسرحا لتسلية رفاقه عملة سكة الحديد. يترك للنساء الوقت حتى يقتربن من الخزان وينهمكن في فتح الحنفيات فيسيل الماء باردا على أفخاذهن ثم يطلق وراءهن الكلب ، فيعدو خفيفا وراء الملاءات ذات الألوان الفاقعة. وتهرب النساء في كل الاتجاهات وعويلهن يملأ الفضاء ، فيضحك رئيس المحطة حتى يستلقي على قفاه. ثم ينادي كلبه ويظل يلاعبه ويربت عليه إلى أن يهدأ. فيأمر عاملا بغسله تحت الحنفية التي منع قبل قليل ماءها عن البدوية.وظل رئيس المحطة على هذه الحال إلى أن هجم العرب ذات يوم على جبانة النصارى فهدموا سورها و حفروا قبورها وبعثروا صلبانها وأخرجوا ابن رئيس المحطة الذي مات منذ أيام من قبره وأطعموا لحمه لكلب جائع و ملأوا القبر بالخراء وبالكلام النابي.وهج رئيس المحطة فعوضه ' لويس ' الذي صار يفتح الحنفيات لنساء البدو في أوقات معلومة تنام فيها عين الرقيب فيملأن القرب والجرار . وتشرب الحمير والمعيز والنعاج . وتبتل ثياب الأطفال وجلود الكلاب وتسيل المياه في الشارع القريب من المحطة.كان ' لويس ' لا يمنع أحدا من الاقتراب من الخزانات إلى أن اكتشف المهندس الأول في الشركة الأمر فهدده بالتبليغ عنه إلى السلط الجهوية . وكلما زاد المهندس في التهديد زاد ' لويس ' في تساهله مع البدويات اللاتي كن يضحكن بخفر كلما ممرن من تحت شباكي. وحيرني هذا الأمر إلى أن اكتشفت السر ذات قائلة قائظة. خرجت من البيت لجلب سطلين من الماء تبل بهما فاطمة جلدها . فاطمة التي اشتاقت كثيرا لخرير وديان ' الجريد' وطيب واحاتها، فجلب انتباهي وقوف أتان أمام باب دار رئيس المحطة. اقتربت من الباب الموارب ودخلت بدون استئذان . رأيت عائشة البدوية واقفة وراء زجاج نافذة. كانت تقبل الزجاج بشبق. وزدت اقترابا فرأيت ' لويس ' وراء الزجاج من الجهة الأخرى يقبل البدوية من وراء بلور النافذة. جعل الرجل والمرأة البلور حاجزا بينهما وانهمكا في قبلة محمومة أنستهما الدنيا وما فيها.حين أفاقت عائشة من القبلة وجدتني وراءها، فاصفر وجهها وشهقت :- يا ويلي... سيقتلني أهلي...وفرت باتجاه الأتان. وضعت القلال الأربعة في الزنبيل ، ووضعت القربة على ظهرها وضربت البهيمة بعصاها وذابت وراء منازل حي المحطة.بعد مدة خرج ' لويس ' من داره باسما فتلقيته مغضبا .قلت له إن ما أتاه أمرا جللا وحذرته من أهلها، ثم هددته:- سيقتلونك لو اكتشفوا سر هذه الخلوةفقال إنه يحبها وإنه يريد الزواج منها.ألجمتني المفاجأة ولم أعرف بماذا أرد عليه. لكنني تمالكت نفسي في الأخير وطلبت منه أن لا يعود إلى مثل هذا الحديث لأن دين الإسلام يمنع ' الكافر ' من وطء مسلمة .فاربد وجهه وتمتم :- يعني أترك ديني حتى أتزوج من ' عائشة ؟فقلت : - نعم يا صاحبي . وإلا فلن تشم صخابها بعد اليوم فرد على سخريتي محتجا :- ولكنني أعرف فرنسيات متزوجات من تونسيين ، فلم أحرم من عائشة ؟فعدت أؤكد له بأن ديننا الحنيف يسمح لرجالنا بنكاح الكتابيات ويمنع أن يطأ نساءنا غير المسلمين.رأيت على وجهه علامات استغراب تمتزج بالبلاهة والتحدي والسخرية من حديثي. وظل مدة يلحس شفتيه وهو يردد :- لكن عائشة حلوة ولن أفرط فيها أبداوذهبت أبترد تحت الحنفية وأملأ الماء لفاطمة . ونسيت حكاية ' الرومي ' الذي يريد الزواج من البدوية . لكن الفرنسي ما نسي غزالته فظل يلتقي بها خلسة مرة في بيته ومرات وراء كثبان الرمال . وما عاد العشقان يكتفيان بالقبل من وراء الزجاج بل صار الرجل يلحس من شهد حبيبته ويأكل من تفاح صدرها ويعوم في بحرها...إلى أن اكتشف أهلها الأمر.* الرئي:هو جنس من الجن له صوت مسموع وجسم غير مرئي يحيط صاحبه بالأسرار ويطلعه على الغيب.ذكره أبو علي القالي في كتاب ' الأمالي '1/ 132- 134كما تراجع قصص عن الرئي في تفسير ابن كثير، 6 ( 300-3001)
الباب الثالث عشر في ذكر تعلق رجال البدو بالشيخ الطرابلسي المطرود من قرية ' فيليب توماس'.كما فيه تفاصيل عن دخول الفرنسي ' لويس ' إلى دين الله الحنيف . وغرائب وأعاجيب وملح وطرف تتعلق ب' سلاطين ' الإنس والجان الذين أنجدوا جيش فرنسا فانتصرت على الألمان في الحرب الكبرى الأولى.1اشتد نباح الكلاب وهريرها فخرج رجال الدوار يزجرونها ويستطلعون الأمر. رأوا حمارا يتقدم بخطى وجلة نحوهم. ترقبوا حتى سكت عواء آخر كلب واقتربوا منه.كان الشيخ المقرئ قد استعاد بعضا من رباطة جأشه فسلم على الرجال الذين سمعهم يهمهمون وهم يقتربون منه . رد عليه الرجال السلام بعد أن عرفوه من خلال صوته فخفوا ينزلونه من على ظهر الحمار. وتداعوا فيما بينهم ، فخفت النساء بالحصر والفرش والزرابي. وانتصبت في رمشة عين خيمة للضيف المبجل الذي يحمل في صدره كلام الرب وأحاديث رسوله الكريم. وذبح الرجال خروفا سمينا ، فاشتعلت النيران وفاحت رائحة الشواء وانتصبت قصاص الكسكسي. فأكل الضيف حتى شبع وحمد الله ودعا لهم بالمطر وبأعوام الصابة. ثم نام في مكانه.فجرا، أفاق أهل النجع على صوت المقرئ يؤذن للصلاة:- الصلاة خير من النوم يا عباد الله.فاجأ الصوت النائمين ، فليس من عادتهم أداء الصلاة في أوقاتها، وخاصة صلاة الفجر.عاد المقرئ يلح أكثر من مرة :- الصلاة خير من النوم يا عباد الله.ثم قام يؤدي الفرض مع ثلاثة من الشيوخ وصلوا حين كاد ميعاد الصلاة يفوت.بعد ثلاثة أيام، جمع الرجال أطفال الحي وقصدوا خيمة الشيخ . سلموا عليه ودعوا الأطفال إلى تقبيل جبينه ثم قالوا له :- هؤلاء أولادنا ، أكبادنا ، جئناك بهم لتعلمهم ، لعل الله يفتح قلوبهم وينزع عنهم غشاوة الجهل .وأرادوا الانصراف، فأوقفهم الشيخ بإشارة من يده وهو يردد :- لا تنسوا الليلة صلاة العشاء. إن لي معكم شأنا معلوما.وارتفع صوت الإمام يردد كلام الله. فردد الأطفال وراءه الآيات البينات حتى انتصف النهار وانتصبت السماء في كبد السماء. فسرح الشيخ أطفاله وأخرج سبحة وانهمك في الذكر والتسبيح.قبل صلاة العشاء بقليل ، ملأ رجال القبيلة المكان فخرج لهم الشيخ. سلم وصلى على النبي ثم طلب منهم أن يحضروا أبناءهم بعد الصلاة. وذهب يتوضأ . وركبت الحيرة الرؤوس لكنهم نفذوا طلب الإمام. ساقوا أطفالهم أمامهم وعادوا إلى خيمة الشيخ . وترقبوا حتى اكتمل الجمع ، فقال لهم :- لقد نسيتم دينكم حتى صرتم لا تعرفون من الإسلام سوى الشهادتين وصيام رمضان . وقد اأتمنتموني على أولادكم فدعوني أطهرهم من رجس الشيطان.وصار يفتح صدر الطفل فيمحي من على قلبه نقطة سوداء ثم يتفل بين إصبعيه ، السبابة والإبهام ويخيط بهما جرح الصدر. ويدعو بطفل آخر إلى أن طلعت نجمة الصبح فغادر الرجال والأطفال الخيمة يسبقهم نور من السماء يضيء لهم الطريق.قال الشيخ : ' هذه كفارة عن سيئاتي ، لعل الله يتجاوز عن إهمالي الوقوف بين المتحاربين من المسلمين حتى أمنع سفك الدماء والفساد في الأرض'وانخرط في بكاء محموم.ومرت الأيام في النجع هادئة لا يقطع رتابتها سوى بعض الخصومات التي فضها الشيخ بالحسنى. كان يقضي بين المتخاصمين بنا يرضي الله فقط، ولا يلتفت إلى أهوائهم إلى أن وقعت الواقعة. يومها، انهمك الشيخ في قراءة أوراده فنسي الدنيا وما فيها إلى أن بلغ سمعه صياح النسوة المتفجعات، وبكاء الأطفال ونواح العجائز وهدير الرجال وصخبهم. فوضع سبحته على الرمل وأصاخ السمع إلى اللغط الذي صار يقترب شيئا فشيئا حتى وصل أمام خيمته. فرفع رأسه يستطلع الأمر. وصله صوت شيخ القبيلة زاجرا:- سوت تقتله وتجرنا إلى حرب لم نعد قادرين عليها. أترك الأمر للشيخ يا ولد.ثم سلم على الشيخ ورمى بين يديه رجلا مقيد الأطراف وهو يردد :- لقد هتك هذا الرومي عرضنا يا شيخنا .اقشعر بدن الشيخ وحامت غمامة على وجهه ،فاصفر. وأسر لنفسه :- ما قبل الرب توبتي فعاد يمتحنني بهذا الكافر.وعاد الشيخ إلى الكلام : - فاجأه الشباب وهو يتفخذ عائشة.ثم قال وهو يضرب كفا بكف :- الآن عرفت لماذا صامت هذه الكلبة عن أولاد القبيلة.قال المقرئ:- وأين هي الآن ؟ هل قتلتموها ؟فرد شيخ القبيلة :- هي في حماية بنادق أولادي.وزاد الشيخ فاستفسر:- وإخوتها ماذا فعلوا ؟فقال سيد القبيلة :- هم يحاصرون بنادق أولادي بعد أن اشتبكوا معهم بالأيدي والخناجر وحاولوا افتكاك عائشة بالقوة للأكل من كبدها.وقال الشيخ :- هذه مصيبة ورب البيت.وارتفع صياح الشباب:- ما حكم الشرع فيهما يا شيخنا ؟فقال لهم :- دمه مهدور ، وحلال ضرب عنق تلك المرأة بالسيف يا أولادي.ووخزه شيخ القبيلة بإصبعه في خاصرته ، وهمس له :- هل تريد أن يفني جند فرنسا شبابنا يا شيخ ؟فقال الرجل وهو يتمتم :- ستلاحقني لعنتك يا ابن بهية إلى القبر .وسكت أكثر من ساعة والرجال يتصايحون مطالبين بتنفيذ الحكم في الرجل والصبية إلى أن همهم الشيخ :- ترقبوا قليلا ، لعل الله يجعل للأمر مخرجا.وقام . فتعالت أصوات المحتجين متشنجة. وانهال بعض الشباب على الرومي رميا بالحجارة ورفسا بالأرجل . وحاولوا استباحة حرمة خيمة الشيخ لكنهم ولوا الأدبار وكأن رؤوس رماح تخز كامل أبدانهم.كانت خيمة الشيخ محاصرة بأطفال صغار يحمل كل واحد منهم بين يديه لوحا ويقرأ بصوت جهير كلام الرب. فحطت السكينة على الحاضرين ثم بدأوا في الانصراف واحدا وراء الآخر.قال الإمام لشيخ القبيلة لما بقيا منفردين مع الفرنسي :- هل هذا الرجل متزوج ؟فرد :- بل أعزب يا شيخنا .وعاد يسأل إن كان هذا الفرنسي يحسن الكلام بالعربية .فقال شيخ القبيلة إنه يتكلمها كواحد من أبنائها . فظهر البشر على وجه الإمام وتمتم :- لقد وجدت الحل. سأهدي هذا الكافر إلى الدين الحق، فإن أجاب إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حمى بدنه من الجلد في الدنيا ومن نار جهنم يوم الحشر.والتفت الإمام جهة الفرنسي وتحسس الحبل الذي يغله آكلا من لحم يديه ورجليه، وحركه، فأن أنينا موجعا وسكت.قال الشيخ المقرئ:- ليس الآن وقت حساب وعقاب.وتفل بين أصابعه ووضعها على الحبل فانحلت عقدته. ومسح بالأصابع على جراح الفرنسي فأبلت في الحين. وصفق بيديه فنزلت من السماء مائدة عامرة بما لذ وطاب من الأطعمة الشهية والماء الزلال. فغسل يديه وذكر اسم الله وطلب من الفرنسي أن يغسل يديه وأن يأكل من هذه الطيبات.ثم أضاف يكلم الفرنسي :- لا أظن أن أهل الدوار سيبعثون لنا شيئا من طعامهم هذه الليلة بعد أن أكلت من لحم ابنتهم يا ولدي.والفرنسي مشدوه لا يدري إن كان في حضرة شيخ أو أمام ساحر. فكل ما في هذا الرجل يبعث على الاطمئنان ويملأ القلب فرحا وسعادة ولكن ما يأتي به من خوارق زعزع كياته وهز روحه القلقة. فقال وهو يمد يديه إلى الطعام المبسوط على المائدة :- أنا لم أغتصب عائشة يا أبي. إنها تحبني وأنا أعشقها. إنني أنوي خطبتها من قومها ولا أريد بها سوءا أبدا.- ولكن ديننا يمنع زواج المسلمة من الكافر ، فهل لك في الإسلام يا ولدي؟- أترك لي مهلة للتفكير وستعرف رأيي غدا صباحا يا سيدي.وانتهى الشيخ وضيفه من الطعام ، فصفق مرة أخرى فرفعت المائدة من أمامهما وارتفعت في الجو. فتابع الفرنسي طيرانها بعينيه مذهولا إلى أن صارت أصغر من قطعة نقود فضية ثم غابت عن الأنظار. وارتفع صوت الشيخ وهو يقرأ أوراده . وتلألأت الأنوار في قلب الفرنسي، فنام على الرمل كما ينام الرضيع في حضن أمه الدافئ.2افتقد عملة محطة القطار رئيسهم فذهبوا يبحثون عنه في بيته فلم يجدوه. رأوا الأبواب مشرعة للريح ولكن لا حياة في البيت فذهبوا إلى مقهى ' داتاي ' في قرية ' فيليب توماس ' . كان صاحب المقهى منهمكا في حديث لا ينتهي مع الإيطاليين ' بيراس ' و ' ليدا ' . سأله أحد الأصحاب إن هو شاهد ' لويس ' في المقهى فلم يلتفت إليه. وعاد الصاحب يلح في السؤال فأخبره ' ليدا ' وهو يضحك بأنه رآه وقت الغروب يسير وراء أتان حبيبته البدوية فافتكر الجماعة فجأة قصة حبه لعائشة وخافوا أن يكون البدو قد اختطفوه . فذهبوا سراعا يخبرون رئيس مركز الجندرمة بغيابه.ما وجدوا رئيس المركز لكنهم شاهدوا جندي الحراسة نائما ، فأيقضوه.طلب منهم أن يترقبوا طلوع النهار لعل الرجل يعود من غيبته سالما غانما . وعاد إلى النوم . وارتفع شخيره في الحال فرجعوا إلى المحطة.استقبلهم مراقب سكة الحديد ملوحا بعلمه الأحمر وبفانوسه وهو يرتجف من الخوف. وقدم لهم خادم شيخ قبيلة البدو المعسكرين قرب المحطة ليعلمهم بالواقعة فأقعوا على مؤخراتهم وأطفأوا الفانوس . ووصل الخبر إلى رئيس مركز الجندرمة العائد لتوه من صيد الغزلان صحبة مدير الشركة والرئيس المدير العام الذي حل البارحة بالمتلوي قادما من باريس ليتفقد أشغال تدشين الأنفاق الجديدة.قال حامل الخبر إن البدو ذبحوا ' لويس ' رئيس المحطة وأكلوا لحمه وفرقوا دمه بين قبائلهم حتى لا تحمل فرنسا قبيلة واحدة وزره. ، فجن جنون رئيس مركز الجندرمة. استل مسدسه وراح يطلق الرصاص في الهواء، فزعق صاحب البوق في بوقه وجيش الجيوش.اصطف الجنود في طابور طويل يسبقهم العلم المثلث الألوان وذهبوا صحبة رئيسهم يستطلعون الخبر. وعلا غبار الصحراء تحت أقدام الجنود. ورفرف علم فرنسا عاليا. وصاح القائد وهو يحاصر النجع من كل الجهات طالبا أن يسلموه الأسير حالا وبدون شروط. فجاوبته الكلاب بالنباح والعويل. ولعلع بارود جنود فرنسا في الهواء. فخرج الشيخ المقرئ من تحت خيمته وأشار إلى السماء فامتلأ المكان بأنوار الشهب . وتحول ليل الصحراء إلى نهار. ساعتها طلب ' لويس ' من الإمام أن يعلمه كيف يدخل دين الإسلام. فقال له :- الأمر سهل يا ولدي قل معي : ' لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ' .فردد الفرنسي الشهادتين وخرج إلى الجند يطلب منهم الكف عن إطلاق الرصاص ويدعوهم إلى العودة إلى ثكناتهم لأن شيخ القبيلة استضافه الليلة ، وهو سليم معافى بين العرب الذين أكرموه وبجلوه وأطعموه من لحم طيور الجنة وسقوه من ماء نهر الكوثر. فعاد الجند من حيث أتوا وهم يلعنون الواشي الذي جعلهم يخسرون ساعان النوم الثمينة ورفعوا أعلامهم يلوحون بها في وجوه الكلاب النابحة.وعاد الفرنسي إلى خيمة الشيخ . طلب منه يد 'عائشة' وقفصا من سرب طيور الجنة وقنينة ماء من نهر الكوثر ، فترجاه الشيخ أن يترقب طلوع النهار لأن مع العسر يسرا.إن مع العسر يسرا.3وانطفأت أنوار الشهب ، فخرجت الشمس من جوف العفريت الذي ابتلعا البارحة وملأت الصحراء بالنور والنار. فعادت الحياة تدب في الأرواح التي أرهقها النوم الثقيل. وأفاق الفرنسي ، فرأى في الركن الغربي من الخيمة قفصا به سبعة عصافير ريشها من الذهب الخالص وعيونها من الزمرد الذي يخلب الألباب ومناقيرها تصدح بأعذب الألحان. تسبح لله الواحد القهار بكل لغات الطير إلى أن يصيبها العطش فتشرب من إناء من الفضة به ماء تفوح منه رائحة المسك والعنبر والياسمين.قال شيخ العلم للفرنسي :- هذه هديتي لك يا ولدي ، اقبلها مني وسأشكر لك صنيعك إلى أن أقابل ربي ، فأنا لا طاقة لي على حمل أوزار أخرى من بني جلدي ولا على رؤية لون الدم مسكوبا على رمال الصحراء.وجاء الرجال فقال لهم :- هذا الرجل صار منكم .وطلب منه أن يقول الشهادتين على رؤوس الملإ وأن يكون من أصحاب الدين الحق، فوافق وردد الشهادتين وراء الشيخ والدموع تسيل على خديه .وطلب من الشيخ يد عائشة زوجة له في الدنيا والآخرة ، فوافق الشيخ بعدما استشار إخوتها قائلا :- هل توافقون على مصاهرة فرنسا يا إخوة عائشة ؟فرددوا :- لقد فوضنا لك الأمر يا شيخنا ولن يكون لنا رأي يخالف رأيك.ومدوا أيديهم وقرأوا فاتحة الكتاب.وسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا.4وحمل الفرنسي قفص الطيور وعاد إلى داره . وبعد أسبوع تزوج عائشة . أشهد على زواجه منها شيخ القبيلة وشيخ العلم ولكنه لم يبن بها إلا بعد أن طاب جرحه ، فقد قص ' الطهار ' قلفته ليتمم دينه ويدخل الجنة من بابها الواسع يوم القيامة تسبقه زقزقة العصافير وتفوح من ثيابه رائحة المسك الأذفر.وصارت قصة الرومي الذي عشق البدوية حديث القاصي والداني فسارت بها الركبان وبنى عليها الحكاؤون قصصا كثيرة تروى في ليالي الشتاء لتمضية الوقت . ولم ينسها الناس إلا بعد أن وصلت أصداء الحرب الكبرى إلى مناجم الفسفاط . فسكتوا عن هذه الحكاية ليبدأوا في سرد أحداث الحكاية الجديدة . حكاية الحرب التي شنها الألمان ضد فرنسا فأفنوا من أولادها خلقا كثيرا . وهرب البقية إلى تونس يطلبون النجدة من سلاطينها : سيدي محرز بن خلف وسيدي ابن عروس وأبي علي السني ، فوعدوهم خيرا وعقدوا جلسة بدار الديوان في مقام سيدي الصحبي بالقيروان أفتوا بعدها بجواز قتال الألمان إلى جانب رجال فرنسا الحرة.وسمع ' القياد ' و ' شيوخ القبائل والعروش ' فتوى سلاطين البلاد فخرجوا يطوفون البلاد في الفيافي والقرى والمداشر يحشدون الشباب والكهول ويبعثون بهم إلى ميناء ' بنزرت ' ليلقنوا الجيش الألماني درسا لن ينساه على مدى الأيام والدهور.قالوا لهم سيروا على بركة الله سيحميكم الأولياء الصالحون من رصاص الأعداء . ويكفيكم أن تذكروا اسم الله إذا سمعتم أصوات البنادق ، سيكون وقعها على أبدانكم بردا وسلاما .ويا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم.وصدق الشباب كلام شيوخهم فقطعوا البحر المتوسط وحطوا الرحال في الأرض الباردة . لم يتوقعوا أبدا أن الجليد سيفعل فيهم فعله بهذه السهولة. تجمدت أطرافهم من البرد وماتت أصابعهم قبل أن تطلق الرصاص . فدفع بهم رجال فرنسا الحرة إلى حقول الألغام المزروعة بين الطرفين المتحاربين . فطار لحمهم في الفضاء الشاسع مصحوبا بأصوات دق البنادير وروائح البخور وصيحات الدراويش في الزوايا والتكايا.واشتدت البلية على أهالي المنجم فقد شحت المؤن وصارت مقتصدية الشركة تمنع عنهم السميد والسكر والشاي والقهوة والقمح والشعير والزيت . وصارت الأجرة اليومية للعمال لا تكفي لشراء رطل سكر أو رطلي سميد . وازدهرت السوق السوداء التي غذاها بالمؤن تجار أوروبيون . فقل إقبال الأهالي على ارتياد السوق وماتت الشهوات في قلوبهم. واشتد نهم التجار إلى الربح كلما زادت أصوات المدافع ارتفاعا في البلاد الباردة. وخلت جيوب العمال من العملات فتركوا ' المدينة الحديثة ' وعادوا إلى قراهم. وجدوها خالية تسكن أزقتها أشباح الموتى وتصفر في شوارعها الريح الصفراء محملة بالغبار والأوبئة.وأغلقت أسواق البيع أمام الشركة فما عاد للفسفاط نفع في هذه الأيام المليئة بالموت والبوار. فصارت الشركة تكدس إنتاجها في المخازن وفي المنبسطات القريبة من المنجم حتى غطت الصحراء أكداس التراب البني التي امتدت على مرمى البصر. فسرحت الشركة بقية العمال وأبقت على بعض الفنيين الذين أوكلت إليهم صيانة الأنفاق حتى لا ينهار الجبل. وكادت الشركة تعلن الإفلاس لكن أصوات المدافع سكتت فجأة ، فقد حولت بركة ' سلاطين تونس ' الجيش الألماني إلى هشيم.وعاد من شباب البوادي الذين ركبوا البحر أبطال يمشون على أرجل من خشب ويرطنون بلغة فرنسية فصيحة ويقولون لمن قالهم بمناسبة وبدون مناسبة: ' finie la guerre ' . يكررونها أكثر من مرة وهم يقلبون شفاههم ويبتسمون ببلاهة.وحين يسألهم سائل عن بقية الصحب يقولون إنهم فضلوا البقاء في فرنسا، ويزيدون :- ومن يبدل اللحم الأبيض المكتنز بهؤلاء البدويات العجفاوات غير المجانين من أمثالنا يا رجال.ويضجون بضحك مجنون وهم يخبطون الأرض بأرجلهم الخشبية الشبيهة بقوائم المعيز الغبراء.5رجل واحد لم ينس ' عائشة ' . ظل حبها يشتعل في قلبه اشتعال النار في الهشيم، فرفض فتوى ' الشيخ المقرئ' ولم يخف بنادق جند فرنسا.قال لأعمامه الذين سجنوه :- أطلقوا سراحي وسأهج في هذه الأرض.وبكى ، فرق الأعمام لحاله وأركبوه القطار الذاهب إلى ' صفاقس' ، فنزل في المحطة الأولى وعاد على قدميه إلى المتلوي.قال يحدث الناس المجتمعين في السوق:-ما شأن عائشة بهذا الغريب؟ وما شأن هذا الغريب بعائشة؟ يأتي من بعيد،من وراء الجبل الأسود،،من وراء زفير الريح والمطر الذي يبلل الأرض كل يوم،يأتي من قلب الفجيعة، من وسط نار القلب،ويقطفها فاكهة طازجة.وأنا،أنا شداد المتيم بها ترمي بي رمل النواة في الرمل،ولا تلتفت لدمار روحي.وتذهب هكذا فاتحة قلبها ويديه للمجهول.آه يا عائشة.لن أتركك تضيعين مني ضياع الماء بين الأصابع.أنا الذي رأيتك تكبرين بين طلوع الشمس وغروبها.بين تفتح الزهور وذبول الأمل.بين انفتاح شبابيك قلبي وهبوط الليل على هذا النجع في هذه الصحراء.سمعت روحي تهتف لروحك قبل خلقنا وقبل أن تعرفي أنني ابن عمك الذي كتب عليك أن ترتبطي به لحظة الصرخة الأولى.ما أقسى قلبك.أيتها...أيتها...أيتها الفاجعة.فليحاكمك الأهل.لا يهمني أن تبرئي.أما أنا فسأرمي بلحمك لذئاب الليل النابت على أكتاف هذا الجبل.إنني أطالب بحقي فيك.ولن أتراجع أبدا.ومزق ثيابه ومشى في السوق عريان السوأة.فمشت بشعره الركبان.وغناه القوالون في الأعراس.وبكت به النائحات في المآتم إلى يوم الناس هذا.