أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة" الشافعي"

 

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

شركة الديكور الفرنسى ديكوباج » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// آلاف الزوار يوميا لموقعك و تحسين ترتيبه في اليكسا » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// فضاء قطر للتدريب و التطوير » الكاتب: كريم الجبالي » آخر مشاركة: كريم الجبالي /// شرح موقع Hitleap هيت ليب وكيفية جلب آلاف الزوار لموقعك مجاناً » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// اكبر وأحدث موقع تسويق الكتروني في قطر » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// بيوت الحرية لعلاج الادمان والتنمية البشرية » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// برنامج رائع للايفون » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// اطلب اي نوع من انواع البحوث من موقع بحوث دوت كوم » الكاتب: احمدمحمدطارق » آخر مشاركة: احمدمحمدطارق /// نشر مقالة مفيدة وحصرية على موقعكم القيّم » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// المركز الاوربي لزراعة الشعر تركيا اسطنبول » الكاتب: احمدمحمدطارق » آخر مشاركة: احمدمحمدطارق ///
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: صورة الرسول العظيم في الشعر المهجري ـــ د.خالد محيي الدين البرادعي

  1. #1
    Banned
    الحالة : شهرزاد غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 475
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    المشاركات : 10,777
    التقييم : 10

    صورة الرسول العظيم في الشعر المهجري ـــ د.خالد محيي الدين البرادعي

    صورة الرسول العظيم في الشعر المهجري ـــ د.خالد محيي الدين البرادعي

    صورة الرسول عند الشاعر القروي

    عند الشاعر القروي نرى العروبة والإسلام توأمين كما عند الشعراء العرب المؤمنين بتواكب الإسلام والعروبة لا بتعارضهما. وفي معظم قصائده تتقدم الدعوة على جمالية الأداء وفنية الإبداع. فهو داعية قومي كما أسلفنا. و في كثير من الأحيان يبسط أداءه لتوصيل فكرته. وحماسته لدين يجمع العرب في وحدة واحدة في دولة أو أمة هي جوهر وجوده. وإعجابه لا يحد ولا يوصف بشخصية محمد رسول الله وقلما تخلو قصيدة وطنية أو قومية أو ذات نزعة إنسانية في شعره من ذكر رسول الله والإشادة بعظمته وبما قدمه للبشرية فهو كما يصف نفسه شاعر يتيه بآيات النبي العظيم. ففي إحدى قصائده التي أنشدها بأحد أعياد الفطر ينشر أمنيته التي لا يمل من تكرارها وهي رؤية العروبة أمة محررة كريمة

    صياماً إلى أن يفطر السيف بالدم





    وصمتاً إلى أن يصدح الحق يا فمي



    أفطر وأحرار الحمى في مجاعة




    وعيد وأبطال الجهاد بمأتم؟


    أكُرِّم هذا العيد تكريم شاعر





    يتيه بآيات النبي المعظم



    ولكنني أصبو إلى عيد أمة




    محررة الأعناق من رق أعجمي



    وفي معظم الحالات التي يذكر فيها شخصية الرسول العظيم يقرنها بشخصية المسيح وكأن الاثنين كل واحد يدعو:

    إلى عَلَم من نسج عيسى وأحمد




    وآمنة في ظله أخت مريم




    بكثير من البراعة جمع بين أم المسيح وأم الرسول تحت راية واحدة.

    وجاءت قصائد القروي ببعديها العروبي والإسلامي دافئة حارة في المناسبات التي تفجرها. فعندما أعلن الشريف حسين في مكة ثورته على الترك عام 1916 تحركت شاعرية القروي وتدفقت حماسته في قصيدة: (الهاشمية) التي نراها من أفضل شعره. وفيها صورة لرسول الله وهو يبتسم وتقر عينه في قبره لما رأى أحد أحفاده يثور على الظلم والهوان وإذلال العرب ومحاولة تشويه دين الله. فكان الحسين قائد الثورة برأي القروي:

    ملك على الإسلام أبدى غيرة





    قرت بها عين الرسول بقبرهِ



    نصر المروءة فالمسيح وأحمد





    يتبادلان التهنئات بنصرهِ



    واهتز عطف المجد معتزاً به





    فكأنه حَمْوٌ يتيه بصهرهِ



    لما رأى الدين الحنيف مهدّداً





    ورأى المهدِّدَ ممعناً في كفرهِ





    وغني عن التعريف أن شعراء المهاجر ومعظمهم مسيحيون كانت لغة القرآن تسري في دماء قصائدهم. كما كانت المصطلحات الإسلامية ترصع قصائدهم بأجمعها تقريباً.

    فالقروي يقول في رثائه الملك فيصل بن الحسين:

    لن يفيك الرثاء يا سيد العُرب




    ويا سبط سيد المرسلينا



    يا حجيجاً يطوي إلى الكعبة




    البطحاءَ طيَّاً ويستحث الظَّعونا

    كن جليداً على الشدائد واسمع





    كانطباق الجفون رفقاً ولينا





    والقروي ينظر إلى انتشار الإسلام في العالم من عين إمام مسلم لا تشوب إيمانه شائبة ولا يشك هو بنفسه ولا بإيمانه.

    فيرى نور النبوة تدفق من الأرض الطيبة مهد الكرم والمروءة.

    وإن جحافل الإيمان تدفقت على الظلام فمحته، وتدفق ذكر الله مالئاً أفواه الناس. ولا ينسى أن العروبة هي حاملة الإسلام وناشرته في العالمين وهي التي نشرت النور عندما كان الغرب يسبح في ظلماته:

    نور النبوة فاض من





    مهد المروءة والكرمْ



    يطغى به موج الضياء




    من البطاح على القَمَمْ



    وتدفقت تلك الجحافل




    كالخِضَمِّ على خَضَمْ



    زحفت مبكرة فذكر





    الله يملأ كل فَمْ





    والقروي الذي كان في هجرته يتابع كل ما يجري على أرض وطنه من نصر وعز وخزي وخسران، لا تكل شاعريته ولا تمل من الحنين إلى المجد الآفل وإلى عصور النور العربي. ففي كل بادرة خير تصدر في وطنه يغمس ريشته بحبرها متأملاً متفائلاً وراجياً عودة الماضي الجميل ليرى أمته موحدة عزيزة الموقع والموقف. فرأى في شخص الملك محمد الخامس أنموذجاً للقائد المجاهد الساهر على وحدة تراب وطنه فيخاطبه من وراء البحار بلغة المسلم المؤمن المؤرخ:

    بشَّرتنا عنك الأحاديث فالأقطار نشوى بذكرك السلسبيلِ سيرة طأطأ الملوك لها وشغل بكل سام جليل:

    حملُك اسم الرسول فأل جميل



    مؤذن بانبعاث عهدِ الرسولِ



    وعبارات التوحيد والهدى والنور تدفقت في شعر القروي وعبر كل قصائده حتى ليحسبه يقرأ القرآن قبل كتابة الشعر. فالحديث الشريف الذي يقول إن العلماء ورثة الأنبياء رصع به رثاءه لأحد العلماء بقوله:

    ترثي الذي ورث النبيَّ محمداً




    أو ما سمعت حديثه المأثورا





    وإشارة نفخ الصور في القرآن وعبارة البعث والنشور والقيامة من الإشارات التي رصع بها شعره الغزير.

    فهل كان هذا التوجه الطاهر وهذا الإيمان الصادق وهذا الالتزام الذاتي النابع من إيمانه بقضايا أمته. هو الذي ألهم ميخائيل نعيمة أن ينهال عليه بالشتائم والعتاب والتقريع وأن شعره يشبه قرع الطبول والصراخ الفارغ؟

    أم أن ميخائيل نعيمه على قدره الفكري كان ناسياً ما فعله الاستعمار الأوروبي في وطنه. وكيف داس حرمات أمته. فأدار ظهره لذلك النجس الاستعماري في بلده وحلق في أوهامه وتهويماته الفكرية. وبين الحين والحين كان يشتم أبناء وطنه بألفاظ لا تليق بمفكر مثله.

    ***

    صورة الرسول عند جورج صيدح

    يتوهج صيدح ويتألق ويفتن في ذكر رسول الله ومنجزاته الكونية وإنقاذ البشرية من سراديب الظلام إلى ضحى النور.

    فبالإضافة إلى لغة القرآن التي رصع بها شعره الجميل، والمفردات الإسلامية التي زينت قصائده يقف وقفات طويلة ومتأنية أمام شخصية الرسول عند حديثه عن التحرير وعن التضحيات وعن لم الشمل وعن الظلم الذي حل بالعرب بعد أن أدار المسلمون والعرب ظهورهم إلى سيرته النبيلة. ففي أعياد الفطر الأضحى لـه حضور، وفي مراثي كبار الرجال تلمح أحاديث الرسول ونصحه، وفي حداء قوافل المجد والجهاد نرى شذرات من سيرة النبي حيناً وحضوراً لبعض وقفاته في التاريخ حيناً آخر. وإذا رفع ضماده عن الجرح الفلسطيني شم رائحة الدم من ذلك الجرح بقدر ما نشاهد حضور بعض المواقف النبوية نصحاً وتحريضاً وذكرى.

    ففي قصيدته الشهيرة: المولد النبوي، يفرد أمام متلقيه سيرة الرسول العطرة لتتفجر منها الأضواء والينابيع والأطياب، قبالة قريش وجحودها أول الأمر، ونتابع معه حديث الوحي وبيان الآيات المعجزة وغار حراء، والمعجزات التي انبثقت حول الرسول، إلى الإشارات الجذابة الجميلة لرسالة الإسلام الخالدة، ثم إلى معجزة الفتح التي أذهلت التاريخ وما زال إلى الآن في ذهول طويل ولا بد لـه من ذكر أبرز المنعطفات في الإسلام مثل الهدى والحق والعدالة والشورى والتقوى. إلى تذكير العرب المعاصرين بما نسوه من سيرة محمد، ليخاطب النبي عما آلت إليه أمور خلائفه من بعده، من تفرقة وخزي واقتتال ولهاث وراء الزائل من منصب ومال وموقع، لتتحول القصيدة إلى لوحة زاهية الألوان حيناً ومبشرة بالنصر حيناً، وإذا عرفنا أن هذه القصيدة الباذخة كتبت في الأرجنتين عام 1948. نعجب من جدتها ودفئها وقدرتها على التأثير بعد قرابة ستين عاماً من إبداعها. ولا يتسنى هذا الخلود بتأثيره وجاذبيته وإقناعه إلا للعظيم العظيم من الشعر.

    اللوحة الأولى من القصيدة تشكل وصفاً لمعجزة النبوة تتداخل فيها طفولة محمد ووجه قريش والبعد الروحي لبعثات الأنبياء والرسل وتركيز دقيق على صفة البيان الذي حملته فصاحة الرسول، والوحي الذي يمليه الروح القدس على قلب المصطفى. لينهي اللوحة الأولى باقتباس الآية المكررة في سورة الرحمن: فبأي آلاء ربكما تكذبان، و هذا النداء موجه إلى الأنس والجان، فكيف استخدمه صيدح في أواخر اللوحات:

    وجهٌ أطل على الزمانْ





    لألاؤهُ شقّ العنانْ



    فيه شعاع النيرات





    وفيه أنفاس الجنان



    ضاقت قريشُ به، أما





    يكفي قريشَ الأزهران؟



    من ذا رأى طفلاً يُناغي





    الله بالسبع المثان؟



    نبذ التمائم وهو في





    مهد الرضاعة والختان



    يا صاحبيَّ، بأي آلاء





    السماءِ تكذّبان؟



    ***

    لا يعجز الله الذي





    إن قال كن للشيء كانْ


    أمرَ الرمالَ فأطلعت





    صحراءُ يثربَ أقحوان



    للرسل آيات، وهذا





    الطفل آيتهُ البيان



    الروح يُملي ما





    يترجمه، ونعمَ الترجمان



    بالضاد آذن ربَّه





    فتخلّدتْ لغةُ الأذان



    يا صاحبيَّ، بأيّ آلاء





    الرسول تكذّبان؟





    ***

    وينتقل في اللوحة الثانية إلى غار حراء ليضيء بالشعر ما قد أضاءه الوحي قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، مشيراً إلى ثقل الأمانة التي اختير محمد لحملها. وكيف أخذ ينشرها بين أهله والعرب، ليخلص إلى أن حالة الفتح الذي حمل الهدى وشرعة الإسلام إلى الدنيا ويسقط حزم الضوء على أخلاق العرب الفاتحين، ويشير إلى أن الفتح الإسلامي لم يكن حرباً وهذه من أسمى الدلالات التي حملتها القصيدة لكن المسلمين العظام نشروا النور وأشاعوا العدل وصنعوا ما أراد الله لهم أن يصنعوه من الإحسان والتقوى والندى والمحبة والسلام:

    شرفاً حراء الغار، هل




    كحراء في الدنيا مكان؟



    أخذ الشهادةَ من شفاه





    المصطفى أخذَ البنان



    في صدره ضمَّ النجيَّ





    وصان معجزةَ الزمان



    وتنزلت أمُّ الكتاب





    على اليتيم مع اللبان



    فهدى الأعارب ذلك الأُ





    مِّيُّ بالسوَر الحسان



    أضحوا وفي الدنيا لهم




    شأنٌ وعند الله شان



    يا صاحبيَّ، بأيّ آلاء





    النبيّ تُكذّبان



    ***

    الوحيُ سَطّر شرعةً




    من لا يدين بها يُدان



    ورسالةُ الإيمان تُنشرُ





    بالسواعد واللسان



    والعرب أخلاقُ تثور





    على الضلالةِ والهوان



    فتحوا البلاد، فذّمةٌ





    تُقضى وأرواحٌ تُصان



    يوفون بالنذر الذي





    كتبَ الكتابُ لـه الضمان



    وضعوا الندى في وضعه




    ووراءه حدّ السنان



    يا صاحبيَّ، بأي آلاء




    الرسول تُكذّبان؟



    ***

    زَهتِ العروبةُ وابتنت





    للمجد ما لم يبن بان



    تغزو، ولكنْ حربها




    باسم ابن آمنةٍ أمان.



    العدْلُ حائط ملكها





    وأساسهُ تقوى الجنان



    فرضُ الزكاةِ مُحتّم





    لا مَنَّ فيه ولا امتنان



    والأمر شورى، والخلا





    فة بيعةٌ للديدبان



    هذا كيان الشرق، هل





    في الغرب يفضله كيان؟



    يا صاحبيَّ، بأيّ آلاء





    الرسول تكذّبان؟





    ويغوص بالعمق في اللوحة الثالثة من القصيدة فيخاطب الرسول كما لو كان أحد الصحابة في لغته هو الذي يخاطب النبي، فيخبره عما حدث بعد الفتح والمجد ونشر الضوء في أصقاع الدنيا. وما حدث للقدس من تهويد وتلويث وتزوير. ويدعو النبي ليجدد أمجاد الفتح فيخلص ثاني القبلتين وثالث الحرمين:

    يا مَن سريتَ على البراق





    وجزتَ أشواط العنان



    آن الأوانُ لأن تُجدِّد





    ليلة المعراج، آن


    عرِّجْ على القدس الشريف





    ففيه أقداسٌ تُهان



    ضَجَّ الحجيج به وريعَ





    ضريحُه والمسجدان



    والقوم ألسنةٌ مبلبلةٌ





    كأنّ الحشرحان



    هذي سدوم، تصاعدُ





    النيران منها والدخان



    والذعر يحدو الشاردين





    كأنهم قطعان ضان



    ماذا دهاهم؟ هل عصوك





    فأصبح الغازي جبان؟



    أنت الذي علّمتهم





    دفْعَ المهانة بالسنان



    ونذرتَ للشهداء جنّاتٍ





    وخيراتٍ حسان



    يا صاحبيَّ بأي آلاء





    النبيّ تكذّبان؟





    ***

    لتجيء اللوحة الأخيرة من القصيدة حاملة صور القهر والاستبداد والاغتراب التي حلت بالإنسانية عامة وبالعرب خاصة. وعن تزوير الدعوات التي يرى في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب مثل نشر السلام والخير والمساواة وإن هي إلا أقنعة للطغاة والسماسرة وأعداء الشعوب. ليختم القصيدة بدعاء إلى الرسول أن يبارك جهاد المؤمنين الضارعين إليه في ذكرى مولده. لتكون: كلمة فلسطين خاتمة الدعاء:

    سمعاً رسولَ الحقّ، ضاع



    الحقّ واختلّ الوِزان



    أممٌ تُنازعنا البقاء





    كأنها خيل الرّهان



    باسم السلام تسلّحت





    وتآمرتْ باسم الحنان



    عملتْ على خنق الشعوب





    بما تجود به اليدان



    وتأنقتْ، فالنير في





    عنق الأعارب أفعوان



    لا رحمة الإنسان تردعها





    ولا قُدس المكان



    لأقلّ من هذا مشى الـ





    ـعربيُّ للحرب العوان



    ***

    فاشفعْ لـه، وأَعِنْه يا





    نعم الشفيع المُستعان



    بارك جهادَ المؤمنين





    النافرين إلى الطِّعان



    الضارعين إليك، باسم





    الآل والصحب الغُران



    وبيوم مولدكَ السِّني،





    وحقِّ مُوحيك القُران



    أن لا تصون دماءهم،





    وامنح فلسطين الصيان.





    ولجورج صيدح قصائد أخرى أبدعها في مناسبات قومية ودينية كانت فيها صورة الرسول كما رسمها هنا فوق مدار الشمس، ومنها تتفجر أنوار الوجود.

    ولا يستطيع قارئ جورج صيدح نسيان قصيدته الباذخة التي أنشدها بعيد الأضحى عام 1948. واسمها: عيد الأضحى وجاءت في ثلاثة وأربعين بيتاً وقد استودعها صوراً للرسول مغسلة بالدم الفلسطيني، والتي جاءت نشيداً روحانياً يغص بالفن التام والصفاء الشعري الذي لا يتأتى إلا لأصحاب الملكات الإبداعية الضخمة مثل جورج صيدح. وهو الشاعر الذي سهر على أدائه الفني نفس سهره على الدلالات الأخلاقية في شعره، ونستطيع القول إن صيدح أحد الشعراء الكبار الذين حققوا المعادلة الصعبة: الفن ـ الفكر، أو الفكر ـ الفن.

    ***

    صورة الرسول عند نصر سمعان

    ونصر سمعان ابن مدينة القصير نزيل البرازيل الذي وصفه جورج صيدح بأنه يقرض الشعر كأبلغ شعراء العربية (وفي شعره قوة الإيمان بالعروبة وبراءة الحب الخالص للوطن البعيد، ذلك الوطن الموبوء بآفات التعصب والتخاذل والشح، المثخن بسهام المستعمرين)

    ومن هذا الإيمان العميق بالعروبة كان إيمانه بأن الإسلام وجه العروبة المشرق. ليكون الرسول حامل الأمانة ومبلغ الرسالة السماوية، صاحب الوجه المشرق إلى الأزل. ليتحدث عن تلك الشخصية المقدسة بشعر يتدفق كاللهب ضوءاً ودفئاً، فيتوجه إلى الرسول بإحدى قصائده التي نسجها على نول الشعر العباسي، في أولها يخاطب المصطفى بصفات الضوء والعلو، والفصاحة، والخلود. وأنه ملء قلب الدهر بحضوره. ثم يبدأ بتعرية العلل والآفات التي تراكمت على أتباعه. وكيف تحولت الأمة إلى أشتات شعب. ثم يبرئ سيرة الرسول من المتخاذلين الذين أضاعوها. وكأنه نادم وعاتب ومغاضب في حقبة أضاع المسلمون فيها ما بناه لهم الرسول الكريم.

    وأنشأ قصيدة على إيقاع البحر الوافر الذي افتن شعراؤنا الجاهليون بنغماته افتنانهم بإيقاع البحر الطويل، حيث احتل هذان البحران أكثر من نصف الشعر الجاهلي الذي وصل إلينا. يقول نصر سمعان في ذكرى المولد النبوي:

    بزغت فحيَّت الجوزاء مهدكْ



    وأعلت فوق مجد الشمس مجدكْ

    وكل فم لـه الفصحى لسانٌ



    يردد بعد حمد لله حمدكْ

    وكم خلت الممالك من ذويها



    وأنت ملأت قلب الدهر وحدكْ



    بعد ما اطمأن إلى هذه المناجاة الصاخبة والدافئة التي رفعها إلى مقام المصطفى، انكب على أحزانه لينشرها بين يدي الرسول:

    نبي قريش إن قريش ولَّت




    وولت أشرف النزعات بعدكْ



    فلا عمر تراه ولا عليٌّ





    يقود إلى مراقي العز جندكْ



    وغاية ما ترى أشتات شعب





    تردّى فوق برد الحيف بردكْ



    أعيذك أن تكون رسول قوم





    أضاعوا ما وقفت عليه جهدكْ



    وعلى إيقاع بحر الخفيف لا يهدأ نصر سمعان لكنه ينساب وراء مويجات الخفيف التي تتداخل لتمنح الشعر عذوبة خاصة، فيبدع قصيدة عنوانها محمد، ينشرها في مجلة العصبة الأندلسية في البرازيل عام 1947. يصف فيها ترحيب الوجود بكوكب دري يشرق على الدنيا اسمه محمد. ولا ينكر بقسم يشهد الله عليه أنه في سبيل المجد والحق من أتباعه لكنه ينكب ثانية على أحزانه وينادي الرسول أن ينهض من رقدته ليرى ما آلت إليه الأمور من بعده. ويرسل إشعاعاً إلى القدس الذي تحولت أشلاء بنيه إلى قلاع وحصون. وتنساب أحزان نصر سمعان متدفقة بلغة سهلة مطواعة مطبوعة بدون معاضلة أو مشاكسة أو غموض. ليوصل ما يريد كما يريد بيسر وسهولة. ليطلع المتخاذلون من العرب والمسلمين على حرقته ولوعته ودمعه.

    كوكب رحب الوجود به يوم تجلى على الوجود شعاعُهْ

    كلمات مرت العصور وغارت



    في مهاوي الزمان زاد ارتفاعُهْ



    لا تسل عن محمد واغبط





    الدنيا فأغلى كنوزها أوضاعُهْ



    شهد الله أننا في سبيل





    الحق والمجد كلنا أتباعُهْ



    ضل من ينسب السمو لعقلٍ





    آلة الشر والهلاك اختراعُهْ



    إنما المجد حكمة المتنبي





    ومعان وشّى حلاها يراعُهْ



    ***

    سيد المرسلين قم وتأمل





    كيف نامت عن العرين سباعُهْ

    غفلة أيقظت مطامع من





    أفعمت الشرق بالأذى أطماعُهْ



    هددت شعبك المنون فلما





    زمجرت مات حقده ونزاعُهْ



    هوذا القدس في الجهاد وأشلاء




    بنيه حصونه وقلاعُهْ



    ***



    صورة الرسول عند حسني غراب

    وبذكرى المولد النبوي الشريف تقيم إحدى الجمعيات الخيرية في البرازيل احتفالاً بمولد النبي. ويلقي الشاعر العربي الديباجة والنسيج حسني غراب قصيدة عنوانها محمد. يتوجه بها مبتهجاً ضارعاً مبايعاً رسول الله في يوم مولده مشيراً إلى عظمة الذكرى وعظمة صاحبها. مزيناً لوحته بالطيب والمشرق والمبهج والمنير من الصفات التي تخلدت أولاً في شخصية الرسول. ويضع هذه اللوحة في مراقي الخلود مشيراً إلى خلود شعلة الإسلام التي أوقدها طه منذ أربعة عشر قرناً. وإلى النور الذي تموج منها في عصر الظلام الذي بعث فيه الرسول، ليتغير عالم بعالم ويستبدل عصرا بعصر، ويغتسل البشر بماء الهداية المحمدية:

    شعلة المجد لم تزل يا محمد





    منذ أضرمت نارها تتوقد



    غمر الأرض نورها فإذا رمت




    دليلاً فعد إلى الأرض واشهد



    جئت والناس في ضلال وغيٍّ





    ومن الهدي في يديك مهنَّد



    ودوت صيحة، فَسُلَّ، فخروا





    خشية الحق راكعين وسُجَّد



    فإذا الأرض غير ما كنت تلقى




    وإذا الناس غير ما كنت تعهَد



    ***

    وفي وقفته الأخيرة في القصيدة أو في لوحتها الأخيرة لم ينشر سوءات العرب السياسية، ولم يشر إلى مواقفهم المشينة في هذا العصر. ولا إلى أي عيب يمارسه تابعو النبي في عصر الاستعمار والاستبداد والامتهان. بل حمل تفاؤل المستبشر بالنصر القادم. وحدا مواكب العرب وقوافل مجدهم المقبل.

    فهو يرى أن أمجاد قريش تتجدد. وأبطالها يتمردون على الذل والامتهان، وأن المقيدين حطموا قيودهم وانطلقوا في معارج العز. وإن السيف العربي الذي ظنه طغاة الفرنجة لعبة هو مهند عربي أصيل يستأنف دوره في التحرير وتحقيق الظفر.

    وفي الأربعة الأبيات الأخيرة يبشر رسول الله بيوم عبقري مقبل يخلده الزمان. فأعلام العرب خفقت فوق أصقاع الجزيرة العربية. وفي الشام عصبة للتحرير لا تلوي ذراعها الشدائد بل تشد من أزرها وتزيدها ألقاً وعزماً. وغداً سوف ترى يا رسول الله مشهد الأمة المفرح وهي ترقى ذرى النصر بعد نوم طويل.

    حسني غراب يخالف كل الشعراء المهاجرين المتشائمين في هذه القصيدة الرائعة. فينشر الفرح والتفاؤل والبياض على سوادِ عصره. ويرى النصر مقبلاً على أيدي أتباع رسول الله.

    لتبدو صورة الرسول في شعر حسني غراب مغسولة بالفرح والبشر والنصر القريب. وتظل صورة المرسل الخالد على مر الأحقاب والدهور. في كل عصر يستمد أتباع الرسول ألقهم وعزتهم من خطوطها وألوانها:

    سيّد المرسلين إني أرى مجد





    قريش شبابه يتجدد



    وأرى الأمة التي أنجبت فخر





    قُريش وصُحبه تتمرد



    حطَّمت قَيدها فثارت وسارت





    خطوة في معارج العز تُحمَد


    وانتضته مهنداً عربيّاً





    ظنه عامل الفرنجة مِرود


    فبلاه لدى الخطوب فألفاه





    يحزّ الطلى طليقاً ومُغمد





    ***

    وبعدما قدم هذه الإشراقة المفرحة وهو يناجي سيد المرسلين خاب أمله بزعماء أمته. وهم يتلقون الهزة بعد الهزة والهزيمة تلو الهزيمة.

    ***

    صورة الرسول عند ميشيل مغربي

    ميشيل مغربي يتقدم خطوة يقف من خلالها في أول الصف الأول من الشعراء المهاجرين الذين رسموا صورة الرسول العظيم بإهاب مدهش. فخاطب بقصيدته رسول الله وكأنه يتبع أحد أصحابه فيتعلم لغتهم ومخاطبتهم لـه. وربما الحرارة ذاتها وبالدفء نفسه وبصدق الإيمان وعمقه. وإذا بنا نطلع على لوحة زاهية متألقة يتمازج في ألوانها الإسلامي في العروبي، ليظهر اللونان في مزيج متموج يبهر الأبصار.

    فالمناسبة العظمى هي إحساس الشاعر بألمه ومواجعه الدائمة التي نمت بنمو غربته، والمناسبة الآنية التي كشفت الضماد عن جراحه هي ذكرى مولد رسول الله. ومن الذكرى تدفقت صور قصيدته التي أنشدها في مدينة سان باولو بالبرازيل، فلا عيد للعرب بعيداً عن رسول الله. وهذا الحكم القاطع ليس آنياً بل يراه سرمدياً ما دامت الأرض تدور حول الشمس. ولا يمكن أن ينهار للعروبة حائط ما دام دين الرسول يسنده. إيمان راسخ بسرمدية دين الله، واعتقاد صادق بما ستؤول إليه الأمور ما دام دين الله الذي حمله المصطفى إلى العالمين رحمة، فأي غمامة أسى تغشى العروبة تهب عليها أنسام محمد فتبددها. أليس هذا الروح ما كان يحمله الأصحاب معاصرو الرسول والذين معه:

    لا عيدَ للعربِ إلاّ وهو سيدّهُ





    عيدُ الرسولِ الذي فخراً نعيّدُهُ

    ما دارتِ الأرضُ حول الشمسِ دورتَها



    إلاّ وسؤدُدُهُ في الأرضِ سؤدُدُهُ

    ولا غمامُ أسى غَشَّى عروبتنا





    إلاّ وأنسامُهُ هبَّت تبدِّدُهُ



    هِيَ العروبةُ لا ينهدُّ حائطُها





    ما دامَ دينُ رسولِ اللهِ يسنُدُهُ





    ولكي يقنع متلقيه بالحكمة التي أسداها يعكف على سيرة محمد منذ طفولته ويتمه إلى اختياره من ربه ليحمل رسالة الحق والهدى والنور وأن الدنيا بأسرها تمخضت عن هذا الأوحد الواحد ليناديه جبريل في الغار، ويستمر الوحي ويتابع جبريل التنزيل حتى تسقط أوثان مكة ويباد الشرك ويشرق التوحيد:

    وكان للعرب ما كان من تلك النهضة التي خلدتهم كما خلد الإسلام فيهم:

    وكانَ أمرٌ، وقامَ العربُ قومتَهُم





    وجمرُ إيمانهم لا بحرَ يُخمدُهُ



    أرضُ العراقِ كأرضِ الشامِ مُذعنَةٌ





    والنيلُ والشرقُ أدناهُ وأبعدُهُ



    والفتحُ يتلوهُ فتحٌ في انطلاقهمِ





    وما على شاردٍ إلاّ تَشهُّدُهُ





    لينثني في نهاية القصيدة على مواجعه وأحزانه وهو يرى من وراء البحار أمة ممزقة ووطناً محزوناً وأناساً مستضعفين، بعدما دانت لهم الدنيا وهم ينشرون النور في مهاويها ونجودها.

    يتلون قرآن محمد في أدانيها وأقاصيها.

    ويناجي رسول الله بحزن وأسى وإيمان لا يتزعزع وينهي القصيدة الرائعة بالحكم على قيمة رسول لله في صورة لا أبدع ولا أعلى، بدون أن يبذر أي بذرة أمل، ويظل اليأس يسيطر عليه حتى وهو يجود كتاب الله وينظر إلى رسوله:

    يا صاحبَ العيدِ يا من في موالده




    أزهو وأحملُ قرآني أجوِّدُهُ



    أينَ العقودُ لآليها مُنضَّدَةٌ





    ممَّا أتى فمُ أُمِّيٍّ ينضّدُهُ



    ما كان أغربَ غرباً ليس يُنصُفهُ




    وليسَ ينشدُ ما الآبادُ تنشدُهُ



    إن كان للغرب عرفانٌ وفلسفةٌ





    فالكونُ يكفيهِ ما أعطى محمدُهُ


    **



    وكما يرى الإسلام خالداً على مر العصور والأحقاب، نراه نحن خالداً في هذا الإبداع العظيم.

    هوامش:

    1ـ انظر نقد ميخائيل نعيمة لشعر الشاعر القروي في كتابه الشهير: الغربال

    2 ـ أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية ص 399.


    تحياتي للجميع

  2. #2

  3. #3

  4. #4
    أبو الأمجد
    الصورة الرمزية شجاع الصفدي
    الحالة : شجاع الصفدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الوطن المحتل
    العمل : أعمال حرّة
    المشاركات : 52,649
    التقييم : 10
    عليه صلوات الله وسلامه
    الشعر في مدح رسول الله "ص" ابداع خاص جدا

    شكرا شهرزاد

  5. #5

  6. #6
    أطلس المغرب
    الصورة الرمزية مولاي عمر
    الحالة : مولاي عمر غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1037
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : في المنفى
    المشاركات : 5,955
    التقييم : 10
    عليه أفضل الصلاة و السلام

    دائما موفقة في اختيار المواضيع

    شكرا لما تقدمينه

    تحياتي

  7. #7
    Banned
    الحالة : شهرزاد غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 475
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    المشاركات : 10,777
    التقييم : 10
    شكرا لمرورك العطر اخي الكريم عموري

    دمت بالف خير

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مفهوم الشعر وماهيته وإشكالية قصيدة النثر
    بواسطة ربا محمد خميس في المنتدى دارة الآداب و الكتب والمطبوعات
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 05-12-2008, 11:14 PM
  2. قراءة في قصيدة من الشعر المغربي القديم ـــ أ.علي بولنوار(*)
    بواسطة شهرزاد في المنتدى ورشة النقد الإبداعي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 20-06-2008, 08:35 AM
  3. مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-02-2008, 05:35 PM
  4. سلامة عبيد: شاعر وباحث في الشعر ـــ د.ياسين فاعور
    بواسطة شهرزاد في المنتدى دارة الآداب و الكتب والمطبوعات
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 24-06-2007, 11:30 AM
  5. الرجال ومشاكل الصلع وتساقط الشعر
    بواسطة رشا محمد في المنتدى عيادة الصداقة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 19-06-2007, 01:39 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •