أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة" الشافعي"

 

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

النتائج 1 إلى 22 من 22

الموضوع: أحدى عشر دقيقة.. رواية كامله.

  1. #1
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10

    أحدى عشر دقيقة.. رواية كامله.

    سمعنا عن رواية احدى عشر دقيقه..

    وقام الصديق جيفارا بوضع مقتطفات منها في المنتدى من فتره..

    وانا بصراحه بحثت عنها بالامس..

    ولما بحثي طال.. لمشكلتي مع الانتر نت..

    أثرت ان اضع الروايه هنا كامله ..

    الروايه جميله جدا...

    لكنها ليست كباقي روايات الكاتب: باولو كويليو..


    اتمنى ان تعجبكم..



    ... أحدى عشر دقيقه...


    للكاتب باولو كويليو..

  2. #2
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10




    فى التاسع والعشرين من أيار سنة 2002 وقبل ساعات قليلة من الفراغ من هذا الكتاب , ذهبت الى مدينة لورد فى فرنسا لأجلب القليل من مياه الينبوع العجائبية . كنت أقف فى ساحة الكنيسة عندما اتجه نحوى رجل يناهز السبعين وخاطبنى قائلا " هل تعرف أنك تشبه باولو كويليو ؟ "

    أجبته بأننى أنا هو , عانقنى الرجل وقدم لى زوجته وحفيدته قال لى ان كتبى تحتل مكانة كبيرة فى حياته , ثم ختم كلامه بالقول " أنها تجعلنى أحلم " . غالبآ ما سمعت هذه الجملة وأدخلت المسرة الى قلبى لدى سماعها . لكنى , مع ذلك شعرت فى تلك اللحظة بقلق عميق . كنت أعرف أن روايتى " 11 دقيقة " تتناول موضوعآ حساسآ يحدث لدى القارئ صدمة عنيفة ومزعجة . مشيت الى الينبوع لأحصل على القليل من المياه العجائبية . ثم سألت الرجل عن مكان أقامته ( شمال فرنسا قريبآ من الحدود مع بلجيكا ) وسجلت اسمه فى مفكرتى .

    موريس غرافلين هذا الكتاب مهدى اليك . لدى واجب تجاهك وتجاه زوجتك وحفيدتك وتجاه نفسى , التحدث عما يشغلنى وليس عفا يود الناس سماعه . ان بعض الكتب تجعلنا نحلم وبعضها الأخر يذكرنا بالواقع , لكن لا يمكن لاى كاتب أن يتنصل مما هو جوهرى لكتابته , الا وهو النزاهة التى يكتب بها .



    * * * * *


    لأننى الأولى والأخيرة
    لأننى المبجلة والمحتقرة
    الزوجة والعذراء
    اأم والأبنة
    لأننى ذراعا امى
    لأننى العاقر ولأن اولادى لا يحصون
    لأننى الزوجة الزوجة والعزباء
    لاننى العزاء فى الأم الولادة
    لأننى الزوجة والزوج
    ولأنى رجلى هو الذى خلقنى
    لأننى ام أبى
    لأننى أخت زوجى
    ولان زوجى هو ابنى الذى تخليت عنه
    لأننى كل ذلك
    قدموا لى الأحترام على الدوام
    فأنا الفاجرة وأنا المرأةالنبيلة ...



    نشيد من أيزيس , القرن الثالث الميلادى أو الرابع , اكتشف فى نجع حمادى



    كان يا مكان , كانت هناك عاهرة تدعى ماريا . لحظة لو سمحتم " كان يا مكان " هذه هى العبارة المثلى للبدء بقصة خرافية لأطفال " فيما كلمة " عاهرة " كلمة تستعمل للبالغين . كيف بالأمكان اذا البدء بقصة على هذا التناقض المبين ؟ لكن بما أننا فى كل لحظة من حياتنا لدينا قدم فى قصص الجنيات الخرافية وقدم أخرى فى الهاوية , فلنحتفظ اذا بهذه البداية .

    كان يا مكان , كانت هناك عاهرة تدعى ماريا . ولدت عذراء بريئة ككل العاهرات وحلمت ابان مراهقتها , بان تلتقى فتى أحلامها ( أرادته أن يكون ثريا وذكيأ وجميلا ) وأن تتزوجه ( مرتديه ثوب الزفاف ) وأن تنجب منه طفلين ( لا يلبثان أن يصبحا مشهورين فى المستقبل ) , وأن تقيم فى بيت جميل ( يشرف على البحر ) .

    كان والدها وكيلا لأحدى الشركات التجارية ووالدتها خياطة . لم يكن هناك فى مدينتها نوردستا فى البرازيل الا صالة سينما واحدة وملهى ليلى ووكالة مصرفية . لذا كانت ماريا تنتظر اليوم الذى سيظهر فيه فارس أخلامها بغتة ودون سابق انذار فيمتلك قلبها وتنطلق لغزو العالم .

    بما ان فارس الأحلام لم يظهر , فلم يتبق لها والحالة هذه سوى الحلم . عرفت طعم الحب لأول مرة فى الحادية عشرة من عمرها , عندما كانت تذهب الى المدرسة الأبتدائية سيرآ على القدمين . فى اليوم الأول من السنة الدراسية , أدركت أنها لم تكن وحيدة على الطريق وأن صبيآ يسكن فى الجوار يمشى على مسافة قريبة منها , ويذهب الى المدرسة فى الأوقات نفسها , ولم يكونا ليتبادلا كلمة واحدة .

    لكن ماريا لاحظت أن اللحظات , التى كانت تدخل السرور الى قلبها وتشعرها بالبهجة أكثر من أى شئ أخر , هى تلك التى تقضيها على الطريق المغبزة بالرغم من العطش والتعب فى الشمس المحرقة , والصبى الذى يسرع فى مشيته , فيما هى تبذل جهودآ مضنية لتبقى فى محاذاته .

    تكرز المشهد لأشهر عدة , لم يكن لدى ماريا , التى تكره الدرس , من تسلية أخرى سوى مشاهدى التلفاز . لذا أخذت تتمنى أن يمضى الوقت بسرعة , وتنتظر بلهفة أوقات الذهاب الى المدرسة , وتشعر بالضجر فى عطلة نهاية الأسبوع بخلاف الفتيا اترابها .

    كانت ماريا تتعذب , لان الساعات تمر بطئية بالأولاد , أبطا منها بالكبار , وتحس بأن أيامها متناهية الطول لأنها لا تمنحها الا عشر دقائق تقضيها على الطريق بمحاذاة فتى أحلامها , فيما تقضى آلاف الدقائق والساعات فى عالم الخيال تحلم بلقائه والتحدث اليه ولو لبرهة قصرة من الوقت .

    وذات صباح اقترب منها الصبى وسألها ان تعيره قلمآ . فلما تجب وتظاهرت بأن هذا التقرب المتطفل يزعجها فحثت الخطى . ثم ما لبثت أن تجمدت من شدة الذعر عندما رأته يتجه ناحيتها . خشيت ان يكتشف أنها تحبه وتنتظره , وانها تحلم بأن ياخذ بيدها متجاوزا باب المدرية فتعبر الطريق برفقته حتى النهاية , الى ان تبلغ , كما يقال , مدينة كبيرة وأشخاصا يبدون وكأنهم طالعون من الورايات وفنانين وسيارات وقاعات سينما كثيرة وكل أنواع الفرائد .

    طوال النهار , كان يشق عليها ان تستجمع أفكارها فى الصف , كان تصرفها العبثى يعذبها فى ان التفكير بأن الصبى استانس بوجودها هو ايضا , وبانه استخدم القلم ذريعة للدخول فى حديث معها , لانها لاحظت فلماً فى جيبه لدى اقترابه منها . كانت تتحرق شوقآ وحزنآ لرؤيته . فى تلك الليلة وفى الليالى التى اعقبتها , أخذت كافة الأجوبة التى يمكن أن تواجهه بها , الى ان عثرت على الطريقة المثلى التى تؤهلها البدء بقصة لن تنتهى ابدآ .

    لكن الصبى لم يعد يتوجه اليها بالكلام . استمر لقاؤهما على طريق المدرسة , احيانا تقدمة ماريا يضع خطوات وتمسك قلمآ بيدها اليمنى , واحيانا تتخلف عنه قليلا ليتاح لها ان تراقبه ملياً . وقد وجدت لزاما عليها ان تكتفى بحبه , وتتعذب بصمت حتى نهاية السنة الدراسية .

    بدت لها العطلة لا متناهية واستفاقت ذات صباح وساقاها ملطختان بالدم . ظنت انها مائتة لا محالة . فقررت ان تكتب رسالة للصبى تعترف له فيها انه كان الحب الأول الكبير فى حياتها . ثم خطرت لها فكرة ان تغرق فى " السرتا " وتفترسها احدى البهائم المتوحشة التى تلقى الذعر فى نقوس مزارعى تلك المنطقة كالغول الذئبى او البغلة التى لا راس لها .( * )

    وهكذا , أخذت تفكر بان والديها لن يبكيا لموتها لان الفقراء يتعللون بالأمل , رغم المآسى التى ترهق كواهلهم . لا بل سيعتقدان ان عائلة ثرية دون أولاد قد اختطفتها وانها سترجع يومآ مكللة بالمجد والثروة . أما الحبيب الحالى ( والأبدى ) فى حياتها , فلن يتمكن من نسيانها وسيتعذب كل صباح لانه لم يتوجه اليها بالكلام .

    لم تتمكن ماريا من كتابة الرسالة لانها امها دخلت غرفتها ورأت الئرائف الملظخة ببقع الدم وقالت " ها قد كبرت وصرت صبية يا صغيرتى " .

    أرادت ماريا ان تعرف ما هى العلاقة بين كونها صارت صبية , والدم الذى انساب بين ساقيها . لكن امها عجزت عن شرح ذلك لها . أكدت لها فقط ان ما حدث لها طبيعى وانها من الان فصاعدا يتوخى عليها ان تضع منشفة صغيرة بسماكة وسادة دمية , مدة أربعة أو خمسة أيام فى الشهر . سألتها ماريا عما اذا الرجال يستعملون أنبوبآ لكى يمنعوا الدم من تلطيخ سراويلهم , وعلمت ان ذلك لا يحدث الا للنساء فقط .

    شكت امرها لله , بيد انها ألفت أخر الامر , العادة الشهرية , لكن صعب عليها ان تألف غياب الصبى . تلوم نفسها على موقفها السخيف الذى يدفعها الى التهرب مما كانت تتمناه أكثر من اى شئ اخر .

    عشية العودة الى المدرسة , دخلت الكنيسة الوحيدة فى المدينة وأقسمت امام القديس انطونيوس بانها ستتخذ المبادرة وتتحدث الى الصبى .

    فى اليوم التالى , رتبت هندامها على أكمل وجه وارتدت الفستان الذى خاطته امها خصيصآ للمناسبة . ثم خرجت وهى تشكر الله على ان العطلة انتهت اخيرآ . لكن الصبى لم يظهر . وهكذا مر أسبوع جديد من الحيرة والقلق , ثم ما لبثت ان علمت من بعض الأصدقاء ان الصبى غادر المدينة .

    قال لها أحدهم , غادر بعيدآ ....

    عندئذ أدركت ماريا ان ليس هناك ما يمنع من ان نفقد بعض الأشياء الى الأبد , وعلمت أيضآ ان هناك مكانآ يدعى " بعيدآ " وان العالم واسع ومدينتها صغيرة . وان الكائنات الأهم يؤؤل بها الامر الى الرحيل دوما . ودت لو انها تستطيع ان تغادر هى أيضآ , لكنها لا تزال فتية جدآ . ومع ذلك , حسن شاهدت الطرقات المغبرة , اتخذت القرار بانها ستمشى ذات يوم على خطى الصبى , فى ايام الجمعة اللاحقة , وعلى مدى السنوات التالية , تناولت ماريا القربان المقدس وفق عادة دينية درجت عليها , وصلت للعذراء طالبة منها ان تنقذها يوماً من هذا المأزق .

    تعذبت ماريا لبعض الوقت , وعبثا حاولت ان تجد أثرآ للصبى . لكن أحدآ لا يعرف الى اين انتقل اهله . عندئذ بدأت ماريا تشعر ان العالم واسع جدآ وان الحب العظيم . ايقنت أيضآ ان العذراء تقطن فى السموات البعيدة التى لا تصلها صلوات الأولاد وتضرعاتهم .



    * * * * *



    مرت ثلاث سنوات تعلمت خلالها ماريا الجغرافيا والرياضيات , وتابعت مشاهدة المسلسلات التلفزيونية . كما تفصحت سرآ فى المدرسة أولى المجلات الأباحية . وشرعت تكتب بانتظام يوميات تتحدث فيها عن حياتها الرتيبة ورغبتها الكاملة فى التعزف عن كتب الى ما تعلمته , المحيط , الثلج , الرجال الذين يرتدون العمامات , النساء الأنيقات المزدانات بالجواهر .. لكن , لما لم يكن أحد يستطيع التعايش مع الرغبات المستحيلة , وبخاصة حين تكون الأم خياطة والأب غائبآ دوما , فسرعان ما أدركت ماريا انه يجدر بها ان تولى ما يحدث من حولها اهتماما أكبر . كانت تتابع الدراسة لكى تتدبر أمرها فى الحياة , وتفتش فى الوقت نفسه عن رفيق يمكن ان يشاركها فى الحياة , وتفتش فى الوقت نفسه عن رفيق يمكن ان يشاركها احلامها فى الغامرة . عندما بلغت سن الخامسة عشر وقعت فى غرام صبى التقته خلال أحد الزياحات التى تجزى فى أسبوع الألام .

    لم تكرر الخطأ الذى ارتكبته فى طفولتها , تحدثا وصارا صديقين ثم ذهبا الى السينما والى الأعياد معآ . وخلصت ماريا الى النتيجة نفسها التى تقول ان الحب يتجلى فى غياب الحبيب اكثر من هفى حضوره . كانت تفتقد حضور الفتى باستمرار , وتقشى الساعات متخيلة ما يمكن ان تقوله له فى اللقاء المقبل , مستعبدة كل ثانية تقاسمتها معه , مستحضرة ما فعلته من تصرفات جيدة او سيئة .

    كانت تحب ان تظهر بمظهر الفتاة الشابة التى تملك تجربة فى الحياة والتى سبق لها ان كابدت هيامآ كبرآ , وعرفت مقدار الألم الذى يسببه هذا الشغف . كانت عازمة على الصراع بكل ما أوتيت من قوة , لتملك قلب هذا الرجل , أو ليس هو من سيتزوج بها , ويمنحها أولادآ ويهيبها بيتآ يشرف على البحر .

    حدثت امها فى الامر فقالت متوسلة :

    - لا يزال الوقت مبكرآ جدى يا بنتى .
    - لكنك كنت فى السادسة عشرة عندما اقترنت بأبى .

    امتنعت الام عن شرح سبب هذا الزواج المبكر الذى يعود الى ظهور بودار حمل غي متوقع . ارادت ان تضع حدا للنقاش , فلجأت الى الحجة القائلة بانه " فى ذلك الزمان , كان الامر مختلفآ " .

    فى اليوم التالى ذهبت ماريا برفقة الصبى للتنزه فى الريف المحيط بالمدينة . أخذا يتبادلان أطراف الحديث , حدثته ماريا عن رغبتها فى السفر , فاخذها بين ذراعيه على سبيل الأجابة وقبلها .

    أول قبلة فى حياتها ! حلمت بهذه اللحظة . كان المنظر بديعآ , طيور مالك الحزين المحلقة فى الجو والشمس الغاربة , والمنطقة شبه القاحلة بجمالها الوحشى , وصوت الموسيقى الصادحة فى البعيد .. تظاهرت ماريا بالتمنع ثم عانقته مكررة الحركة التى رآتها مرات عدة فى السينما والمجلات والتلفاز . مزغا شفتيها بعنف فوق شفتيه , محركة رأسها من جهة أخرى بشكل شبه منتظم وشبه خارج عن سيطرتها .

    شعرت بين الفينة والأخرى ان لسان الرجل يلامس أسنانها ووجدت الأمر لذيذا .
    وفجأة توقفت عن التقبيل .
    سالها الصبى : الا ترغبين فى ذلك ؟ ..

    ماذا عليها ان تجيبه ؟ اتجيبه بانها ترغب فى ذلك ؟ بالطبع ! لكن لا يجدر بالمرأة ان تستلم على هذا النحو , وبخاصة لزوجها المقبل , والا لأشتبه بأمرها طوال حياته , ولا أعتقد بانها تقبل كل شئ بسهولة كبيرة . لذا فضلت الا تقول شيئاً .

    أخذها من جديد بين ذراعيه , بحماس أقل هذه المرة . ثم توقف وقد اشتد احمرار وجهه . أدركت ان هناك خللا ما طرأ , لكنها خافت ان تسأله عن الموضوع . أمسكت بيده وعاد الى المدينة , وهما يتحدثان عن امر اخر وكأن شيئآ لم يكن .

    فى تلك الليلة , وايقنت ماريا ان حدثا جللا قد حصل , فدونت فى يومياتها هذه العبارات التى انتقتها بعناية .

    " عندما نلتقى أحدهم ونقع فى غرامه , نشعر ان الكون كله يطاوعنا فى هذا الاتجاه . هذا ما حدث لى اليوم عند مغيب الشمس . لكن اذا حدث خلل منا , فان كل شئ عندئذ يتلاشئ ويختفى ! طيور مالك الحزين والموسيقى الصادحة فى البعيد وطعم شفتيه . ترى , كيف يمكن للجمال الذى كان حاضرآ بقوة ان يختفى بهذه السرعة ويتلاشئ ؟

    الحياة تمر مسرعة وتنقلنا من الجنة الى الجحيم , ولا يحتاج الامر الا الى ثوان معدودات .

    فى اليوم التالى , ذهبت لموافاة ضديقتها شاهدنها جمعهم تتنزه برفقة " حبيبها " . يبدو انه ليس مهما فى نهاية المطاف أن يعيش الأنسان حبآ كبيرآ , المهم ان يعرف الجميع انك شخص يثير الرغبة لدى الأخر . كانت صديقتها متشوقات جدآ ليعرفن كيف جرت الأمور , فاعلنت ماريا لهن بفخر شديد أن افضل ما حصل لها هو عندما لامس لسانها أسنانها .

    اخذت احدى الفتيات بالضحك .

    - ألم تفتحى فمك ؟
    وبغتى , أصبح كل شئ واضحا لها , السؤال والخيبة .
    - ولم على فعل ذلك ؟
    - لكى تدعى لسانه يمر .
    - وما الذى سيتغير ؟
    - هكذا يقبل الرجل المرأة .

    أطلقت الضحكات المكبوتة , وأظهرت بعض الفتيات تعاطفآ مخادعآ فيما كتمت الأخريات غيظهن , ولاحت فى أذهانهن مشاريع الانتقام , لانهم لم يعرفن حبيبا من قبل . تظاهرت ماريا بعد الاكتراث , وضحكت بدورها , حتى لو كانت روحها تبكى .

    اخذت تلعن فى سرها كل الأفلام التى علمتها ان تغمض عينيها وتمسك بيدها رأس صديقها , ثد تدير راسها تارة الى اليسار وطورا الى اليمين دون ان تعلمها ما هو جوهرى . ثم ما لبثت ان صاغت تفسيراً ملائمآ لما جرى ( لم أشا الاستسلام فى الحال , لاننى لم أكن متأكدة بعد من مشاعرى . لكنى متيقنة الأن انه رجل حياتى ) وانتظرت الفرصة المقبلة .

    بعد ثلاثة أيام , رات الفتى خلال احتفال اقمته البلدية , وكان يمسك بيد أحدى صديقاتها , تلك التى سألتها بالذات عن طعم القبلة الأولى . تظاهرت ماريا عندئذ بعدم الاكتراث . احتملت المشهد حتى نهاية السهرة , والهت نفسها بالتحدث الى صديقاتها الفنانات , والشبان الذين يسكنون فى الجوار . كما تظاهرت بتجاهل نظرات الاشفاق التى رمقتها بها أحدى صديقاتها . لكن , ما ان رجعت الى البيت حتى شعرت انها عاجزة عن الامساك بزمام الامور وان عالمها قد انهار , فبكت طوال الليل .

    تعذبت ثمانية أشهر متواصلة وخلصت الى ان الحب لم يخلق لها ولم تخلق هى من اجله . قررت عندئذ ان تسلك طرق الرهبنة وتكرس بقية حياتها لمحبة يسوع , لان هذا الحب لا يترك جراحآ اليمة فى القلب . سمعت الناس فى المدارس يتحدثون عن مرسلين الى أفريقيا للتبشير , فرأت فى ذلك منفذآ للخلاص من حياتها الرتيبة الخالية من الأنفعالات .

    قررت الدخول الدير , وتعلمت الأسعافات الأولية ( لأن هناك ناسا كثيرين يقضون حتفهم فى أفريقيا بحسب ما يقول بعض الاساتذة ) , وشاركت بجد ومثابرة فى دروس التعليم الدينى . بدأت تتخيل نفسها قديسة الأزمنة الحديثة تخلص النفوس الخاطئة , وتستكشف الغابات المزدحمة بالنمور والأسود .

    لكن تلك السنة , سنة بلوغها الخامسة عشر , خبات لها اكتشافها . ثالثا " الأستمناء " اكتشفته بالمصادفة , عندما كانت تلعب بعضوها فيما تنتظر رجوع أمها الى المنزل . كانت قد اكتشبت تلك العادة فى طفولتها , ووجدت فيها لذة غامرة . الى ان فاجأها والدها ذات يوم وهى فى وضعية الاستمناء , فانهال عليها بالضرب دون ان يشرح لها السبب . لم تنس ماريا الضربات , وتعلمت انها يجب ان تمتنع عن ملامسة عضوها فى حضور الأخريين . وبما انها لم تكن لديها غرفتها الخاصة , فقد نسيت اللذة التى منحتها اياها هذه العادة .

    ولبثت كذلك الى ان اكتشفتها مجددآ فى ذلك اليوم بعد الظهيرة , بعد مرور ستة أشهر تقريباً على القبلة الشهيرة . تأخرت امها فى العودة , كان ابوها قد خرج مع صديقه . لم يكن لديها ما تفعله ولم يكن هناك برنامج مهم على التلفزيون . لذا , أخذت تتلهى بتفحص جسدها على أمل ان تجد فيه بعض الشعيرات المزعجة التى تستوجب الأزالة . دهشت عندما لاحظت وجود برعم صغير فى أعلى فرجها . أخذت تلامسة دون ان تتمكن من ردع نفسها , وراحت وتيرة لذتها تتصاعد لتصير أكثر حدة , والتوى جسدها كله لذة , وبخاصة القسم الذى لامسته . شعرت بانها تدخل شيئآ فشيئآ يشبه الجنة , وتزايد الشعور . دونت فى يومياتها انها لم تعد ترى ولا تسمع شيئاً بوضوح . بدا كل شئ وكأنه اصطبغ بالذهب , قم انت تحت طأة اللذة , وكانت تلك رعشتها الجنسية الأولى .

    الرعشة الجنسية ! المتعة !

    لكن بدا لها ان الامير يشبه سقوطآ بطيئآ بمظلة من أقاصى السماء الى الأرض . كان جسدها ينضح عرقآ , لكنها احشت انها تشعر بأرتياح كلى يغمرها وانها مفعمة بالحيوية . هذا هو اذا الجنس ! يا للروعة ! لم تعد محتاجة الى مجلات بورتو غرافية يتحدث فيها الجميع عن اللذة يتكشيرة تنم عن ألم .

    لم تعد بحاجة الى رجل يحب جسد المرأة وبكرة قلبها . بامكانها ان تفعل كل ذلك بمفردها ! أعادت الكرة متخيلة ممثلا شهيرآ يقوم بمداعبتها وبلغت من جديد أعالى السماء قبل ان تهبط مجددآ على الأرض وهى تفيض بالحيوية . كانت تهم بالأستمناء للمرة الثالثة عندما وصلت أمها .

    ذهبت ماريا لتتحدث مع صديقاتها عن اكتشافها هذا , وحاذرت هذه المرة ان تبوح لهن انها قامت بالتجربة الأولى منذ ساعات قليلة . كن جميعهن , ماعدا اثنتين , يعرفن الكثير عن الموضوع . لكن أيا منهن لم تتجرأ على قول ذلك علانية . شعرت ماريا انها على وشك ان تصير ثورية وقائدة للجماعة , فاخترعت " لعبة الأسرار الحميمة " وطلبت الى كل واحدة أن تتحدث عن طريقتها الأثيرة فى الاستمناء .

    تعلمت ماريا عدة تقنيات لاستمناء , البقاء مثلا تحت الغطاء فى عز الصيف ( لان التعرق , كما قالت أحدى الفتيات يسهل العملية ) أو استخدم ريشة ورزة لملامسة المكان ( لم تكن ماريا تعرف اسم المكان ) او تدع صبيا يقوم بذلك مكانها ( هذا لم يكن ضروريا لماريا ) او استعمال حنفية الاستبراء , ( لم يكن لديها حوض لأستبراء ,لكنها ستجرب ذلك لدى زيارتها لاحدى صديقاتها الثريات ).

    عندما اكتشفت ماريا الاستمناء واستخدمت بعض التقنيات التى اقترحها عليها صديقاتها , تخلت نهائيآ عن فكرة الرهبنة . لقد منحها الاستمناء لذة كبيرة , لكن الجنس فى نظر الدين هو أعظم الخطايا . وعرفت عبر صديقاتها انفسهن الشائعات المتصلة بالاستمناء , فهو يجعل الوجى يتملئ بالبثور , وقد يؤدى الى الجنون او الحمل . لكن ماريا استمرت , بالرغم من كل هذه المخاطر , فى منح نفسها اللذة مرة فى الأسبوع على الاقل , يوم الاربعاء عمومآ , حين يذهب أبوها لكى يلعب الورق مع أصدقائه .

    وفى الوقت نفسه , بدأت ماريا تشعر ان ثقتها بنفسها تضعف فى حضور الرجال , وتملكتها رغبة عارمة فى مغادرة المكان الذى تعيش فيه . وقعت فى الحب مرة ثالثة ورابعة وتعلمت التقبيل والمداعبة والأستسلام لداعبة أحبائها , الا ان هناك دوما شيئآ لا يسير على ما يرام , ويحدث ان تنتهى العلاقة فى الوقت الذى تقتنع ماريا فيه بان شريكها مناسب لتقضى معه بقية أيام حياتها .


    >>>>>>

  3. #3
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    وفى النهاية , توصلت ماريا الى الاستنتاج ان الرجال لا يجلبون الا الألم والحرمان والعذاب والضجر . ذات يوم , بعد الظهيرة , حين صادف وجودها فى احدى الحدائق , اتخذت قرارآ , وهى تراقب اما تلاعب ابنها ذا السنتين , ان بامكانها ان يكون لها هى ايضآ زوج واولاد ومنزل يشرف على البحر , لكنها لن تقع فى الغرام اطلاقا , لان الغرام يفسد كل شئ .


    * * * * *


    وهكذا , مرت سنوات مراهقة ماريا . ازدادت جمالا وجذب مظهرها الغامض والحزين الكثير من الرجال , فخرجت بصحبتهم , حلمت وتعذبت , بالرغم من الوعد الذى قطعته على لنفسها بألا تقع فى الغرام من جديد . فقدت عذريتها خلال أحد هذه اللقاءات على مقعد سيارة خلفى , كانت هى وصاحبها يتلامسان باضطرام أكبر من المعتاد فتحمس الفتى . واذ سئمت ماريا من كونها اخر عذراء بين صديقاتها , سمحت له بولوجها . كان الأمر مؤلما بخلاف الاستمناء الذى كان يقودها الى الجنة , ولطخ خيط رفيع من الدم ثوبها . لم يمنحها ذلك الشعور السحرى الذى منحتها اياه القبلة الأولى . ليس هناك طيور مالك الحزين المحلقة فى الفضاء ولا الشمس الغاربة ولا الموسيقى ... أرادت أن تنسى ما حصل لها .

    ضاجعت الصبى عدة مرات , بعد ان حذرته بأنه يعرض نفسه للقتل على يد أبيها فيما لو عرف أنه فض بكارة أبنته . جعلت منه أداة لتتعلم ممارسة الجنس , وحاولت بجميع الوسائل أن تعرف أين مكامن اللذة فى العلاقة الجنسية مع الشريك .

    كل ذلك غير مجد . الاستمناء يتطلب أقل , ويمنح نعما أكبر . لكن جميع المجلات والمسلسلات التلفزيونية والكتب والصديقات ... كل شئ من هذه الأشياء , كل الأشياء على الأطلاق تعلن وتؤكد أهمية الرجل فى حياة المرأة . فكرت ماريا انها تعانى مشكلة جنسية لا يمكن البوح بها , وأخذت تحصر همها بدروسها , ونسيت لبعض الوقت هذا الشئ الرائع والفتاك الذى يدعى الحب .

    * * * * *



    ذلك مقطع من يوميات ( ماريا ) وهى فى سن السابعة عشرة :

    أتوق الى فهم الحب . أدرك شعورى با،نى كنت مفعمة بالحياة حين أحببت , واعرف ان كل ما أملكه الأن , مهما يبد مهما , لا يلهب فى قلبى الحماسة .

    لكن الحب الرهيب : رأيت صديقاتى يتعذبن ولا اريد أن يحصل لى ذلك . كن يسخرن منى من قبل ومن براءتى . وها هن الأ، يسألننى ماذا أفعل لكى اتمكن من الهيمنة على الرجال بهذا الشكل . أبتسم وأسكت , لا،نى اعرف ان الدواء أسوا من الألم نفسه .

    الجواب بسيط وهى اننى لا اقع فى الحب . بت أدرك مع مرور الايام هشاشةالرجال وعدم استقرارهم وقلة ثقتهم بأنفسهم وتصرفاتهم التى لا يمكن التنبؤ بها ... حاول بعض أباء صديقاتى استدراجى الى علاقة حميمة معهم لكننى قابلتهم بالصد . فى أول الأمر ضدمت بتصرفاتهم . اما الان فادرك أن ذلك يشكل جزءآ من الطبيعة الذكورية .

    رغم أن هدفى يتمثل فى فهم الحب , ورغم العذاب الذى عانيته على أدى هؤلاء الذى سلمتهم قلبى ان بامكانى القول ان هؤلاء الذين لامسوا روحى لم ينجحوا فى ايقاظ جسدى من كبوته , وان هؤلاء الذين لامسوا سطح جسدى لم ينجحوا فى بلوغ أعماق روحى .


    * * * * *



    أنهت ماريا دروسها الثانوية فى سن التاسعة عشرة ثم وجدت عملا فى محل للنسيج أوقعت صاحبه غرامها . وباتت ماريا فى تلك المرحلة تعرف كيف تستغل رجلا دون أن يستغلها . لم تسمح له قط بملامستها , رغم أنها كانت تظهر دائمآ دلعآ , وتدرك سطوة جمالها .

    سطوة الجمال : ترى كيف ترى النساء البشعات العالم ؟ كان لديها صديقات لا يلفتن انتباه احد فى الأعياد , ولا يسألهنأحد عن أحوالهن . الا ان هؤلاء الفتيات , ولو بدا الامر صعب التصديق , يولين أهمية كبيرة للحب القليل الذى يمنح لهن , ويتعذبن بصمت عندما يرفضن , ويجهدن الا يبنين مستقبلهن على الأمل الأحتمالى باثارة الأعجاب لدى أحد الرجال . كانت ماريا تعتقد أن العالم يحب ان يبد لهن غير محتمل , لكنها تجهل انهن كن اكثر استقلالية من الجميلات , ويكرسن حياتهن فى أجواء هادئة لتحقيق أنفسهن باطراد .

    بيد ان ماريا كانت مدركة تمامآ لجمالها . ومع ذلك , فانها احتفظت بنصيحة واحدة من نصائح امها التى كانت تنساها دومآ ( يا بنيتى , الجمال لا يدوم . ) لذا استمرت ماريا فى علاقة ليست بالحازة ولا بالباردة مع صاحب العمل . وموقفها هذا تجشد عمليا بزيادة هامة لمرتبها ( لم تكن تعرف المدى الذى تستطيع فيه السيطرة عليه وايهامه بامكانية وقوعها فى حبائله , لكن ما دام الوضع على هذا النحو فبامكانها توفير مصدر ( رزقها ) , فضلا عن العلاوة المستحقة عن الساعات الأضافية ( كان الرجل يرغب فى الحقيقة أن يبقيها قريبة منه وربما كان يخشى , فيما لو خرجت مساء ان تلتقى حبها الكبير ) . عملت ماريا أربعة وعشرين شهرا دون انقطاع , واستطاعت توفير المعيشة لاهلها وادخار المال الضرورى .

    واخيرا يا للنجاح الذى يمنحها فرصة قضاء اجازة فى مدينة احلامها , مدينة الفنانين , وقبلة انظار السياح " ريو دى جانيرو " .

    اقترح عليها رب العمل أن يرافقها ويسدد عنها كل النفقات . تذرعت ماريا كاذبة ان الشرط الوحيد الذى اشترطته والدتها للموافقة على السفر هى أن تنام عند قريب لها يمارس المصارعة اليابانية , لانها ذاهبة الى أحدى المدن الأكثر خطورة فى العالم .
    وأضافت : كما أنك يا سيدى , لا يمكن أن تترك المحل هكذا دون شخص يهتم به ويكون موضوع ثقة ...

    قال لها :
    - لا تنادينى " سيدى " .

    ورأت ماريا فى عينيه شيئا لم تألفه من قبل , نار الشغف . شكل هذا الأمر مفأجاة حقيقة لها , اذا كانت تعتقد أن هذا الرجل لا يهتم الا بالجنس . اما الان فنظرته توحى بالعكس , " استطيع ان امنحك عائلة وبيتا وقليلا من المال لاهلك " . فكرت ماريا بالمستقبل وقررت ان تزيد ناره اضطرارآ .

    قالت له : انها تحب عملها كثيرآ , وانها ستفتقد الناس الذين تهيم بمعاشرتهم ( حرصت على الا تذكر شخصاً بالتحديد لكى يبقى تصريحها محاطا بالكتمان ) , فهل يمكن ان يكون " الناس " الذين أشارت اليهم , هو تحديدآ ؟

    ووعدته بأن تهتم بمحفظة نقودها اهتماما كبيرة , وتحافظ على نزاهة أخلاقها . أما الحقيقة فكانت مختلفة تماما , لا ترغب فى ان يفسدأحد , ولا اى شخص , أسبوعها الأول من الحرية الكاملة , كانت ترغب فى الاستجمام والتحدث الى أشخاص مجهولين والتسكع أمام الواجهات والتمتع بالنظر اليها , وتهيئة نفسها للألتقاء بفارس الأحلام الذى سيأتى ويختطفها الى الأبد .


    قالت بابتسامة مغرية وبدلع مضلل , أى اهمية لأسبوع فى حياة الأنسان ؟ سرعان ما ينقضى الأسبوع , وأعود قريبا لافى بالتزاماتى .

    حاول صاحب المحل اقناعها دون جدوى , ثم ما لبث أن رضخ والاسى يمزقه لانه كان عازما على القيام بخطة سرية , وهى طلب يدها للزواج عند رجوعها من السفر , فقرر أن يبقى مشاعره طى الكتمان , فلا يعمد الى اسماعها كلمة غزل واحدة .

    اشتغرقت الرحلة ثمانى وأربعين ساعة فى الباص . ونزلت ماريا من ثم فى فندق من الدرجة الخامسة فى كوباكابانا ( اه , كوباكابانا ! الشاطئ , السماء ... ) وقبل أن تفرغ امتعتها , انتشلت " المايوه البيكينى , الذى اشترته مؤخرا, وارتدته رغم الطقس الغائم وذهبت الى الشاطئ . نظرت الى البحر بحذر وخشية , ثم ما لبثت ان خاضت فى الماء بخفر .

    ان احدا على الشاطئ لم ينتبه الى أن هذه الفتاة كانت تعيش أول اتصال لها مع المحيط والألهة ايمنجا والتيارات البحرية وزبد الأمواج , ومع شاطئ أفريقيا المزدحم باأسود فى الجهة المقابلة لأطلسى . عندما خرجت من الماء , اقتربت منها أمرأة تبيع سندويشات خالية من المواد الكيميائية , وسألها رجل أسود جميل عما اذا كانت متفرغة هذا المساء , ودعاها رجل لا يعرف كلمة برتغالية واحدة , بالاشارات الى مشاركته فى تناول شراب جوز الهند ...

    اشترت ماريا السندويش لنها خجلت من الرفض . الا انها تجنبت الكلام مع الرجلين . احست بالحزن يجتاح قلبها , الان وقد بات بامكانها ان تفعل ما تريد , لماذا كانت تتصرف بهذه الطريقة المخزية ؟ بما انها لا تملك تفسيرآ لذلك , فقد جلست تنتظر أن تظهر الشمس المحتجبة خلف الغيوم من جديد .

    الا ان الاجنبى ظهر حاملا جوزة الهند وقدمها اليها . سرت لأنها لم تكن مضطرة للتحدث اليه . شربت ماء جوز الهند وابتسمت , فابتسم له بدورها . التزما لبعض الوقت بهذا الشكل من التواصل المريح الذى لا يلزم الطرف الاخر بشئ , ابتسماة من هنا . ابتسامة من هناك , الى ان انتشل الرجل من جيبه قاموسآ صغيرآ ذا غلاف أحمر وقال بلكنة " جميلة " . ابتسمت من جديد كانت توذ طبعا أن تلتقى فارس أحلامها لكنها تريده أن يتكلم لغتها ويكون اكثر فتوة .

    اصر الرجل وهو يتفصح الكتاب قائلا " العشاء هذا المساء ؟ " .
    وأضاف على الفور " سويسرا " . ثم تلفظ بهذه الكلمات التى تصدح مثل أجراس الجنة أيا تكن اللغة التى تقال فيها " وظيفة ! دولارات " ! .

    لم تكن ماريا تعرف مطعم " سويسرا " ثم هل يعقل أن تكون الأشياء بهذه السهولة وان تتحقق الأحلام بهذه السرعة ! من الأفضل تحاشى الموضوع . شكرآ للدعوة , أنا مشغولة , ولا أبحث عن شراء دولارات .

    لم يفهم الرجل لكمة لعينة واحدة من جوابها . بدأ يشعر باليأس . تركها لبضع دقائق بعد ان وجه اليها بعض الابتسامات قم عاد برفقة مترجم . قال لها عبر وسيطه , انه ات من سويسرا ( هذا ليس اسم مطعم ,اذا بل اسم بلاده ) , وانه يوذ فعلا تناول العشاء معها لانه يريد ان يعرض عليها وظيفة . كان المترجم أحد الفندق حين ينزل الرجل , وكان يعاونه فى مساعيه . قال لها على انفراد " لو كنت مكانك لقبلت العرض . هذا الرجل مدير فنى معم وقد اتى الى البرازيل للبحث عن مواهب جديدة للعمل فى اوروبا . اذا شئت , أستطيع أن اعرفك الى بعض الفتيات اللواتى وافقن على اقتراحاته , وصرت ثريات وتزوجن وأنجبن , وهن الان بمنأى عن البطالة , وليس لديهن ما يخشينه من صروف الدهر ) . ثم اضاف وهو ينوى التأثير فيها بثقافته الواسعة " بالأضافة الى ذلك فالسويسريون يصنعون أصنافا ممتازة من الشوكولاته والساعات " .

    كانت التجربة الفنية لماريا لا تكاد تذكر , مثلث ذات مرة دور بائعة ماء , واكن دور صامتا فى مسرحية تقام دوما خلال أسبوع الألام . ومع انها نامت بشكل شيئ فى الباص , فان منظر البحر كان يستثريها , ويتعبها التهام السندويشات , ويحرجها انها لا تعرف أحد فى الريو , وان عليها التعرف سريعا الى احد الأصدقاء . سبق لها ان مزت بمثل هذه الحالة والتقت رجلا يكرز اطلاق الوعود دون أن يحقق واحدآ منها . لذا , كانت تعرف ان قصة هذا المدير الفنى ليست الا وسيلة يبحث من خلالها عن أثارة اهتمامها والتقرب منها , فيما هى تتظاهر بصده .

    لكنها كانت على يقين من ان العذراء منحتها هذه الفرصة , وعلى اقتناع بصورة ان تستفيد من كل ثانية فى أسبوع العطلة هذا . لذا شعرت أن الامر برمته يشكل مادة نفسية يمكن ان ترويها لصديقاتها عن رجوعها . قررت عندئذ قبول الدعوة شرط أن يرافقها المترجم , لانها سئمت الأبتسام والتظاهر بانها تفهم كلام الأجنبى .

    لكن المشكلة التى تتسم بالخطورة البالغة هى انها لا تملك ثوبا للمناسبة , والمرأة لا تعترف أبدأ بهذه الأسرار الحميمة ( يسهل على المرأة ان تتقبل خيانة زوجها من ان تعترف بالحالة المريعة لخزانة ملابسها ) . لكن , بما ان ماريا لا تعرف هذين الرجلين , ولن تراهما مجددآ فى حياتها , فقد رأت ان ليس لديها ما تخسره وقاتل " ما زلت قادمة للتو من نوردستا , وليس لدى ما ارتديه للذهاب الى المطعم " .

    توسل اليها الرجل عبر المترجم قائلا " انه لا يجدر بها ان تقلق بهذا الشأن , قم طلب اليها عنوان الفندق الذى تنزل فيه . بعد الظهيرة , ارسل اليها فستانا لم تر مثله فى حياتها وحذاء يبلغ ثمنه اجر عام كامل .

    شعرت ان المغامرة قد بدأت , المغامرة التى طالما حلمت بها خلال طفولتها ومراهقتها فى " السرتا " البرازيلية . و " السرتا " بلاد قاحلة وشباب لا مستقبل لهم , مدينة نزيهة لكن فقيرة , والحياة فيهعا رتيبة وفارغة من اى اهتمام . ها هى تتحضر الان لتصبح اميرة العالم ! ها ان رجلا يعرض عليها وظيفة ودولارت , ويقدم لها حذاء مترفا وفستانا يشبه الفساتين فى قصص الساحرات ! لا ينقصها الا الماكياج , لكن موظفة الأستعلامات تعاطفت معها واتت لنجدتها ولم تنس ان تحذرها بقوة وتنبهها الى ان الأجانب ليسوا كلهم جديرين بالاحترام , كما ان ليس كل سكان ريوم دى جانيرو صعاليك .

    تجاهلت ماريا التنبيه . ارتدت هدية السموات وقضت ساعات أمام المرأة , وهى تتحشر لكونها لم تجلب معها الكاميرات فتصور هذه اللحظات . واستمرت كذلك الى ان انتبهت انها تأخرت عن موعدها . خرجت وهى تركض مثل سندريلا , ووصلت الى الفندق حيث بنزل السويسرى . دهشت حين أخبرها المترجم انه لن يرافقهما .

    - لا تكترثى لأمر اللغة . المهم أن يشعر انه مرتاح برفقتك .
    - لكن ما العمل اذا لم يفهم ما اقول ؟
    - لن تحتاجى الى الكلام , لان المسألة متصلة " بالطاقات الكامنة فينا " .

    لم تفهم ماريا معنى قوله . فى بلادها , عندما يلتقى الناس , يحتاجون الى تبادل الكلام والاسئلة والأجوبة . لكن مايلسون اسم المترجم الحارس , اكد لها ان الامر مختلف فى ريو دى جانيرو كما فى سائر أنحاء العالم .

    - لا تحاولى ان تفهمى . تدبرى امرك بمفردك وادعليه يشعربالراحة . الرجل أرمل ولا أولاد له , وهو صاحب ملهى ليلى يبحث عن برازيليات يرغبن فى العمل فى الخارج . قلت أنه أنك لست مؤهلة لهذا العمل , لكنه أصر على الموضوع . يدعى انه وقع فى الغرام ما ان راك تخرجين من الماء وانه وجد " المايوه البيكينى " جميلا . توقف المترجم عن الكلام , ثم أضاف " لكنى بصراحة اقول لك ان كنت تريدي ان تجدى عشيقى هنا , فعليك ان تغيرى موديل " البيكينى " لانه باستثناء هذا السويسرى , لن يعجب أحد فى العالم , لانه قديم الطراز للغاية .

    تظاهرت ماريا بعدم سماعه , ثم تابع مايلسون قائلا " أىر انه لا يرغب فقط بمغامرة معك , بل يعتبر أن لديك ما يكفى من الموهبة لتصبحى نجمة ملهاه الليالى . بالطبع , لم يستمع الى غنائك ولم يررقصك , لكن هذت يمكن اكتسابه . اما الجمال , فيأتى بالفكرة . اه ! هؤلاء الأوروبيون ! يلقون رحالهم هنا معتقدين ان كل البرازيليات شهوانيات ويعرفن رقصة السامبا , اذا كانت نياته جدية , اقترح عليك ان تبرمى عقدآ معه , مقترنا بتوقيع رسمى من القنصلية السويسرية , قبل مغادرة البلاد . غدا ساكون على الشاطئ أمام الفندق . تعالى لرؤيتك اذا ساورتك بعض الشكوك .

    ابتسم السويسرى وأمسك بذراعها مشيرا الى سيارة التاكسى التى تنتظرهما .

  4. #4
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    " اما اذا كانت نياته مختلفة ونياتك كذلك , فان التعرفة لليلة الواحدة هى ثلاثمائة دولار . فلا تقبلى بما هو أقل "
    قبل أن تتمكن من الأجابة , كانت سيارة التاكسى قد أقلعت باتجاه المطعم . اقتصر الحوار على الحد الأدنى , العمل ؟ الدولارت ؟ نجمة برازيليلة ؟ .


    الا ان ماريا كانت تفكر فى أقوال المترجم " ثلاثمائة دولار لليلة واحد ! يا لثروة ! ليست مضطرة لان تموت من العشق ! بامكانها ان تغرى هذا الرجل كما فعلت مع رب عملها , وان تتزوج وتنجب أولادآ وتؤمن حياة مريحة لوالديها . ما الذى لديها لكى تخسره ؟ فهو عجوز ولن يلبث ان يموت فترث ثروته . عبثا يلهث السويسريون وراء الثروات , لكان النساء عملة نادرة فى بلادهم .


    كان قليلى الكلام خلال العشاء , ابتسامة من هنا وابتسامة من هناك . فهمت ماريا تدريجيا قصة الطاقات الكامنة هذه . أظهر الرجل ألبومآ يحتوى على وثائق عدة مكتوبة فى لغة لا تعرفها وقصاصات جرائد وصور لنساء يرتدين البيكينى ( ما يوهات لا شك انها أكثر أناقة وجرأة من ذلك الذى كانت ترتديه حين رأها السويسرى لأول مرة ) . احتست ماريا الكثير من الكحول لمواجهة ما يمكن ان يقترحه عليها السويسرى من أمور منكرة ( لا أحد يستطيع ان يهزأ بثلاثمائمة دولاور ! ثم ان القليل من الكحول يجعل الأمور تصرف بلياقة وتهذيب , كان يقدم الكرسى لها لدى جلوسها ويزيحه لدى نهوضها . تذرعت ماريا عند انتهاء السهر تعبت واقترحت عليه موعدا على الشاطئ صباح الغد ( أشارت الى الموعد على ساعتها مقلدة حركة الأمواج بيدها ورددت كلمة غ – د – آ ببطء شديد ) بدا راضيا , ونظر هو آيضا الى ساعته ( ربما كانت سويسرية ) وأفهمها ان الوقت يناسبه .

    لم يكن نومها مريحآ . فكرت ان كل ذلك كان حلما . لكنه حين استيقظت , استنتجت ان ذلك حصل فعلا , وأن هناك لا شك ثوبا فوق الكرسى فى غرفتها المتواضعة وحذاء جميلا , وموعدا على الشاطئء فى المدى القريب .



    * * * * *



    دونت ماريا فى يومياتها , يوم التقت السويسرى , الكلمات التالية :

    تحدثنى نفسى اننى على وشك اتخاذ قرار سيئ . لكن الاخطاء شكل من أشكال التقدم فى الحياة . ماذا يريد العالم منى ؟ هل أجازف أم أعود من حيث أتيت دون أن أمتلك الشجاعة لأقول " نعم , للحياة ؟ .

    سبق لى أن ارتكتب خطأ حين كان لى من العمر احدى عشرة سنة , يوم جاء صبى وطلب الى ان اعيره قلما . منذ ذلك الحين أدركت ان الحياة لا تمنح أحيانا فرصة ثانية , وأن من الأفضل تقبل الهبات التى يقدمها العالم لنا . بالطبع فى الأمر مجازفة , لكن هل تقبل هذه المجازفة أقل خطورة مثلا من حادث كان بمكانه أن يحصل لى فى الباص الذى استغرق ثمانى واربعين ساعة لأيصالى الى هنا ؟ اذا كان يجدر بى أن اكون وفية لأحد ما أو لشئ ما , فيجب أكون وفية لنفسى .


    واذا كنت أبحث عن الحب الحقيقى , فعلى أولا ان احسم أمرى مع العلاقات التافهة التى أقمتها . علمتنى الخبرة القليلة التى اكتسبتها ان لا احد يستطيع التحكم بمجريات الأمور , وان كل شئ ليس الا وهما . وهذا الأمر ينطبق على الأمور المادية كما على الخيرات الروحية . من فقد شيئآ كان يعتبر الحصول عليه أمرآ ثابتا ومضمونا ( وهذا ما حصل لى ) , يعرف فى النهاية انه لا يمكنه الحصول على شئ .

    واذا كنت لا أملك شيئآ , فلا حاجة لى اذا لان اهتم بالأشياء التى ليست لى . الأفضل أن احيا كما لو أن هذا اليوم أول يوم أو اخر يوم فى حياتى .

    * * * * *
    فى اليوم التالى , اعلنت ماريا , وكان يرافقها مايلسون بصفته مدير أعمالها , انها توافق على الدعوة , شرط أن يحصل على وثيقة مصدقة من القنصلية السويسرية . لم يستغرب الأجنبى طلبها قط , لا بل أكد لها ان هذه أيضآ رغبته , لان العمل فى بلاده يستوجب الحصول على ورقة تثبت ان لا أحد غيرها مرشح للقيام بالمهنة التى تهيئ نفسها للمارستها . وهذا ليس أمرا صعب المنال لان السويسرات لسن موهابات فى رقصة السامبا .

    ذهبوا معا الى وسط المدينة , واشترط الحارس المترجم , ومدير الأعمال الأسبق , أن يكون المال المدفوع أوراقا نقدية . ما ان وقعت ماريا والسويسرى العقد حتى احتفظ لنفسه بـ 30 % من الـ 500 دولار التى تسلمتها ماريا .


    قال مايلسون " هذا أجر اسبوع سلفا . أسبوع , هل فهمت ؟ ستتقاضين 500 دولار , بلا سمسرة , لاننى لا أستوفى حصتى كاملة الا من الدفعة الأولى .
    حتى هذه اللحظة , لم تكن فكرة السفر او فكرة الذهاب الى الطرف الاخرمن العالم تخطر على بال ماريا .كل ذلك لم تكن ترى فيه الا حلما . والحلم يبقى امرآ مريحا ما دمنا لسنا ملتزمين بتحقيق ما نصبو اليه . وهكذا , فانه لابد لنا من اجتياز الظروف الصعبة ومواجهة الأخطار والتعرض للحرمان عندما تتقدم بنا السن وتداهمنا الشيخوخة . وفى نهاية المطاف نحفل الآخرين , ولا سيما أهلنا وازواجنا والأولاد , الذنب , لانهم لم يحققوا لنا رغباتنا .


    ها قد سنحت الفرصة لماريا فجأة التى طالما حلمت بها من دون ان تسعى اليها , جاهدة ؟! كيف سيكون بامكانها مواجهة الأخطار والتحديات التى ستعترضها على عتبة حياة جديدة مجهولة ؟ كيف سيكون بامكانها التخلى عن كل عاداتها ؟ لماذا شاءت العذراء مريم ان يكون قدرها الذهاب بعيدآ الى هذا الحد ؟

    واست ماريا نفسها قائلة ان بامكانها تغيير رأيها والعدول عن اذهاب فى أى لحظة , وان كل ذلك مجرد دعابة بلا عواقب , او حكاية عجيبة ترويها لدى رجعوها الى مدينتها . على كل حال , كانت ماريا تقيم على مسافة أكثر من ألف كيلومتر من ريودى جانيرو , وتملك 300 دولار . واذا خطر لها ان تحزم أمتعتها غدا وتعود الى ديارها سرآ , فلا أحد يستطيع أن يعرف وجهتها .

    بعد الظهيرة التى اعقبت الزيارة الى القنصلية , قررت الذهاب لتننزه بمفردها على الشاطئ , وتراقب الأولاد وأمهاتهم ولاعبى الكرة الطائرة والمتسولين والسكارى وبائعى المبتكرات الحرفية النموذجية ( المصنوعة فى الصين ) والرياضيين المنصرفين الى ممارسة التمارين لمواجهة الشيخيوخة قدر المستطاع , والسياح والمتقاعدين الذين يلعبون الورق فى نهاية الجادة فى نهاية المحاذية للبحر … ها هى الان فى قلب ريو دى جانيرو , نزيلة فندق من الدرجة الاولى , تعرف قنصلية واجنبيا ومدير أعمال , وقد أهديت فستانا وحذاء لا يستطيع أحد فى نوردستا شراءهما .

    نظرت الى الأفق , لا شك فى أن افريقيا , بأشودها وغاباتها المزدحمة بالغوريلا , تقع قبالتها , كما تعلمت فى دروس الجغرافيا . وان اتجهت قليلا صوب الشمال يمكنها ان تضع رحالها فى قارة ساحرة تدعى أوربا حيث يوجد برج لأيفل وأورو ديزنى وبرج بيزا . ماذا ستخسر بذهابها ؟ ثم انها , كجميع البرازيليات , تعلمت رقصة السامبا قبل أن تلفظ كلمة " ماما " . واذا ترق لها المهنة غدا يمكنها العودة الى بلادها , فالفرص متاحة , وينبغى انتهاظها على وجه السرعة .

    قررت أن تواجه فقط التجارب التى بمقدرها السيطرة عليها , كبعض المغامرات مع الذكور لقد أزجت الوقت , وهى ترفض الأنصياع , وتود الأن لو انها أثرت الأستجابة ها هى تقف أمام المجهول ذاك المجهول الذى كانه ذات يوم البحر للبحار الذين عبروه , كما تعلمت فى دروس التاريخ ستكون الظروف دوما مؤاتية لقول " لا , لكن هل عليها أن تقضى بقية حياتها فى التحشر ؟ لا تزال الحسرة تعتصر قلبها عندما تفكر فى الصبى الذى سألها قلما , ثم افتقدت وتلاشى حبها الأول ! … لماذا لا تسعى هذه المرة لان تقول " نعم " ؟

    السبب بسيط ماريا فتاة عاشت فى الريف وليس لديها تجربة فى الحياة . كل ما حصلته طوال سنوات من الدراسة فى مدرسة محترمة , ومن ثقافة واسعة فى ميدان واسعة فى ميدان المسلسلات التلفزيونية واليقين انها جميلة ؟ لكن هذا لا يكفى لمواجهة العالم .

    رأت جماعة من الناس يتهيبون لدى رؤيتهم البحر , وكانهم يخشون الاقتراب منه . هى أيضا احست بالخشية منه نفسها منذ يومين , لكن الخوف ولى الان . تستطيع خوض الماء ما ان ترغب فى ذلك وكأنها ولدت هنا على البحر . ألن يكون الامر مماثلا فى أوروبا ؟

    توجهت بصلاة صامتة الى العذراء مريم . وبعد ثوان معدوات بدت راضية عن قرارها بالسفر , بعيدا لانها احست ان العذراء تحميها العودة ممكنة دومآ لكن الفرصة التى سنحت لها بالذهاب بعيدآ جدآ ليست متوفرة دومآ . والأمر يستحق المجازفة , ما دام حلمها الواعد قادرآ على الصمود فى وجه الساعات الثمانى والأربعين التى يستغرقها الرجوع فى الباص دون مكيف , وما دام السويسرى لن يغير سلوكه تجاها بين لحظة وأخرى .

    شعرت أنها مستثارة لدرجة كبيرة , عندما دعاها السويسرى للعشاء من جديد , نظرت اليه نظرة اصطنعت فيها الكثير من الدلال وأمسكت بيده . انتزع الرجل يده على الفور فأدركت ماريا , بشئ من الخوف والأرتياح فى أن , انه كان جادآ فى مشروعه .

    " نجمة سامبا ! نجمة سامبا برازيلية جميلة ! السفر الأسبوع القادم ! " .

    كل ذلك رائع . لكن عبارة " السفر الأسبوع القدام " تمثل أمرآ لا يعقل . أوضحت له ماريا أنها لا تستطيع ان تتخذ مثل هذا القرار دون أن تستشير عائلتها . فما كان من السويسرى الا ان أظهر بغضب نسخة عن الوثيقة الموقعة , وشعرت ماريا بالخوف للمرة الأولى .
    كرر قائلا " والعقد ؟ " …

    وذا عزمت ماريا على السفر , أرادت ان تستشير مايلسون مدير أعمالها , أفلم تؤد له أجره مقابل مساعدتها ؟

    لكن مايلسون كان مشغولا بأغواء سائحة من سياح المدينة نزلت مؤخرآ فى الفندق , وكانت تتمدد عارية الصدر فوق الرمل , معتقدة أن البرازيل هى البلد الأكثر تحررآ فى العالم ( ولم تكن تدرك أنها المرأة الوحيدة شبه العارة هناك , وان الجميع ينظرون اليها باستياء ) . وجدت ماريا مشقة بالغة فى ان تلفت نظره الى ندائها .

    قالت له باصرار : ماذا لو غيرت رأيى ؟
    - لا اعرف ماذا كتب فى البنود , التى تضمنها العقد بالتحديد , لكن ربما كان يستطيع سجنك مثلا .
    - لن أسمح له بالأهتداء الى مكانى .
    - أنت محقة , لا تهتى اذا .

    بدأ السويسرى يشعر بالقلق أزاء اصرار ماريا على الذهاب لرؤية عائلتها , لا سيما وأنه انفق مبلغ 500 دولار سلفا وثمن حذاء وثوب وعشاءين ونفقات التسجيل فى القنصلية . لذا , قرر ان يشترى بطاقتى طائرة وأن يرافقها لغاية بيتها , شرط أن ينتهى كل شئ فى ظرف ثمانية واربعين ساعة , وان يتمكنا من الذهاب الى أوروبا فى الأسبوع المقبل وفقآ لشروط العقد الموقع بينهما .

    وبعد الأبتسامة التى وزعت من هنا ومن هناك , فهمت ماريا أخيرآ ان كل ذلك مرتبط بالوثيقة التى وقعت عليها , وانه لا يفترض بنا أن نلجآ الى الاغواء والمشاعر ولا أن نعبث بالعقود والمواثيق .
    دهشت المدينة لا بل أفتخرت لدى رؤية ابنتها الجميلة ماريا تصل وبرفقتها أجنبى يرغب فى مساعدتها على ان تصبح نجمة كبيرة فى أوروبا .

    سألتها صديقات المدرسة :
    - كيف حصل ذلك ؟
    - بفعل الحظ .

    كن يرغبن فى معرفة ما اذا كانت الأمور تجرى دائما على هذا النحو فى ريو دى جانيرو , لانهن شاهدن فى المسلسلات التلفزيونية مغامرات مشابهة . لم تق ماريا " نعم , ولم تقل لا " ظل جوابها غامضآ لانها تبغى أن تعلى من قدر مواهبها الشخصية , وان تقنعهن بأنها كائن استثنائى .
    ذهبت ماريا والسويسرى الى البيت . وهناك أظهر السويسرى من جديد الصور والكراسات عن البرازيل والعقد . وأوضحت ماريا انه بات لديها الان مدير أعمال فنى وانها تنوى الأنصراف الى ولوج عالم الفن . رأت أمها مقاس " البيكينى " التى ترتديه الفتيات فى الصور , وأرجعت الصور فورآ , ممتنعة عن طرح الأسئلة . كل ما يهمها ان تكون ابنتها سعيدة وثرية , أو حتى تعيسة ولكن ثرية .

    - ما اسمه ؟
    - روجيه .
    - روجيريوا ! كان لدى قريب يحمل الاسم نفسه !

    ابتسم الرجل مصفقا وأدرك الجميع أنه لم يفهم الجواب . قال الأب لماريا " لكنه فى مثل سنى ! " .
    فتوسلت اليه زوجته الا يتدخل فى سعادة ابنته . كانت ام ماريا قد اكتسبت , كما كل الخياطات , تجربة كبيرة من خلال التحدث الى زبونها , وباتت خبيرة فى موضوعات الزواج والحب . نصحت ماريا قائلة " يا معبودتى , الأفضل أن تكونى تعيسة مع رجل ثرى من أن تكون سعيدة مع رجل فقر . وهناك لديك حظوظ أكبر فى ان تكونى ثرية تعيسة . ثم افرضى ان الامور لم تجر كما يجب , يمكنك عندئذ أن تمتطى حافلة وترجعى الى البيت .

    أجابت ماريا , وهى فتاة أوسع ذكاء مما تتصور أمها وزوجها المقبل , على سبيل الأستفزاز .

    - أمى , ليست هناك حافلة بين أوروبا والبرازيل , ثم أننى اريد الأنخراط فى مهنة فنية , لاأن أبحث عن زوج .

    نظرت اليها امها نظرة شبه يائسة !

    - حتى لو ذهبت الى هناك , يمكنك العودة ساعة ما تشائين , صحيح ان المهن الفنية ممتازة للفتيات الشابات , لكنها تدوم ما دمت جميلة وتنتهى تقريبا فى سن الثلاثين . استفيدى اذا من وجودك هناك , وحاولى ان تعثرى على شاب ثرى ومغرم بك . تزوجى , أتوسل اليك . لا تفكرى فى الحب . فى البداية , لم أكن أحب أبالك , لكن المال مفتاح كل شئ , حتى الحب الحقيقى . ومع ذلك , فان أباك ليس ثريا .

    لو كانت النصحية صادرة عن أحدى الصديقات لكانت سيئة . لكن , بما انها صادرة عن أم فهى ممتازة . قبل أن ترجع ماريا الى الربو , وتحديدآ قبل ثمانى واربعين ساعة , ذهبت بمفردها الى مكان عملها القديم , وقدمت باستقالتها . قال لها رب عملها :

    - علمت ان مدير أعمال فرنسيا كبيرآ قرر اصطحابك الى باريس . لا استطيع ال أقف وجه سعادتك , لكن أريد , قبل أن ترحلى , أن اقول لك شيئاً .

    فأخرج من جيبه سلسلة فيها قلادة .

    - هذه القلادة العجائبية لسيدة النعم , كنيستها موجودة فى باريس . اذهبى الى هناك , واطلبى حمايتها , وانظرى الى ما هو مكتوب هنا .

    قرأت ماريا الكلمات المحفورة على القلادة :

    " يا مريم التى حبل بها بلا دنس , صلى لأجلنا نحن الذين نتضرع اليك , أمين " .

    - لا تنسى ان تتلفظى بهذه الجملة مرة على الأقل فى اليوم و …
    تردد قليلا , ثم تابع قائلا " اذا رجعت يوما فأعلمنى اننى سأنتظرك . فاتتنى الفرصة لأقول لك شيئا بسيطا جدآ . أحبك , ربما فات الأوان , لكنى أردت ان تعرفى " .

    " فاتتنى الفرصة " … لكنها عرفت منذ وقت طول نياته . اما كلمة " أحبك " فقد سمعتها كثيرآ على مدى سنواتها الأثنين والعشرين . وشعرت انها لا تعنى لها شيئا , لانها لم تكن قط نابعة من شعور جدى يمكن تجسيده فى علاقة مستديمة . شكرته مارا على هذه الكلمات , ودونتها فى ذاكرتها . لا أحد يعرف ماذا تخبئ له الحياة , ومن المستحسن دائمآ أيجاد المخارج الملائمة لبلوغ النجاة . طبعت على وجنتيه قبلة بريئة وخرجت دون ان تنظر وراءها .

    عندما رجعت الى الريو , حصلت على جواز سفرها فى أقل من يوم . تغيرت البرازيل فعلا . هكذا قال روجيه معلقا بكلمات برتغالية وبكثير من الأشارات . فهمت ماريا ما كان يرمى اليه " قديما كان الامر يستغرق وقتا أطول بكثير " قامت ماريا بمساعدة مايلون , فى التحضيرات النهائية ( الثياب والأحذية والماكياج , وكل ما يمكن أن تحلم به أمراة مثلها ) . رآها روجيه ترقص فى الملهى الذى ذهبا اليه عشية رحيلهما الى أوروبا , وهنا أمتلائت نفسه بحماس على اخيتاره . وجد نفسه فعلا أمام نجمة كبيرة لمهلى " جيلبير " نجمة سوداء جميلة ذات عينين فاتحتين وشعر أسود كجناح " الغرونا " * وهو طائر درج الأدباء البرازيليون على تشبيه سواد الشعر بجناحية . جهزت شهادة العمل فى القنصلة السويسرية .

    حزما أمتعتهما , وفى اليوم التالى , طارا الى بلاد الشوكولاتة والساعات والجبنة . كانت ماريا تخطط سرآ لأيقاع الرجل فى غرامها , فهو فى اخر الأمر ليس بشعا ولا عجوزا ولا فقيراً . ماذا تريد أكثر من ذلك ؟



    وصلت مرهقة , ومنذ هبوطها فى المطار , شعرت بالخوف يعتصر قلبها . أدركت أنها كانت تابعى تماما للرجل الموجود الى جانبهعا ذلك انها لم تكن تعرف البلاد ولا اللغة ولا البرد . كان تصرف روجيه يتغير مع مرور الساعات . لم يعد يسعى لأن يكون لطيفا حتى انه لم يحاول قط ان يقبلها او يداعب نهديها . أصبحت نظراته باردة . أنزلها فى فندق صغير وعرفها الى برازيلية أخرى , وهى امراة شابة حزينة تدعى فيفيان , وأوكل اليها مهمة تعليمها أصول عملها المقبل .

    تفصحتها فيفيان من الرأس حتى القدمين , دون أن تظهر اى كياسة حيال أجنبية أتية لتوها الى بلاد غريبة . وبدل أن تسألها عن أحوالها , ذهبت قدما الى الهدف قائلة :

    - لاتغذى أوهاما فى رأسك . انه يذهب الى البرازيل كلما تزوجت أحدى راقصاته , وهذا ما يحدث غالبا . يعرف ماذا يريد , واظن أنك انت ايضآ تعرفين . جئت ولاشك لتبحثى عن أحد هذه الأشياء الثلاثة المغامرة أو المال أو الزوج .

    كيف أمكنها أن تحدس ذلك ؟ هل يبحث الجميع عن الشئ نفسه ؟ أم انها تستطيع ان تقرأ أفكارالأخرين ؟

    كرزت فيفيان قولها : جميع الفتيات يبحثن هنا عن أحد هذه الأشياء الثلاثة . واقتنعت ماريا انها كانت تقرأ فعلا افكارها .
    وتابعت فيفيان , فبشأن المغامرة , الطقس هنا أبرد من ان يسمح لك بالتنقل سعيا وراءها , هذا اذا بقى معك فلس للسفر . أما المال , فيجب أن تعملى تقريبا مدة عام كامل لكى تتمكنى من تأمين ثمن بطاقة العودة , ما لم تحتسب المبلغ العائد لنفقات الأقامة والطعام .

    - لكن ...
    - أعرف , هذا لم يجر الاتفاق عليه . فى اى حال , نسيت ان تسالى بهذا الخصوص , كما يفعل الجميع فى الواقع . لو كنت أثار انتباها , لو انك قرأت مليا العقد الذى وقعته , لتعرفت تماما الورطة التى أوقعت نفسك فيها . صحيح ان السويسريين لا يكذبون , لكنهم يعرفون أيضآ كيف يستغلون الصمت لصالحهم .

    اخذت الارض تدور تحت قدمى ماريا .

    - ثم ان كل فتاة تتزوج تلحق بروجيه خسارة مالية كبيرة . لذا , يحظر على الفتيات ان يتحدثن الى الزبائن . واذا فعلت اى شئ فى هذاالاتجاه , فانك تجازفين بعملك . هنا ليس مكانا يستطيع الناس ان يتلقوا فيه , بخلاف شارع برن ؟

    - شارع برن ؟
    - الرجال يأتون الى هنا برفقة زوجاتهم , والسياح القليلون يجدون الجو عائليا جدآ ويفضلون الذهاب الى أمكنة اخرى بحثا عن النساء . اتقنى الرقص , واذا كنت تعرفين الغناء فان أجرك سوف يزداد , وتزداد معه أيضى غيرة الفتيات الأخريات . فلو كنت تملكين أجمل صوت فى البرازيل , أنصحك , فى كل حال , أن تنسى الأمر ولا تحاولى الغناء . وانصحك بشكل خاص الا تستعملى الهاتف والا أنفقت كل ما تجنينه من مال , وهو قليل فى النهاية .

    - لكنه وعدنى بـــ 500 دولار فى الأسبوع !
    - سترين .

    ومما كتبته ماريا فى يوميات الأسبوع الثانى لأقامتها فى سويسرا , العبارات التالية :

    " ذهبت الى الحانة . التقيت " أستاذ رقص " جاء من بلاد تدعى المغرب . كان على أن أتعلم كل خطوة مما يعتبره هو الذى لم تدس قدماه ارض البرازيل , رقصة السامبا . لم يتح لى الوقت كى أرتاح من عناء السفر الطويل على متن الطائرة . توجب على ان ابتسم وارقص منذ المساء الأول لوصولى . نحن ست فتيات . ولا تعرف أحداهن السعادة ولا ماذا تفعل هنا . الزبائن يشربون ويصفقون ويرسلون القبلات , ويقومون سرآ بحركات داعرة , وهذا كل شئ .

    دفع أجرى البارحة , وهو عشر ما تم الاتفاق عليه . والباقى هو بحسب العقد , لتأمين نفقات التذكرة والأقامة . وهذا يتطلب وفق حسابات فيفان , العمل مدة عام كامل , أى اننى لا استطيع خلال هذه الفترة أن اهرب الى أى مكان اخر .

    لكن , هل يستحق الامر عناء الهرب ؟ وصلت الى هذه البلاد لتوى , ولا اعرف شيئا بعد . ما المشكلة فى ان ارقص سبع أمسيات فى الأسبوع ؟ فى السابق , كنت ارقص من أجل لذة الرقص , ولان من اجل المال والشهرة .

    ساقاى لا تشعران بالوهن , لكن يصعب على ان أحتفظ بالأبتسامة فوق شفتى .
    على ان أختار , اما ان اكون الضحية وأما ان أكون المرأة المغامرة التى تبحث عن كنزها . المسألة كلها تكمن فى معرفة المنظار الذى يجب أن أتطلع منه الى حياتى .


    * * * * *

    ومما كتبته ماريا فى يوميات الأسبوع الثانى لأقامتها فى سويسرا , العبارات التالية :

    " ذهبت الى الحانة . التقيت " أستاذ رقص " جاء من بلاد تدعى المغرب . كان على أن أتعلم كل خطوة مما يعتبره هو الذى لم تدس قدماه ارض البرازيل , رقصة السامبا . لم يتح لى الوقت كى أرتاح من عناء السفر الطويل على متن الطائرة . توجب على ان ابتسم وارقص منذ المساء الأول لوصولى . نحن ست فتيات . ولا تعرف أحداهن السعادة ولا ماذا تفعل هنا . الزبائن يشربون ويصفقون ويرسلون القبلات , ويقومون سرآ بحركات داعرة , وهذا كل شئ .

    دفع أجرى البارحة , وهو عشر ما تم الاتفاق عليه . والباقى هو بحسب العقد , لتأمين نفقات التذكرة والأقامة . وهذا يتطلب وفق حسابات فيفان , العمل مدة عام كامل , أى اننى لا استطيع خلال هذه الفترة أن اهرب الى أى مكان اخر .

    لكن , هل يستحق الامر عناء الهرب ؟ وصلت الى هذه البلاد لتوى , ولا اعرف شيئا بعد . ما المشكلة فى ان ارقص سبع أمسيات فى الأسبوع ؟ فى السابق , كنت ارقص من أجل لذة الرقص , ولان من اجل المال والشهرة .
    ساقاى لا تشعران بالوهن , لكن يصعب على ان أحتفظ بالأبتسامة فوق شفتى .
    على ان أختار , اما ان اكون الضحية وأما ان أكون المرأة المغامرة التى تبحث عن كنزها . المسألة كلها تكمن فى معرفة المنظار الذى يجب أن أتطلع منه الى حياتى .

    * * * * *


    اختارت ماريا ان تكون المرأة المغامرة التى تبحث عن كنزها الضائع . تنكرت لمشاعرها , وتوقفت عن البكاء طوال الليل , ونسيت من تكون . أدركت أن لديها الأرادة لتتصرف وكأنها خلقت للتؤء , وانها لا تتحشر بالتالى على غياب من تعرفهم . بوسع قلبها أن ينتظر . اما الان , فيجدر بها ان تكسب المال وتكتشف معالم البلاد وتعود ظافرة الى ديارها . ثم ان كل شئ من حولها يذكرها بالبرازيل وبمدينتها تحديدآ " النساء تيكلمن البرتغالية ولا يتوقفن عن التذمر من الرجال , ويتحدثن بصوت عال , ويعترض على المواعيد , ويصلن متأخرات الى عملهن , ويتحدين صاحب العمل , ويعتبرن أنفسهن أجمل نساء العالم , ويروين قصصا عن فرسان الأحلام , وفرسان أحلامهن يقطنون فى أماكن بعيدة وهم اما كانوا متزوجين واما لا يملكون المال ويعتاشون من عمل أولئك النسوة بالذات .

    كان الجو مختلفا عما تصورته ماريا حين رأت الكراسات الأعلانية التى أحضرها روجيه , ومطابقا لوصف فيفيان , كان الجو عائليا . لا تستطيع الفتيات تقبل الدعوات ولا الخروج بصحبة الزبائن , لانهن كن مسجلات على بطاقات عملهن بصفتهن " راقصات سامبا " . واذا ضبطت أحداهن وفى حوزتها ورقة صغيرة دون عليها أحدهم رقم تليفونه , فانها تحرم من العمل لمدة خمسة عشر يوما . كانت ماريا تتوقع أن يكون الجو أكثر حيوية وحركة , باعثا على الانفعلات القوية . خاب أملها وبدأت تستسلم تدريجيا للحزن والضجر .


    خلال الايام الخمسة عشر الأولى لوجودها فى سويسرا , لم تترك النزل الذى كانت تقيد فيه الا نادرآ , وخصوصا حين أكتشفت ان لا احد فى المدينة يعرف اللغة البرازيلية , حتى لو تلفظت بكل جملة ببطء شديد . وفؤجئت أيضا بان المدينة التى تقطن فيها تحمل اسمين " جنيف " بالنسبة الى سكانها و " جنبرا " بالنسبة الى البرازيليات .

    واخيرا , استطاعت ان تقوم خلال الساعات الطويلة التى قضتها فى غرفتها الصغيرة الخالية من جهاز تلفزيون , بالخلاصة التالية :

    أ – لن تستطيع أبدآ بلوغ اهدافها اذا لم تعرف كيف تعبر عما تفكر فيه . لذا عليها تعلم اللغة المحلية للبلاد .

    ب – بما ان جميع رفيقاتها كن يبحثن عن الشئ نفسه . فيجدر بها اذا ان تتميز عنهن . لكنها لا تملك بعد تصورا ولا منهجا لكى تحقق هذا التميز .


    * * * * *

  5. #5
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها بعد أربعةأسابيع من وصولها الى جنيف :

    " أنا هنا منذ الأزل . لا أعرف اللغة . أقضى نهارى فى الأستماع الى الموسيقى عبر جهاز الرايو , والنظر الى جدران غرفتى والتفكير فى البرازيل , منتظرة بفارغ الصبر أن يحين وقت العمل . وعندما اعمل , أنتظر أن يحين وقت العودة الى المنزل , أى اننى اعيش فى المستقبل بدل ان اعيش فى الحاضر .

    ذات يوم فى المستقبل البعيد , سأحصل على تذكرة العودة سأتمكن من العودةالى البرازيل , والاقتران بصاحب محل النسيج , والاستماع الى التعليقات الخبيثة لصديقاتى اللواتى لم يجازفن قط فى حياتهن . ولا يهمنى بالتالى الا الحديث عن فشل الأخريين .لا , لا يمكننى الرجوع . أفضل أن أرمى بنفسى من الطائرة فى المحيط .

    لكن , بما أن نوافذ الطائرة مغلقة دوما ( وهذا شئ لم اكن اتوقعه ولا أستطيع لاسف أن أشتم الهوا النقى ) . أفضلالموت هنا , لكن , قبل أن أموت , اريد أن اصارع من أجل الحياة , وما دمت أستطيع ان امشى وحدى ....فساذهب الى حيث أشاء .

    * * * * *


    ذهبت ماريا فى صباح اليوم التالى لتتسجل فى عداد الرغبين فى تعلم اللغة الفرنسية . هناك تعرفت الى أشخاص ينتمون الى كل المعتقدات والأعمار , والى رجال يرتدون بزات فاقعة اللون وتثقل معاصمهم سلاسل ذهبية , ونساء يرتدين باستمرار أحجبة فوق رؤؤسهن , وأطفال يكتسبون اللغة بطريقة أسرع ما يكتسبها الكبار . لكن , الا ينبغى ا، يكون الامر معكوسا ما دام لدى الكبار خبرة أوسع فى الحياة ؟ كانت فخورة بانهم جميعا يعرفون بلادها والكرنفال والسامبا وكرة القدم واللاعب الاشهر فى العالم " بيليه " . أرادت فى البداية أن تكون ودودة وحاولت ان تصحح الطريق التى يلفظوت بها اسم " بيليه " . لكنها اذعنت فى نهاية الامر , لانهم كانوا يلفظون أيضا اسمها بشكل سيئ . وهذا عائد الى تلك العادة المتهجنة لدى الأجانب التى تقوم على تحريف جميع الاسماء , والأعتقاد بانهم دائمآ على حق . !

    بعد الظهيرة , ذهبت ماريا تتجول لأول مرة فى هذه المدينة ذات الأسمين , وذلك بهدف اتقان اللغة الفرنسية . تذوقت شوكولاتة لذيذة وجبنة لم يسبق لها أن تذوقتها , ورأت فؤارة هائلة وسط البحيرة , والثلج الذى لم يدسه قط اى من سكان مدينتها , والبجع والمطاعم المزود بالمداخن ( لم تدخل أيا من المطاعم , لكنها كانت ترى النار عبر النافذة .وهذا كان يمنحها شعورا لذيذا بالأرتياح ) .

    عجبت ايضا حين رأت الملصقات الأعلانية التى لا تظهر فقط الساعات بل ايضا المصارف . لكنها لم تستطع ان تفهم لماذا يوجد هذا العدد الكبير من المصارف قياسا على سكان قيلى العدد . ومع ذلك قررت الا تطرح الأسئلة مجددا .

    استطاعت ماريا ان تكبح جماع طبيعتها الشهوانية والدجنسية وهذا امر معروف جدا عن البرازيليات . لكن غريزتها استفاقت ذات يوم ووقعت فى غرام شاب عربى كان يتابع معها دروس الفرنسية دامت العلاقة ثلاثة أسابيع . ثم قررت ذات مساء أن تترك كل شئ وتذهب الى الجبل القريب من جنيف . عندما حضرت الى عملها فى اليوم التالى , بعد الظهر , استدعاها روجيه الى مكتبة .

    ما ان فتحت الباب حتى تبلغت صرفها من العمل دون مقدمات والسبب انها اعطت القدوة السيئة لزميلاتها الأخريات فى العمل . كان روجيه غاضبابشكل هستيرى . قال ان البرازيليات خيبن امله مرة أخرى, وانه لا يمكن الوثوق بهن ( اه , يا الهى , ما أفدح هذا الحكم الذى يجرى تعميمه على كل الحالات ) . عبثا أكدت له ان غيابها كان ناجما فقط عن اصابتها بحمى سببها فارق الحرارة . لم يقتنع الرجل , واسف لأنه مضطر للرجوع الى البرازيل من أجل البحث عن بديلة . ثم أضاف أنه كان أحسن صنيعا لو انه نظم حفلة موسيقية بمشاركة راقصات يوغوسلافيات , وهن أجمل من البرازيليات وأكثر أستعدادا للقيام بالأدوار الموكلة اليهن .

    لم تكن ماريا بلهاء اطلاقا على الرغم من صغر سنها , لا سيما وان عشيقها العربى أوضح لها ان العمل فى سويسرا منظم بشكل صارم , وان بأمكانها ان تثبت أن المؤسسة التى تعمل فيها كانت تستغلها وتقتطع قسما كبيراً من أجرها .

    رجعت لتقابل روجيه فى مكتبه . تكلمت هذه المرة لغة فرنسية صحيحة , وأدخلت فى مفردتها عبارة " محام ... خرجت مع بعض الشتائم وخمسة ألاف دولار كتعويض . وهذا مبلغ لم تحلم به . كل ذلك بفضل هذه الكلمة السحرية " محام " . بأستطاعتها الان ان تتفرغ لصديقها العربى , وتشترى بعض الهدايا , وتلتقط صورآ للمناظر الثلجية , وتعود الى المنزل فخورة بهذا النصر الذى طالما حلمت به .

    كان أول ما فعلته اتصالها باحدى جارات أمها . قالت لها أنها سعيدة , وان لديها مهنة رائعة , وانه لا ينبغى ان يقلق أحد فى البيت بشأنها . كانت لا تزال أمامها مهلة لمغادرة غرفتها فى النزل . لذا , أرتأت ان كل ما عليها أن تفعله هو ان تذهب للقاء العربى لتعرب له عن حبها الصادق , وأستعدادها ان تعتنق دينه وتتزوجه , حتى لو اضطرت ان ترتدى مثل هذا الحجاب الغريب . الجميع هنا يعرفون ان العرب أثرياء جدآ , وهذا سبب وجيه لكى توطد علاقتها به .

    لكن العربى غادر . والآن , بما انها تتكلم الفرنسية ببراعة , وتملك الحصول على تذكرة العودة , وبما ان لديها بطاقة عمل تصنفها بين راقصات السامبا وترخصيا بالأقامة لا يزال سارى المفعول , وبما انها تعلم ان بامكانها , اذا سدت جميع المنافذ فى وجهها , أن تقترن ببائع النسيج , فقد قررت ماريا أن تفعل ما هى قادرة عليه , ان تكسب المال بفضل جمالها .

    تذكرت أنها فى البرازيل قرأت كتابا يروى قصة راع يبحث عن الكنز , وكان الحصول عليه مشروطا بان يواجه مصاعب وأخطار لا تحصى . رأت أن هذه القصة تنطبق على حالتها , أدركت فى هذا اللحظة أنها طردت من العمل لكى تذهب لموادهة مصيرها الحقيقى , وهو يتمثل فى أن تصير عارضة أزياء .

    أستأجرت غرفة صغيرة ( دون تلفزيون , لان عليها أن تحد من الانفاق ما دامت لا تجنى مالا ) فى اليوم التالى , عزمت على القيام بجولة على الوكالات التى تستخدم العارضات . أبلغوها فى كل مكان أن عليها ان تحضر صورا لها ملتقطة لدى مصور محترف . وهذا , فى اى حال , عنصر من العناصر الأساسية للمهنة , لان كل الأحلام باهظة الثمن . انفقت قسمآ كبيرآ من مالها عند مصور يمارسه مهنته بأمتياز , قليل الكلام ومتشدد فى شروطه الى أبعد الحدود , وكانت لديه خزانة ملابس هائلة فى الأستوديو .

    اخذت لماريا لقطات شتى , مرتدية الملابس المحتشمة أو الغريبة أو البيكينى ( لو رأى الشخص الوحيد الذى تعرفه فى ريوم دى جانيرو اى مايلسون الحارس والمترجم ومدير الأعمال السابق , هذا البيكينى , لكان فخورآ بها حتى الموت ) . طلبت نسخآ اضافية من الصور وارسلت بعضها الى عائلتها ضمن رسالة تقول فيها انها كانت سعيدة فى سويسرا . سيعتقد اهلها أنها ثرية وأنها تمتلك خزانة ملابس تحلم بها كل امراة ثرية , وانها اصبحت الفتاة الأشهر فى مدينتها . واذا سارت الأمور كما تشتهى ( قرأت كتبا عدة عن التفكير الأيجابى , ولا يمكنها ان تشكك فى انتصارها ) , فستكون هناك فرقة موسيقية فى استقبالها لدى رجوعها الى المدينة , وسيقوم رئيس البلدية بتدشين ساحة تحمل اسمها .

    اشترت هاتفا خلويا وانتظرت طوال الأيام التالية ان يتصل بها أحدهم ليعرض عليها عملا . كانت تنتاول الطعام فى مطاعم ضينية ( وهى الأقل كلفة ) وتدرس مثل المجنونة لتزجية الوقت .

    لكن الوقت لا يمر والهاتف لا يرن . تعجبت من أن لا أحد يقترب منها حين تذهب للتنزه على ضفاف البحيرة , بأستثناء تجار المخدرات الذين يظلون فى المكان نفسه , تحت أحد الجسور التى تؤدى الى المنتزه القديم بالمدينة الجديدة . أخذت تشكك فى جمالها وجاذبيتها , الى ان صادفت فى أحد المقاهى أحدى زميلاتها السابقات فى العمل . قالت لها ان الخطأ ليس فيها بل فى السويسريين الذين لا يحبون أزعاج الأخرين , وفى الأجانب الذى يخشون ان يتم توقيفهم بتهمة " التحرش الجنسى " . وهذا مفهوم تم استنباطه لكى تشعر نساء العالم قاطبة أنهن مكروهات .
    وفى أحدى الأمسيات حين فقدت ماريا الشجاعة على الخروج من المنزل وعاشت املة بتلقى مخابرة هاتفية لا تحدث , كتبت فى يومياتها هذه العبارات :

    " اليوم , مررت بالقرب من مدينة الألعاب , بما اننى لا أٍستطيع تجاوز الحد من انفاق المال , ففضلت أن اراقب . بقيت طويلا أمام الجبال الروسية ( * ) .

    رأيت ان معظم الناس يدخلون هذه المركبة سعيا وراء الانفعالات . لكن ما ان تسير الآلات حتى يصابوا بالهلع ويتوسلوا كى تتوقف .

    فما الذى يريدونه ؟ اذا كانوا قد اختاروا المغامرة أفلا يجدر بهم أن يكونوا مستعدين للذهاب حتى النهاية ؟ ام انهم يعتقدون ان من الحكمة الا يمروا بمرتفعات ومنحدات , وان من الأفضل البقاء فى مركبة تدور مكانها بشكل ثابت ؟

    فى هذا اللحظة بالذات , اشعر بوحدة فظيعة , ولا يمكننى حيالها أن افكر فى الحب . لكن على الأقتناع بان هذه المحنة لن تستمر , وأننى سأجد الوظيفة التى تناسبنى , واننى هنا لأننى اخترت ان اواجه قدرى بنفسى . الجبال الروسية صورة عن حياتى , لأن الحياة لعبة عنيفة هاذية . الحياة هى أن ترمى بنفسك من مظلة وأن تجازف , ان تسقط وتنهض من كبوتك الحياة . الحياة هى هى أن تتسلق الجبال لتحاكى الرغبة فى تسلق قمة النفس , وان لم تتوصل الى ذلك , فعليك أن تعيش قانعا ذليلا .

    ليس أمرى سهلا أن أكون بعيدة عن عائلتى , أن أتخلى عن اللغة التى يمكننى أن اعبر فيها عن جميع انفعلاتى ومشاعرى . الا اننى ابتداء من اليوم , سأتذكر مدينة الألعاب كلما شعرت بالأحباط لكن , ماذا لو نمت وأفقت فوجدت نفسى فجأة فى " الجبال الروسية " ماذا سيكون شعورى عندئذ؟

    عندئذ سأشعر اننى سجينة ,فأخاف من المنحدرات وارغب فى التقيؤ والنزول من المركبة . لكنك , اذا كنت مقتنعة بأن السكك هى قدرى وأن الله يدير الآلة , عندئذ سيتحول الكابوس الى حالة من الأثارة , عندئذ لا تعود " الجبال الروسية " الا ما هى عليه , اى مجرد تسلية أمنة ويمكن الوثوق بها . وما دامت الرحلة مستمرة , يجدر بى أن أشاهد المنظر المحيطبى وأنا أزعق من شدة الحماس .



    * * * * *


    كانت ماريا قادرة فعلا على تصور البدائل الممكنة والتعبير عنها بلغة الحكيم العاقل , لكن هذا لا يعنى انها تستطيع تطبيقها فى الواقع . أخذت لحظات الأحباط بالأزدياد وبقى الهاتف صامتا . وأخذت ماريا تقضى أوقات فراغها فى قراءة المجلات الشعبية لتزيد من قدرتها على أستخدام اللغة الفرنسية فى ساعات الفراغ . ثم أدركت أنها تنفق الكثيرمن المال , فقررت الذهاب الى المكتبة الاقرب . أوضحت لها أمينة المكتبة انهم لا يعيرون المجلات , لكن بأمكانها ان تقترح عليها عناوين كتب تساعدها على التمرس باللغة الفرنسية بشكل أفضل .

    - ليس لدى الوقت لقراءة الكتب .
    - ليس لديك الوقت ؟ ماذا تفعلين ؟
    - أشياء كثيرة , أتعلم الفرنسية وأكتب يومياتى و...
    - وماذا ؟

    كانت ستقول " أنتظر أن يرن الهاتف , لكنها أثرت الصمت " .
    - يا بنيتى , أنت شابة , والحياة أمامك . أقراى , انسى كل ما يقال لك عن الكتب وأقرأى .
    - قرأت كثيرا .

    وفجأة , تذكرت ماريا ما قاله لها مايلسون يوما عن " الطاقات الكامنة " وبدت لها أمينة المكتبة شخصا حساسا ولطيفا وقادرا على مساعدتها فى حال أخفقت مساعيها . أنبأها حدسها أنها تستطيع ان تتخذها صديقة لها , وان عليها العمل لكسب صداقتها .

    أضافت ماريا :
    - لكنى اريد أن أقرا بعد , ساعدينى لو سمحت فى اختيار الكتب المناسبة .

    أحضرت لها المرأة كتاب " الامير الصغير " . تصفحته ماريا فى المساء , تأملت فى البداية الرسوم التى تمثل قبعة . كان اكاتب يقول ان هذه القبعة يرى فيها الأطفال أفعى ألتهمت فيلا . فكرت ماريا " لم اكن يوما طفلة . ارى ان هذا الرسم يشبه فعلا قبعة " . بما أنها لا تملك جهاز تلفزيون فى غرفتها , فقد كانت ترافق الامير الصغير فى تجوله , لكنها تشعر بالحزن كلما تطرق الكتاب الى موضوع الجب . كانت قد حظرت على نفسها التفكير فى الحب , لئلا تعرض نفسها لأنتحار . ما خلا المشاهد الرومنطيقية الأليمة بين الامير والثعلب والوردة , كان الكتاب أهاذا وأستطاعت ان تشغل نفسها عن مراقبة شاحن الهاتف الخوى التى كانت من خلالها شديدة الحرص ألا تضيع فرصة سانحة بسبب أهمالها .

    أخذت مارا تتردد الى المكتبة , وتحددث الى أمينة المكتبة التى بدت لها وحيدة جدا . كانت تلتمس رأيها وتتناقش معها فى أمور الحياة والأدب . وجاء اليوم الذى بدا فيه التعويض المالى الذى كسبته ينفذ , بعد أسبوعين لن يكون لديها المال لتشترى تذكرة العودة .
    لكن , بما أن الحياة تنتظر دوما تأزم الأوضاع لكى تظهر براعتها , فقد رن الهاتف أخيرا .

    مرت ثلاثةأشهر على اكتشافها كلمة " محام " وشهران على انفاقها من التعويض الذى تلقته مقابل طردها من العمل . بعد انقضاء هذه المدة ها هى تتلقى اتصالا من الوكالة التى تستخدم العارضات . شئلت اذا كانت لأنسة ماريا لا تزال موجودة على هذا الرقم . وكان جوابها " نعم " باردة , سبق أن تمرنت عليها لئلا يلمس السائل فى صوتها اى لهفة . علمت ان مسؤؤلا عربيا كبيرى عن الأزياء والموضة فى بلاده , قد أحب صورها كثيرآ , ويرغب فى دعوتها للمشاركة فى عرض ينوى القيام به . تذكرت ماريا حيبتها الحديثة العهد مع الفتى العربى الاخر , لكنها فكرت أيضا بالمال الذى كانت بأمس الحاجة اليه . وجرى تحديد الموعد فى أحد المطاعم الفاخرة . وجدت ماريا رجلا انيقا بأنتظاهرا , أكثر جاذبية ونضجا من رفيقها السابق .

    سألها : : : هل تعرفين من رسم هذه اللوحة ؟ أنه خوان ميرو . هل تعرفين من هو خوان ميرو ؟

    بقيت ماريا صامتة , وكأنها تركز أهتمامها فقط على الطعاك الذى تنتاوله وكان مختلفا تماما عما تتناوله فى المطاعم الصينية . لكنها سجلت الملاحظة فى ذهنها , فى الزيارة المقبلة للمكتبة , عليها ان تستعلم عن خوان ميرو .

    ثم قال العربى بأصرار " هذه الطاولة هناك , هى المفضلة لدى فيديريكو فيللينى ...ما رايك بأفلام فيللينى ؟ "

    أجابت انها تعبد افلامه . اراد العربى الدخول فى التفاصيل . واذ أدركت ماريا ان ثقافتها السينمائية لن تيسر لها الفوز فى الامتحان , فقررت الذهاب الى صلب الموضوع , وقالت " لا اريد أن اغش . كل ما اعرفه هو الفرق بين الكوكا كولا والبيبسى . والآن ألا تريد ان تتكلم عن عرض الازياء ؟ " .

    ولَدت صراحة الفتاة انطباعا جيدا لديه :

    - نتحدث فى الموضوع حين نذهب , بعد انتهاء العشاء , لتناول كاس .

    توقفا عن الكلام , وطفقا يتبادلان النظرات , ويحاول كل منهما ان يستكشف افكار الأخر .
    كرر العربى قائلا " انت جميلة جدآ . اذا وافقت على احتساء كأسا معى فى الفندق الذى أنزل فيه , فسأعطيك الف فرانك "

    فهمت على الفور ما يجرى . هل كانت هذه غلطة الوكالة التى تستخدم العارضات ؟ هل كانت غلطتها هى وكان يجدر بها ان تستعلم أكثر عن موضوع العشاء ؟ لا , لم تكن هذه غلطة الوكالة ولا غلطتها ولا غلطة العربى , هكذا تسير الأمور , بكل بساطة . وفجأة أحست انها بحاجة الى " السرتا " والبرازيل وذراعى والدتها . تذكرت مايلون على الشاطئ وهو يحدد لها التسعيرة التى تبلغ ثلاثمئة دولار . حينذاك وجدت المبلغ مغريا , لا بل أكبر بكثير ممما كانت تتوقعه مقابل قضاء ليلة مع رجل – لكنها أدركت فى هذه اللحظة انها لا تملك أحد فى العالم يمكنها التحدث اليه . كانت وحيدة فى ميدنة غريبة وخلفها اثنتان وعشرون سنة عاشتها كما يحلو لها , لكنها مع ذلك لم تكن لتعينها على اختيار الجواب الأفضل .

    - اسكب لى مزيدا من الخمر لو سمحت .

    صبَّ لى العربى الخمر فيما كانت أفكارها تنتقل بسرعة تفوق الأمير الصغير بين الكواكب . تذكرت انها اتت الى هنا بحثا عن المغامرة والمال وعن زوج . كانت تعرف انها ستتلقىرعوضا مماثلة . لم تكن برية , لا بل كانت معتادة تصرفات الرجال . لكن الوكالات التى تستخدم العارضات والنجاح والزوج الثرى والعائلة والأولاد والاحفاد والملابس والعودة الظافرة الى بلادها الام ... كل ذلك , كانت لا تزال مؤمنة به , ولا تزال تحلم بتخطى كل المصاعب بفضل ذكائها وسحرها وقوة ارادتها .

  6. #6
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    واجهها الواقع الأليم لينهال على رأسها كالطود . اجهشت بالبكاء ودهش العربى لذلك . لم يعرف ماذا عليه ان يفعل لانه كان خائفا من الفضحية ومدفوعا بغريزة ذكورية لحمايتها فى ان . أشار الى الخادم كى يحضر الحساب بسرعة . لكن ماريا منعته قائلة " لا تفعل . اسكب لى الخمر بعد , ودعنى ابكى قليلا " .

    فكرت ماريا بالصبى الذى سألها قلما , وبالفتى الذى قبلها دون ان تفتح فمها وبفرحة اكتشافها لريو دى جانيرو , وبالرجال الذين استغلوها دون ان يعطوا شيئا بالمقابل , وبالشغف والحب اللذين فقدتهما أثناء مسيرتها . وبالرغم من الحرية الظاهرة , فانها رات ان ايام حياتها تتوالى الى ما لا نهاية فى انتظار المعجزة وبلوغ الحب الحقيقى والمغامرة التى تنتهى بشكل رومنطيقى كتلك التى شاهدت مثلها فى السينما او قرأت عنها فى الكتب . تذكرت ما قاله أحد الأدباء عن ان الوقت لا يغير الانسان ولا الحكمة أيضا , بل ان الشئ الوحيد الذى يمكن ان يدفع الكائن لينغير هو الحب . يا للبلاهة , يبدو ان هذا الكاتب لا يكشف الا وجها واحدا من الميدالية .


    لا شك أن الحب قادر على تغيير كل شئ فى حياة الانسان خلال فترة زمنية قصيرة . لكن , وهذا هو الوجه الاخر للميدالية , هناك شعور أخر يمكن ان يقوم الكائن البشرى الى معارج مختلفة تماما عن تلك التى كان يسعى اليها , وهى الياس . أجل ربما كان الحبقادرأ على تغيير حياة الأنسان , لكن الياس قادر أيضاً على فعل ذلك وبسرعة اكبر . هل عليها ان تغادر مهرولة من المطعم وترجع الى البرازيل لتصبح أستاذة تعلم اللغة الفرنسية وتقترن برب عملها السابق ؟ أم علها الذهاب أبعد قليلا فى مساعيها , لا شئ يذكر , مجرد ليلة فى مدينة لا تعرف فيها احدا ولا احد يعرفها . هل ستدفعها ليلة واحدة , ومال يسهل الحصول عليه , للذهاب أبعد ما تصورت , الى نقطة اللاعودة ؟ ما الذى كان يدور فى هذه اللحظة ؟ هل أمامها فرصة غير منتظرة أم اختبار تخضعها له العذراء مريم ؟

    جال العربى بنظره متفحصا لوحة خوان ميرو , والمقعد حيث تناول فيللينى العشاء , والموظفة المسؤؤلة عن حجرة الثاب , والزبائن الذين يدخلون ويخرجون .

    - ألم تكونى على علم بالموضوع ؟
    - أسكب لى الخمر بعد , لو سمحت . كانت هذه هى الأجابة الوحيدة لماريا الدامعة .

    كانت تصلى لئلا يقترب الخادم ويعرف ماذا يجرى . وكان الخادم الذى يراقب المشهد بطرف عينيه , يود لو يسدد الرجال حسابه بسرعة , لان المطعم مزدحم والزبائن ينتظرون .
    واخيرا , وبعد مضى وقت بدا لها دهرا تكلمت ماريا :

    - قلت انها ستدفع ألف فرنك لقاء كأس ؟
    تعجبت هى من نفسها عندما سمعت صوتها .
    اجاب العربى :

    - نعم .
    كان نادما على تقديمه هذا الأقتراح . ثم أضاف " لكنى لا اريد بأى شكل من الأشكال أن ... "

    - سدد الحساب بسرعة , ولنذهب لتناول تلك الكاس فى الفندق الذى تنزل فيه .

    من جديد , شعرت ان تصرفها غريب عنها . حتى هذه اللحظة , كانت فتاة شابة , لطيفة , مهذبة , سعيدة , ولم يسبق لها أن استخدمت هذه اللهجة . يبدو أن هذه االفتاة الشابة قد ماتت الى الأبد , وان حياة جديدة تشرع امامها , يبلغ ثمن الكؤؤس فيها الف فرنسك للكأس الواحدة , اى ما يعادل 600 دولار , اذا أردنا تحويلها الى العملة الأكثر تداولا فى العالم .

    حصل كل شئ كما كان موقعا , ذهبت ماريا الى الفندق برفقة العربى . احتست الشمبانيا حتى بلغت مرحلة الشكر الكامل . افرجت ساقيها منتظرة ان يحصل على نشوته الجنسية ( لم تفكر فى ان تصطنع نشوتها هى أيضا ) , ثم اغتسلت فى غرفة رخامية , تقاضت أجرها وسرت لنفسها العودة الى غرفتها بسيارة التاكسى .

    ارتمت على سريرها واسترسلت فى نوم لا أحلم فيه .



    * * * * *


    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها فى اليوم التالى :

    " اذكر كل شئ ألا اللحظة التى اتخذت فيها قرارى . الغريب فى الموضوع هو انه لم يساورنى اى شعوربالذنب . كنت , فيما مضى , أنظر الى الفتيات اللواتى يضاجعن الرجل مقابل مبلغ يتقاضينه , وكانهم كائنات لم تترك لهم الحياة اى خيار اخر . اما الان فادرك ان هذا ليس صحيحا , كان بأمكانى ان اقول " نعم " أو " لا " . ولم يجبرنى أحد على القيام بما كنت لا اغرب فيه .

    أجتاز الشوارع وحيدة , أنظر الى العابرين وافكر , هل اختاروا حياتهم بأنفسهم ام ان القدر هو الذى اختارها لهم . أرى عاملة التنظيف التى كانت تحلم بأن تصير عارضة , وموظف المصرف الذى حلم بأن يصبح موسيقيا , وطبيب الأسنان الذى ود لو يكرس حياته للأدب , والفتاة التى كانت تهيم بالعمل فى التلفزيون لكنها لم تستطع ان تحصل الا على ظيفة محاسبة فى أحد المخازن الكبرى .

    لا أشفق على نفسى ولا اعتبر نفسى ضحية . كان بامكانى الخروج من المطعم دون أن تمس كرامتى , وبمحفظة نقود فارغة . كان بمكانى أن القن هذا الرجل درسا فى الأخلاق , وأن أسعى لأبرعن له أنه فى حضرة أميرة , وأنه يجدر به أن يأسر قلبها بدل أن يشتريها . كان بأمكانى أن أتصرف بأشكال لا تحصى . لكنى , كمعظم الكائنات البشرية , تركت للقدر أن يختار لى الطريق التى ينبغى لى ان اسلكها .

    لا شك فى أن قدرى يمكن ان يبدو لا شرعيا وهامشيئا أكثر من أقدار الأخرين . لكن لكنا متساوون فى سعينا وراء السعادة : الموظف \ الموسيقى , طبيب الأسنان \ الأديب, المحاسبة \ الممثلة , عاملة التنظيف \ العارضة ......كلنا متساوون لأن ليس احد منا سعيداً .


    * * * * *


    هل هذا كل شئ ؟ هل تجرى الأمور بهذه السهولة ؟ كانت ماريا فى ميدنة غريبة لا تعرف فيها أحدآ . ما بدا لها بالأمس عذابا منحها اليوم شعورآ عارما بالحرية , ليست بحاجة لأن تعطى تفسيرات لأى يكن .

    قررت , وللمرة الاولى منذ سنوات , أن تكرس يوما كاملا للمثول أمام ذاتها . حتى هذه اللحظة , كانت على الدوام تهتم بالأخرين , بأمها ورفاق المدرسة وأبيها والموظفين فى الوكالة التى تستخدم العارضات وأستاذ اللغة الفرنسية وخادم المطعم وأمينة المكتبة , وبما يفكر فيه المجهولون العابرون فى الشارع . والواقع ان لا احد كان يهتم بها هى الغريبة المسكينة . حتى اشرطة لن تلاحظ غيابها فيما لو أختفت غدا .

    هذا يكفى . خرجت فى وقت مبكر . تناولت فطورها فى المكان المعتاد , وتنزهت قليلا حول البحيرة , لتجد نفسها فى مواجهة تظاهرة ينظمها ناس فى المنفى القسرى . قالت لها امرأة تجركلبا أن المتظاهرين أكراد . فسألتها ماريا , ولم تكن تريد أن تدّعى ذكاء وثقافة لم تكن تملكهما " من هم الأكراد ؟ " .

    ذهشت المرأة لسؤالها ولم تعرف بماذا تجيب . يا للعجب , يتكلم الناس كما لو أنهم يعرفون كل شئ . لكن اذا تجرأت وسالتهم , فانك تدرك أنهم لا يعرفون شيئا . دخلت ماريا مقهى يوفر لرواده كافة الاتصالات , وعرفت عبر الأنترنت أن الأكراد شعب لا يملك دولة , وان بلادهم كردستان تتقاسمها اليوم ( العراق وتركيا ) . رجعت الى مكان التظاهرة لعلها تجد المرأة صاحبة الكلب الصغير , لكنها غادرت المكان .

    " هذا ما انا عليه " أو بالأحرى هذا ما كنته . شخصا يتظاهر بأنه يعرف كل شئ , محتبس داخل صمته , ثم أتى هذا العربى الذى أغاظنى لدرجة أننى أمتلكت الشجاعة للقول أن كل ما اعرفه هو الفرق بين الكوكا كولا والبيبسى . فهل ضدم بجوابى ؟ هل جعله هذا يغير رأيه حيالى ؟ أطلاقا . ربما كانت عفويتى قد أعجبته . كنت دائما خاسرة حين أردت أن ابدو أدهى أو اذكى مما انا عليه يكفى اذا " .

    تذكرت المخابرة التى أجرتها معها الوكالة التى تستخدم العارضات . هل كانوا على علم بما يريده العربى ؟ - اذا كان الأمر صحيحا ففى هذه الحالة تكون ( ماريا ) قد أدت دور المرأة البرئية المغفلة – أم أنهم كانوا يظنون فعلا ان العربى يستطيع أن يدعوها للمشاركة فى أحد العروض التى ستقام فى الجزيرة العربية ؟

    أيا يكن الأمر , فقد شعرت ماريا انها اقل وحدة فى هذه الصبيحة الرمادية فى جنيف . كانت الحرارة قريبة من درجة الصفر , والأكراد يتظاهرون وحافلات الترام تصل فى الوقت المحدد والمجوهرات يعاد رصفها فى الواجهات , والمصارف تفتح أبوابها , والمتسئؤلون ينامون , والسويسريون يذهبون الى أعمالهم . كانت تشعر انها اقل وحدة , لان أمرأة غيرمرئية من قبل العابرين كانت تقف قربها . لم تنتبه ماريا قط الى وجودها لكنها كانت هنا .

    ابتسمت لها ماريا . كانت المرأة تشبه العذراء مريم أم يسوع , بادلتها المرأة الأبتسامة وتوصلت اليها ان تظل متيقظة لان الأمور ليست بالسهولة التى تظنها . لم تزل ماريا اهمية لهذه النصحية , وأجابتها بأنها امراة ناضجة وتتحمل مسؤللية خياراتها , وبأنها لا تؤمن أن هناك مؤامرة كونية تحاك ضدها . تعلمت أن هناك ناسا مستعدين لدفع الف فرنك سويسرة مقابل سهرة معها أو نصف ساعة بين ساقيها , وان عليها ببساطة ان تقرر اذا كانت تريد فى الأيام المقبلة أن تشترى بها المبلغ تذكرة طائرة وتعود الى ديارها ام انها تنوى البقاء فى جنيف لوقت أطول , يتيح لها ان تجنى ما لا تستطيع ان تشترى به مسكنا لأهلها وملابس جميلة وتذاكر للسفر الى الأماكن التى حلمت بزيارتها فى العالم .


    قالت لها المراة غير المرئية باصرار ان الأشياء ليست بالسهولة التى نتصورها . لكن ماريا كانت مسرورة بهذه الصحبة غير المتوقعة , ورجت المرأة الا تقطع عليها حبل أفكارها لأنها كانت على وشك أتخاذ قرارت مهمة .

    أخذت ماريا تتفحص المسائل من جديد , وهذه المرة بانتباه أكبر , ولاسيما مسألة رجوعها الى البرازيل . فكرت أن صديقات المدرسة اللواتى لم يخرجن قط من البرازيل لن يتوانين عن القول انها طردت من سويسرا لأنها لا تملك الموهبة الضروية التى تجعل منها نجمة عالمية . أما أمها , فستكون حزينة لأنها لم تحصل على الايراد الذى وعدت به , حتى لو أكدت لها ماريا فى الرسائل أن الموظفين فى البريد يختلسن الأموال التى ترسلها . وسينظر اليها والدها طوال الوقت بهذه السحنة التى تقول " كنت عارفا " , وستعود لتعمل فى محل النسيج وتقترن برب العمل ....كل ذلك بعد أن سافرت فى الطائرة وتناولت الجبنة فى سويسرا وتعلمت الفرنسية ومشت على الثلج .

    هذا من جهة .

    من جهة أخرى , هناك الكؤؤس التى يساوى كل منها الف فرنك . صحيح أن هذا لن يدوم طويلا , لأن الجمال يتبدل بسرعة كما تذبل الورود . ولكن , فى ظرف سنة , ستكسب من المال ما يمكنها من التحكم بقوانين اللعبة . بيد أن المشكلة الحقيقة التى تواجهها هى انها لا تعرف ماذا عليها أن تفعل , ولا من اين تبدا . ثم تذكرت , اثناء علمها كراقصة سامبا , ان أحدى الفتيات اشارت الى مكان يدعى شارع برن .


    ذهبت ماريا لاستشارة أحدى صحائف الأعلانات التى تحفل بها جنيف , وتتضمن اعلانات من جهة وخرائط المدينة من جهة أخرى .

    سالت أحد الرجال الواقفين هناك أن كان يعرف اين يوجد شارع برن . نظر اليها مرتبكا , واراد ان يعرف اذا كانت تسأل عن شارع برن أم عن الطريق التى تؤدى الى برن عاصمة سويسرا . أجابت ماريا " لا " ابحث عن شارع موجود هناك . تفحصها الرجل من رأسها حتى اخمص قدميها , وابتعد دون ان يقول شيئا , وهو على اقتناع بأن هناك كاميرا خفية تلتقط صورة له لحساب أحد البرامج التلفزيونية التى تتعمد أثارة المقالب المضحكة . مثلث ماريا أمام الخريطة مدة ربع ساعة , لم تكن المدينة كبيرة , وعثرت أخيرا على المكان .

    احتفظت صديقتها غير المرئية بالصمت طوال الوقت الذى استغرقته ماريا , لتحصر تركيزها وتجد الشارع على خارطة المدينة . حاولت المرأة أن تدخل معها فى جدال . قالت لها أن المسألة لا تتعلق بالأخلاق , وبأنها تزج نفسها فى طريق لا منفذ لها . أجابت ماريا انها اذا كانت قادرة على ايجاد المال لتغادر سويسرا , فسيكون بمقدورها اذن أن تتخلص من جميع الورطات , وتجد المخرج الملائم . ثم ان أيا من هؤلاء الذين صادفتهم فى حياتها لم يحقق ما كان يصبو اليه . هذه هى الحقيقة .

    ثم أضافت قائلة الى الصديقة اللامرئية " نحن فى واد من الدموع . يمكننا أن نحلم باشياء عديدة . لكن الحياة قاسية لا ترحم , وهى مخزية . هل تريدين أن تقولى لى أننى سأدان ؟ لا أحد يعرف , وهذا لن يدوم الا وقتا قصيرا .

    ااختفت المرأة , وعلى شفتيها ابتسامة عذبة لكن حزينة .

    مشت ماريا الى مدينة الألعاب , واشترت بطاقة لتدخل مركبة الجبال الروسية , وتزعق كما يفعل الجميع , مع انها تدرك تماما أن ليس هناك مخاطر , وأن الأمر مجرد تسلية . ثم تناولت الغذاء فى مطعم يابانى دون أن تعرف ما كانت تتناوله . عرفت فقط أن الفاتورة كانت مرتفعة , وانها مستعدة من الأن فصاعدا أن تتيح لنفسها كل أنواع الترف . شعرت أنها سعيدة ولا تحتاج الى مخابرة هاتفية , ولا الى اتباع أسلوب التقشف فى انفاق المال .

    عند انتهاء النهار , خابرت الوكالة , وقالت ان اللقاء جرى بشكل جيد للغاية , وأنهت المخابرة بتوجيه عبارات الشكر . لو كانوا ناسا جديين لسالوها بخصوص العرض. واذا كانوا يصطادون النساء , فسيدبرون من أجلها لقاءات جديدة .

    اتخذت قرارا بالأ تشترى تلفزيونا مطلقا , ولو كانت تملك المال الازم لذلك , لأن عليها أن تفكر وتستغل كل وقتها فى التفكير .


    * * * * *

  7. #7
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها ذلك المساء ( مع ملاحظة دونتها فى الهامش " لست مقتنعة تماما " .

    " أكتشفت السبب الذى يجعل الرجل يدفع مبلغا من المال لكى يكون برفقة أمراة , يريد أ يكون سعيدا .

    لا يدفع الرجل الف فرنك ليحصل فقط على النشوة الجنسية , بل لأنه يريد أن يكون سعيدا . أنا أيضا أريد أن اكون سعيدة , والجميع يريدون ذلك , لكن لا أحد يبلغ السعادة .

    ماذا سأخسر اذا قررت أن أتحول لبعض الوقت الى .... يصعب التفكير فى هذه الكلمة وكتابتها أيضا ....لكن هيا ...ماذا سأخسر اذا قررت يوما أن أصير عاهرة لبعض الوقت ؟

    ما الذى يمنعنى " الشرف , الكرامة أم احترام الذات ؟ لو فكرت فى هذه الفضائل جيدا لوجدت اننى لم أمتلكها قط فى حياتى . لم أشا أن اولد , ولم اوفق فى ان أجعل نفسى محبوبة , واتخذت دوما القرارات السيئة . أترك الأن للأقدار أن تقرر مصيرى .



    * * * * *




    فى اليوم التالى , اتصل بها أحدهم من الوكالة مجددا وسألها بخصوص الصورة ثم تحرى عن موعد العرس , لأن هناك مبلغا يجب أقتطاعه للوكالة مقابل كل عرض . أجاب ماريا أنه يفترض بالعربى ان يتصل بهم . أستنتجت فورآ انهم يكونوا على علم بما جرى .

    ذهبت الى المكتبة وطلبت كتبا عن الجنس . اذا كانت عازمة جديا على العمل , لسنة فقط كما تعهدت لنفسها , فى ميدان تجهله , فينبغى لها أ، تعرف أن أول شئ يجب تعلمه هو كيفية التصرف , كيف يمكنها أن تمنح اللذة لتحصل على المال مقابل ذلك .

    كانت خيبتها كبيرة عندما قالت لها أمينة المكتبة أن الكتب التنقية التى تعالج هذا الموضوع نادرة , لأ، المكتبة مؤسسة عامة . أخذت ماريا أحد الكتب , قرأت ملخصا عنه , ثم أعادته فورآ , كان الكتاب يتحدث فقط عن الأنتصاب والأيلاج والعجز ووسائل منع الحمل وجميع الأشياء التى تنم عن ذوق سيئ . ثم اختارت كتابا لتستعيره " تأملات سيكيولوجية فى برودة المرأة الحنسية " .

    وسبب أختيارها أنه لم تكن تستطيع الوصول الى النشوة الجنسية الا عبر الأستمناء , رغم انها كانت تجد لذة كبرى فى ان يمتلكها رجل ويلجها .

    بيد أنها لم تكن تبحث عن اللذة , بل عن العمل . أستأذنت أمينة المكتبة بالأنصراف , ودخلت محلا لبيع الملابس الداخلية .

    استثمرت أول مبلغ لها فى المهنة التى تلوح أمامها فى الأفق , واشترت ملابس اعتبرتها مثيرة بما فيه الكفاية لتوقظ جميع أنواع الرغبات . ثم ذهبت الى المكان الذى عينته على الخارطة . يبدأ شارع برن بالقرب من الكنيسة ( لم يكن بعيدا , يا للمصادفة , عن المطعم اليابانى الذى تناولت فيه الغداء البارحة ) . وهو , من جهة , ملاصق للواجهات التى تعرض ساعات بأسعار متدنية , ومن جهة أخرى , ملاصق للحانات الليلية , وجمعيها مغلقة فى هذا الوقت من النهار .

    رجعت لتتنزه حول البحيرة , وأشترت , بلا أى انزعاج , خمسمجلات بورنو غرافية , لكى تزيد معلوماتها . وانتظرت أن يهبط الليل للتوجه من جديد الى شارع برن . وهناك نزلت مصادفة فى حانة اختارت لنفسها اسما برازيليا موحيا " كوباكابانا " .

    فكرت فى أنها لم تتخذ قرارها بعد . كان الامر فقط امتحانا . لكن لم يسبق لها أن شعرت بأنها حرة ومرتاحة كما تشعر الان , منذ وصولها الى سويسرا .

    قال لها صاحب الحانة الذى كان يغسل الأكواب وراء طاولة الشرب دون أن يستعمل أى نبرة تساؤليةفى جملته " تلحثين عن عمل " كان المكان عبارة عن سلسلة من الطاولات المتتابعة وحلبة رقص وبعض المقاعد المريحة المسندة الى الجدران . " ليس الأمر سهلا . نحن نحترم القانون . ولكى تقيمى هنا , يجب الحصول على بطاقة على اأقل " .

    أظهرت ماريا بطاقة عملها .
    قال صاحب الحانة وقد تحسن مزاجه بوضوح :

    - لديك خبرة ؟

    لم تعرف بماذا تجيب . لو قالت " نعم " لسألها أين أكتسبتها , ولو قالت " لا " لرفض أن يدبر لها عملا .

    - أعمل على كتاب .

    خرجت الفكرة من العدم , وكأن صوتا لا مرئيا أتى لنجدتها . لاحظت ا، الرجل تظاهر بتصديقها , مع انه كان يعلم أنها تكذب .

    - قبل أن تتذى أى قرار , أستخبرى عن الموضوع لدى الفتيات . لدينا على الأقل ست برازيليات , وبامكانهن أن يوضحن لك ما ينتظرك .

    أرادت ماريا ان تقول انها لا تحتاج الى نصائح أحد , وانها لم تتخذ اى قرار . لكن الرجل كان قد انتقل الى الجهة الأخرى من الملهى , وتركها وحيدة دون أ، يقدم اليها حتى كوب ماء .

    وصلت الفتيات . نادى صاحب الحانة على البرازيليات , وطلب اليهن ان يتحدثن الى الوافدة الجديدة . لم تبد واحدة منهن استعدادها للطاعة , وأدركت ماريا أنهن يخشين المنافسة . بدأت الموسيقى تعزف فى الحانة مرددة بعض الأغانى البرازيلية ( هذا أمر طبيعى , لان المكان يدعى كوباكابانا ) . ثم دخلت فتيات ذوات ملامح أسيوية , وآخريات بدون وكأنهن نازلات من الجبال المثلجة المحيطة بجنيف . وأخيرآ , وبعد ساعتين من الأنتظار والعطش الشديد وتراكم أعقاب السجائر أمامها , أدركت ماريا أنها قامت بالاختيار السيئ , فكان السؤال " ماذا أفعل هنا ؟ يتردد وكأنه لازمة . بعد أن أغتاظت ماريا من عدم الاكتراث الذى أظهره حيالها رب العمل والفتيات , رأت أحد البرازيليات تقترب منها وتسألها " لماذا أخترت هذا المكان ؟

    كانت تستطيع أن تتذرع من جديد بالكتاب الذى تعمل عليه , لكنها أثرت أن تقول الحقيقة , كما فعلت عندما سئلت عن الأكراد وخوان ميرو .

    - بسبب اسمه , لاأعرف أين أبدأ , ولا اعرف ان كنت راغبة فى أن أبدأ .

    عجبت الفتاة لهذا الكلام الصريح والمباشر . احتست جرعة ويسكى متظاهرة بالأستماع الى الأغنية البرازيلية التى كانت تبث فى الحانة . ثم قامت ببعض التعليقات عن سأم العيش فى هذه البلاد , وتنبأت أن الحركة ستكون خفيفة هذا المساء , لانه تم الغاء مؤتمر عالمى كان سيقام فى جنيف . وعندما لاحظت أخيرأ أن ماريا لا ترغب فى الرحيل قالت لها " الأمر بسيط جدا وعليك أن تحترمى ثلاث قواعد : القاعدة الأولى : لا تقعى فى غرام أحد الزبائن , القاعدة الثانية : لا تصدقى الوعود واطلبى سلفا المبلغ المتوجب دفعه . القاعدة الثالثة , لا تشربى المخدرات . ثم أضافت " ابدأ العمل فورا . اذا رجعت هذا المساء الى المنزل دون أن تتدبرى امرك بالحصول على رجل , فلن تكون لديك الشجاعة للرجوع الى هنا " .

    كان ماريا قد أعدت النفس لأستشارة بسيطة بخصوص عمل مؤقت ومحتمل , ليس أكثر . لكنها تدرك الان ان هناك شعورا يدفعها لاتخاذ قرار فجائى وحاسم , وهو اليأس .

    - حسنا , أباشر اليوم العمل .

    لم تعترف أنها بدأت البارحة . ذهبت الفتاة لتحدث صاحب الحانة بما جرى مع الزائرة الجديدة .

    سال صاحب العمل ماريا :

    - هل لديك ثياب داخلية جميلة ؟

    لم يسبق لأحد أن وجه اليها هذا السؤال , لا عشاقها ولا العربى ولا صديقاتها ولا حتى أى أجنبى . لكن يبدو أن الأمور تجرى فى هذا المكان على هذا النحو , ويتم الدخول مباشرة فى صلب الموضوع .

    أجابت على سبيل التحدى :

    - لدى سروال لونه أزرق سماوى وليس لدى صدارة .
    فرد عليها بلهجة يشوبها اللوم والعتاب :

    - أرتدى غدا سروالا أسود وصدارة وجوارب . استغلى سحر الثياب الداخلية الى أقصى درجة . هذا يشكل جزءا من طقوس المهنة .

    لم يشأ ميلان تضييع الوقت , وأراد أن يعلم الموظفة المبتدئة باقى الطقوس ايضا . يجب أن تكون " كوباكابانا " مكانا مسليا وليس ماخورا . يدخل الرجال الى هنا لأعتقادهم أنهم سيلتقون امرأة ليست فى صحبة رجل . اذا اقترب أحد من طاولتها ولم يعترضه أحد ى الطريق ( لأنه هنا أيضا يوجد مفهوم " الزبون الحضرى " لبعض الفتيات ) فانه سيدعوها , ولا شك , مرددا العبارة التالية : هل تريدين أن تشربى معى كأسا ؟

    عندئذ يمكن لماريا ان تقابلى بالرفض أو بالأيجاب , لأنها حرة فى أن تستجيب لمن تريد , مع انها لا تنصح بأن تقول : لا , أكثر من مرة فى السهرة . اذا وافقت , فبأمكانها ان تطلب كوكتيل فواكه . يجب أن تحتسى الكحول والا تدع ازبون يقرر بدلا منها , ثم يدعوها الى الرقص فتوافق . معظم الزبائن معتادون الأمر بأستثناء الزبائن الحصريين , الذين لم يتوسع ميلان فى حديثه عنهم . ليس هناك أى خطر .

    الشرطة ووزارة الصحة تطلبان فحوصا شهرية للدم وبشكل دورى للتأكد من أن الفتيات لا يحملن أمراضا جنسية معدية . كما ان استعمال الواقى الذكرى أجبارى , رغم عدم وجود وسيلة للتأكد اذا كانت هذه القاعدة متبعة أم لا . يجب على الفتيات ألا يثرن الفضائح . لقد كان ميلان متزوجا ورب عائلة وحريصا على سمعته وسمعة " كوباكابانا " .

    ثم تابع يشرح لها بعض الطقوس المتبعة , بعد الرقص , يذهبان للجلوس ويدعوها الزبون , وكان اقتراحه مفأجى , للذهاب معه الى أحد الفنادق . التعرفة العادية تبلغ 250 فرنكا , ويحتسب منها ميلان 50 فرنكا لنفسه ثمن أجرة الطاولة ( وهذه الخدعة يستخدمها ميلان أحتيالا على القانون ليتحاشى المسؤؤلية المباشرة عن التعقيدات القانونية ولكى لا يتهم بأستغلال الجنس بهدف الربح ) . حاولت ماريا الأعتراض قائلة : لكننى كسبت ألف فرنك مقابل ...! أشار اليها ميلان بالأبتعاد وانهاء الحديث عند هذا الحد . تدخلت البرازيلية التى كانت تتابع الحوار قائلة " أنها تمزح " .

    ثم أتجهت ناحية ماريا واضافت بصوت عالم وبلهجة برتغالية طليقة, هذا المكان هو الأغلى جنيف ( هنا المدينة تدعى جنيف وليس جنبرا ) . لا تكرر هذا الكلام . هو يعرف سعر السوق ويعرف أن أحدلا لا يضاجع مقابل الف فرنك , الا اذا كان لديك الحظ والجدراة وقابلت " زبائن غير عاديين ".

    لم تترك نظرة ميلان أى مكان للشك ( عرفت ماريا لاحقا انه يوغلاسفى ويعيش فى سويسرا منذ 20 عاما ).

    - التعرفة هى 250 فرنكا .
    كررت ماريا وقد شعرت بالأهانة .

    - أجل , هذه هى التعرفة .

    فى بادئ الأمر , سألها عن لون ملابسها الداخلية . والآن يساومها على ثمن جسدها .

    لكنها لا تملك الوقت الكافى للتفكير . تابع الرجل عندئذ اصدار تعليماته : لا يجدر بها الذهاب الى أملاك خاصة أو الى فنادق أقل من خمس نجوم .

    أما اذا كان الزبون لا يعرف مكانا يصطحبها اليه , فعليها هى أن تختار والحالة هذه فندقا بعيدآ عن الحانات المجاورة للمكان , وأن تستقل التاكسى لكى تتجنب مخالطة نساء أخريات يعملن فى مؤسسات اخرى فى شارع برن . لم تصدق ماريا حرفى مما قاله . أدركت أن السبب الحقيقى لمحاولته أبعادها عن مخالطة نساء الحانات الأخرى هو أن يفوت عليها فرصة عمل فى ظروف أفضل . لكنها أحتفظت لنفسها بأفكارها , لان النقاش بخصوص التعرفة كان كافيا بالنسبة لها .

    " أود واكرر : يجب أن تتصرفى كما يفعل رجال الشرطة فى الأفلام , لا تحتسى الكحول أثناء الخدمة . أتركك الان فى المكان , سيضع بالرواد بعد قليل .

    قالت لها البرازيلية باللغة البرتغالية :

    - أشكريه .

    شكرته مارا , ابتسم الرجل , لكنه لم يكن قد انتهى بعد من توصياته :

    - هناك نقطة اخرى : يجب ألا تتعدة المهلة بين طلب الشراب واللحظة التى ستخرجين فيها الخمس والأربعين دقيقة . سويسرا بلد الساعات والجميع يتعلمون أحترام المواعيد , بمن فيهم اليوغسلافين والبرازيليون . تذكرى أننى أوفر القوت لأطفالى بفضل السمسرة التى أحصل عليها منك .

    ستتذكر ذلك .

    قدَم لها كوباً من المياه المعدنية الغازية المعطرة بالحامض , ليبدو الامر وكأنها تحتسى جنى تونك , ورجاها أن تتحلى بالصبر .

    بدأ الرواد يتوافدون الى الحانة . يدخل الرجال وينظرون حولهم ثم يجلسون منفردين . كلما وجد رجل رفيقة له , تتنهد ماريا بأرتياح . شعرت انها أفضل حالا مما كانت عليه فى بداية السهرة .
    وقد عزت ذلك الى أنها كانت فى سويسرا , أو الى أنها كانت عاجلا أم أجلا ستحيا المغامرة وتحظى بالثروة أو الزوج كما حلمت على الدوام , أو , وهذا ما تنبهت اليهمن فورها , الى أن هذه المرة كانت الأولى التى تخرج فيها منذ اسابيع مساء , وتذهب الى مكان تعزف فيهالموسيقى ويمكنها سماع اللغة البرتغالية . كانت تتمتع برفقة الفتيات اللواتى يحطن بها ويضحكن ويشربن عصير الفواكه ويثرثرن بسعادة .

    لم تأت واحدة منهن لتهنئتها , أو لتتمنى لها حظا سعيدا , لكن الأمر طبيعى . ألم تكن بمثابة غريم وخسم لهن ؟ جميعهن يسعين الى الفوز بتلك الكأس . بدل أن تشعر ماريا بالأحباط , شعرت بالفخر . وبدل أن تنتابها الحيرة , كانت تصارع وتناضل لتثبت وجودها . شعرت أن لديها الحرية الكاملة لتفعل ما تريد , تستطيع أن شاءت ان تفتح الباب وتذهب الى غير رجعة . لكنها لم تنسى أبدا انها كانت تملك الشجاعة لتأتى الى هذا المكان وتفاوض وتتطرق الى موضوعات لم تجرؤ على التفطير بها . كانت تقول فى نفسها , كل دقيقة , انها ليست ضحية القدر بل هى تجازف وتتخطى نفسها , وتعيش أحداثا ستتذكرها غدا فى صمت قلبها , حين تلوح أيام الشيخوخة الرمادية . ستتذكرها بحنين جارف مهما يبد الأمر منافيا للمعقول .

    كانت متيقنة من أن أحدا لن يقترب منها , وأنه فى نهار الغد سيسدل الستار على هذه المغامرة المثيرة التى تجرؤ على تكرارها لاحقا , ها قد عرفت للتو ان مبلغ ألف فرنك فى الليلة الواحدة أمر لن يتكرر مرة ثانية . لذا قد يكون أكثر تعقلا أن تشترى تذكرة العودة الى البرازيل . طفقت تحتسب فى ذهنها , بغية تزجية الوقت , ما يمكن ان تكسبه كل من الفتيات . اذا استطعن أن يفزن بثلاثة زبائن فى الليلة , فسوف يكسبن ما يعادل أجر شهرين من معاشها القديم فى محل النسيج .

    ترى هل يبلغ الأمر هذا الحد ؟ لقد كسبت ماريا ألف فرنك فى ليلة . لكن ربما كان الأمر ضربة حظ لمبتدئة فى المهنة . فى أى حال فان عائدات العاهرات أكبر مما تستطيع أن تكسبه من أعطاء دروس باللغة الفرنسية فى بلادها . الجهد الوحيد الذى تبذله فى المقابل يقوم على البقاء فى الحانة لبعض الوقت والرقص وفتح ساقيها ونقطة على السطر . ليس ضرويا ان تدخل فى حوار مباشر مع الزبون .

    فكرت ايضاًً أن المال حافز جيد . لكن هل هو الحافز الوحيد؟ أم أن الناس الموجودين فى هذا المكان من زبائن ونساء يستعمعون بوقتهم ؟ هل العالم مختلف اذن عما يصورنه فى المدرسة ؟ المكان امن والمهنة كذلك . اذا استعملت واقيا ذكريا , فلن تعرض نفسها لأى خطر . ثم أنها لا تعرف احد هنا . لا احد ممن تعرفهم يزور جنيف . لا أحد – وهذا تعلمته أثناء درس اللغة الفرنسية – الا رجال الأعمال الذين يحبون التردد الى المصارف . أما البرازيلون , فيفضلون ارتياد المخازن الموجودة فى ميامى أو فى باريس .

    900 فرنك سويسرى فى اليوم على مدى خمسة أيام فى الأسبوع , تشكل ثروة بالفعل ! والسؤال الذى يطرح نفسه :
    ماذا تفعل الفتيات هنا ما دمن فى يستطعن فى شهر واحد أن يجنين من المال ما يمكنهن من ان تشترى كل منهن منزلا لامها ! لكن , هل يعملن منذ وقت قصيرا ؟ أم أن هذا الأمر – وهنا خافت ماريا من السؤال نفسه – يروق لهن ؟

    - هل توافقين على شرب كأس ؟
    نظرت الى السائل فوجدت أمامها رجلا ثلاثينيا يرتدى بزة طيار .

    رات ماريا المشهد أمامها بكاميرا بطئية وكأنها خرجت من جسدها لتراقب نفسها من الخارج . شعرت أنهاه ستموت خجلا لكنها تماسكت وسيطرت على احمرار وجهها مشيرة بحركة موافقة برأسها . ثم أبتسمت وأدركت أن حياتها تغيرت الى الابد , بدءا من هذه اللحظة .

    عصير الفواكه , المحادثة , ماذا تفعلين هنا , الطقس بارد , أليس كذلك ؟ أحب هذه الموسيقى لكنى أفضل فريق أبا , السويسريون أناس باردون , هل أنت برازيلية ؟ حدثينى عن بلادك , عن الكرنفال . البرازيليات جميلات , ألسن كذلك ؟

    تبتسم ماريا وهى تستمع بارتياح الى كلمات الأطراء , ثم تتظاهر بالخجل وتجهد نفسها لتبدو غامضة غريبة الأطوار . ترقص من جديد لكنها تنتبه الى نظرات ميلان الذى يحك رأسه أحيانا مشيرآ الى الساعة فى معصمه . تشتم عطر الرجل . تدرك حالا أن عليها أعتياد الروائح . هذا الرجل رائحته عطرة على الأقل . يرقصان وقد ألتصق أحدهما بالأخر بشكل حميم . أيضا كوب من عصير الفواكه .

    الوقت يمر . ألم يقل ميلان أن اللقاء فى الحانة يجب أن يقتصر فقط على خمسة واربعين دقيقة ؟ نظرت الى ساعتها , سألها عما اذا كانت تنتظر أحدآ فتجيبه أن أصدقاءها سيصلون بعد ساعة . يدعوها للخروج . يذهبان الى الفندق 250 فرنكا . الحمام بعد الجنس ( أعلن الرجل مرتبكا أنها المرة الأولى التى يشاهد فيها ذلك ) . لم تكن ماريا هى نفسها . كانت أمراة أخرى فى الجسد ذاته . لا تشعر بشئ وتقوم أليا بطقوس محددة . تمثل , علمها ميلان كل شئ الا كيفية الأستئذان من الزبون بالأنصراف . تتوجه الى الزبون بالشكر . كان هو آيضا أخرق وكان نعسا .

    قاومت رغبتها فى العودة الى الحانة , وارادت الرجوع الى المنزل لكن كان يتوجب عليها أن تعود وتعطى الخمسين فرنكا لميلان , عندئذ التقت رجلا جديدا وتناولت عصير فواكه جديد , ووجهت اليها اسئلة عن البرازيل , وذهبت الى الفندق مع الزبون , واستحمت من جديد ( هذه المرة دون تعليقات ) ثم عادت الى الحانة . اقتطع رب العمل قسمته , وقال لها أنها تستطيع الذهاب , لأن الحركة خفيفة هذا المساء . لم تستقل التاكسى , بل اجتازت الطريق فى شارع برن كلها مشيا على الأقدام . شاهدت الحانات الأخرى وواجهات الساعات والكنيسة فى الزاوية ( لا تزال مغلقة , دائما مغلقة ....) ولاأحد ينظر اليها بالمقابل , كما هى الحال دائما .

    تمشى فى طقس بارد , ولا تشعر ببرودة الطقس . لا تبكى ولا تفكر فى المال الذى كسبته . انها فى حالة ذهول . بعض النانس ولدوا ليواجههوا الحياة بمفردهم وهذا ليس سيئا وليس جيدا . انها الحياة وماريا هى أحد هؤلاء الناس الذين تهيأوا للمواجهة .

    سعت لأن تفكر فى ما حصل . بدأت للتو عملها كعاهرة , مع ذلك , تشعر أنها محترفة , وانها تمارس المهنة منذ وقت طويل , لا بل زاولتها طوال حياتها . شعرت بحب جارف غريب لنفسها . سرت لأنها لم تهرب . عليها الان أن تقرر مواصلة العمل أو التوقف . اذا قررت المتابعة فستكون الأفضل بينهن . وهذا ما لم تكنه فى أى وقت من حياتها السابقة .
    لكن الحياة تعلمها أن الأقوياء وحدهم يستمرون . ولكى تكون قوية , يجب أن تكون الفضلى . ليس هناك من حل اخر .
    * * * * *

  8. #8
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها بعد أسبوع من عملها فى الحانة :

    " لست جسدآ يؤؤى روحا , بل روح تملك جزءآ مرئيا منها هو ما يسمونه " الجسد " . طوال هذه الأيام , وبخلاف ما توقعته , كانت هذه الروح حاضرة . لم تقل لى شيئا ولم تتوجه الى بالأنتقاد ولم تشفق على ! كانت فقط تراقبنى وبكل بساطة .

    اليوم فهمت السبب . السبب أننى لم أعد افكر فى الحب منذ أمد بعيد , ولكأنه يهرب منى , لكأنى فقدت أعتبارى , أو لكأنه لم يهد يشعر انه مرحب به . ومع ذلك , اذا مل افكر فى الحب , فلن أكون شيئا .

    حين رجعت الى " كوباكابابانا" فى اليوم التالى ,نظر الى الأخرون باحترام أكبر . وبحسب ما قيل لى , كانت هناك الكثير من الفتيات اللواتى يأتين لمساء واحد ولا يرجعن أبدآ . اما تلك التى تذهب بعيدآ فى مهنتها , فتصبح حليفة ورفيقة , لانها باتت تستطيع أن تتفهم المصاعب والأسباب , أو بالأحرى انعدام الأسباب , التى تجعلنا تختار هذا النوع من الحياة .

    تحلم جميع الفتيات برجل يستطيع ان يكتشف فيهن امرأة حقيقة ورفيقة مثيرة وصديقة . لكن جميعهن يغرفن أيضا , ومن الدقيقة الأولى , أن شيئا من هذا لن يحدث فى أى لقاء .
    يجب أن أكتب عن الحب . يجب أن افكر وأفكر . يجب أن أكتب وأكتب عن الحب , وألا فلا طاقة لروحى على أحتمال كل ذلك ....
    * * * * *

    بالطبع , كانت ماريا مقتنعة فى صميمها أن الحب أمر جوهرى , لكنها لم تنس النصحية التى أدست اليها فى المساء الأول لوصولها . لذا , تحاول ألا يكون حديثها عن الحب الا على صفحات يومياتها . فى أى حال , كانت تفتش يائسة عن الوسيلة التى تجعل منها الأفضل , وتؤهلها للحصول على الكثير من المال فى القليل من الوقت . كذلك قررت الا توسع دائرة تفكيرها , وأن تقصر همها على أيجاد التبريرات الأزمة للخط الذى انتهجته فى حياتها .

    هذه هى النقطة الجوهرية فى الموضوع: ماذا تكون هذه " التبريرات اللازمة ؟ " .

    فكرت انها تقوم بهذا العمل لأنها بحاجة اليه . لكن ليس هذا بسبب كاف , لأن الجميع يسعون الى كسب المال , لكنهم لا يختارون مهنة بعيدة عن تطلعات أبناء المجتمع . حسنا , لقد اختارت هذه المهنة لأنها أرادت أن تكتسب تجربة جديدة فى حياتها . حقا ؟
    العالم ملئ بالتجارب الممكنة . هناك مثلا رياضة التزلج أو التجديف فى قارب وسط بحيرة جنيف . لكن مثل هذه التجارب لا يستهويها . أختارات اذا هذا العمل لأنه ليس لديها ما تخسره , ولأن حياتها كانت حلقات متصلة من الحرمان .

    لا , أن أيأ من هذه الأجوبة لا يرضيها. الأفضل اذن نسيان الحجة والأكتفاء , بما تجده فى طريقها . ثمة رغبات كثيرة مشتركة بينها وبين العاهرات والنساء اللواتى التقتهن حتى الآن . وأعظم هذه الرغبات مجتمعة هى الزواج والعيش بأمان . أما النساء اللواتى لا تحركهن هذه الرغبة , فكن أما متزوجات ( ثلث رفيقاتها كن متزوجات ) واما تطلقن حديثا . أرادت ماريا أن تفهم نفسها بشكل أفضل . لذا حاولت أن تفهم لماذا أختارت رفيقاتها هذه المهنة .

    عندما سالتهن , لم يستطعن تزويدها بشئ جديد . واكتفت ماريا بعرض قائمة بالأجوبة الممكنة عن سبب اختيارهن للدعارة :

    أ – كن مجبرات على مساعدة أزواجهن وتأمين حاجات العائلة ( لكن كيف كن يواجهن غيره أزواجهن ؟ ) وماذا يحدث لو التقت أحداهن مصادفة بأحد أصدقاء زوجها ؟ ) . بيد أن ماريا فضلت الا تتعمق فى هذه المسألة .

    ب – كن يرغبن فى شراء بيوت لأمهاتهن ( تلك حجة مشابهة لحجتها , نبيلة فى الظاهر , وهى الأكثرشيوعا ) .

    جـ - يجدر بهن توفير المال لتأمين ثمن تذكرة العودة ( هذه كانت الحجة التى تعشقها الكولومبيات والتايلنديات والبيروويات والبرازيليات , حتى لو جنين أضعاف وأضعاف المبلغ المذكور , وانفقته خشية أن يتحقق حلمهن ).

    د – كن يفعلن ذلك من أجل اللذة ( وهذا لا يتناسب مع الجو , ويولد انطباعا سيئا عنهن , لأن هذه الحجة تتسم بالخبث والنفاق ) .

    هـ - لم ينجحن فى أيجاد عمل أخر ( وهذه حجة واهية لأن سويسرا تفيض بالوظائف , ويستطعن العمل كمنظفات او سائقات أو طباخات ) .

    باختصار , لم تستطع ماريا ان تجد التبريرات الكافية , وقررت أن تقلع عن سعيها لتفسير ما يحدث فى العالم المحيط بها .

    أدركت أن ميلان , صاحب الحانة , كان على حق , لم يحدث أن منحها اى رجل مجددا الف فرنك سويسرى مقابل تزجية بضع ساعات معها . كذلك , لم يظهر اى زبون اعترضا أو استياء على مبلغ الثلاثمائمة وخمسين فرنكا , وكأن الرجال كانوا يعرفون التعريفة أصلا .

    لو حدث وسألها أحد الرجال عن المبلغ , فهذا كان بقصد أهانتها , أو لتجنب مفأجاة سيئة . قالت لها أحد الفتيات يوما " الدعارة مهنة مختلفة عن المهن الأخرى , تكسب فيها المبتدئة أكثر من تلك التى تفوقها خبرة . تصرفى دوما وكأنك لا تزالين مبتدئة .

    حتى الان , لم تتعرف ماريا الى الزبائن التى يقال انهم " زبائن غير عاديين " . لم يذكر الموضوع الا فى المساء الأول لعملها فى الحانة , ولم يتناوله أحد لاحقا بحضورها . أخذت ماريا تكتشف تدريجيا بعض الاسرار المتعلقة بالمهنة , ومنها الا تطرح مثلا على الزبون أسئلة تتعلق بحاته الخاصة , وأن تبتسم وتتكلم اقل قدر ممكن , والا تضرب موعدا خارج اطار الحانة الليلة . أما النصيحة الأهم , فأسدتها اليها فيليبنينية تدعى نيا :

    - عليك أن تتظاهرى بالتأوه عندما الزبون الى الرعشة الجنسية .
    - لكن لماذا ؟ أفلا يدفعون لأشباع رغباتهم بالذات ؟
    - عودى الى رشدك . لا يثبت الرجل ذكروته بانتصاب عضوه فقط , بل بقدرته على أن يجعل المرأة تبلغ النشوة الجنسية . واذا أثبت أنه قادر على منح اللذة لعاهرة , فعندئذ سيعتبر نفسه أفحل الذكور .

    وهكذا مرت ستة أشهر فى " كوباكابانا " تعلمت خلالها ماريا كل ما تريد معرفته عن سير العمل هناك . وبما أن هذه الحانة هى الأغلى ثمنا فى شارع برن , فقد كان الزبائن ينتمون فى معظمهم الى الكوادر العليا , ولديهم التبريرات الكافية للعودة الى بيوتهم فى وقت متأخر بحجة أنهم " يتناولون العشاء فى الخارج مع أحد الزبائن " شرط ألا تتجاوز مواعيدهم الساعة الحادية عشرة .

    كانت معظم العاهرات اللواتى يعملن فى الحانة تراوح أعمارهن بين الثامنة عشرة والثانية والعشرين , وكن يبقين كمعدل وسطى , لفترة سنتين فى بيت الدعارة الى ان يتم أستبدالهن بوفدات جديدات . عندئذ يذهبن الى حانة " نيون " ثم الى " كزينيوم " . كلما تقدمت بهن السن , انخفضت التعرفة وتقلصت معها ساعات العمل , كما تقلص " جلد المكروب " فيحططن رحالهن جميعا تقريبا فى حانة " تروبيكال اكستاسى " التى كانت تستقبل النساء اللواتى تعذبن الثلاثين من العمر . وانتقالهن الى هناك يعنى أن همهن بات يقتصر على توفير الطعام والمآوى . وهذا ما يمكن توفيره مما يتقاضينه من طالب متعة او اثنين يوميا . والمبلغ لا يكاد يكفى لشراء زجاجة خمر واجدة .

    ضاجعت ماريا الكثيرمن الرجال . لم تكن تهتم بأعمارهن ولا بالملابس التى يرتدونها , بل كانت موافقتها أو رفضها مرهونين بالرائحة التى تبعث منهم . لم تكن رائحة السيجارة تزعجها , بل رائحة العطور الرخيصة والزبائن الذين لا يستحمون , وأولئك الذين تفوح من ملابسهم رائحة الكحول . كانت " كوبا كابانا " مكانا هادئآ , وسويسرا من أفضل البلدان التى يمكن للعارهات ان يعملن فيها , ما ان يحصلن بالطبع على ذان بالأقامة , والعمل وفقا للشروط القانونية , ويسددن الضرائب المتوجبة عليهن بالدقة . كان ميلان يردد على مسامعهن أنه لا يريد أن يقرأ أولاده اسمه على صفحات الجرائد المثيرة , وكان بمقدروه أن يظهر تصلبا يفوق تصلب الشرطى حين يتعلق الأمربالوضع القانونى للموظفات العاملات فى مؤسسته .

    ما ان يتم اجتياز عقبة الليلة الأوزلى أو الثانية , حتى تصبح مهنة الدعارة , كجميع المهن الأخرى , حيث يتوخى العمل بحمية ومواجهة المنافسة , والسعى الى الأحتفاظ بمعايير الجودة , واحترام المواعيد , والشعور بالتشنج والتذكر من قلة العمل , والراحة أيام الاحاد .

    كانت معظم العاهرات مؤمنات , ويذهبن الى القداس لتلاوة الصلوات , ويضربن مواعيد مع الله .
    اما ماريا , فكانت على موعد دائما من مفكرة يومياتها لكى لا تفقد روحها . فؤجئت حين اكتشفت ان خمس الزبائن الذى يترددون الى الحانة . انما يجيئون بدافع الرغبة فى الكلام ولو قليلا , وليس فقط فى ممارسة الجنس . كان هءلاء يسددون الحساب ثم يذهبون الى الفندق . ثم اثناء خلع الملابس يعلنون أن ممارسة الجنس ليست ضرورية . كانوا يرغبون فى التحدث عن الضغوط التى تمارس عليهم فى العمل , عن زوجاتهم اللواتى يخدعنهم , عن شعورهم بالوحدة لانهم لا يجدون شخصا يتحدثون اليه ( وهذا الشعور كانت تعرفه ماريا جيدا ) .


    وفى البداية , وجدت الأمر غريبا . ثم , ذات يوم , كانت فى الفندق برفقة فرنسى تقوم مهنته على أستخدام كبار الموظفين الأداريين من اجل ترقيتهم فى وظائف أسمى , سمعته يعلق قائلا " هل تعرفين من هو الشخص الأكثر وحشة ؟ أنه الموظف الأدراى الكبير الذى نجح فى مهنته , وبات يكسب أجرآ مرتفعا جدآ , ويحظى بثقة رؤساته ومرؤؤسيه , وهو الذى يقضى العطلة بين أفراد عائلته ويساعد أولاده فى واجباتهم المدرسية . ثم , ذات يوم , يأتى الى زيارته شخص مثلى حاملا اليه الأقتراح التالى " هل ترغب فى تغيير وظيفتك وجنى ضعف ما تكسبه ؟ .

    هذا الرجل الذى كان يبذل كل شئ ليشعر أنه مرغوب فيه وسعيد , يصبح الشخص الاتعس على هذا الكوكب ..لماذا ؟ لأنه ليس هناك من يستطيع التحدث اليه . يغويه اقتراحى ولا يستطيع أن يكسف امره لزملاءه , لأن غيرتهم تدفعهم الى عرقلة المساعى المبذولة لترقيته . ولا يمكنه أن يتحدث فى الأمر مع زوجته التى ساندته لسنوات طوال فى وظيفته الناجحة واختارت الأمان ولا تفهم شيئا فى المجازفة . لا يستطيع التحدث الى أحد , ويجد نفسه أمام الخيار الاصعب فى حياته . هل تستطيعين ان تتصورىما يشعر به هذا الرجل ؟

    لا , لا تعتقد انه الكائن الأكثر وحشة فى العالم . تعرف ماريا جيدآ من هو الكائن الأكثر وحشة على وجه الارض . انه ماريا نفسها . ومع ذلك وافقت على قولة آملة فى الحصول على أجر أضافى , وهذا ما حدث فى الواقع . وأبتداء , من هذا اليوم , أدركت ماريا أن ليها أن تكتشف وسيلة لتحرير زبائنها من الضغط الهائل الذى يرزحون تحت وطأته , وسيلة بأمكانها أن تحسن نوعية خدماتها , وتؤمن لها أيضا مكأفاة أضافية .

    عندما أدركت ماريا أن تحرير الزبائن من الأحتقان النفسى كان مربحا كتحررهم من الاحتقان الجسدى , عادت تتردد الى المكتبة . أرادت الحصول على كتب تتطرق الى المشكلات الزوجية وعلم النفس والسياسة . شرت امينة المكتبة لأن الفتاة , التى كانت تشعربوذ تجاهلها , تخلت عن اهتامها بموضوع الجنس , وبدأت تحضر تفكيرها بموضوعات أكثر جدية . كما أخذت ماريا تقرأ الصحف بأنتظام . وتتابع ضمن امكانياتها الأخبار الأقتصادية لأن معظم زبائنها كانوا من كبار الموظفين الأدرايين . تحزت عن كتب تتحدث عن كيفية المساعدة فى حل المشاكل النفسية , لا سيما وانهم كانوا يلتمسون نصائحها . وقرأت مؤلفات شتى عن الأنفعالات البشرية , لأنهم كانوا يعانون جميعا , لسبب أو لأخر . كانت ماريا عاهرة محترمة ومختلفة عن باقى العاهرات . وقد استطاعت خلال ستة أشهر من العمل أن تحظى بزبائن كثيرين وأوفيا , مما اثار حسد رفيقاتها واعجابهن ايضا .

    أما الجنس , فلم تضف المهنة شيئا الى حياتها فى هذا المضمار , يقتصر الأمر على ابعاد الساقين , يضع الرجال الواقى الذكرة , تتأوه ماريا قليلا ( استطاعت ماريا بفضل نيا الفيليبينية أن تتأكد من التأوهات تستطيع أن تجلب خمسين فرنكآ أضافيا ) , تستحم ماريا فورآ بعد ممارسة الجنس لعل الماء يستطيع أن يغسل الروح قليلا . ويتم كل هذا دون تبادل للقبل , لأن القبلة بالنسبة للعاهرة مقدسة أكثرمن أى شئ أخر . علمتها نيا أنه يجدر بها أن تحتفظ بالقبلات لحبيب حياتها . وكما أيقظت القبلة جميلة الغابات النائمة من سباتها الطويل وأرجعتها الى عالم قصص الجنيات , كذلك ستوقظ القبلة ماريا وتعيدها الى سويسرا , بلاد الشوكولاتة والبقر والساعات .


    لم تشعر ماريا بأى نشوة جنسية . لم تمنحها المضاجعة لا اللذة ولا الأثارة . سعت لان تكون الافضل , وشاهدت عدة أفلام أباحية علها تجد فيها شيئا نافعا تتعلمه , واكتشفت مجموعة من الأشياء المهمة , لكن لم تكن لديها الشجاعة كى تمارسها مع زبائنها , لان هذا كان يتطلب وقتا , وكان ميلان يفضل أن تقابل الفتيات ثلاثة زبائن فى الليلة .

    بعد مضى ستة أشهر , تمكنت ماريا من توفير مبلغ ستة آلاف فرنك سويسرى لحسابها فى أحد المصارف . أخذت تترد الى افخم المطاعم , واشترت تلفزيونا ( ولم تستعمله قط ) . كانت تفكر بالأنتقال الى شقة أوسع أكثر اتساعا . صار بأمكانها اقتناء الكتب لكنها فضلت التردد الى المكتبة , عبارتها الى العالم الواقعى الأكثر صلابة وثباتا . كانت تتولى أهتماما بالغا الدقائق القليلة التى تقضيها فى التحدث الى أمينة المكتبة التى بدت سعيدة , لأنها ظنت أن ماريا وجدت الحب أو الوظيفة , مع أنها لم تطرح عليها اى سؤال , لان السويسريين متحفظون ومتكتمون ( وهذه أكذوبة , لأنهم فى كوباكابانا , وفى الفراش كانوا متحررين من كبتهم ومرحين أو معقدين , كسائر البشر ) .



    * * * * *

















    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها , بعد ظهيرة احد الأيام الكئيبة :

    " هناك شئ مشترك بين جميع الرجال , ضغارآ أم كبارآ متبجحين أم خجولين , ودودين أم متحفظين , وهو أنهم يخافون حين يصلون الى " كوباكابانا " يحاول ذوو الخبرة منهم أن يخفوا خوفهم من خلال التحدث بصوت عال . أما المكبوتون , فيسترسلون فى الشرب أنهم لا ينجحون فى التظاهر بما لا يضمرون , آملين أن يتخطوا شعورهم بالنقص . لكن , ما من شك أن جميع الرجال , ما خلا بعض الأستثناءات كالزبائن " غير العاديين " الذين لم يعرفنى ميلان بهم , يخافون .

    مم يخافون ؟ أنا المخلوق الوحيد الذى يفترض به فى الواقع يرتجف خوفا . أنا التى أخرج واذهب الى مكان غريب ولا أملك قوة جسدية ولا أحمل سلاحا . الرجال أشخاص غريبون للغاية . لا أتكلم فقط عن هؤلاء الذين يأتون الى " كوبابانا " لكن عن جميع هؤلاء الذين ألتقيتهم حتى اليوم . بامكانهم أن يطربوا ويزعقوا ويتهددوا , ومع ذلك فأن امراة تستطيع أن تجعلهم يموتون ذعرا . هناك دائمآ أمرأة بامكانها أن تلقى الرعب فى نفوسهم , وتخضعهم لكل نزواتها , حتى وان كانت أمهم .


    فعل الرجال , الذين قابلتهم منذ وصولها الى جنيف , كل ما بوسعهم ليبدوا واثقين من أنفسهم . تصرفوا كأنهم سادة العالم وسادة حياتهم بالذات . لكن ماريا كانت تقرأ فى أعينهم الرعب من زواجاتهم والهلع من عدم الأنتصاب ومن التشكيك فى ذكورتهم حتى أمام عاهرة يدفعون لها ثمن خدماتها . لو اشتروا مثلا حذاء من أحد المخازن ولم يعجبهم لأستطاعوا الرجوع مع بطاقة المحاسبة والطلب بأن ترد اليهم القيمة دون تردد . لكن عندما يدفعون لأمرأة مبلغا مقابل مضاجعتها وتعثرت لديهم عملية الأنتصاب , فانهم لا يرجعون أبدآ الى الحانة نفسها , لئلا ينتشر الخبر وتعرف النساء الأخريات , وهذا عار .

    " أنا من يجدر به أن يشعر بالعار بدلا منهم , لكن الحقيقة مخالفة لذلك : هم من يشعرون بالعار " .

    وهكذا سعت ماريا لأن تجعلهم يشعرون بالأرتياح عندما تكون برفقتهم . وحين تشعر أن أحدهم ثمل أو واه , تتجنب أن يلجها وتركز أهتمامها على المداعبات والأستمناء , الأمر الذى كان يريحهم بشكل كامل , مهما يبد الوضع غريبا , لانهم كانوا قادرس أن يستمنوا بمفردهم .

    كانت ماريا ترى لزاما عليها مساعدة زبائنها فى التغلب على شعورهم بالخزى والعجز . لا سيما وأن هؤلاء كانوا من الموظفين الناجحين فى ممارسة أعمالهم الوظيفية , وكانوا على اتصال دائم مع الزبائن والمقاولين وسائر الموظفين بحيث يقضون أوقاتهم فى تلقى الشكاوى ومعالجة المستجدات وتوفير الظروف الملائمة لحسن سير العمل . كانوا يأتون الى الحانة الليلية ليطرحوا عن كاهلهم أعباء يوم مرهق , وقلما يهمهم أن ينفقوا مبلغ 350 فرنكا سويسريآ . كل ما يهمهم هو أن يقضوا سهرة سهرة هادئة كفيلة بأن تعيدهم الى توازنهم المفقود وتنسيهم كل شئ عداها .

    " سهرة هادئة ؟ ألا ترين يا ماريا أنك تبالغين ؟ , ليست سهرة فى الحقيقة , بل أنها خمسة وأربعون دقيقة . واذا اقتطعنا من حسابنا الوقت الذى يستغرقه التعرى والمداعبات التى تصطنع الحنان وتبادل بعض العبارات المستهلكة وأرتداء الملابس من جديد , فان هذا الوقت يقتصر على أحدى عشر دقيقة , فقط لا غير .

    أحدى عشر دقيقة تشكل المحور الذى يدور حوله العالم , فقط أحدى عشر دقيقة .

    ومن اجل هذه الأحدى عشرة دقيقة المقطعة من يوم كامل ( هذا اذ افترضنا أن جميع الرجال يمارسون الجنس مع زوجاتهم يوميا . وهذا امر غير معقول لا بل مخالف للحقيقة ) . يتزوج الرجال ويلتزمون أنفسهم بتحمل أعباء عيالهم ويتحملون بكاء أطفالهم ويرتبكون فى تقديم الذرائع لدى رجوعهم الى المنزل فى وقت متأخر , ويطمحون بأبصارهم الى عشرات بل مئات النساء الأخريات , ويحلمون أن يذهبوا برفقتهن للتنزه على ضفاف بحيرة جنيف , ويشترون لأنفسهم ملابس مترفة بهدف أغوائهن , ولهن ملابس أكثر ترفا , ويخرجون برفقة العاهرات لمضاجعتهن تعويضا عن شعورهم بالحرمان .

    أمن أجل تلك الدقائق المعدودة تنشأ وتزدهر صناعة العطور وأدوات الزينة ودور الأزياء ومستحضرات التجميل والمبتكرات الطبية والرياضية لتنحيف الجسم , وتصدر المجلات وتصور الأفلام الأباحية , ويتنافس الناس على تولى المناصب الرفعية ؟ .... وحين يلتقى الرجال الرجال الأخرين لا يتحدثون مطلقآ عن النساء , بخلاف ما يدعيه الناس عموما .بل فى شؤؤن عملهم , وفى المال والرياضة .

    ثمة خلل فى الحضارة . ليس الخلل ناجمآ عن قطع الأشجار فى غابات الأمازون أو الثقب فى طبقة الأوزون أو اختفاء دببة الباندا والتبغ او الأغذية المسببة للسرطان أو وضع المساجين . يكمن الخلل أسا , بخلاف ما تدعيه الصحف , فى موضوع العمل الذى تمارسه ماريا بالذات أى الجنس .

    لكن ماريا لا تمارس هذه المهنة من أجل أنقاذ البشرية , بل لتنمية حسابها المصرفى , ولكى تستطيع أن تواجه ستة اشهر أضافية من الوحدة وتعزز الخيار الذى راهنت عليه , وترسل بأنتظام مبلغا لأمها ( التى كانت مسرورة لعلمها أنها لم تسلم المال حتى الان لأن البريد السويسرى لا يعمل أفضل من البريد البرازيلى ) , وتحصل على كل ما حلمت به ولم تستطع امتلاكه من قبل .


    انتقلت الى منزل أكثر رفاهية مزود بجهاز تدفئة مركزى ( مع أن الوقت كان ضيقا ) ومشرف على كنيسة ومطعم يابانى وسوبر ماركت ومقهى ظريف , أخذت تتردد اليه لقراءة الصحف . كانت قد تعهدت لنفسها أن تحمل ستة أشهر أخرى رتابة الذهاب الى " كوباكابانا " و , هل تقبلين دعوتى لتناول كأس ؟ هل ترقصين ؟ ما رأيك بالبرازيل ؟ ...ثم الذهاب الى الفندق , الدفع سلفا , تبادل الحديث مداعبة المناطق الحساسة فى الجسد كما فى الروح , وبخاصة الروح المساهمة فى حل المشكلات الحميمة , أن تكون صديقة لمدة ثلاثين دقيقة تختزل منها أحدى عشر دقيقة لابعاد الساقين ثم ضمهما والتآوه واصطناع اللذة , وشكرآ , أمل أن أراك الأسبوع المقبل , أنت حقا رجل , سأستمع الى بقية القصة فى لقائنا المرة المقبلة , علاوة ممتازة وأخيرآ , تمتعت كثيرآ برفقتك .


    المهم عدم الوقوع فى الحب , هذا هو الأمر الجوهرى , الأكثر حكمة من جميع النصائح التى أسدتها اليها فتاة الحانة البرازيلية قبل أن تختفى , وربما أسدتها لأنها هى نفسها قد وقعت فى الحب .

    تلقت ماريا , خلا شهرين من عملها , عدة عروض الزواج , كانت ثلاثة منها جدية : الأولى من مدير لشركة محاسبة , والثانية من الطيار الذى خرجت معه فى المساء الأول , والثالثة من صاحب محل متخصص فى السكاكين والسلاح الأبيض . وعدها كل من الثلاثة بأن يخرجها من هنا ويسكنها منزلا محترما , ويهبها مستقبلا وأطفالا وأحفادآ .

    كل هذا من أجل أحدى عشرة دقيقة فى اليوم ! ليس هذا ممكنا ! كانت ماريا تعلم أنها ليست الأنسان الوحيد الذى يشعر بالوحدة . بامكان الكائن البشرى أن يتحمل العطش اسبوعا والجوع أسبوعيين , بامكانه أن يقضى سنوات دون سقف , لكنه لا يستطيع تحمل الوحدة ,لانها أسوا انواعالعذاب والألم . كل هؤلاء الرجال الذين يتزاحمون على كسب ودها , كانوا يتعذبون مثلها , ويضنيهم هذا الشعور المدر , هذا الشعور باننا لا نعنى لأحد شيئا على وجه هذه الارض .

    لكى تتجنب ماريا أغواءات الحب , دونت كل نبضات قلبها فى يومياتها , ودخلت " كوباكابانا " بسلاح واحد هو جسدها وعقلها الذى أزاداد حيوية وتبضرأ . نجحت فى اقناع نفسها بأنها أتت الى جنيف , وانها حطت رحالها فى شارع برن من أجل هدف علوى . كلما استعارت كتابآ من المكتبة , بدت لها نظريتها أكثر رسوخآ , وهى أن أحدآ لم يكتب كما يجب فى هذه الأحدى عشرة دقيقة الأكثر جوهرية فى اليوم , وأن قدرها هو , مهما يبد الأمر قاسيا , أن تنشر كتابا تروى فيه حياتها ومغامرتها .

    المغامرة : كلمة يحظر أستعمالها , ولا أحد يجرؤ على التلفظ بها . ذلك أن معظم الناس يفضلون رؤية المغامرة على التلفزيون ضمن أفلام يعاد عرضها . هذا ما كانت تبحث عن ماريا . المغامرة التى تتناغم مع الصحارى والاسفار نحو المجهول , والرجال الغامضين الذى يستهلون الكلام على متن أحد المراكب وسط النهر , والطائرات واستوديوهات السينما , وقبائل الهنود , وجبال الجليد , وافريقيا .

    اعجبتها فكرة الكتاب , وفكرت أن يكون عنوانه " أحدى عشرة دقيقة " أخذت ماريا تصنف الزبائن الى ثلاث فئات : الرجال اصحاب المراجل ( تيمنا بعنوان فيلم شاهدته وأعجبها ) الذيت تفوح منهم رائحة الكحول عند دخولهم الحانة , ويتظاهرون بأنهم لا يولون أحدآ اهتمامهم فيما الأنظار جميعها مصوبة اليهم . كانوا يرقصون قليلا ثم يدخلون مباشرة فى صلب الموضوع , الذهاب الى الفندق . والفئة القانية تضم الرجال الجذابين على طريقة البطل فى فيلم ( Pretty Woman ) , وهم رجال يريدون أن يجشدوا منتهى اللطف والأناقة والحنان , معتقدين أنه من دون لطفهم ستكف الأرض عن الدوران . هؤلاء هم لطفاء فى البداية , وقيلو الثقة بأنفسهم لدى وصولهم الى الفندق . أما فى النهاية فيصبحون أكثر تصلبا من الذين أسمتهم " Terminator " . وهناك أخيرآ " العرابون – The God Fathers " – تيمنا بأسم الفيلم – الذين يتعاملون مع جسد المرأة وكأنه سلعة تباع وتشترى . هؤلاء كانوا الأكثر صدقا : يرقصون ويتكلمون ولا يتركون علاوة , ويعرفون قيمة ما يشترونه ولا ينجزون الى حديث مع أمرأة اختاروها . كانوا الوحيدين الذين يعرفون فعلا , وبطريقة مرهفة للغاية , معنى كلمة " مغامرة " .



    * * * * *


    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها فى يوم تخلفت فيه عن الذهاب الى العمل بسبب العادة الشهرية :

    " لو طلب منى أحدهم ان أروى قصة حياتى , لا أعتقد أننى امراة مستقلة وشجاعة وسعيدة . لا أملك فى الحقيقة شيئا من هذا . لقد خرمت من أن أتلفظ بالكلمة الوحيدة التى تستطيع أن تكون بديلا من الأحدى عشرة دقيقة وهى " الحب " .

    طوال حياتى فهمت الحب شكلا من أشكال العبودية المبررة . هذا كذب , لأنه حيث يكون الحي تكون الحرية . ومن يمنح ذاته بكليتها يشعر انه حر ويحب بشكل لا حد له .
    ومن يحب بشكل لا حد له يفهم ما معنى الحرية .

    لأجل هذا , وبخلاف كل الظنون , فان كل ما أحياه وأفعله وأكتشفه لا معنى له . أمل أن تمر هذه الفترة بسرعة لأتمكن من استعادة البحث عن ذاتى والألتقاء برجل يتفهمنى , ولا يجعلنى أتالم . لكن عن أى بلاهة أتحدث ؟ فى الحب لا أحد يجرح أحدآ , وكل كسؤؤل عما يعانى منه . ولا يستطيع أن يحمل وزر معاناته .

    فيما مضر , أحتملت الجراح الكثيرة عندما فقدت الرجال الذى أحببتهم . اما اليوم , فأنا مقتنعة بأن لا أحد يفقد أحدآ , لانه لا أحد يفقد أحدآ , لانه لا أحد يمتلك أحدآ . هذه هى التجربة الحقيقة للحرية , أن نحظى بالشئ الأهم فى هذا الوجود دون أن نسعى الى امتلاكه.

    * * * * *

    مرت ثلاثة شهور أخرى . جاء الخريف وجاء معه التاريخ الذى سجلته ماريا على الروزنامة . لا تزال هناك فترة 90 يوما تفضلها عن العودة الى البرازيل . مرت الأيام سريعة وبطيئة فى أن . ارتدى الزمن بعدين ينظر ماريا , وهذا وفقا لحالتها النفسية . لكن فى الحالتين كانت مغامرتها تقارب النهاية . لا شك أن بامكانها أن تتابع المغامرة , لكنها لا تستطيع أن تنسى الابتسامة الحزينة للمرأة غير المرئية التى رافقتها أثناء رحلتها حول البحيرة , وحذرتها قائلة أن الأشياء ليست بالسهولة التى نتصورها . لهذه المهنة أغواءاتها وكانت ماريا تتحضر لمواجهة التحديات التى تعترض سبيلها . الا أن كل هذه الأشهر التى قضتها فقط مع ذاتها علمتها أنه يجب التصميم على أنهاء المغامرة عند هذا الحد . بعد 90 يوما , تعود ماريا الى البرازيل , وتشترى مزرعة صغية ( جنت من المال أكثر مما كانت تتوقع ) . وبعض البقرات ( البرازيلية لا السويسرية ) وتدعو أباها وأمها للسكن معها , وتستخدم موظفين لتسيير المشروع .

    مع أنها كانت تفكر أن الحب هو التجربة الحقيقة للحرية وان لا أحد يستطيع أمتلاك كائن أخر , الا أنها كانت أيضا تغذى سرآ رغبتها فى الأنتقام من زميلاتها السابقات عند رجوعها الظافر الى البرازيل . وبعد أن تكون قد فرغت من انشاء المزرعة , ستذهب الى المدينة وتدخل المصرف حيث يعمل الصبى الذى تركها ليعاشر أفضل صديقة لديها , وتودع مبلغا كبيرآ من المال . عندئذ سيقول لها الصبى " مرحبا , كيف حالك , ألم تعرفينى ؟ " لكنها سستظاهر بأنها تبذل جهدآ كبيرآ لتتذكر وتقول فى النهاية أنها لا تتذكر وأنها قضت سنة كاملة فى أو – رو – با ( ستلفظ الكلمة على مهل ليسمع كل زملائه ) أو بالأحرى فى سويـــ - سرا ( هذه الكلمة سيكون لها وقع أكثر اكزوتيكية من كلمة فرنسا , وأكثر أيحاء بسحرتلك المغامرة ) , حيث يوجد أفضل مصارف العالم .... من يكون هذا الصبى ؟

    سيذكرها بأيام الدراسة , وستقول له " اه , الان تذكرت " وهى تصطنع هيئة من لا يتذكر .

    حسنا , أنجر الأنتقام . والآن يجب العودة الى العمل . اذا سارت الأمور وفق ما تشتهى , ستكرس عندئذ كل وقتها للأهتمام بما تراه جوهريا , اى العثور على الحب الكبير والرجل الذى كان ينتظرها طوال هذه السنوات , لكنها لم تحظ بفرصة لقائه .

    فزرت ماريا أن تنسى الى الابد مشروعها فى تأليف كتاب " أحدى عشرة دقيقة " . عليها من الأن فصاعدا أن تحصر تركيزها فقط بالمزرعة ومشروعاتها المستقبيلية , والا فانها ستضطر حتما الى أرجاء عودتها الى البرازيل .


    * * * * *


    ذهبت بعد الظهيرة للقاء صديقتها المفضلة والوحيدة " أمينة المكتبة " قالته لها أنها مهتمة الأن بتربية المواشى وأدارة مشروع زراعى , ثم طلبت منها أن تحضر لها كتبا عن هذا الموضوع .

    أعترفت لها أمينة المكتبة بما يدور فى رأسها .

    - أتعرفين . منذ بعضة أشهر , عندما أتيت الى هنا لتسالينى كتبا عن الجنس , قلقت بشأنك . هناك الكثير من الفتيات الجميلات اللواتى يغربهن الجنى السهل للثمال . لكنهن ينسين ان الشيخوخة ستداهمهن قبل أن تسنح لهن الفرصة ليلتقين رجال حياتهن .

    - هل تقصدين الكلام عن الدعارة ؟.
    - الكلمة صعبة جدا على .
    - سبق أن قلت لك أننى أعمل فى شركة لتصدير اللحم وأستيراده . لكن , لنفرض أن لدى النية للعمل فى هذا الميدان . برأيك هل ستكون العواقبل وخيمة لو أننى توقفت فى الوقت المناسب ؟ فى أى حال , أن يكون المرء شاباً فهذا يعنى أنه معرض لأرتكاب أخطاء كثيرة

    - جميع الذين يتعاطون المخدرات يقولون الشئ نفسه , المهم أن نتوقف فى الوقت المناسب . ولا أحد منهم يتوقف !
    - كنت ولا شك أمرأة جميلة جداً . ولدت فى بلاد ينعم فيها المواطنون بحياة كريمة . فهل كان هذا كافيا لتكونى سعيدة ؟
    - أستطيع القول أننى فخورة بالطريقة التى تخطيت فيها ما وضع فى طريقى من حواجز .

    هل ينبغى لامينة المكتبة ان تتابع قصتها ؟. أجل , لأن هذه الفتاة تحتاج الى من يعينها على مواجهة مصاعب الحياة .

    " عشت طفولة سعيدة , درست فى أفضل مدارس برن , ثم أتيت للعمل فى جنيف . حيث التقيت الرجل الذى أحببته وتزوجت به . فعلت كل ما بوسعى لاسعاده وهو كذلك . ثم مضى الوقت وأحيل الى التقاعد . لكنه عندما صار حرآ ليفعل بوقته ما يحلو له صارت نظرته كئيبة . ربما حدث ذلك لأنه لم يفكر فى نفسه طوال حياته الماضية . لم تتشاجر يوما بشكل جدى . ولم تكن لدينا قط انفعالات قوية . لم يتحن قط , ولم يقلل من احترامى بين الناس . عشنا حياة طبيعية , طبيعية للغاية , لدرجة أنه عندها أصبح بلا عمل شعر انه تافه وغير نافع . توفى بالسرطان بعد مضى عام على تقاعده .

    كانت تقول الحقيقة الكاملة , لكن كلماتها لابد انها اثرت سلبا فى الفتاة الواقفة أمامها .

    ثم أختتمت كلامها بالقول :

    - مهما يكن , من الأفضل أن تعيش حياة دون مفآجات . كان هناك أحتمال أن يتوفى زوجى قبل ذلك لو كانت حياتنا مختلفة .

    خرجت ماريا من المكتبة متابطة الكتب , عازمة أمرها على التثقف فى مجال الأدارة الزراعية . كانت حرة بعد الظهر , لذا قررت الذهاب للتنزه . لاحظت فى أعلى المدينة لافتة صفراء رسمت عليها شمس وتحمل الكتابة التالية " طريق ما يعقوب " ما هذه الطريق؟

    بما أن ماريا أكتسبت العادة بأن تستعلم عن كل ما تجهله , دخلت الحانة لتسأل بشأن الألفتة .
    قالت لها الفتاة الواقفة خلف طاولة الشرب :
    - ليست لدى أدنى فكرة .

    كان المكان أنيقآ وكان ثمن فنجان القهوة يفوق بثلاث مرات ثمنه فى الأمكنة الأخرى . لكن , بما أن ماريا باتت تملك المال وبعد أنها موجودة هنا , فقد طلبت فنجان قهوة وقررت أن تكرس وقتها خلال الساعات المقبلة للأنكباب على دراسة أدارة المزارع . فتحت الكتاب بحماس , لكنها لم تستطع أن تركز على القراءة . وسرعان ما طرحته جانبا لأنه كان مضجرا للغاية . رآت أن من الأفضل التحدث عن الموضوع مع زبائنها , لانهم يعرفون دوما الطريقة المثلى لأدارة الأموال . سددت الحساب , ثم شكرت الخادمة , وتركت لها علاوة جيدة ( كانت تشعر بالأرتياح من هذه العادة لأنها كانت تعتقد أنها اذا اعطت كثيرآ فستتلقى أكثر ) . اتجهت ناحية الباب دون ان تعى أهمية هذه اللحظة , ففيها سمعت جملة ستغير الى الأبد مجرى حياتها , مشورعتها ومستقبلها ومزرعتها وفكرتها عن السعادة ورجها الأنثوية ومواقفها الرجولية ومكانها فى العالم .

    " دقيقة واحدة " .

    فؤجئت لسماع الصوت ونظرت من حولها . كان هذا المكان حانة محترمة لا يشبه بشئ حانة " كوباكابانا " حيث للرجال الحق فى قول هذه الكلمات , حتى لو كانت للنساء الحرية فى أن يعترضن قائلات " أنا ذاهبة ولن تمنعنى " .

  9. #9
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    تحضرت ماريا لأن تتجاهل هذا الطفل , لكن فضولها منعها . أدارت رأسها باتجاه مصدر الصوت . رأت عندئذ مشهدآ غريباً , رجلا فى الثلاثين تقريباً ( أو ربما كان عليها أن تقول صبيا , لأن عالمه شاخ قبل الأوان ؟ ) طويل الشعر , راكعاً أرضا ً ومن حوله عدة ريشات مبعثرة , منصرفا الى رسم رجل جالس على الكرسى أمامه , وقربه كوب من مشروب اليانسون . لم تلحظها لدى دخولها .

    - لا تذهبى , انتظرى حتى أنتهى من رسم هذا " البورتريه " . ارغب فى أن أرسمك أنت أيضاً.

    أجابت ماريا وكانت بجوابها تعيد الحلقة المفقودة فى هذا العالم الى مكانها :

    - هذا لا يهمنى .
    - هناك " ضوء " ينبعث منك . دعينى على الأقل أقوم برسم أولى .
    عن أى رسم أولى يتحدث ؟ عن أى ضوء ؟ هل يعقل أن أحدآ بهذه الجدية يصر على رسم روتريه لك ؟! أخذت الأفكار تتدافع بحمية داخل رأسها , ماذا لو كان رساما شهيرا , عندئذ سيخلد رسمها الى الأبد فى اللوحة , وستعرض فى باريس أو فى سلفادور فى باهيا ! انها أسطورة حقيقة !

    ثم ماذا كان يفعل هذا الرجل وسط كل هذه الفوضى فى حانة فخمة جدآ ويتردد اليها , ولا شك , أناس محترمون ؟

    حدست الخادمة أفكارها , فهست فى اذنها " انه فنان معروف جدآ " . كان حدس ماريا فى محله . حاولت أن تحتفظ ببرودة أعصابها . قالت لها الخادمة " يأتى الى هنا من وقت الى أخر , ودائماً برفقة زبون مهم . يول أنه يحب الديكور الحانة وانه مصدر ألهام له . انه يرسم الأن لوحة أعلانية تمثل شخصيات جنيف بأمر من مجلس المدينة .

    نظرت ماريا الى الرجل الذى كان يرسمه . ومن جديد قرأت الفتاة أفكارها , فقالت :

    - أنه عالم كيمياء . قام باكتشاف مذهل , ونال عنه جائزة نوبل .

    كرر الرسام قوله :

    - لا تذهبى . سوف أنهى الرسم فى خمس دقائق .اطلبى ما تريدين وسجليه على حسابى .
    كانت ماريا تشعر وكأنها منومة مغنطيسيا . ذهبت للجلوس أمام البار , وطلبت ليكور باليانسون ( بما أنها لم تكن معتادة الشرب , فان اول فكرة خطرت لها كانت أن تقلد الكيميائى الذى نال جائزة نوبل ) , ثم أخذت تراقب الرجل وهو يعمل . فكرت " لست شخصية من شخصيات جنيف . هو مهتم اذن بشئ آخر . لكنه ليس الرجل الذى يعجبنى . كانت تكرر هذه العبارة بطريقة آلية منذ بدأت تعمل فى كوباكابانا " . وكان هذه العبارة خشبة الخلاص والدرع الواقية من الوقوع فى أفخاخ القلب .

    والأن , بعد أن توضحت الأمور , قررت أن تبقى لأنها لن تخشر شيئا اذا انتظرت بضع دقائق . لعل الخادمة على حق , لعل هذا الرجل يفتح أمامها أبواب عالم مجهول حلمت به دوما , ألم تفكر يوما بأن تمارس مهنة عرض الأزياء ؟

    راقبت رشاقته وسرعته فى انجاز عمله . كانت اللوحة التى يرسمها كبيرة جدا لكنها شبه مطوية ولم تستطع رؤية الوجوه الأخرى الموجودة فيها . ماذا لو كان الأمر يشكل لها فرصة جديدة ؟ لم يكن الرجل ( قررت أنه كان رجلا وليس صبيآ ) يبدو من النوع الذى يمهد من خلال دعوته لتزجية ليلة معها . انهى عمله بعد خمس دقائق , تماما كما وعدها , فيما ماريا تحاول اقناع نفسها بأن لا مصلحة لها فى اللقاءات التى يمكن أن تعرض كل مشروعتها للخطر .

    قال الرسام للكيميائى الذى بدا وكانه خارج من حلم :

    - شكرآ , بامكانك أن تغادر الان .

    ثم التفت الى ماريا , وقال دون مواربة :

    - اجلسى هناك فى الزواية واسترخى . النور رائع .

    وكما لو أن القدر هيا كل شئ , كما لو أنه الأمر الأكثر تلقائية فى العالم , كما لو أنها عرفت هذا الرجل طوال حياتها , أو عاشت هذه اللحظة فى أحلامها وتدرك ماذا ينبغى لها أن تفعل . أخذت ماريا كوب اليانسون وجزدانها وكتبها ثم اتجهت الى المكان الذى اشار اليه الرسام , الطاولة قرب النافذة . جلب الريشات واللوحة , واستحضر مجموعة القوارير التى تحوى مختلف الألوان وعلبة السجائر , ثم جثا أمامها .

    - احتفظى بهذه الوضعية .
    - لكنك تطلب الكثير , فحياتى فى حركة لا تهدأ .

    وجدت ماريا هذه الجملة معبرة , لكن الرسام لم يولها أى اهتمام . ثم سعت لأن تكون طبيعية لا سيما وان نظرة الرسام أشعرتها بالراحة .

    قالت له وهى تشير الى الشارع والى اللافتة عبرالنافذة :

    - ما هذه الطريق , طريق مار يعقوب ؟
    - طرق للحجاج . فى القرون الوسطى , كان الزوار يأتون من جميع أنحاء أوروبا ليمروا عبر هذه الطريق قاصدين الذهاب الى " سان جاك دو كومبوستيل " فى اسبانيا .

    بسط قسماً من اللوحة وجهز ريشاته . لم تكن ماريا تعرف ماذا عليها أن تفعل .

    - اذا تبعت هذه الطريق , فهل سأصل الى اسبانيا ؟
    - يلزمك شهران أو ثلاثة . والآن , هل يمكنك أن تسدى الى خدمة ؟ ابقى صامتة لأن العمل لن يستغرق أكثر من عشر دقائق , وانزعى هذه الرزمة عن الطاولة .

    استجابت , وقد أغاظتها نبرة الرجل الأستبدادية " ليست رزمة , انها كتب " . عليه أن يعرف هذا الرسام أنه فى حضرة أمرأة مثقفة تتردد الى المكتبات بدل المخازن . لكنه حمل الكتب بنفسه ووضعها على الأرض بلا تكلف .

    لم تستطع التأثير عليه . فى أى حال , لم تكن لديها تلك النية . فهذا المكان خارج نطاق عملها , ومن الافضل أن تحتفظ بسحرها للرجال الذين يستطيعون الأنفاق عليها بسخاء . لم الأرتباط برشام ؟

    هو فى الثلاثين من عمره ويرسل شعره على كتفيه , هذا مضحك . هل يملك المال ؟ قالت لها فتاة الحانة انه كان معروفا , ولم تفهم أن كان المقصود هو ام الكيميائى ؟ نظرت الى ملابسه , لككن هذا التفصح لم يوفر لها دليلا على وضعه المادى . علمتها الحياة أن الرجال الذين يرتدون ملابسهم بطريقة لا مبالية – وهذه كانت حالته – يبدون أكثر ثراء من هؤلاء الذين يرتدون البذلة الرسمية وربطة العنق .

    " لم لا أكف عن التفكير بهذا الرجل ؟ ما يهمنى هو اللوحة " .

    ثم ان عشر دقائق ليست ثمنا باهظاً مقابل رسم يستطيع تخليدها . لاحظت انه يرسمها الى جانب الكيميائى المتوج بجائزة نوبل , وتساءلت عما اذا كان سيطلب منها أجرآ .

    - أديرى رأسك ناحية النافذة .

    أطاعت الأوامر من جديد دون أن تطرح اسئلة . وهذه لم تكن عادتها . نظرت الى العابرين ولافتة طريق مار يعقوب , وأخذت تتخيل أن هذه الطريق كانت موجودة لقرون خلت , وأنها استمرت متحدية التقدم وتحولات العالم وتحولات الانسان . هل كانت بشيرا جيدأ ؟ يمكن لهذه اللوحة أن تبقى المعبر نفسه , وتعرض فى أحد المتاحف بعد خمسائمة عام ....

    كان الرجل يرسم . وكلما تقدم فى عمله , فقدت ماريا حماسها وشعرت انها تافهة . عندما دخلت الحانة , كانت أمرأة واثقة بنفسها , وقادرة على أتخاذ قرار حساس , كأن تترك مهنة تدر عليها مالا وفيرآ , والتخطيط لأدراة مزرعة فى بلادها الأم . الآن , تشعر من جديد بعدم الأمان , وهذه شعور لا تستطيع عاهرة أن تجيزه لنفسها .

    واخيرآ , أدركت سبب استيائها , للمرة الأولى منذ أشهر عديدة , ينظر اليها أحدهم , ليس بوصفها أداة لذة أو حتى أمرأة ,بل بطريقة لا يمكن أدراك كنهها " للمرة الأولى يرى رجل روحى ومخاوفى وضعفى وعجزى عن مواجهة عالم أتظاهر بأنى أتحكم به , فيما لا اعرف عنه شيئا " .

    لكن المضحك فى الأمر أن ماريا لا تزال تشتعرض افكارها :

    - أود لو ....

    فقال الرجل :
    - أرجوك , لا تتكلمى . أرى ضوءك .

    لم يقل لها أحد ذلك من قبل . كل ما سمعته هو " ارى نهديك الصلبين " أرى ساقيك المسكوبتين بروعة " أرى جمالك الأكزوتيكى الاتى من البلاد الأستوائية " . أو فى أفضل الحالات " أرى أنك تريدين الخروج من هذه الحياة . امنحينى فرصة واشترى لك شقة ...هذه هى التعابير , التى اعتادت سماعها , ولكن ...ـم حدثها أحد عن ضوئ منبعث منها ؟

    ثم أضاف الرسام , وقد أدرك انها لم تفهم شيئا من كلامه :
    - أقصد ضوءك الخاص .

    ضوء خاص ؟ كم أن هذه الرسام ساذج , بعيد عن الحقيقة , لا يعرف أمور الحياة , بالرغم من سنواته الثلاثين . النساء ينضجن بسرعة أكبر من الرجال وهذا أمر لا جدال فيه . صحيح أن ماريا لم تكن تسهر الليالى بطرلها لتفكر فى اسرار الحياة , لكنها كانت تعرف شيئا على الأقل , لا تملك ما يدعوه الرسام " ضوءا " ولا "بريقا خاصا " على حد علمها . كانت ماريا كسائر البشر تعانى الوحدة بصمت , وتحاول ان تجد مببررا لجميع أفعالها , فتتظاهر بأنها قوية عندما تكون ضعيفة , وتصطنع الضعف عندما تكون قوية .

    تخلت عن كل تفكيربالشغف لئلا تخشر عملها . هى الأن قريبة من الهدف الذى خططت له . أمامها مشروعات للمستقبل , ووراءها حسرات من الماضى , ولا يستطيع كائن فى مثل حالتها أن يمتلك أى " بريق خاص " . لعل الرسام يردد هذه العبارة كوسيلة لأجبارها على لزوم الصمت والجمود كبلها .

    " ضوء خاص "! كان بوسعه ايجاد عبارة أخرى على سبيل المثال , " لديك بروفيل جميل "
    كيف ينفذ النور الى البيت ؟ عبر النافذة المشرعة . وكيف يدخل النور قلب الانسان ؟ عبر باب الحب اذا كان مفتوحا . وبابها ليس مفتوحا . لابد أنه رسام سيئ فعلا , ولا يفهم شيئا فى الحب .

    قال لها :
    - انتهيت .

    لم تغادر ماريا , كانت ترغب فى رؤية اللوحة , لكنها خافت أن يبدو طلبها مجافيا للياقة , ألا أن فضولها كان الغالب . سألته أن يريها اللوحى فوافق .
    لم يرسم الا وجهها . وكان الرسم يشببها . لكن , لو رأت يوما هذه اللوحة دون أن تعرف صاحبة الرسم لقالت أن المرأة المرسومة فيها شخص أقوى منها بكثير وينبعث منه " ضوء " لا ترى انعكاسا له فى المرأة .

    - اسمى رالف هارت . يمكننى أن أدعوك الى شرب كأس اذا شئت .
    - لا , شكرا .

    بدأ اللقاء , يتخذ منحى متوقعا , للأسف , الرجل يحاول أن يغرى المرأة .

    ثم قالت دون ان تعبا بجوابه :

    - لو سمحت , كاسين آخريين من ليكور اليانسون .

    هل كان لديهاه شئ اخر تقوم به أفضل من الجلسة فى المقهى ؟
    ماذا لديها أهم مما تفعله الان ؟. أن تقرأ كتابا مملا يتحدث عن المزارع ؟ أن تتنزه كما فعلت مئات المرات على ضفاف البحيرة ؟ الأفضل أن تتحدث قليلا الى رجل رأى فيها ضوءا , تماما فى الوقت الذى كانت تستعد فيه لبدئ مرحلة جديدة من حياتها , واسدال الستار على مرحلة سابقة .

    - ماذا تفعلين فى الحياة ؟

    هذا هو بالضبط السؤال الذى لم تكن راغبة فى سماعه , والذى يسببه خسرت عدداً عددا من اللقاءات , وابتعدت عن كل من يود التقرب منها لسبب ما ( وهذا الانر نادرآ ما يحدث فى سويسرا , لان السويسريين متحفظون بطبعهم ) . ماذا بأمكانها أن تجيب .

    - أعمل فى حانة ليلية .

    هكذا أنزلت عن كتفيها حملا هائلا , وشعرت أنها راضية عما اكتسبته منذ مجيئها الى سويسرا , أن تسأل ( مثلا من هم الأكراد ؟ ما هى طريق مار يعقوب ؟ ) وأن تجيب ( أعمل فى حانة ليلية ) , دون ان تحفل بما يقوله الأخرون عنها .

    - أعتقد أننى رأيتك من قبل .

    شعرت ماريا انه يريد الذهاب معها ابعد من ذلك , وراحت تستثمر انتصارها الصغير . رأت الرسام الذى كان يملى عليها الأوامر منذ دقائق قليلة ويبدو واثقا مما يريده , وقد عاد رجلا عاديا كالأخريين , قليل الثقة بنفسه أمام أمراة مجهولة .

    - لم تحملين هذه الكتب ؟
    أبرزتها له " الزراعة , وادراة المزارع " .
    - هل تعلمين فى الجنس ؟

    يرغب فى المجازفة .لكن هل سألها ذلك لانها ترتدى ثيابا كالعاهرات ؟ فى اى حال , عليها أن تؤجل الجواب . أيقنت ان الحديث بات مشوقا وليس لديها ما تخسره .

    - لماذا لايفكر الرجال الا فى هذا ؟
    ارجع الكتب الى مكانها , ثم قال :
    - الجنس والأدارة الزراعية , ميدانان , يبعثان حقآ على الملل .

    ماذا يقول ؟ هل يريد أن يتحداها ؟ كيف بامكانه أن يتكلم بالسؤء عن مهنتها ؟ حسنا , هو لا يعرف فعلا فى اى ميدان تعمل ولابد أن يعبر فى سؤاله عن فكرة مسبقة , لكنها لم تستطع أن تصمت أزء جوابه .

    - حسنا , أعتقد أن هناك أمرآ يبعث على الملل أكثر من الجنس والزراعة وهو الرسم . أنه شئ جامد , حركة متقطعة , صورة غير وفية لأصل , علم لا احد يهتم به , الا الرسامون طبعا الذين يعتبرون أنفسهم كائنات عالية تيرة العقول فيما هو لم يتطوروا كما فعل سائر البشر .
    - هل سمعت بخوان ميرو؟
    - أنا؟ أبدآ ألا حين حدثنى عنه رجل عربى فى أحد المطاعم , وهذا لم يحدث أى تغيير فى حياتى .

    هل بدا جوابها مبالغا فيه ؟ لا تعرف , لا سيما وأن مجئ الخادمة فى هذه اللحظة وتقديمها المشروب قطعا عليهما الحوار . بقيا صامتين . فكرت ماريا ان وقت الذهاب قد حان . ولعل رالف هارت يفكر فى الئ نفسه أيضا . لكن هناك كوبى شراب مليئين على الطاولة , وهذه ذريعة لكى يبقيا سوية .

    - لماذا تحملين كتبا عن الزراعة ؟
    - ماذا تعنى ؟
    - ذهبت الى شارع برن عدة مرات ورأيتك فى حانة ليلية غالية الثمن . لكننى لم انتبه لذلك حين ارسمك , لان الضوء المنبعث منك كان باهرآ .

    شعرت ماريا بالارض تدور تحت قدميها . للمرة الأولى فى حياتها تشعر بالخجل من مهنتها , رغم أنها لا تملك سببا وجيها لذلك . كانت تعمل لتسد حاجتها وحاجةعائلتها . هو من يفترض به أن يخجل لذهابه الى شارع برن . ها أن الجو الساحر الذى كانت تشعر بانها ترف فى أرجائه قد اختفى فى لحظة .

    - اسمع يا سيد هارت . أنا برازيلية وأعيش فى سويسرا منذ تسعة أشهر . تعلمت أن السويسرين متحفظون لأنهم يعيشون فى بلاد صغيرة حيث الجميع يعرفون بعضهم بعضآ تقريباً . هذا هو السبب الذى من أجله لا أحد يسأل الأخرين عن حياته الخاصة . لذا أرى أن تعليقك ليس فى محله , ولا ينم عن ذوق مرهف . اذا كان هدفك أن تهيننى لكى تشعر بالأرتياح , فأنك تضيع وقتك سدى . شكرا لليكور اليانسون الردئ الذى سأشربه حتى أخر نقطة .

    بعدها أنهض وأذهب . لكن , يمكتك أن تغادر فوراً لأنه من غير المستحب ان يجلس رسام مشهور مع عاهرة الى الطاولة نفسها . هذا ما أنا عليه , هل تعرف , عاهرة , دون أى احساس بالذنب . عاهرة من الرأس حتى القدمين ومن أسفل الى أعلى . وهنا تكمن فضيلتى , ألا أخدع نفسى وألا أخدعك . لأن الامر لا يستحق العناء , لأنك لا تستحق أن يكذب المرء من أجلك .

    تخيل لو أن الكيميائى الشهير الجالس هناك فى أخر المقهى عرف من أكون ؟ ( وهنا رفعت صوتها ) مجرد عاهرة , هل تعرف ؟ هذا يجعلنى اشعر بأننى حرة وأننى سأترك هناك البلد اللعين بعد 90 يوما بالضبط , مكتفية بما جنيته من المال , وأكثر ثقافة مما كنت قد وصلت , وقدرة على معرفة النبيذ الجيد , وأمتعتى مليئة بالصور عن الثلج , وفى ذهنى صورة واضحة عن الطبيعية البشرية !

    كانت فتاة الحانة تستمع اليها والأرتباك باد على وجهها . بودا الكيميائى وكأنه لا يوليها أنتباها . لعل ما دفعها الى قول ذلك هو المشروب الروحى أو لعله اليقين بانها ستعود عما قريب برازيلية من نوردستا . المهم أنها شعرت بنفسها حقيقة لانها أستطاعت الأعتراف بمهنتها وعدم الاكتراث لردود الفعل التى يمكن أن يثيرها ذلك , لا بنظرات المصدومين الجاحرة , ولا بحركاتهم المستنكرة .

    - هل فهمت يا سيد هارت ما أقوله ؟ عاهرة من الأسفل الى الأعلى ومن قمة الرأس الى أخمس القدمين . هذه صفتى وهذه فضيلتى !

    لاذ بالصمت وبقى جامدا . شعرت ماريا أنها استعادت ثقتها بنفسها .

    - أما أنت فرسام لا يفهم شيئا فى موديلاته . قد يكون الكيميائى الجالس هناك وشبه النائم عاملا فى سكة الحديد . وقد تكون الشخصيات الأخرى فى لوحتك مغايرة لما هى عليه فى الحقيقة . والا لما أدعيت أطلاقا أنك رأيت " ضوءا خاصا " طلدى أمرأة هى كما رأيت " عـا – هــ - رة . "

    تلفظت بالكلمة الأخيرة على مهل وبصوت قوى . استيقظ الكيميائى وأنت الخادمة بالحساب .
    تجاهل رالف الملاحظة وقال بتمهل وبصوت منخفض :

    - لا أتكلم عن العاهرة الموجودة داخلك بل عن المرأة . هناك ضوء منبعث منك , ضوء الأرادة , ضوء كائن قادر أن يضحى بأشياء مهمة على حساب أشياء يعتبرها أكثر اهمية . العينان ...هذا الضوء يظهر فى العينين .

    شعرت ماريا أنها بلا سلاح , لأنه لم يرفع سقف المواجهة والتحدى . أرادت ان تعتقد أنه يسعى الى أغوائها . لكن هذا لا يهمها . هذا أمر تجاوزته منذ زمن بعيد , ولا تظن أنه يوجد رجال مثيرون للأهتمام , على الأق فى الأيام التسعين المقبلة .

    ثم أضاف :
    - هل تريد ليكور البانسون هذا أمامك ؟ حسنا , أنت لا ترين الا ليكوراليانسون . أما أنا , وبما أنه على الذهاب أبعد من ذلك , فأرى النبتة التى انتجته والعواصف التى واجهتها هذه النبتة , واليد التى قطفتها وفصلت حبوبها , وسفرها فى الباخرة من قارة الى اخرى ,ووالعطر واللون الذين كانا لهذه النبتة قبل أن تتفاعل مع الكحول . ولو كنت أريد يومآ أن أرسم هذا المشهد , لرسمت كل ذلك . لكنك , عندما تشاهدين هذه اللوحة فستجدين فيها ركوبآ تافها من ليكور اليانسون .

    كذلك , عندما كنت تنظرين الى الشارع وتفكرين فى طرق مار يعقوب – أعرف أنك فكرت فى ذلك – كنت أريد طفولتك ومراهقتك وأحلامك الضائعة ومشروعاتك المستقبلية وأرادتك – وهذا ما يحيرنى أكثر من أى شئ أخر . عندما رأيت اللوحة ...

    - رأيت هذا الضوء ...
    - .. حتى ولو كانت المرأة هناك مجرد أمرأة تشبهك .

    خيم على أجوا المكان صوت ثقيل من جديد . نظرت ماريا الى ساعتها .

    - على الذهاب , لماذا تقول ان الجنس يبعث على الملل ؟
    - يجدر بك أن تعرفى أكثر منى .
    - أعرف ذلم لأننى أعمل فى هذا الميدان . انه الروتين نفسه كل يوم . لكن أنت رجل فى الثلاثين ...
    - بل فى التاسعة والعشرين .
    انت شاب جذاب ومشهور , ولا حاجة بك للذهاب الى شارع برن بحثاً عن رفيقة !
    - كنت بحاجة الى ذلك . ضاجعت بضعا من زميلاتك . لكننى لم أقم بذلك لأنه يتعذر على الفوز بقلب أمرأة . أن مشكلتى مع نفسى .

    شعرت ماريا بلدغة من الغيرة وأيضآ بالخوف . عليها الأنصراف الآن ومن دون تردد .

    قال رالف وهو يلملم أغراضه المبعثرة على الأرض :

    -كانت تلك محاولتى الأخيرة . الان تخليت عن ذلك .
    - هل تعانى مشكلة جسدية ؟
    - لا , فقط من فقدان الاهتمام بالجنس .

    ليس ذلك ممكنآ .
    - سدد الحساب ولنخرج فى نزهة . أظن أن ناسآ كثيرين يعانون المشكلة نفسها , لكن أحدى منهم لا يعترف بذلك . من الجدير التحدث الى شخص بهذا الصدق ! .

    سارا على طريق مار يعقوب باتجاه النهر الذى ينحدر الى البحيرة . كان النهر يواصل مسيره
    عبر الجبال لينتهى فى منطقة بعيدة فى اسبانيا . التقيا العابرين الذين انتهوا من تناول الغداء , وأمهات يدفعن عربان أطفالهن , وسياحأ يلتقطون صورآ للفؤارة وسط البحيرة , ونساء مسلمات يرتدين أحجبة , وفتيانآ وفتيات يمارسون رياضة الجوكينغ , وجميعهم حجاج يبحثون عن المدينة الأسطورية , سان جاك دو كومبوستيل , التى ربما لم تكن موجودة , أو ربما كانت أسطورة يؤمن بها هؤلاء الذين يودون , اعطاء معنى لحياتهم .

    وعلى هذه الطريق التى يعبرها الكثير من الناس لأزمنة خلت , يمشى أيضاً هذا الرجل ذو الشعر الطويل الذى يتأبط جعبة مليئة بالريشات وقوارير الألوان واللوحات والأقلام , وتمشى الى جانبه فتاة أكثر فتوة منه , وهى تتأبط كتبا عن الأدراة الزراعية . أن أحدآ منهما لم يفتش عن السبب الذى دفعهما للقيام بهذا الحج معآ , مع أنه الأمر الأكثر تلقائيا فى الوجود , الشاب كان يعرف كل شئ عنها , أما هى , فلا تعرف شيئا عنه .

    لذا قررت , من الأن فصاعدا , أن تطرح أسئلة . ستطرح أسئلة عن كل شئ . فى البداية أدى دور الخجول , لكنها باتت قادرة على الحصول على ما تريد من الرجال . أخبرها أخيرآ انه تزوج مرتين ( وهذا رقم قياسى مقارنة بسنواته التسع والعشرين ! ) وسافر كثيرآ , والتقى الملوك والممثلين المشهورين وشارك فى أحتفالات لا تنسى ولد فى جنيف , وعاش فى مدريد وأمستردام ونيويورك وفى مدينة جنوبى فرنسا تدعى تارب وهى لا تقع على أى خط سياحى معروف , لكنه كان يعبرها لقربها من الجبال , ولطيبة أهلها ومرحهم . اكتشفت موهبته الفنية عندما كان فى العرين , حين جاء تاجر كبير للوحات الفنية وتناول الغداء مصادفة فى مطعم يابانى بجنيف , فأعجبه ديكور المطعم الذى كان هو مصممه .

    جنى مالا كثيرآ . كان شابآ ومتعافيآ ويستطيع أن يفعل ما يريد , وأن يذهب حيث يشاء , ويلتقى من يرغب . عرض جميع الملذات يمكن لرجل أن يختبرها , وكان يحب مهنته . لكن , ورغم كل شئ , رغم الشهرة والمال والنساء والاسفار , كان تعيسآ , ولا يملك الا متعة واحدة فى حياته , هى الرسم .

    - هل سبب لك النسوة الألم ؟

    طرحت ماريا هذا السؤال , وسرعان ما أدركت أنه سؤال غبى , لانه بدا وكأنه خارج من ذاك الكتاب " كل ما تريد المرأة ان تعرفه لكى تأسر قلب الرجل " .

    - لا , لم يسببن لى الألم أطلاقا . كنت سعيدآ جدآ فى زيجتى . خانتنى زوجتى وبادلتها الخيانة بالمثل , كما كل المتزوجين . لكن , بعد مرور فترة من الزمن , لم يعد الجنس يثير اهتمامى . واصلت حبى لزوجتى , وكنت اتوق الى وجودها معى , ولكن الجنس ... لماذا نتحدث عن الجنس ؟

    - لأنى , كما قلت بنفسك , عاهرة .
    - حياتى غير مثيرة للأهتمام . أنا فنان نجح وهو لا يزال صغير السن . وهذا نادر فى الفن وبخاصة فى الرسم . فنان استطاع أن يرسم كل اللوحات وينال الجوائز الكثيرة رغم الانتقادات المسعورة التى وجهها اليه النقاد لأنهم الوحيدون الذين يعرفون ما هو الفن . أنا من الأشخاص الذين يظن الجميع أنهم يملكون الأجابات عن كل شئ . والسبب أنه بقدر ما نلوذ بالصمت , نبدو أذكياء فى نظر الاخرين .

    واصل سر قصة حياته , كل أسبوع يدعى الى مكان كانت لديه وكيلة أعمال فى برشلونة ( سأل ماريا ان كانت تعرف أين هى موجودة , فأجبت : نعم ,فى أسبانيا .) تهتم بكل ما يتعلق بالمال والدعوات والمعارض , والأهم من ذلك أنها لا تجبره على القيام بما لا يرغب فيه . بعد سنوات من العمل معآ , أستطاعا التوصل الى تسعيرة ثابتة فى سوق اللوحات الفنية .

    قال وفى صوته نبرة أستياء :
    - هل قصتى مثيرة لأهتمام ؟
    - أرى انها ليست قصة سخيفة . وأعتقد أن ناسا كثيرن يرغبون فى ان يكونوا مكانك .

    والان , يريد رالف أن يعرف من تكون ماريا .

    - فى داخلى ثلاث نسوة ويمكن لمن ينظر الى أن يرى أى واحدة منهن . هناك الفتاة الصغيرة الساذجة التى تنظر الى الرجل باعجاب , وتتظاهر بانها متأثرة بقصصه عن السلطة والمجد , ثم المرأة المغوية التى تقضى دفعة واحدة على جميع الرجال الذين لا يملكون ثقة بأنفسهم , فتسطير على الأمور وتوفر لهم الطمأنينة , فينتفى الداعى الى القلق حيال أى شئ . وأخيرآ الام الحنون التى تبذل النصح للرجال المتعطشين الى المعرفة , وتصغى باهتمام بالغ الى مشكلاتهم , وهى فى الحقيقة لا توليهم أدنى اهتمام . أى من هؤلاء النساء تريد ان تعرف ؟
    - أنت .
    عندئذ روت ماريا كل شئ . كانت محتاجة الى ذلك انها المرة الأولى التى تعترف بكل شئ منذ تركت البرازيل . عندما أنهت قصتها , أدركت انها لم تشعر قط بانفعالات كبيرة , ما عدا الأسبوع الذى قضته فى ريو دى جانيرو , والشهر الأول لوجودها فى سويسرا .

    عدا ذك , كان الامر مقتصرآ على الذهاب من البيت الى العمل ومن العمل الى البيت .

    عندما أنهت قصتها , كان جالسين من جديد فى أحدى الحانات الواقعة فى الجهة الأخرى من المدينة , بعيدآ عن طريق مار . كان كل منهما يفكر فيما خبأه القدر للآخر .

    ثم سألت :

    - ماذا على أن أقول بعد ؟
    - الى اللقاء مثلآ .

    أجل , لم يكن بعد الظهيرة هذا عاديآ . شعرت ماريا انها قلقة متوترة , لانها فتحت بابا ولا تعرف كيف تغلقه .

    - متى أستطيع رؤية اللوحة ؟

    أعطاها رالف بطاقة وكيلة أعماله فى برشلونة , وقال :

    - اتصلى بها بعد ستة أشهر اذا كنت لا تزالين فى أوروبا , وسلبها عن لوحة " وجوه جنيف " وهى تضم شخصيات مشهورة , وأخرى غر معروفة . ستعرض للمرة الأولى فى صالة عرض فى برلين , وتقوم , من ثم , بجولة فى أنحاء أوروبا .

    تذكرت ماريا الروزنامة . تذكرت الأيام التسعين التى بقيت , وتمثلت الخطر الذى يمكن أن تجزها اليه اى علاقة طارئة برجل .

    فكرت مليا وتساءلت " ما هو الأهم فى الحياة ؟ العيش أم التظاهر بأننا عشنا ؟ هل أجازف وأقول أن بعد ظهيرة هذا اليوم , حيث أضغى الى أحدهم دون أ، يوجه الى أى انتقاد جارحآ , هو الوقت الأجمل الذى قضيته ؟ أم على أن أكتفى بصورة المراة الحازمة الارادة التى يشع وجهها ضوءا , وأن أرحل دون أ، اضيف شيئآ ؟

    فيما كان يمشيان على طريق مار يعقوب , وفيما كانت ماريا تستمع الى نفسها وهى تروى قصة حياتها , أحست بسعادة عارمة . كان بأمكانها أن تكتفى ذلك بهذه الهدية الكبيرة من الحياة . قال رالف هارت :

    - سأتى لرؤيتك .

    لا تفعل . سأعود قريبا الى البرازيل .ليس لدينا شئ أخر نقوله .

    - سأتى الى رؤيتك لأتلمس طريق النجاة .

    حين أعترف لها بفقدان اهتمامه بالجنس , أرادت أن تقول له أنها تشعر بالشئ نفسه , لكنها تمالكت أعصابها . كانت قد ذهبت بعيدآ فى مواقفها المتنكرة , ومن الحكمة أن تصمت .

    كان الأمر مؤثرا , رأت نفسها من جديد أمام صبى صغير , لكنه مختلف عن ذاك الذى عرفته فى طفولتها , لم يكن يطلب قلما , بل قليلا من المودة . التفتت الى ماضيها , ولأول مرة شعرت أنها غفرت لنفسها . لم تكن الغلطة غلطتها بل غلطة الصبى الذى كان يفتقر الى الثقة بنفسه , والذى تراجع عن موقفه عند أول محاولة .

    كان طفلين , والأطفال يتصرفون على هذا النحو . لا هى ولا الصبى اذن كان مخطئين . اشعرها هذا بأرتياح كبير . أحشت أنها أفضل حالا , ولم تتنكر لأول فرصة أتيحت لها فى الحياة . الجميع يتصرفون هكذا . وهذا يشكل جزءا من مسيرة الكائن البشرى الباحث دوما عن نصفه الأخر المفقود .

    لكن الوضع مختلف الان . مهما تكن الأسباب وجيهة ( سأعود الى البرازيل , أعمل فى حانة ليلية , لم يتسن الوقت لنا لنتعرف أحدنا الى الأخر بشكل كاف , لا أهتم بالجنس , لا أريد أن اعرف شيئا عن الحب , على أن أتعلم كيف أدير مزرعة , لا افهم شيئا فى الرسم , ننتمى الى عالمين مختلفين ...) انها فى مواجهة التحدى الذى فرضته الحياة , وعليها أن تختار لانها لم تعد طفلة .

    اثرت الصمت , ولم تنبس بكلمة , ضغطت على يده كما هى العادة فى هذه البلاد ورجعت الى المنزل . اذا كان هو فعلا الرجل الذى تحلم به وتريد أن يكون حبيبها , فنل جيعله صمتها يتراجع أو يخاف .


    * * * * *

  10. #10
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    وهذا مقطف من يوميات ماريا , كتبته فى اليوم نفسه الذى التقت فيه رالف هارت :

    " اليوم فيما كنا نمشى على ضفاف البحيرة , على طريق مار يعقوب الغريبة , رمى الرجل الذى كان برفقتى , وهى رسام وحياته مختلفة تماما عن حياتى , حجرآ صغيرا فى الماء . رسم الحجر دوائر فى الماء كانت تندفع نحو المركز باطراد الى ان بلغت الدوائر مصادفة بطة كانت تسبح هناك . فبدلا من أن تخاف البطة من هذه التموجات غير المتوقعة , أخذت تلهو معها .

    وقبل ساعات من ذلك , دخلت أحد المقاهى وسمعت صوتا . بدا الأمر كما لو ان الله رمى حجرا فى هذا المكان . الأمواج الحية لامستنى ولامست رجلا كان يرسم فى الزاوية . شعر باهتزاز الحجر وأنا ايضا . والان ما العمل ؟

    يعرف الرسام اين يجد موديلة , ويعرف الموسيقى كيف يدون الته . وهنا , فى يومياتى , أدرك أن بعض الجمل ليست أنا من يكتبها بل المرأة التى تشع بالضوء , والتى تكمن من داخلى , لكننى أرفض النظر اليها .

    بامكانى مواصلة حياتى على هذا النحو . لكن بامكانى أيضآ , كبطة البحيرة , أن اتمتع وأفرح بالتموجات التى دغدغت فجأة صفحة الماء .

    لهذا الحجر اسم هو الشغف . بامكان هذا الاسم أن يصف حلاوة اللقاء الصاعق بين شخصين , لكنه لا يقف عند هذا الحد . الشغف هو الاثارة التى يحدثها ما هو غير متوقع , هو الرغبة فى التصرف بورع , واليقين اننا سننجح فى تحقيق الحلم الذى طالما راودنا . يرسل الشغف الينا اشارات لنهتدى بها فى حياتنا , ويجب أن نعرف كيف نفك رموز هذه الأشارات .

    يغرينى التفكير أننى مغرمة بأحد لا اعرفه , ولم يكن اسمه واردا على لائحة مشاريعى . كل هذه الأشهر التى نجحت خلالها فى ترويض نفسى , وفىفكرة الحب ذهبت سدى , ها انى أستسلم لأول شخص أولانى اهتماما مختلفا عن الآخرين .

    لحسن الحظ , لم أطلب رقم هاتفه ولا اعرف أين يقين , وباستطاعتى أن اخسره دون أن اشعربالنب .

    واذا كان هو الواقع وفقدته فعلا , فحسبى اننى ربحت يوم سعادة فى حياتى , ويوم سعادة فى هذا العالم بما هو عليه , اشبه بمعجزة .



    * * * * *


    رجعت ماريا فى ذلك المساء الى " كوبا كابانا " كان الرجل هناك ينتظرها . كان الزبون الوحيد . تابع ميلان بفضول تصرفات هذه الفتاة البرازيلية . ورأى أنها قد بدأت تخسر المعركة .

    - هل تقبلين دعوتى الشرب كأس ؟
    - على العمل ولا أستطيع أن اخسر وظيفتى .
    - أنا زبون وأقدم لك اقتراحآ يتعلق بوظيفتك .

    هذا الرجل الذى كان بعد الظهر واثقا بنفسه تمام الثقة وبارعا فى أستخدام الريشة . هذا الرجل الذى كان يلتقى أشخاصا رفيعى المستوى ولديه وكيلة أعمال فى برشلونة ويجنى المال الوفير , بدا فى هذه اللحظة هشاً مرتبكا مستدرجاً فى مكان لا يليق به . لم يكن فى مقهى رومنطيقى على طريق مار يعقوب , من العبث أستعادة ذاك الجو الساحر الذى أحست به بعد الظهيرة .

    - توافقين , اذن ؟
    - أوافق , لكن ليس الان , لدى زبائن ينتظروننى .

    سمع ميلان نهاية الجملة , وأدرك أنه أخطا فى تقديره . لم تقع الصغيرة فى فخ وعود الحب . لكنه , مع ذلك تساءل عند انتهاء السهرة التى لم تكن أجؤاؤها كثيرة الدفء , لماذا فضلت الفتاة الخروج من عجوز ومحاسب سخيف ووكيل تأمين ...فى أى حال , هذا شأنها . وما دامت تدفع له المبلغ المتوجب عليها , فليس من شأنه أن يقرر من عليها أن تضاجع .

    * * * * *

    وهذا ما كتبته ماريا بعد انتهاء السهرة التى قضتها برفقة العجوز والمحاسب ووكيل
    التأمين :

    " ماذا يريد هذا الرسام منى ؟ ألا يدرك أننا من بلدين مختلفين ونتنمى الى ثقافتين مختلفتين ؟ هل يظن أننى أعرف عن اللذة أكثر منه , هل يريد أن يتعلم شيئا لا يعرفه من قبل .

    لماذا لم يقل لى شيئا آخر غير هذه العبارة " أنا زبون ؟ كان من السهل عليه أن يقول " اشتقت اليك أو كان بعد الظهر الذى قضيناه معآ رائعاً . وكنت أجبته بالطريقة نفسها ( أنا محترفة ). يجدر به أن يتفهم قلقى لأننى أمرأة , ولا،نى هشة , ولاننى أيضا شخص مختلف فى ذلك المكان .

    هو رجل وفنان , وعليه أن يعرف أن هدف الكائن البشرى هو أن يدرك الحب المطلق . الحب ليس فى الأخر . أنه موجود داخلنا , ونحن من نوقظه من غفوته . لكننا , ولكى نوقظه , نحتاج الى الأخر . ليس للكون من معنى لا حين يكون لدينا أحد يشاطرنا انفعالاتنا .
    هل كان سئما من الجنس ؟ أنا أيضا . ومع ذلك , لا هو ولا أنا تعرف ما هو الجنس . تتخلى عن أحد الاشياء الأكثر جوهرية فى الحياة , وتجعلها تموت فينا . كنت بحاجة لأن ينقذنى , واكن محتاجآ لأن أنقذه , لكنه لم يترك لى أى خيار .


    * * * * *

    كانت ماريا خائفة أدركت أن قدرة السيطرة على مشاعرها قد أخفقت وأن هذا الضغط وهذا الزلزال وهذا البركان فى داخلها . تنذر كلها بأنفجار كبير لن تتمكن معه من ضبط أحاسيسها . من كان هذا الفنان اللعين ؟ ترى هل يكذب بشأن ما قاله لها ؟ لم تقض برفقته الا بضع ساعات فقط ولم يلمسها ولم يحاول أغواءها . هل هناك أسوأ مما يحصل لها ؟

    لماذا يدق قلبها ناقوس الخطر ؟ لماذا كانت تعتقد أنه يشعر بالشئ نفسه ؟ ألم يكن بديهيا لأنها مخطئة فى كل تقديراتها ؟ كان رالف يرغب فى أن يلتقى أمرأة تستطيع أن تشعل داخله النار المنطفئة أو شبه المنطفئة . لعله كان يرغب أن يجعل منها ألهة الجنس العظيمة المشرقة " بضوء خاص " ( وفى هذا كان صادقآ ) المستعدة لأن تأخذ بيده وتدله على طريق العودة الى الحياة . كان عاجزاً أن يفهم أن ماريا تشعر مثله بفقدان الاهتمام نفسه تجاه الجنس الأخر , وأن لديها مشكلاتها هى بالذات ( كل هؤلاء الرجال الذين عرفتهم فشلوا فى اسصالها الى مرحلة النشوة الجنسية خلال الأيلاج ) , وانها تخطط لمشروع العودة الى بلادها الأم .

    لكن لماذا لا تنى تفكر فيه طوال الوقت ؟ لماذا تفكر فى رجل قد يكون منصرفا فى هذه اللحظة الى رسم أمراة أخرى يقول لها ان فى داخلها " ضوءا خاصا " وأنها ألهة الجنس التى طالما انتظرها ؟

    " أفكر فيه لأنه جعلنى أتكلم " .

    أمر مضحك ! هل تخطر على بالها أمينة المكتبة ؟ لا . هل تفكر فى نيأ الفيليبينية , وهى الوحيدة بين نساء كوباكابانا التى استطاعت أن تشاطرها مشاعرها ؟ لا , لا تفكر بهما , مع أنها كانت ترتاح لرفقتهما .

    حاولت أن تصرف انتباهها عن الموضوع . وتفكر بحرارة الطقس أو بزيارة " السوبر ماركت " التى لم تستطع الذهاب اليها البارحة . ثم قررت أن تكتب رسالة طويلة لأبيها , مليئة بالتفاصيل عن الأرض التى تود شراءها . وهذا سيفرح قلب والديها . لم تشر الى تاريخ عودتها لكنها أوحت انه قريب . ثم نامت واستفاقت قم نامت من جديد واستفاقت . أدركت أن الكتاب عن الأدراة الزراعية مناسب للسويسريين , لكنه لا يحمل اى فائدة للبرازيليين , لأن سويسرا والبرازل عالمان مختلفان كثيرآ .

    بعد الظهيرة , استنتجت أن الزلزال والبركان والضغط , جميعها قد هدأت . استرخت , سبق لها أن عرفت هذا النوع من الشغف المفأجى , الذى سرعان ما يخمد ويتلاشى دائما فى اليوم التالى . لحسن الحظ يبقى عالمها كما كان . لديها عائلة تحبها ورجال ينتظرها ويكتب اليها غالبا ليقول لها أن محل النسيج يزدهر . لديها ما يكفى من المال لتسافر هذا المساء ان شاءت وتبتاع قطعة أرض صغيرة . أجتازت الحواجز الأكثر صعوبة , حاجز اللغة والوحدة واليوم الأول فى الطعم مع العربى , ونجحت فى أن تقنع روحها بعدم التذمر مما يفعله جسدها . كانت تعرف تماما حلمها وكانت مستعدة لتحقيقه . لا يوجد لرجل مكان فى هذا الحلم . على الأقل , لا يوجد فيه رجال لا يتكلمون لغتها الأن ولا يعيشون فى مدينتها الأم .


    عندما توقف الزلزال , عرفت ماريا أنها مذنبة جزئيا , لأنه كان يفترض بها أن تقول له " أنا وحيدة , انا أكثر تعاسة منك , البارحة , رأيت " ضوءا فى داخلى وكان هذا أول شئ جميل وصادق يقوله لى رجل منذ وصلت الى هنا .

    فى هذا الوقت كان جهاز الراديو يبث أغنية قديمة , حبى يموت قبل أن يبدأ . هكذا كان قدرها شبيهآ بتلك الأغنية . ....


    * * * * *


    وهذا مقطع من يوميات ماريا بعد يومين من هدؤء العاصفة وعودة الامور الى مجاريها مجددآ :

    " تحت تأثير الشغف , نتوقف عن الطعام والنوم والعمل وتكف حمائم السلام عن التحليق فوقنا . ثمة ناس كثيرون يخافون من الشغف , لانه يدمر فى طريقه كل ما يتعلق بالماضى .
    ولا يرغب أحدآ منا فى رؤية عالمه منهارا . لذا يحاول الكثيرون السيطرة على الخطر الذى يتهدد عالمهم ويتوصلون الى البقاء صامدين أمام العاصفة وهى فى أساسها اشبه بالغبار . هؤلاء هم مهندسو الأشياء التى تخطاها الزمن .

    وهخناك من يتصرفون عكس ذلك , يستسلمون دون تفكير للشغف , أملين أن يجدوا فيه الحل لجميع مشكلاتهم , يوكلون الى الأخر الى أمر اسعادهم ويحفلونه أيضا وزر تعاستهم . هم أما فى حالة أغتباط لأنهم يشعرون أن شيئا رائعا يحصل لهم , واما فى حالة أحباط لأن هذا الحدث غير المتوقع الذى حل بهم دمر لديهم كل بارقة من الأمل .

    هل ينبغى الأحتماء من الشغف أم الأستسلام له بطريقة عمياء ؟ أى من هذين الموقفين أقل تدميرآ للنفس ؟
    لا اعرف .


    * * * * *

    وفى اليوم الثالث عاد وقف هارت وكأنه قام من بين الأموات . كاد يصل متأخرآ جدى , لأن ماريا كانت تتحدث الى أحد الزبائن. لكن , ما أن راته حتى برزت لزبونها بليقاتها المعهودة أنها لا تريد أن ترقص , وانها تنتظر أحدهم .

    عندئذ , فقط , أدركت أنها انتظرنه طوال هذه الأيام , وانها تستطيع فى هذه اللحظة أن تستسلم لما كتبه لها القدر .

    ليس لها أن تشتكى , كانت سعيدة وقادرة أن تجيز لنفسها هذا الشعور لانها ستغادر يوما هذه المدينة . وكانت تعرف ان هذا الحب مستحيل . ولا تستطيع أن تؤمل النفس بشئ , لكنها سعيدة .

    اقترح عليها رالف شرابا فطلبت ماريا عصير فواكه . تظاهر صاحب الحانة بغسل الأكواب . نظر الى البرازيلية دون أن يفهم , ما الذى جعلها تغير رأيها ؟ أمل الا تبقى مستغرقة لوقت طويل فى احتساء كوب العصير , وارتاح اخيرا عندما جذبت ماريا الرجل الى جلبة الرقص . كانا يتممان الطقوس , وليس هناك ما يدعو للقلق .

    أحست ماريا بيده تتطوق خصرها ووجهه ملتصقا بوجهها , وكانت الموسيقى الصاخبة , ولله الحمد , تقطع عليهما كل حوار . لم يكن عصير الفواكه كافا لتستعيد شجاعتها . واقتصرت الكلمات القليلة التى تبادلاها على الشكليات المعهودة . المسألة الان مسالة وقت , هل سيذهبان الى احد الفنادق ويمارسان الحب ؟ ليس الأمر صعباً على الأطلاق , لا بل هو اتمام لألتزامتها المهنية . كما انه يساعدها فى القضاء على كل اثر للشغف . أخذت تتساءل عن سبب عذابها الفظيع بعد لقائهما الأول .

    هذا المساء ستكون الأم المتفهمة . كان رالف رجلا بائسا شبيهآ بألاف الرجال الاخرين . اذا أدت دورها جيدآ , اذا توصلت الى استكمال السيناريو الذى وضعته لنفسها منذ بداية عملها فى " كوباكابانا " فلن يكون لديها ما تقلق بشأنه .لكنها تشعر أن خطرآ كبيرآ يتهددها بالقرب من هذا الرجل . ها هى الان تشم رائحته , وتحبها , وتكتشف ملمس جلده وتحبه , وتعرف انها تنتظره . وهذا لا يعجبها أطلاقآ .

    فى زهاء خمس وأربعين دقيقة أتما مراحل الطقوس . توجه الرجل الى صاحب الحانة قائلا ( سأصحبها لباقى الليل وأقع عن ثلاثة زبائن ) .

    هز صاحب الحانة كتفيه مفكرى من جديد أن البرازيلية تعرض نفسها للوقوع فى فخ الحب . أما ماريا , فقد فؤجئت بأن رالف هارت يعرف جيدآ قوانين الحانة .

    - تعالى نذهب الى بيتى .

    فكرت ماريا أن هذا القرار هو الأفضل . مع أنه مخالف لتوصيات ميلان . سرت لانها ستقوم بعمل استثنائى . بالأضافة الى انها ستكتشف ان كان متزوجا ام لا , ستتمكن أيضا من رؤية الطريقة التى يعيش فيها الرسامون المشهورون , وبوسعها أن تنشر ذات يوم مقالا فى الجريدة المحلية عن الموضوع . وهكذا يعرف الجميع انها عاشرت خلال أقامتها فى أوروبا , جماعة من المفكرين والفنانين .

    يا الحجة الواهية !

    بعد نصف ساعة وصلا الى قرية قريبة من جنيف تدعى كولونبى وفيها كنيسة وفرن ومبنى رسمى . كان يسكن فعلا فى منزل بطابقين وليس فى شقة . هذا أولا , أى انه ثرى وثانيا لم يكن متزوجاً . لانه لو كان كذلك , لما تجرأ ودعاها الى بيته , خوفا من أثارة الشبهات .

    اذن هو ثرى وأعزب .

    دخلا الى قاعة فيها درج يؤدى الى الطابقين , لكنهما تابعا التوجه الى غرفتين فى اخر الطابق تشرفان على الحديقة , احداهما تكسو اللوحات جدرانها وهى بمثابة غرف الطعام , والأخرى تحوى بضع أرائك وكراسى ورفوف مزدانة بالكتب ومنافض وأكواب متسخة .

    " بامكانى تحضير القهوة " .

    رفضت ماريا اقتراحه بحركة من رأسها . لا يستطيع أن يستمر فى معاملتى بشكل مختلف الى هذا الحد . سأتحدى شياطينى ولن أنكت بوعودى . لكن , مهلا , اليوم أؤدى دور العاهرة أو الصديقة أو الأم المتفهمة . مع أذنى , فى داخلى , فتاة تتحرق شوقاً للعطف والحنان . انتظر , فقط عندما ينتهى كل شئ , نستطيع أن تحضر لى فنجان قهوة .

    - فى أخر تلك الحديقة أودعت روحى مع محترفى وهنا , بين كل هذه اللوحات والكتب أودعت عقلى مع أفكارى .

    تذكرت ماريا شقتها . لم يكن هناك حديقة ولا كتب , باستثناء تلك التى استعارتها من المكتبة , لانها ترى ان من غير المجدى انفاق المال على أشياء تستطيع الحصول عليها مجانا . ولم تكن هناك لوحات , فقط بوستر عن سيرك شانغهاى البهلوانى الذى كانت تحلم أن تشاهد عرضا من عروضه .

    تناول رالف زجاجة ويسكى وقدمها لماريا .

    - لا , شكرآ .

    سكب لنفسه كأساا من دون ثلج واحتساها دفعة واحدة . طفق يتكلم ببراعة . لكنه وان حاول أن يعمد الى اسلوب التلميح فى حديثه . فان ماريا تعرف ان الرجل يحاول أن يخفى ارتباكه فى تلك اللحظة التى يقف وحيدآ ازاءها . لذا احكمت سيطرتها على الوضع مجددآ .

    سكب رالف كأسا ثانية , ثم قال وكأنه ينطق بشئ لا أهمية له .

    - أحتاج اليك .

    استراحة . صمت طويل . لم يسع أن يقطع حبل الصمت .
    ثم فلنز كيف أستانف كلامه :

    - أحتاج اليك ماريا , هناك ضوء ينبعث منك , حتى لو كنت لا تثقين بى الان , حتى لو كنت تفكرين فقط أننى احاول اغواءك بهذا الكلام . لا تقولى , لماذا اختارنى أنا ؟ وأى شئ أمتلكه دون سائر النساء ؟ ليس لديك أى ميزة خاصة , على الأقل , لا شئ أستطيع تفسيره . ومع ذلك , وهذا سر من أسرار الحياة الكثيرة , لا أستطيع التفكير فى شئ أخر .

    قالت ماريا وكانت تكذب :

    - لن اطرح عليك هذا السؤال .
    - لو بحثت عن سبب لقلت ان المرأة التى تقف أمامى استطاعت ان تواجه متاعب الحياة وتحولها الى عناصر ايجابية وخلاقة . لكن هذا ايضا لا يفسر كل شئ .

    لم يعد التملص ممكناً , كانت تشعر بدقة الموقف .

    ثم أضاف :

    - وأنا ؟ مع كل ابداعى ولوحاتى التى تتنافس صالات العرض عليها فى العالم أجمع , وحلمى الذى بأت فى متناول يدى , وقريتى التى جعلتنى ولدها المدلل , وزوجتى اللتين لم تطالبا بتعويض بعد طلاقهما . وصحتى الجيدة . ومظهرى الحسن , أى كل ما يطمح رجل الى أمتلاكه ...ها أنا اقول لأمرة ألتقتيها فى أحد المطاعم ولم أقضِ معها سوى فترة بعد الظهيرة , أقول " أحتاج اليك " . لكن هل تعرفين ما هى الوحدة ؟

    - أعرف .
    - لا , لا تعرفين ما هى الوحدة حين تتاح للمرء أمكانية اللقاء بالعديد من البشر , وحين يتلقى كل يوم دعوة لأحتفال أو حفلة كوكتيل أو عرض تمهيدى لمسرحية , عندما لا يكف الهاتف عن الرنين , وتتصل به المعجبات اللواتى يرغبن فى تناول العشاء معه :

    نساء جميلات وذكيات ومثقفات , الا ان هناك شيئا يجعله لا يستجيب لتلك الدعوات التى لا توفر له المتعة المرجوة , اذا سعى أن يظهر بمظهر القادر على أغواء النساء ....لذا , أفضل البقاء فى البيت وأدخل محترفى لأتلمس الضوء الذى انبعث من وجهك فى ذاك اليوم , ولا أتوصل الى رؤيته الا عندما أرسم .

    قالت ماريا , وهى تشعر ان هذا التلميح عن النساء الأخريات يهينها وقد نسيت أنه أنفق من المال لقاء رفقتها :

    - ما الذى أستطيع أن أمنحك اياه ولا تملكه ؟

    تجزع كأسا ثالثة من الويسكى . تتبعته ماريا بفكرها , كان طعم الكحول يحرق حلقها ومعدتها ويمتزج بدمها ويشعرها بالحيوية والشجاعة . كانت سكرى ...

    أصبحت لهجة رالف أكثر حزماً :

    - جيد جدآ . لا أستطيع أن أشترى حبك . لكنك قلت لى أنك تعرفين كل شئ عن الجنس . علمينى اذا أو حدثينى عن البرازيل , عن اى شئ . المهم أن أكون قربك .

    والأن ؟

    - لا أعرف الا مدينتين فى بلادى , المدينة حيث ولدت . وريو دى جانيرو . اما الجنس , فلا أعتقد أننى أستطيع أن أعلمك شيئا عنه . أنا فى الثالثة والعشرين تقريبا . وأنت تكبرنى بستة أعوام . لكنى أعرف أنك عشت حياة حافلة بالأحداث . ألتقى رجالا يدفعون لى , لكى أفعل ما يريدونه , وليس ما أريده .

    - فعلت كل ما يستطيع رجل أن يفعله مع انثى واحدة . وأثنتين وثلاث فى الوقت نفسه . ولست واثقا بأننى عرفت الكثير .

    خيم الصمت من جديد . والأن جاء دور ماريا لتتكلم . ولم يساعدها , لم يساعدها فى البحث عن التعابير المناسبة كما ساعدته .

    - هل تريدنى محترفة ؟
    - اريدك كما تشائين .

    لا , لا يمكنه أن يجيب هكذا . كان هذا ما ترغب فى سماعه . ومن جديد شعرت بأنها وجها لوجه أمام العاصفة الهوجاء , وأن الارض قد ماتت تحت قدميها . سيكون مستحيلا عليها عما قريب أن تفلت من الوقوع فى الفخ . وستخسر هذا الرجل قبل أن تحصل عليه .

    عليمنى يا ماريا . لعل هذا يدفعنى وينقذك ويجعلنا نستعيد الحياة .
    أنت على حق , لا اكبرك الا بستة أعوام .
    ومع ذلك عشت ما يعادة عدة حيوات . كانت لدينا تجارب مختلفة تماما , لكننا كلينا بأنسان . والشئ الوحيد الى يمكنه أن يوفر لنا الطمأنينة هو أن تكون معآ .

    لماذا كان يتفوه بهذه الكلمات ؟ ليس الأمر ممكناً ولو كان حقيقيا . ألتقيا مرة واحدة . ومع ذلك شعر أحدهما بالحاجة الى الاخر . ماذا لو استمرت علاقتهما على تلك الحال وأى كارثة ستحصل ! كانت ماريا أمرأة ذكية , وقد قضت أشهرا فى القراءة ومراقبة الجنس البشرى . لا شك أن لديها هدفاً فى الحياة , لكن لديها أيضا روح , روح يجدر بها أن تعثر على " الضوء الكامن فى داخلها .

    كانت سئمة من أن تكون ما كانته . صحيح أنها تستعد للعودة الى البرازيل وتواجه تحديا صعباً , لكنها لم تتعلم كل ما كانت تستطيع أن تكتسبه من حيرتها فى جنيف . كان رالف هارت رجلا تخطى فى حياته حواجز كثيرة . وها هى الأن يسأل هذه الفتاة , هذه العاهرة , هذه الأم المتفهمة أن تنقذه يا للغرابة !

    هناك رجال أخرون تصرفوا أمامها بنفس الطريقة وتوسلوا اليها أن تنقذهم . كثيرون ممن لم ينجحوا فى الانتصاب , أو ممن أرادوا أن يعاملوا كالأطفال , وأخرون كانوا يسألونها أن تكون زوجة لهم , لأن فكرة أن زوجتهم حظيت بعشاق كثير كانت تثيرهم . لم تلتق ماريا قط أيا من الزبائن " غير العاديين " . لكنها اكتشفت وجود هذا المستودع الهائل من التهويمات فى الروح البشرية . ألا أن أيا من هؤلاء الرجال لم يسألها مرة قائلا " خدينى بعيدا من هنا " . على العكس , كانوا يريدون أ، يجزوها هى ورائهم , وبعد رحيلهم , تحفل محفظة نقودها بالمال ويفرغ جسدها من طاقته .....لكن , ألم يكن ممكنا أن يعملها هؤلاء الرجال شيئا ؟ ماذا لو أن بعضهم يفئنون حقا عن الحب ولا يشكل الجنس بالنسبة اليهم الا جزءا من هذا السعى ؟ ترى كيف ترغب فى أن تعامل ؟ كيف سيكون أول لقاء ؟ وما المفأجاة السعيدة الذى سيتمخض عنها ؟ ماذا تريد ماريا أن يحصل فعلا أثناء ذلك ؟

    قالت ماريا :

    - أريد أن تقدم هدية .

    لم يفهم رالف هارت . هدية ؟ لكنه سدد الحساب فى التاكسى لانه كان يعرف الطقوس . ماذا تعنى بقولها ؟

    أدركت ماريا فجأة فى هذه الدقيقة ما يجب أن يشعر به رجل أمسكته امرأة من يده واقتادتها الى الصالون .

    ثم قالت :

    - لن نصعد الى الغرفة .
    أطفأت جميع الأنوار , أو معظمها . جلست على السجادة , ورجته ان يفعل مثلها ويجلس قبالتها . لاحظت أن هناك مدفأة فى الغرفة .

    - أشعل نارا.
    - لكننا فى الصيف .
    - أشعل نارآ , ارددت بنفسك أن اكون المرشدة هذا المساء وهذا ما أفعله .

    حدجتخ بنظرة حازمة , آمله أن يىر من جديد " الضوء المنبعث من عينيها . يبدو أنه استطاع رؤيته , لانه خرج فى الحال الى الحديقة , وجمع بعض الأحطاب التى بللها المطر , ثم وضع فوقها بقايا جرائد قديمة . توجه نحو المطبغ لكى يحضر زجاجة ويسكى , لكن ماريا قطعت عليه طريقة .

    - هل سألتنى ماذا أريد ؟
    - لا
    - أعلم أذن أن المرأة الواقفة أماممك موجودة أيضا . فكر بها . سلها اذا كانت ترغب فى الويسكى أو الجن أو القهوة ...سألها ماذا تريد !
    - ماذا تريدين أن تشربى ؟
    - الخمر . واود لو تشرب معى .

    طرح الزجاجة الويسكى جانبا . ثم عاد وفى يده زجاجة خمر . فى هذه اللحظة , كانت النار تداعب حطب الموقد . أطفاءت ماريا اخر المصابيح المضاءة , وتركت لألسنة النار أن تضئ الغرفة . كانت تتصرف كما لو انها تعرف جيدا أن هذه هى الخطوة الأولى التى يجب القيام بها , الاعتراف بالأخر , ادراك وجوده .

    فتحت محفظة يدها , ووجدها فيه قلما كانت قد ابتاعته من السوبر ماركت , بأمكانه أن يفى بالغرض . أى شئ يمكن أن يحدث التأثير المرجو ؟
    - هذا لك , عندما اشتريته فكرت اننى ساحتاج اليه , لأدون ملاحظات عن الأدراة الزراعية استعلمته يومين وكتبت به حتى شعرت بالتعب انه يحمل قليلا من عرقى وتركيزى وأرادتى . والان اهديك أياه .

    وضعت القلم فى يده برفق .

    - بدل أن أشترى لك شيئا تحب امتلاكه , أعطيك شيئا كان لوقت مضى جزءا من كيانى , انه هدية , وهو يشهد على احترامى للشخص الجالس أمامى , وهو وسيلتى لأثبت له اننىى سعيدة بأن اكون الى جانبة . انه يملك ألان جزءا صغيرا من ذاتى اسلمه أياه بحرية وعفوية .

    نهض رالف , اتجه الى أحد الرفوف وتناول شيئا ثم اعطاه لماريا :

    - هذه حافلة من قطار كهربائى كنت ألهو به عندما كنت طفلا . لم يكن والدى يسمح لى بأن أعبث به بمفردى , لانه , كما يدعى , باهظ الثمن ومستورد من الولايات المتحدة . حينذاك , كنت مرغما على الخضوع لمزاج أبى ورغبته فى أن يوصل حافلات القطار المبعثرة لتنتظم على شكل مستقيم , ويضعه وسط الصالون لألعب به . لكنه كان يقضى أيام الأحاد عموما فى الأستماع الى الأوبرا .

    صمد القطار لندرة استعماله , وانقضت طفولتى دون أن يمنحنى اى سعادة . وضعت فى العلية كل السكك والقاطرات والحافلات , لانه كان لدى قطار ليس لى , ولا يمكننى أن الهو به ساعة أشاء . ليته تحطم كالالعاب الأخرى التى أهديت لى ولا اذكرها ! هذا الشغف بالتدمير يشكل جزءآ لا يتجزأ من الطريقة التى يكتشف بها الطفل العالم من حوله . لكن هذا القطار الذى لم يمس يذكرنى دوما بمرحلة من طفولتى لم أعشها . والسبب أنه كان ثمينا جدآ او لانشغال أبى بأشياء أخرى , أو لعله كان يخشى ان يثبت اهتمامه بى , ان هو عمد الى تركيب أجزاء القطار .

    أخذت ماريا تحدق الى نار المدفأة . ثمة أمر هام يحدث وهو لا يتعلق بالنبيذ ولابالديكور المريح , بل هو تبادل الهدايا .

    عاد رالف يراقب النار . بقيا صامتين يسمعان الى الموسيقى التى تحدثها شرارات النار المتطايرة . احتسيا الخمر بصمت , وبات الكلام غير ذى فائدة . كان هنا معا , ينظران باتجاه واحد , ولا ينوى أى منهما على شئ .

    قالت ماريا :

    - ثمة قطارات كثيرة لم تعمل فى حياتى وأحدها قلبى . أنا ايضآ لم أكن ألهو به الا حين يركب الأخرون السكك , ولم يكن القوت ملائماً .
    - لكنك احببت .
    - نعم , احببت . أحببت كثيرا . أحببت لدرجة انه حين طلب منى حبيبى هدية , خفت وهربت .
    - لم أفهم .
    -ليس الامر مهما . اكتشفت شيئا كنت اجهله وها أنا بدورى أطلعك عليه , الهدية هى أن تمنح شيئا من ذاتك . أن تعطى قبل أن يسألك أحدهم هبة عظيمة . لديك كنزى , القلم الذى كتبت به بعض أحلامى . ولدى كنزك , الحافلة وهى جوء من الطفولة لم تعشه . أحمل معى الان جزءا من ماضيك وتحتفظ الان بشئ من حاضرى . هذا جيدا فعلا .

    قالت ذلك دون أن يف لها جفن . كانت واثقة تمام الثقة بتصرفها وكأنها تعرف منذ وقت طويل أنها الطريقة الوحيدة المثلى للسلوك . نهضت ببطء وتناولت سترتها المعلقة على المشجب , قم طبعت قبلة على خده . كأن مأخوذا بالننار , وكأنه تحت تأثير تنويم مغناطيسى , لعله كان يفكر فى ابيه , فلم يظهر أى رغبة فى النهوض .

    - لم أفهم يوما لماذا أحتفظت بهذه الحافلة . الان , بات كل شئ واضحا لى , لكى أهديها ذات مساء أوفدت فيه المدفأة . أشعر الأن أن هذه البيت أكثر فرحاً وجدلا .

    قال لها أنه فى اليوم التالى سيهدى السكك والحافلات والقاطرة والكرات الصغيرة التى ترسل دخانا متموجا , الى أحد دور الاياتام .

    قالت له ماريا :

    - قد يكون هذا القطار اليوم شيئا نادرآ , أو قد يساوى الكثير من المال . ندمت ماريا على قولها , لان الامر لا يتعلق بالمال , بل يمس أصدق المشاعر التى تفيض بها القلوب .

    ولكى تمنع نفسها من الأسترسال فى أحاديث تافهة , طبعت قبلة أخرى على خده ثم توجهت الى الباب . كان رالف لا يزال محدقآ الى النار . رجته بلطف أن ينهض ليفتح لها الباب .

    عندما نهض رالف شرجت له السبب , هناك معتقد فى بلادها يقول انه يتوجب على البرازيليين , حين يذهبون لزيارة أحدهم , الا يفتحوا الباب بأنفسهم لدى المغادرة . لأنهم ان فعلوا ,فمعنى ذلك أن يجازفون بعد الرجوع الى هذا المنزل ثانية .

    - أريد أن اعود .
    - ثم نخلع ملابسنا , ولم أدخل فيك , ولم ألمسك حتى , ومع ذلك فقد مارسنا الحب .

    ضحكت ماريا :

    عرض عليها مرافقتها من جديد , لكنها رفضت .
    - ساذهب لرؤيتك غدا فى " كوباكابانا " .
    - لا تفعل . انتظر أسبوعا . الانتظار هو الأصعب , وعلى أن اعتاده , أن اعرف أنك معى حتى لو لم تكن بقربى .

    خرجت فى طقس بارد وقد حل الظلام , كما كانت تفعل دوما فى جنيف . كانت النزهات فيما مضر روثينية , يخيم علهيا جو الحزن , وتقتلها الوحشة . وتخخللها الرغبة فى العودة الى البرازيل . وكانت تنتابها بين الحين والأخر نوبات من الكآبة التى تثيرها فى داخلها هذه اللغة التى تعلمتها حديثآ وحساباتها المالية وضغوطها ومواعيدها .

    لكنها اليوم نمشى بخطى واثقة لأنها تسعى الى لقاء نفسها , لقاء هذه المرأة التى كانت تجلس منذ أربعين دقيقة أمام النانر والى جانبها رجل , مفهم بالسحر والضوء , غنية بتجربتها , عميقة بحكمتها . استشفت ماريا وجه هذه المرأة حين كانت تنتظه على ضفاف البحيرة , وتسأءلت عما اذا كان ينبغى لها أن تكرس نفسها لحياة جديدة كليآ . رأت ماريا وجهها ثانية فوق لوحة مطوية , وشعرت بحضورها الانثوى الطاغى من جديد . لم تستقل تاكسى الا بعد انقضاء وقت طويل , عندما ادركت أن هذا الحضور السحرى تتلاشى , وعادت وحيدة , كما كانت على الدوام .

    الأفضل ان تقلع أن يأخذ مكان اللحظات الجميلة التى قضتها . اذا كانت ماريا الأخرى موودة فعلا , فسترجع حتمآ .

    * * * * *

  11. #11
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    وهذا مقطع مما دونته ماريا فى يومياتها ليلة أهداها رالف حافلة قطارة الكهربائى .

    " أن الرغبة العميقة , الرغبة الحقيقة هى أن تقترب من أحدهم . بدءا من هذه اللحظة , نتجلى ردود الفعل تدريجيا , ويدخل الرجل والمرأة فى اللعبة , لكن الجاذبية التى جمعتها لا تفسر . انها الرغبة فى حالتها الخالصة .

    وحين تكون الرغبة عند هذه المرحلة من الصفاء , يشعر الرجل والمرأة بشغف للوجود , ويعيشان كل لحظة يورع وتعبد ووعى . بانتظار اللحظة المناسبة لأحتفال بالبركة العتيدة .

    لا يستعجل الناس الذين يعيشون هذه الحالة ولا يعجلون الأحداث من خلال تصرفات متهورة . يعرفون أن الحتمى سيتحقق , وان الحقيقة تجد دومآ سبيلا لتظهر وتعبر عن نفسها . لا يترددون ولا يضيعون فرصة واحدة , ويستغلون كل دقيقة سحرية متاحة , لان الثوانى تصبح ذات قيمة لا حد لها .


    * * * * *







    فى الأيام التالية , أكتشفت ماريا انها من جديد أسيرة الفخ الذى طالما تجنبته . ومع ذلك , لم تشعر بالحزن ولا بالقلق , بل على العكس كانت تشعر بالحرية اذ ليس لديها ما تخسره .

    مهما بدا لها الوضع رومنتيكى , فقد كانت تعرف ان رالف هارت سيتفهم ذات يوم أنها فقط مجرد عاهرة فيما هو فنان محترم , وانها اتية من بلاد تتخبط فى أزمات متعددة , تقع الى الجهة الأخرى من العالم , فيما هو يعيش فى بلاد أشبه بجنة حيث ينعم الموان بكامل حقوقه منذ ولادته وحتى مماته . سيفهم انه تردد الى أفضل المدراس , وزار أعظم متاحف الكواكب , فيما هى حصلت بجهد جهيد , دروسها الثانوية , وان حلمه سرعان ما يتلاشى . خبرت ماريا الحياة بما فيه الكفاية لكى تدرك أن الواقع لا يتوافق مع الأحلام . لكن هذه فرحتها الكبرى حاليا , وان سعادتها لا ترتبط بالأحداث التى تحصل .

    " يا ألهى كم أن رومنتكية "

    أخذت تتساءل عما يمكن أن يجعل رالف هارت , سعيدآ . هذا الرجل الذى أعاد اليها كرامتها واستشف فيها ضوءا , وهى التى حسبت انها فقدت ذيتك الكرامة والضوء الى الابد . لكن الطريقة الوحيدة التى تبادل بها كرمه تجاهها هى ان تعيد له الاهتمام بالجنس الذى كان يعتبره " أختصاص " ماريا . لكن , بما أن الامور فى " كوباكابنا " تجرى على المنوال نفسه والرتابة نفسها دون ان يتغير فيها اى شئ , فقد قررت أن تستقى معلوماتها من مصادر اخرى .

    ذهبت لرؤية بعض الأفلام الأباحية , ولم تجد فيها ما يثير الأهتمام . باستثناء بعض التنوعيات المتعلقة بعدد الشركاء . لم تقدم لها الافلام اى شئ , فصممت , ولاول مرة منذ وصولها الى جنيف الى تشترى كتبا عن الموضوع , مع انها كانت غير مطئمنة الى ان ترى رفوق مكتبتها مزدانى بالكتب التى تفقد قيمتها فور الانتهاء من قراءتها . ذهبت الى مكتبة اهتدت اليها اثناء تجولها مع رالف على طريق مار يعقوب , وهناك سالت عن عناوسن بعض الكتب التى تتناول الأمور الجنسية .

    أجابت صاحبة المكتبة :

    - هناك عدد هائل من الكتب , الى درجة يبدو معها وكأنهم لا يهتمون الا بعذا الموضوع . بالأضافة الى القسم المختص بهذه الأعمال , هناك فى جميع الروايات التى ترينها أمامك , مشهد عن الجنس على الأقل . واذا كانت موضوعات الكتب تدور فى الظاهر حول قصص الحب المؤثرة أو الأبحاث الجادة عن السلوك البشرى , تبقى النتيجة واحدة وهى أن الناس يولون أمور الجنس اهتمامهم الأول !

    كانت ماريا تعرف , مع كل الخبرة التى تملكها , ان المرأة مخطئة . يحلو للجميع أن يفكروا أن العالم بأجمعه منشغل بقضية الجنس . يتبع الناس الحميات الغذائية . ويرتدون الشعر المستعار , ويقضون الساعات عند مزين الشعر او فى صالات الرياضة , ويرتدون الملابس المثيرة...يفعلون كل هذا لكى يخلفوا شرارة السحر والجمال المرغوبة . وماذا بعد ؟ عندما يحين الوقت لأنتقال الى الفعل , يقتصر الأمر على احدى عشرة دقيقة . هل كل شئ . لا أبداع ولا اى شئ يمكن ان يقود الى النخبة . ولا تلبث الشرارة ان تخمد فى قليل من الوقت ومعها النار باكملها .

    لكن ,لا يبدو النقاش مجديا مع الفتاة الشقراء التى تعتبر ان العالم يجد تفسيره فى الكتب . طلبت ماريا أن ترى القسم المخصص للجنس . وهناك وجدت عددة كتب تتحدث عناوينها عن الشاذين جنسيا والساحقيات والراهبات . كانت هناك قصص صاخبة عن الكنيسة . وأعمال تحوى رسوما تمثل التقنيات الشرقية فى الجنس , كتاب واحد استوقفها واثار فضولها وكان بعنوان " الجنس المقدس " لعله مختلف عن الكتب الاخرى .

    اشترته ورجعت الى البيت . أدارت الراديو على محطة تبث موسيقى تلائم التفكير . تصفحت الكتاب , ولاحظت فيه وضعيات متنوعه لكن وحده بهلوان السيرك " المشهور بلى اعضائه " يمكنه القيام به . وكان النص مضجراً .

    ان الخبرة التى اكتسبتها ماريا عن طريق التجربة كانت كافية لتعرف أن الأمر لا يتعلق بالوضعيات التى تمارس بها الحب , وان التنوعيات تأتى فى معظم الحالات بطريقة عفوية لا واعية كخطوات الرقص . ومع ذلك حاولت أن تركز تفكيرها على قراءة الكتاب .

    وبعد ساعتين من القراءة , أدركت أمرين , اولهما ان عليها ان تتناول العشاء سريعاً لأن عليها العودة الى " كوباكابانا " . وثانيها ان مؤلف هذا الكتاب لا يعرف شيئاً أطلاقا عن الموضوع . هناك الكثير من النظريات والمراجع الشرقية والطقوس السخيفة والاقتراحات المضحكة . عرفت أن مؤلف الكتاب قد مارس التأمل فى هيمالايا ( يجب ان تستعلم عن هذا المكان ) , وتابع دروسا فى اليوغا ( سمعت عن هذه الرياضة ) , وفر كثيرآ عن الموضوع لأن الكتاب حافل بالأستشهادات , لكنه غفل عن الجوهرى . ليس الجنس مسألة نظرية وبخورآ نحرقه ونقاط تماس نستكشفها , ولا أنحناءات ووضعيات معقدة . ثم , كيف يمكن لفرد ( أو بالأحرى لأمراة , لانها عرفت لاحقا أن الكاتب امرأة ) لن يجرو على الكتابة فى مسألة لا تعرف لا تعرف ماريا نفسها عنها شيئاً , مع انها تعمل فى هذا المجال ؟ لعل الخطأ فى الكتاب , كان عائدا الى التركيز على هيمالايا بالذات او الى الرغبة فى تعقيد هذا الموضوع الذى يكمن جماله فى البساطة وفى الشغف الذى يحركه . اذا كانت هذه الكاتبة قادرة على نشر عمل بهذا الغباء , فبوسع ماراي اذن أن أن تفكر جديا فى مشورعها وتنشر كتابها الذى اعطته عنوان " أحدى عشرة دقيقة " لأنها ستكتفى فيه برواية قصتها ببساطة دون خبث ولا رياء .

    لكن , ليس لديها الوقت , ولا رغبة فى القيام بذلك . عليها أن تحصر كل همها فى أسعاد رالف , وتعلم كيفية أدراة شؤؤن المزرعة .



    * * * * *


    ما كتبته ماريا فى يومياتها بعد فترة قليلة من الفراغ من قراءة كتابها المضجر .

    " التقيت رجلا وقتئذت به . سمحت لنفسى أن اقع فى الحب لسبب بسيط وهو أدنى لا أتوقع شيئا . أعرف أننى بعد ثلاثة أشهر سأغادر بعيدآ . وان هذا الحب لن يكون الا مجرد ذكرى , لكنى لم أعد تستطيع تحفل العيش دون حب , بلغ بى الامر حدا لا يطاق .

    أكتب قصة من أجل الف هارت . هذا هو اسمه . لا اعرفه اذا كان سيرجع الليلة الى الحانة التى اعمل فيها . لكنى , وللمرة الأولى فى حياتى , أشعر ان مجيئه لن يغير شيئا . يكفى أن أحبه وأن اكون معه بالفكر وان تضفى خطواته وكلماته وحنانه ألوانا على هذه المدينة الرائعة . حين أغادر هذه البلاد ,’ سيكون لها وجه واسم . وسأحمل معى ذكرى ثار فى مدفأة .

    وكل ما عشته هنا من أمور مغايرة , كل المصاعب التى واجهتها ستتلاشى . أزاء هذا الشعور الغامر بالطمأنينة .

    أود لو أصنع من أجله ما صنعه من أجلى . فكرت كثيرآ واكتشفت اننى لم ادخل هذا المقهى مصادفة . ذلك أن اللقاءات الأهم تتم على مستوى الأرواح حتى قبل أن تتقابل الأجساد .

    هذه اللقاءات تحدث غالبا حين تشعر أنا جاوزنا الحد , حين تشعر بالحاجة الى الموت والولادة من جديد على صعيد انفعلاتنا .
    اللقاءات تنتظرنا , لكننا تعمل ى معظم الأحيان على أجهاضها .

    عندما نكون يائيسين , عندما لا يكون لدينا ما نخسره , أو عندما يشعلنا حماسنا للحياة . عندئذ , يعلن المجهول ظهوره المفأجى , ويغير مجرى حياتنا .

    يعرف الجميع الحب . هذا أمر قطرى , يمارسه البعض بطريق نلقائية . لكن معظم ينبغى لهم أن يتعلموه من جنيف , وأن يتذكروا كيف نحب , عليهم جميعا , دون استنثناء , أن يحترقوا بنار أنفعالاتهم الماضية . وأن يعيشوا من جديد افراحآ والاما , نكسات ولحظات عافية , حتى يتمكنوا من اكتشاف الأمل المرجو الذى يمكن خلف كل لقاء جديد .

    تتعلم الأجساد اذن أن تتكلم بلغة النفوس , هذا ما يدعى الجنس . هذا ما يمكن أن اعطية لأنسان الذى أرجع الى نفسى , حتى لو كان يجهل . المكانة الهائلة التى يحتلها فى حياتى . هذا ما سأله وما سأمنحه اياه , لأننى أريد أن يكو ن سعيدة .



    * * * * *



    أحيانا , تكون الحياة بخيلة جدآ . قد نقضى أيامآ وأسابيع وأشهرآ وسنوات دون أن نشعر بشئ . ثم , فجأة , وما أن نفتح الباب , وهذه كانت حال ماريا مع رالف هارت , حتى ينهار جبل الجليد وتنجلى أمامنا الطريق واسعة فى لحظة واحدة . نخال أننا لا نملك شيئاً , ثم لا نلبث أن نشعر اننا نمتلك ما لا طاقة لنا على أمتلاكه !

    بعد ساعتين من كتابة ماريا ليومياتها , ذهبت الى " كوباكابانا " . وما رآها ميلان حتى جاء لموافاتها وسألها " هل خرجت مع هذا الرسام ؟ " .

    لا شك أنه معروف فى الحانة . لاحظت ذلك من قبل , تحديدآ فى تلك الليلة عندما سدد ثمن التعرفة عن ثلاث زبائن , دون أن يضطر للأستعلام عن التسعيرة . أجابت ماريا " نعم " بحركة من رأسها , وكأنها تسعى لأضفاء جو من الغموض على اللقاء . لكن ميلان لم يعلق أهمية على الموضوع . لأنه كان أكثر منها خبرة فى شؤؤن الحياة .

    - لعلك صرت جاهزة للمرحلة المقبلة . هناك بزبون غير عادى , يطلبك اليوم . قلت له أنك تفتقرين الى الخبرة وهو يثق بى . ربما كان الوقت قد حان للمحاولة .

    - زبون غير عادى ؟ لكن أى علاقة للرسام بذلك ؟
    - هو أيضا" زبون غير عادى " .

    هل كل ما فعله اذن رالف هارت معها , سبق له أن فعله مع أحدى زميلاتها ؟ عضت ماريا على شفتها السفلى ولاذت الصمت . لقد قضت أسبوعا جميلا , ويستحيل عليها نسيان ما كتبت .

    - هل على أن افعل نفس الشئ الذى فعلته مع الرسام ؟
    - لا اعرف ماذا فعلت معه . لكن , اليوم اذا دعاك أحد للشرب , لا تقبلى , لأن الزبائن غير العاديين يدفعون مسبقا , ولن تندمى على التعرف اليهم .

    بدأت السهرة كالعادة . جلست التايلنديات معآ , وأظهرت الكولومبيات سحنة غير مكترثة , وكأن لا شئ جديدة أو مثيرآ للأهتمام , واصطنعت البرازيليات الثلاث ( وهى بينهم ) الشرود . كانت هناك أيضاً نمساوية وألمانيتان . أما باقى المجموعة , فكانت مؤلفة من نساء جئن من أوروبا الشرقية , وجميعهن فارعات الطول وجميلات ذوات عيون فاتحة , ويعثرن على أزواج بسرعة أكثر من الأخريات .

    دخل رجال روس وسويسريون وألمان ,وهم جميعاً يتولون مناصب رفيعة , وقادرون أن يمتعوا أنفسهم بالخدمات الأغلى ثمناً التى تقدمها العاهرات فى أحدى المدن الأعلى فى العالم . أئمة بعضهم الى طاولة ماريا , لكنها نظرت الى ميلان الذى أشار اليها بأن ترفض فى كل مرة . كانت سعيدة , لن تضطر الى فرج ساقيها هذا المساء , ولن نتحمل الروائح , ولن تستحم بعد الممارسة فى صالات الأستحمام الشديدة الدفء . كل ما ينبغى لها أن تفعله هو أن توفر المتعة لرجل سئم من الجنس , وتعلمة كيفية ممارسة الحب . واذا اردنا التفكير فى ذلك جيدآ , فلن تضاهيها أمرأة أبداعا فى الدور الذى تقوم به .

    ومع ذلك تساءلت ماريا , " لماذا يريد هؤلاء الرجال الذين خبروا كل شئ أن يعودوا الى نقطة البداية ؟ " . على أى حال , هذه ليست مشكلتها ما دامت تجنى ىالكثيرمن علاقتها بهم , فهى رهن أشارتهم .

    دخل رجل الى الحانة يبدو أصغر سنا من رالف جميل , أسود الشعر وذو أسنان رائعة . كان يرتدى بذلة على الطراز الصينى بلا ربطة عنق مع قبة بسيطة وتحتها قميص ناصعة البياض . اتجه الى البار . اقترب من ميلان وحولا نظريهما تجاه ماريا . ثم اقترب الزبون منها وقال " هل ترغبين بشرب شئ ما ؟ " .

    أوما ميلان برأسه ودعت ماريا الرجل لكى يجلس الى طاولتها . طلبت عصير فواكه , وانتظرت دعوته الى الرقص . عرف الرجل عن نفسه , قائلا " ادعى تيرنس , أعمل فى مؤسسة للأسطوانات فى أنكلترا . أعرف أننى موجود فى مكان حيث يمكن أن أثق بالناس . واريد أن يظل ذلك سرآ بيننا .

    كانت ماريا تستعد لتحدثه عن البرازيل عندما قاطعها قائلا :

    - قال لى ميلان أنك تعرفين ماذا أريد .
    - لا أعرف ماذا تريد . لكن أعرف ماذا أفعل .

    سدد الحساب قبل أن تنجز الطقوس , وامسكها من ذراعها , ثم صعدا فى تاكسى واعطاها ألف فرنك . اصابها الذهول , تذكرت العربى الذى اصطحبها الى ذاك المطعم المزين باللوحات الشهيرة . انها المرة الثانية التى تتلقى فيها مثل هذا المبلغ , وبدل أن يرضيها ذلك فقد جلعها تشعر بالتوتر .

    توقفت سيارة التاكسى أمام أحد الفنادق فى المدينة . حيا الرجل الحارس تحية بدا معها أن المكان كان أليفا لديه . صعدا مباشرة الى الغرفة وهى تشرف على النهر . فتح ديرنس قنينة نبيذ فاخر لا نظير له كما يبد , وسكب له كأسا .

    راقبته ماريا , فيما كانت تحتسى النبيذ , ترى ماذا ينتظر رجل مثله . ثرى وجميل , من عاهرة ؟ لم يكن كثير الكلام أطلاقا . لذا بقيت صامته تتساءل عما يمكن أن يرضى " زبونا غير عادى " شعرت انه لا يجدر بها أن تتخذ المبادرة أولا . لكن , ما أن تبدا اللعبة . فأنها ستشارك فيها كما يجب , لأن المبلغ كبير ولا يدفع لها ألف فرنك كل مساء .

    قال تيرنس :

    - لدينا الوقت , كل الوقت الى ترغب فيه . يمكنك النوم هنا اذا شئت .

    عادت تشعر بالأستياء . لم يكن الرجل خائفا على ما يبدو , وكان يتكلم بصوت هادئ , مختلف عن الزبائن الأخرين , ويعرف ماذا يريد . اختار موسيقى رائعة ومناسبة من حيث قوة الصوت وتتلاءم مع أجواء , الغرفة الرائعة التى تطل على بحيرة مدينة فائقة الروعة . كانت بذلته أنيقة وحقيبته الموضوعة فى الزاوية صغيرة الحجم . وكأنه لا يحتاج الى المتاع الثقيل الوزن فى أسفاره , أو كأنه جاء الى جنيف ليقضى فيها ليلة واحدة فقط .

    قالت ماريا :

    - لا , أعود لأنام فى بيتى .

    تغيرت سحنة الرجل الذى كان أمامها , وألتمح فى نظرته المهذبة بريق جليدى .

    قال , وهو يشير الى كرسى قرب المكتب :

    - أجلسى هناك .

    كان هذا أمرأ , أمرا فعلا , وماريا أطاعت وهذا أثارها بطريقة غريبة .

    - أجلسى مستقيمة . هيا , ليكن ظهرك مستقيماً مثل نساء خاصة الناس , وألا فسوف أعاقبك .

    يعاقبنى ! هذا هو " الزبون غير العادى " ! .

    وبلحظة خاطفة , فهمت ماريا كل شئ . أخرجت الألف فرنك من حقيبتها ووضعتها على المكتب .
    قالت وهى تحدق فى عينيه الزرقاوين الجليديتين .
    - أعرف ماذا تريد , ولست مستعدة .

    بدا الرجل وكأنه يعود الى طبيعته , مدركاً أن ما تقوله صحيح .

    قال :
    - احتسى نبيذك . لن أتحدث معك فى شئ . تستطيعين البقاء قليلا أو الذهاب اذا شئت .

    شعرت أن الأطمئنان يعود اليها .

    - لدى وظيفة ورب عمل يحمينى ويثق بى . أرجوك لا تقل له شيئاً .

    تلفظت بهذه الكلمات بنبرة تخلو من التوسل , كانت ببساطة تقول الحقيقة , ليس الا .

    عاد تيرنس الى ما كان عليه . لا لطيفآ ولا قاسيا , فقط رجلآ يعطى انطباعا , بخلاف الزبائن الأخرين , بأنه يعرف ماذا يريد . بدا وكأنه خارج من رعدة أو من مسرحية لم تبدأ بعد .

    لكن , هل عليها أن تغادر بهذه البساطة دون أن تكتشف فعلا ما تعنيه عبارة " زبون غير عادى " ؟
    - ماذا تريد تحديدآ ؟
    - الألم , كما لاحظت , العذاب وايضا الكثير من اللذة .

    فكرت ماريا أن الألم والعذاب لا يتعايشان كثيرآ مع اللذة , مع انها رغبت حتى فى اليأس أن تعتقد العكس , أنه يمكن أن نجنى ثمارآ طيبة من التجارب السلبية الكثيرة فى هذه الحياة .

    أخذها من يدها واقتادها الى النافذة , كان يرى فى الجهة الأخرى للبحيرة برج الكاتدرائية . تذكرت ماريا انها مرت بصحبة رالف هارت باتجاه طريق مار يعقوب .

    - هل ترين هذا النهر , هذه البيوت , هذه الكنيسة ؟ منذ أكثر من خمسائمة سنة لا يزال للنظر نفسه تقريبا باستثناء أن المدينة حينذاك كانت مقفرة تماما , لان مرضا مجهولا أنتشر فى جميع أنحاء أوروبا . لم يكن أحد يعرف لماذا يمت هذا الكم الهائل من البشر . كان هذا المرض يدعى الطاعون الأسود , وهو عقاب أنزله الله بالبشر بسبب خطاياهم . عندئذ , قرر جماعة من الناس ان يفتدوا بأنفسهم البشرية جمعاء , وقاموا بما كانوا يخشونه أكثر من اآ شئ اخر وهو تعذيب أنفسهم . أخذوا يذرعون الطرقات وهم يجلدون أنفسهم بالسياط أو بالسلاسل . كانوا يتألمون بأسم الله وحيتلفون بألمهم , مكتشفين حينئذاك أنهم أكثر سعادة من هؤلاء الذين يصنعون الخبر ويحرثون الارض ويطمعون الحيوانات . لم يعد الألم عقابا بل لذة يكفرون بها عن خطايا البشر . أصبح الألم فرحآ ومعنى للحياة ولذة .

    رجع البريق البارد الى عينيه . أخذ المال الذى وضعته ماريا على المكتب , اقتطع منه مئة وخمسين فرنكا ووضعها فى جزداتها .

    - لا تهتمى لصاحب العمل . هذه هى حصته . وأعدم بألا اقول شيئا . بأمكانك الرحيل ..
    - لا !

    قال ماريا ذلك وهى تستعيد من جديد المبلغ بكامله .

    لعل ما دفعها الى التصرف كان هذا النبيذ , العربى فى المطعم , المرأة ذات الأبتسامة الحزينة , الفكرة بأنها لن ترجع أبدآ الى هذا المكان اللعين , الخوف من الحب الذى كان يتخذ ملامح رجل , الرسائل التى بعثتها لأمها تخبرها فيها عن حياتها الغنية بفرص العمل , الصبى الذى طلب منها قلمآ فى طفولتها , معاركها مع نفسها والذنب والفضول والمال , السعى لأيجاد حدود لتصرفاتها بالذات , الفرص الضائعة التى أفلتت من يدها ....كل ذلك أستعرضته فى ذاكرتها ...وهناك ماريا اخرى موجودة فى هذا المكان , لم تعد تقدم الهدايا بل تقدم نفسها ذبيحة .

  12. #12
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    - لقد زال خوفى ويمكننا الذهاب بعيدآ فى اللعبة . اذا كان الأمر ضروريا عاقبنى لأننى امرأة عاصية . كذبت خنت وتصرفت بالسوء مع هؤلاء الذين أحبونى وعملوا على حمايتى .

    دخلت ماريا فى اللعبة . قالت ما ينبعى أن تقوله .
    امرها تيرنس بصوت عال ومثير للدهشة والقلق .

    - أركعى !

    استجابت ماريا لطلبه . لم يعاملها أحد , قط بهذه الطريقة , ولا تعرف ان كل ما تفعله جيدا أم سيئا . أرادت فقط أن تذهب بعيدآ , وفكرت أنها تستحق هذه المعاملة بسبب كل ما فعلته فى حياتها . أضحت أمرأة مختلفة وكان أمراة خرى قد تقمصت جسدها .

    - ستعاقبين لأنك عديمة الفائدة ولأنك لا تعرفين القواعد وتجهلين كل شئ عن الجنس والحياة والحب .

    بدا تيرنس وهو يتكلم وكأنه شخصان , رجل يشرح لها بهدؤء قواعد السلوك البشرى , ورجل أخرها يشعرها أنها أتعس شخص فى العالم .

    - هل تعرفين لماذا أفعل ذلك , لانه ليس من لذة فى الدنيا أكبر من أن نقود أحدآ الى ولوج عالم مجهول , وان نفقده عذريته , ليس عذرية الجسد بل عذرية الروح . هل فهمت ؟

    - فهمت .
    - اليوم بأمكانك أن تطرحى الأسئلة , لكن , فى المرة المقبلة , ما أن ينزع الستار عن المسرح حتى تبدأ المسرحية ولا أحد يمكنه أيقافها . واذا توقفت فهذا لأن روحينا لم يتقفا . تذكرى , أنها مسرحية . يجب أن تكونى الشخص الذى لم تجرؤى يوما أن تكونيه . وستكتشفين شيئا فشيئا أن هذا الشخص هو ذاتك الحقيقة . بانتظار ذلك , حاولى أن تتظاهرى باحتمال المعاناة كونى خلاقة .

    - واذا لم أستطع تحمل الألم ؟
    - ليس هناك ألم . انه فقط شهور يتحول الى لذة , الى سر . قولى لى " لا تعاملنى هكذا , أنا أتالم , لان هذا يشكل أيضا جزءى من المسرحية أناء ولكى تتحاشى الخطر ....اخفضى رأسك ولا تنظرى الى .

    جثت ماريا على ركبتيها , وخفضت رأسها وهى تنظر الى الأرض .

    - لكى تتجنب أن تسبب هذه العلاقة أذية جسدية خطيرة , سنستعمل أصطلاحين . اذ قال أحدنا " أصفر " فهذا يعنى أنه يجب الحد من العنف , واذا قال " أحم " فهذا يعنى أن عليه التوقف فى الحال .

    - قلت " أحدنا ؟
    - نعم لأننا سنتبادل الأدوار , لا وجود لأحد دون الاخر , ولا أحد بامكانه أن يدل الاخر , الا اذا سمح للأخر بأذلاله .

    كانت هذه الكلمات مرعبة , أتية من عالم لا تعرفه , عالم خافل بالظلمة والوحل والعفن . ومع ذلك كانت تحدوها رغبة الذهاب بعيدآ , كان جسدها يرتجف خوفآ وأثارة .

    لامست يد تيرنس راسها بحنان غير متوقع .
    قال :
    - انتهت اللعبة .

    توسل اليها أن تنهض بنبرة لا تخلو من بعض الحنان , وان حلت من العدائية الجافة التى أظهرها من قبل . ليست ماريا سترتها وهى لا تزال ترتجف . لاحظت تيرنس الحالة التى كانت فيها .

    - دخنى سيجارة قبل أن ترحلى .
    - لم يحدث شئ .
    -ليس هذا ضروريأ . لكن هذا اللقاء سيتابع مساره فى روحك . وفى المرة المقبلة عندما نلتقى , ستكونين أكثر استجابة .
    - هل تساوى هذه السهرة ألف فرنك ؟

    لم يجب أشعل هو أيضا سيجارة , وكانا قد فرغا من احتماء النبيذ . استمعا الى الموسيقى , وقد خيم عليهما صمت طويل ممتع .

    ثم جاء وقت الكلام , وتفأجات ماريا من كلماتها بالذات :

    - لا اعرف لماذا كانت لدى رغبة المشى فى الوحل .
    - بسبب الالف فرنك .
    - ليس الأمر كذلك .

    بدا تيرنس سعيدى بجوابها .

    - أنا ايضا طرحت على نفسى هذا السوال . كان الماركيز دو ساد يقول أن التجارب الأهم التى يختبرها فى حياته هى تلك التى يبلغ فيها المرء أخر المطاف . وهى التى تعلمنا لأنها تستنفذ منا كامل طاقتنا . ان رب العمل الذى يهين موظفا , او الرجل الذى يهين زوجته , هما على درجة عالية من الجبن , أو يسعيان للأنتقام من الحياة . أن مثل هؤلاء الناس لم يجرؤؤا يوما على النظر الى أعماق أنفسهم .

    لم يسعوا ليعرفوا من أين تأتى الرغبة فى التحرز من الوحش الكامن فى داخلهم , ولا ليدركوا أن الجنس والألم والحب تمثل للأنسان تجارب قصوى . وحده الذى يعرف أقامة الحدود يعرف معنى الحياة . ليست البقية الا مضيعة للوقت وتكرارآ للمسار نفسه , نشيخ ونموت دون أن نعرف ماذا كنا نفعل على هذه البسيطة .


    * * * * *


    من جديد الطريق , من جديد البرد , ومن جديد الرغبة فى المشى .
    كان هذا الرجل مخطئا . ليس ضرورياً أن نعرف شياطيننا لكى نلقى الله .
    صادفت فى طريقها جماعة من التامذة الخارجين من أحدى الحانات . كانت السعادة تخيم عليهم , على الرغم من أثار السُكر البادية على وجوههم الجميلة المفعهمة بالحيوية والنشاط.

    عما قريب سينهون دروسهم , ويبدأ ما يرون أنه " الحياة الحقيقية " العمل , الزواج , الأطفال , الرتابة , المرارة , الشيخوخة , الشعور الهائل بالخسارة , الحرمان , المرض , العجز , التبعية , الوحدة , وأخيرآ الموت .

    لكن , ما بالها ؟ هى ايضا كانت تنشد الطمأنينة لكى تحيا حياتها الحقيقية , والوقت الذى كان قضته فى سويسرا لتمارس مهنة لم تفكر يوما فى اختيارها , كان مرحلة صعبة من تلك المراحل التى يواجهها الجميع عاجلا أم أجلا.

    ذهبت الى " كوباكابانا " وخرجت برفقة الرجال من أجل المال , وأنت أدوار الفتاة البرئية الساذجة أو المرأة المغوية أو الأم المتفهمة , وفقآ لأمزجة الزبائن .

    لم يكن ما فعلته الا جورآ أدته على أعلى درجة من الأحتراف طمعاً بالعلاوة , وعلى أدنى درجة من الاهتمام خشية ان تعتاده .

    قضت تسعة أشهر فى مراقبة العالم من حولها .

    وقبيل عودتها الى ديارها , اكتشفت أنها قادرة على احب دون أن تطلب أى شئ بالمقابل , وعلى العذاب دون سبب .

    كما لو أن القدر رماها فى لجة حياة قذرة , غريبة الأطوار , لكى تكتشف أسرارها المضيئة والمظلمة .




    * * * * *




    وهذا ما كتبته ماريا فى يومياتها ليلة لقائها بتيرنس :
    " أستئهد بالماركيز دوساد الذى لم أقرأ له سطر واحد , لكنى سمعت بعض التعليقات التقليدية عن السادية , والتى تقول أننا لا نعرف أنفسنا حقاً الا حين نتجاوز حدودنا بالذات .

    هذا أكيد .
    لكن ذلك الأمر يحتاد الى مراجعة , لانه ليس ضروريا أن نعرف كل شئ عن ذواتنا .

    لم يخلق الكائن البشرى فقط لكى يفتش عن المعرفة , بل لكى يحرث الأرض أيضاً , وينتظر المطر , ويزرع القمح , ويجنى الغلال , ويعجن الخبر .
    فى داخلى أمرأتان , أحداهما تسعى الى بلوغ السعادة والشغف والمغامرات التى يستطيع الوجود أن يوفرها لها , والثانية عبُدة الرتابة والحياة العائلية والأفعال الصغيرة التى يمكن التخطيط لها وتنفيذها .

    انا أحنل فى حنايا جسدى على السواء ربة المنزل والعاهرة , وكل منهما تصارع الأخرى .

    ان لقاء المرأة بذاتها لعبة تنطوى على الكثير من المخاطر . عندما ألتقى بذاتى نصير طاقتين , عالمين يتصادمان . أما اذا كان اللقاء يفتقر الى الأنسجام المتوازن , فانه يتحول الى انفجار مدمر للذات البشرية الواحدة .

    * * * * *



    من جديد صالون رالف هارت والنار فى المدفأة والخمر , وكلاهما جالسان على الأرض . كل ما أحست به ماريا البارحة أثناء لقائها بذاك الأنكليزى , مدير مؤسسة الأسطوانات , كان بمجرد حلم , أو كابوس . وهذا يتعلق بحالتها النفسية .

    كانت تبحث فى هذه اللحظة عن سبب وجودها , أو بالأحرى عن هذه التضحية المجنونة بالنفس التى تمنح من خلالها قلوبنا دون أن نطلب شيئا بالمقابل .

    أينعت ماريا , وهى فى انتظار هذه اللحظة . أكتشفت أخيرا أن الحب الحقيقى لا علاقة له بما نتصوره عادة , اى بسلسلة الأحداث التى تثيرها طاقة الحب , بداية الحب , الألتزام , الزواج , الأطفال , نهاية الأنتظار , الشيخوخة معآ , نهاية الأنتظار , تقاعد الزوج فى حينه , الأمراض والشعور بأن الأوان قد فات وأن الزوجين تخليا عن تحقيق أحلامهما المشتركة , وباتا ينتظران قدرهما المحتوم .

    نظرت ماريا الى الرجل الذى قررت أن تهبه ذاتها دون أن تبوح له بما كانت تشعر تجاه , لانها لم تكتشف الأسلوب الملائم للتعبير عن مشاعرها وانفعالاتها .

    بدا رالف مرتاحآ , وكأنه يعيش فترة ساحرة فى حياته . كان يبتسم وهو يحدث ماريا عن الرحلة التى قام بها مؤخرا الى ميونيخ , ليقابل مدير أحد المتاحف الكبرى .

    - سالنى المدير اذا كانت اللوحة عن وجوه جنيف قد أنجزت . قلت له أنننى تعرفت الى أحد الأشخاص الذين أرغب فى أن أرسمهم , أمرأة مليئة بالضوء ...لكن , لا أريد التحدث عن نفسى . أريد أن أقبلك , أشتهيك , أرغب فيك .

    الرغبة , الرغبة ؟ الرغبة ! أنها النقطة المحورية فى هذه السهرة . وكان هذا امرا تعرفه ماريا تمام المعرفة !

    توقظ الرغبة مثلا حسن لا تستجيب لدواعى الرغبة فى الحال , حين نرجئ هذه الأستجابة .

    - اشتهينى اذن . هذا ما نفعله الأن . انت على بعد متر منى , سعيت الى حانة ليلية وأنفقت ما فيه الكفاية لتحصل على مبتغاك , وتعرف ان لديك الحق أن تلمسنى لكنك لا تجرؤ . أنظر الى . أنظر الى . تخيل أننى لا اريد أن تنظر الى . تخيل ماذا أخفى تحت ملابسى .

    كانت ترتدى فستانا أسود بسيطاً , ولا تفهم السبب الذى يدفع الفتيات الأخريات فى حانة " كوباكابانا " لأن يبذلن كل ما فى وسعهن ليبدون مثيرات من خلال أرتداء الألبسة المثيرة والألوان الغامقة .

    كان الأمر فى نظرها مختلفاً , أن تثير رجلا يعنى أن ترتدى ملابس تبدو فيها مشابها لأى أمرأة يلتقيها فى المكتب أو القطار او عند صديقة زوجته .

    نظر اليها رالف . أحست ماريا أن نظراته تعريها , وراق لها أن يشتيهيها بهذه الطريقة , دون أن يلمسها ,كأنهما فى مطعم أو فى رتل من المنتظرين أمام قاعة السينما .

    قالت ماريا :

    - تخيل أننا فى محطة . أنتظر القطار قربك , وانت لا تعرفنى . لكنى عينى تلتقيان عينيك مصادفة , وأنا لا أشيح بهما عنك , لا تعرف ما احاول قوله لك لانك رغم ذكائك , رغم أنك قادر على رؤية " الضوء " الكامن فى الأخريين , لست حساسا بما فيه الكفاية لترى ما يمكن أن ينجلى عن هذا الضوء .

    لم تنس المسرح . أرادت أن تمحو بأقصى سرعة ممكنة وجه المدير الفنى الأنكليزى , لكنه كان هنا , يرصد تخيلاتها .

    - أنظر اليك فى عينيك مباشرة وأتساءل , هل رأيته من قبل فى مكان ما؟ أو لعلنى شاردة الذهن أو اخشى أن أبدو سمجة . تعرفنى من قبل , لكنى أود أن تتجاهلنى لثوان معدودات , وستكتشف أننا تعارفنا منذ زمن أو هناك سوء فهم يعترى علاقتنا .

    لعلنى ذهبت الى المحطة فقط لأن لدى رغبة هى الأبسط فى العالم , الألتقاء برجل , أو لاننى هاربة من حب يعذبنى , أو أسعى الى الانتقام من خيانى حديثة العهد , وذهبت الى هناك بحثا عن رجل مجهول . لعلنى ذهبت لأننى ارغب فى أن أكون عارهتك لليلة فقط , لأقطع معك رتابة حياتى , ولاننى عاهرة تبحث عن عمل .

    خيم عليها صمت عميق . كانت ماريا تبدو شاردة تستعيد فى ذهنها ذكرى الرجل الأنكليزى فى الفندق , والاهانة . رت فى رأسها كلمات " الأصفر , " الاحمر " , " الألم " وكثير من اللذة . كل ذلك أثر فى روحها بشكل ملحوظ .

    لاحظ رالف شرودها , وحاول أن يعيدها من جديد الى المحطة :

    - فى هذا اللقاء , هل ترغبين فى أنت أيضاً ؟
    - لا أعرف , لا تتكلم , وأنت لا تعرف .

    عادت ماريا الى شرودها قليلا . فى أى حال , ساعدتها فكرة " المسرح " هذه كثيرا , لان الشخصية الحقيقة تظهر جلية , وتغيب كل الشخيات المزيفة التى تسكننا .

    - لا أشيح بنظرى عنك , ولا تعرف ماذا عليك أن تفعل . هل الأقتراب ؟ هل سأصدك ؟ هل سأدعو شرطياً , ام أدعوك لتناول فنجان من القهوة ؟

    قال رالف , وكانت نبرة صوته مختلفة , وكأنهما التقيا فعلا للمرة الأولى :

    - رجعت لتوى من ميونيخ ...

    ثم أضاف :

    - وأنوى أن ارسم سلسلة من اللوحات عن الجنس , عن الأقنعة العديدة التى يختبئ خلفها الناس كلى يتجنبوا القيام بتجربة لقاء حقيقى .

    لابد أنه يعرف " المسرح " . قال ميلان أنه كان هو أيضا " زبوناً غير عادى " . دوت صفارة الخطر , لكن ماريا كانت بحاجة الى الوقت لكى تفكر .

    - قال لى مدير المتحف " علام تعتمد فى أعداد عملك الفنى ؟. وأجبته " على نساء يشعرن بأن لديهن الحرية بأن يمارسن الجنس من اجل المال . فأجاب : ليس هذا ممكنا , فهؤلاء النسوة عاهرات . وأجبته " أجل هن عاهرات واريد أن أعرف ما هى قصتهن . أقوم بأعداد لوحات فنية تنسجم كليآ مع ذوق العائلات التى تتردد الى متحفك .

    المسألة مسألة ثقافة كما تعرف , وتقوم على أن نعرض بشكل ممتع ما يشق علينا تقبله .

    فقال المدير باصرار " لكن الجنس لم يعد محزمآ . فالجنس مسألة مطروحة على الدوام , بحيث يصعب علينا أن نقوم بعمل ذى قيمة عن هذا الموضوع . فأجبته , " هل تعرف من أين تأتى الرغبة الجنسية ؟ " .

    فقال المدير " من الغريزة " .
    فقلت له " أجل , من الغريزة , وجميع الناس يعرفون هذا . لكن كيف بالأمكان أن نقيم عرضآ جميلا وناجحا اذا استندنا فقط الى العلم ؟ أريد فى معرضى أن أصور الطريقة التى نفسر فيها هذا الأنجذاب الجسدى , كما يفعل الفيلسوف مثلا .

    طلب منى المدير أن اعطيه مثلا عن ذلك . قلت له " افرض أننى صعدت فى القطار عائدآ الى المنزل وان أمرأة رمقتنى بنظرة أعجاب . عندئذ سأتحدث اليها وأقول لها اننى لا اعرفها وأننا احرا فى ان نفعل كل ما حلمنا به , وأن يعيش كل منا " فانتا سماته " . ونفترق , من ثم , ويذهب كل منا فى طريقه , أنا الى زوجتى , وهى الى زوجها , ولن يحصل لقاء أخر .

    سألقك اذن فى هذه المحطة ...

    - قصتك مثيرة جدا لأهتمام . لدرجة أنها تلغى كل دوافع الرغبة لدى .

    ضحك رالف موافقا على ما قالته . لم يعد هناك نبيذ , فذهب الى المطبخ ليحضر زجاجةأخرى . نظرت ماريا الى النار , وهى تعرف مسبقاً ماذا ستكون الخطوة المقبلة , مستمتعة بالحفاوة التى تلقاها , ناسية أمر الأنكليزى , ومستسلمة من جديد للحظة التى تحياها .

    سكب رالف كأسين من النبيذ .

    - أريد فقط أن أسالك بدافع الفضول , كيف ستنتهى قصتك مع مدير المتحف ؟
    - أستشهد بفيلسوف أغريقى , لانى سأكون فى حضرة أنسان مثقف . يعتبر أفلاطون أن الرجال والنساء فى بداية الخليقة , كانوا مختلفين عما هو اليوم . كانت هناك فقط كائنات خدئوية ذات جسد وعنق ورأس بوجهين وكل وجه ينظر فى اتجاه مختلف , وكأنهما مخلوقان ملتصقان أحدهما بالآخر . كانت هذه المخلوقات تملك عضوين جنسيين مختلفين وأربع أرجال وأربع أذرع .

    لكن الآلهة الأغريق بدأت تشتغل فى نفوسهم الغيرة حين رأوا أن مخلوقا بأربع أذرع أعظم قدرة على العمل . وأن وجهين متقابلين كانا دائما متيقظين , وأن الآلهة لا يستطيعون بالتالى مهاجمته والقضاء عليه غدرآ , وأن أربعة أرجل لا تلزم صاحبها ببذل الكثير من الجهد فى الوقوف أو المشى الطويل . والأخطر من ذلك كله , أن هذا المخلوق لديه عضوان جنسيان ولا يحتاج الى أحد من أجل التناسل . عندئذ قال زوس وهو الزعيم الأعلى لأولمب , لدىّ خطة لأنتزاع القوة من هذه الكائنات الفانية . فما كان منه الا أن أنزل الصاعقة فانشقت المخلوقات شطرين رجلا وأمرأة . مما جعل نسل الأرض يزداد كثيرآ , لكن هذا الأنشطار بين ذكر وأنثى أضعف ساكنى الأرض , وأثار فيهم البلبلة والضلال . صارا لزاما عليهم أن يبحثوا عن نصفهم المفقود ويعانقوه من جديد ليستعيدوا بهذا العناق قوتهم السابقة ومهاراتهم المفقودة , ليصبحوا أقدر على مواجهة المتاعب والمشقات وأتقاء سهام الغادرين . هذا العناق الذى يستطيع من خلاله الجسدان أن يجتمعا من جديد لكى يصير واحدآ , هو ما ندعوه الجنس .

    - هل هذه القصة حقيقة ؟
    - أجل , بحسب أفلاطون .

    نظرت اليه ماريا مسحورة , وامحت من ذهنها تجربة البارحة نهائيا , فتنت به عندما كان يروى هذه القصة الغريبة بحماس وبعينين تلتمعان ليس فقط رغبة بل فرحاً . رأت أمامها رجلا يشع وجهه بذاك الضوء الذى كان قد استشفه فيها .

    - هل أستطيع أن أطلب منك أيضاحاً ؟

    أجابها رالف أنها تستطيع ان تستوضح عما يشاء .

    - لماذا , عندما شقت الآلهة هذه المخلوقات ذات الأرجل الأربع شطرين , أعتبر البعض أن العناق ليس الا أمرآ كالأمور الأخرى , وانه بدلا من ان يزيد طاقة البشر , فانه ينتزعها , هل بامكانك أن تقول لى السبب ؟

    - أتقصدين الكلام عن الدعارة ؟
    - هذا بالضبط ما قصدته . هل تستطيع أن تقول لى متى لم يعد الجنس مقدساً .
    - سأحاول معرفة ذلك أن شئت . لم أفكر فىالموضوع من قبل , وأعتقد أن أحدآ لم يفكر فيه .

    سألت ماريا بألحاح بالغ :

    - هل فكرت مرة أن النساء العاهرات قادرات على الحب ؟
    - نعم . فكرت فى الأمر عندما كنا جالسين أمام الطاولة فى المقهى , فرأيت ذاك الضوء المنبعث من وجهك . وحين دعوتك الى شرب كأس , اخترت أن أصدق كل شئ , بما فيه أمكانية أن تعيدينى الى العالم الذى فارقته منذ وقت طويل .

    أحس أن العودة الى الوراء باتت متعذرة . انها العشيقة , وعليها أن تهرع للنجدة حالا , فتقبله وتضمه بين ذراعيها , وترجوه ألا يذهب .

    لكنها قالت :

    - لنعد الى قصة المحطة أو بالأحرى لنعد الى اليوم الذى جئنا فيه للمرة الأولى الى هذا الصالون , حين أعترفت بوجودى وقدمت لى هدية . كانت هذه محاولتك الأولى لدخول كيانى , ولم تكن تعرف المكانة التى تحتلها فى نفسى . لكن , وكما تروى قصتك , فان الكائنات البشرية مشطورة نصفين , وهى تسعى دومآ خلف العناق الذى يجمعها . هذه غريزتنا , لكن هذا أيضاً السبب الذى نحتمل لأجله كل الصعوبات التى تعترض طريقنا خلال هذا السعى .

    وأردفت ماريا قائلة :

    - أريد أن تنظر الى , واريد فى الوقت نفسه ألا تجعلنى ألاحظ ذلك . الرغبة الأولى مهمة لأنها محتجبة ومحزمة ولا تدخل فى الحسبان . لا تعرف ان كنت موجودآ أمام نصفك المفقود , ولا هو أيضا يعرف ذلك . لكن شيئا ما يجذب أحدكما الى الأخر ويجب الاعتراف به .

    ثم قالت ماريا فى نفسها , من أين أتى بكل هذه الأفكار ؟ امن أعماق قلبى , لا،نى رغبت دومآ فى أن يكون الأمر كذلك ؟ أم من أحلامى , من حلمى بالذات كامرأة ؟

    أخفضت قليلا حمالة فستانها لكى تكشف عن جزء , جزء صغير من أحد نهديها , الرغبة ليست ما تراه بل ما تتخيله " .

    رأى رالف أمامه امرأة سمراء ترتدى فستانا غامق اللون كشعرها , جالسة على أرض الصالون , مفعمة بالرغبات الغريبة , كالرغبة مثلا التى حدته الى اشعال النار فى المدفأة صيفا . أجل , أراد أن يتخيل ما يخفيه هذا الثوب , أن يتخيل حجم نهديها . كان يعرف أن الصدارة التى ترتديها ليست ضرورية , لكنها من مستلزمات المهنة . لم يكن نهداها كبيرين ولا صغيرين , بل كان فتيين , ونظرتها لم تكن لتبوح بشئ . ماذا كانت تفعل هنا ؟ لماذا يقيم هذه العلاقة الخطرة الغريبة ما دام لا يجد أى صعوبة فى العثور على المرأة التى يشتهيها ؟

    كان ثريا وفتياً وشهيراً وحسن المظهر وشغوفا بعمله . أحب المراتين اللتين تزوج بهما وأحبناه . كان لديه كل ما يمكن لأنسان أن يتمناه . كان حريا به أن يهتف عالياً ويقول " كم أنا سعيد " .

    لكنه لم يكن سعيداً . رأى من حوله الكثير من الناس يتهافتون من أجل كسرة خبز وسقف ووظيفة تسمح لهم بالعيش الكريم , فيما هو يملك كل شئ , وهذا يزيده تعاسة . ألا أنه , من فترة ليست بعيدة , استيقظ لمرتين أو ثلاثة أو ثلاث ونظر الى الشمس , أو الى المطر , وشعر أنه سعيد , فقط لكونه حيآ يرزق , سعيد بكل بساطة , دون أن يطلب شيئا بالمقابل . ما خلا هذه الأيام النادرة , فقط استهلك نفسه فى الأحلام والحرمان والعمل والرغبة فى تخطى الذات والأسفار , أكثر مما يقوى على احتماله . كان متأكدآ من انه قضى حياته وهو يحاول اثبات شئ ما , لمن تحديدآ ؟ وما هو هذا الشئ ؟ لا يعرف .

    ظل ينظر الى المرأة الجميلة الواقفة أمامه , والتى ترتدى الأسود الخفر , المرأة التى التقاها مصادفة مع أنه رآها من قبل فى حانة ليلية , فأدرك أنها صعبة المراس . كانت تسأله أن كان يرغب فيها , وهو يرغب فيها كثيرآ , اكثر مما تستطيع أن تتصور . لكنه لا يرغب فى نهديها أو جسدها , بل فى رفقتها . كان يكفيه أن يضمها بين ذراعيه , وهو يتأمل النار بصمت , او يشرب النبيذ , او يدخن سيجارة او اثنتين .

    هذه الحياة سلسلة من الأمور البسيطة , وقد تعب من كل هذه السنوات التى سلخها وهو يبحث عن شئ لا يعرف كنهه .
    بيد أنه , أن لمسها ضاع كل شئ . رغم " الضوء" المنبعث منها , لم يكن متأكدآ من رغبتها الفعلية فى قربه . هل عليه أن يدفع لها , أن يشترى رغبتها ؟ اجل , وسيستمر فى الانفاق عليها الى أن يتمكن من غزو قلبها والجلوس معها على حافة البحيرة والكلام عن الحب , الى ان يسمع منها الشئ نفسه بالمقابل .

    الأفضل اذن عدم المجازفة , وعدم استعجال الأمور , والصمت .

    توقف رالف هارت عن تعذيب نفسه , وعاد ليركز من جديد على اللعبة التى اخترعاها لتوهما . كانت المرأة الجالسة فى مواجهته على صواب . النبيذ والنار والسيجارة والرفقة لا تكفى , وينبغى البحث عن نوع أخر من النشوة , عن نار أخرى .

    كانت ترتدى فستانا بحمالات , وتكشف عن أحد نهديها . باستطاعته ان يرى بشرتها التى تميل الى السمرة اكثر منها الى البياض , وشعر أنه يشتهيها كثيراً .

    لاحظت ماريا بريقا ينبعث من عينى رالف . تعرف انها مرغوبة , وهذا اثارها أكثر من اى شئ أخر . لا علاقة لما يحدث بالوصفات التقليدية عن الحب " اريد أن أمارس الحب معك , اريد أن أتزوج , أن نصل الى النشوة , أن أنجب طفلا , أريد التزامات تجاهى . لا , لم يكن الامر كذلك . كانت الرغبة شعورآ حرآ , أهتزازا فى الفضاء , ارادة تغنى الحياة . وهذه الأرادة بامكانها أن تقلب الجبال وتجعل ماريا تمضى قدما و ....تجعل عضوها رطبا .

    كانت الرغبة مصدر كل شئ , منذ غادرت أرض بلادها لتكتشف عالما جديدآ . وتتعلم اللغة الفرنسية , وتتخطى أحكامها المسبقة لتكتشف عالما جديدآ . وتحلم بأنشاء مزرعة , وتقع فى الغرام دون ان تطلب شيئا بالمقابل . وتتمراى فى عينى رجل , فترى أنعكاس ذاتها الحقيقية . أخفضت الحمالة الأخرى لفستانخا ببطء مدروس , ثم أنزلت الفستان عن جسدها . خلعت صدارتها , ولبثت مكانها عارية الصدر تتحرق شوقاً لأن يرتمى فوقها ويضم صدره الى صدرها . ويتعهد لها بالحب الأيدى . تساءلت , هل كان حساساً بما يكفى لكى يستلم للرغبة بذاتها , وهى لذة الجنس الحقيقة ؟

    هدأت الضجة من حولها . اختفت المدفأة ومعها اللوحات والكتب لم يعد هناك الا الرعدة التى لا مكانفيها الا لدواعى اللذة التى تلغى كل ما عداها .

    لم يحرك الرجل ساكناً . فى البداية , قرأت شيئا من الخجل الى عينيه , لكن هذا لم يدم طويلا . كان ينظر اليها ويمرر لسانه فوق جسدها ويتداخلان ويندى جسدهما عرقاً , ويتبادلان القبل , ويمزجان الحنان ويصرخان ويتأوهان حتى يبلغا معآ مرحلة النشوة ...

    كل هذا حصل فى خياله .فى الواقع , كانا صامتين لا يحركان ساكناً . وهذا السكون زاد من أثارة ماريا , لأنه أتاح لها الحرية فى أن تتخيل ما تشاء . طلبت اليه أن يلمسها برفق , ثم أفرجت ساقيها , واستمنت أمامه , وهى تتلفظ , دون تمييز , بكلمات رقيقة ومبتذلة . بلغت مرحلة النشوة عدة مرات , وكادت توقظ الجيران بصرخاتها , لا بل ودت لو أقلقت بال العالم , وتركته فى حالة أستنفار .

    أمامها الرجل الذى تحلم به , الذى يمنحها اللذة والفرح , الذى تستطيع معه أن تكون نفسها , فتعترف له بمشكلاتها مع جسدها , وتقول له كم تود لو تبقى معه طولال الليل والأسبوع و ...الحياة .

    بدأ العرق يتصبب من جبينبهما. كان ذلك بسبب النار المشتعلة فى المدفأة . هذا ما فكر به كلاهما فى الوقت نفسه , دون أن يتفوها به . كانا يشعران أنهما يذهبان بعيدآ متجاوزين الحدود , مطلقين العنان لخياليهما . ويعيشان معآ لحظات أبدية من الهناء .

    لكن , ينبغى لهما أن يتوقفا , لأن خطوة واحدة الى الأمام تفقدهما كل شئ , وتعيدهما الى نقطة البداية , ويختفى معها كل هذا السحر فى مواجهة الواقع الأليم .

    وببطء شديد أيضاً , لأن النهاية هى دوما أصعب من البداية , أرتدت صدارتها وغطت نهديها . عاد العالم الى مكانه , وعادت الخيالات المبهمة من حولها الى الظهور من جديد . ارتدت فستانها , ثم ابتسمت ولامست وجهه بعذوبة . أخذها من ذراعها . ثم جذبها ناحيته , وضمها الى صدره لتبقى رهينة بين ذراعيه .

    رغبت فى ان تقول له أنها تحبه . لكنها لم تفعل , لأن هذا قادر على افساد كل شئ , وعلى أخافة الرجل الذى تحبه . كما خشيت عليه من أن يقول لها أنه يحبها هو أيضاً . لم تكن ماريا تريد ذلك , ان حريةحبها تتمثل فى ألا تطلب شيئا من حبيبها , وألا تحفل بما ينتظرها .

    قالت :

    - من يقدر على الأصغاء الى مشاعره بأذان مرهفة . يعرف أنه فى مقدورنا بلوغ النشوة دون أن يلمس أحدنا الأخر . ذلك أن الكلمات والنظرات تحوى فى جناياها كل أسرار الرقصة . لكن القطار وصل , وكل يذهب فى طريقه . كنت أمل أن ارافقك فى هذه الرحلة حتى...حتى أى مكان ؟

    - أجاب رالف : حتى الرجوع من جنيف .
    - من يتملى الأنسان الذى طالما حلم به , يعرف أن الطاقة الجنسية الكامنة فى ذاته سابقة على الممارسة الجنسية . اللذة الكبرى ليست فى الجنس , بلفى الشغف الذى تمارس به الجنس .

  13. #13
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    وعندما يبلغ هذا الشغف عمق الذات البشرية , تأتى الممارسة الجنسية بمثابة الستار الذى يسدل على الرقصو , ولا يمكن ان يكون عنصرى من عناصرها الأساسية .

    - تتكلمين عن الحب كمحترفة .

    أرادت ماريا أن تتحدث عن الحب , لا، هذا الحديث كان وسيلتها فى الدفاع عن نفسها وتسليم نفسها فى ان , دون أن تشعر بالحرج .

    - يمارس العاشق الحب طوال الوقت , حتى عندما لا يمارسه .

    وحين تتلاقى الأجساد فهذا يعنى أ، الشراب قد بلغ حافة الكأس بأمكانهما أن يبقيا معا لساعات ولأيام طويلة . بأمكانهما أن يبدأ الرقصة اليوم وينهياها غدآ , أو يستمر فيها مستسلمين للذة لا تنتهى . لا علاقة لذلك بالأحدى عشرة دقيقة .

    - ماذا ؟
    - أحبك .
    - انا آيضا أحبك .
    - أعذرنى , لم أعد أعرف ماذا اقول .
    - ولا أنا أيضا .

    نهضت , طبعت على خده قبلة وخرجت .

    * * * * *
    وهذا ما دونته مارا فى يومياتها صباح اليوم التالى :

    " البارحة مساء , عندما نظر الى رالف هارت , شعرت انه شرع فى داخلى بابآ وتسلل كالسارق . لكنه حين رحل , لم يأخذ شيئا . بل على العكس , ترك وراءه عطرا كالورد , لم يكن سارقا , بل خطيبا كان يزورنى ...

    يسعى كل كائن بشرى الى تحقيق رغبته الدفينة , وهذا يشكل جزءا من الكنز المختبى داخل نفسه . قد يكون الأنفعال الذى تثيره الرغبة منفرآ للأخر , وقد يقربنا من الكائن المحبوب :

    هذا الأنفعال الذى هز كيانى واستجاب لحاجتى النفسية , وهو جامح بحيث يستطيع أن يعطر الأجواء المحيطة بى .

    كل يوم اسعى لأكتشاف الحقيقة التى أريد أن أحياها , أحاول أن أكون عملية , فعالة , محترفة . لكن أود لو أتمكن من أن أتخذ الرغبة رفيقتى الدائمة . بيد أننى لست ملزمة بالعسى لأخفف من وطأة الوحدة التى أعيشها , بل لأن الرغبة حلوة . أجل , حلوة جدآ .



    * * * * *



    هناك 38 أمرأة يعملن بانتظام فى حانة " كوباكابانا " ( بأستثناء الفيليبينية نيا , لم تكن لماريا صديقة بينهن ) . كان المعدل الوسطى لعملهن فى الحانة يراوح بين ستة أشهر كحد أدنى وثلاث سنوات كحد أقصى . كن يغادرن العمل أما لانهن تلقين عرضاً سريعا بالزواج , أو دعوة ليصبحن عشيقات مكرسات لاحد الزبائن , واما لأنهن ما غدن يثرن أهتمام الزبائن . عندئذ كان ميلان يطلب أليهن بلطف أن يبحثن عن مكان أخر يعملن فيه .

    من الاهمية بمكان أن تحترم كل واحدة منهن الأخرى , وألا يعمدن الى أغواء الزبائن الذين اعتادوا معاشرة فتاة محددة . ليس لأن قلة الأحترام هذه غير مستحبة , بل لأن الأمور يمكن أن تتخذ منحى خطيرا . فى الأسبوع السابق , أخرجت فتاة كولومبية من محفظة يدها شفرة حلاقة ووضعتها فوق الكأس التى كانت تتناولها فتاة يوغلاسفية , ثم حذرتها بصوت هادئ , انها ستعمد الى تشطيب وجهها بشفرة الحلاقة ان هى استمرت فى قبولها دعوة أحد مديرى المصارف , وهو زبون دائم عندها . أجابتها اليوغوسلافية أن الرجل حر , وانه أختارها , ولا يمكنها بالتالى أن ترفض .

    هذا المساء , دخل الرجل المذكور . القى التحية على الكولومبية , ثم اتجه الى الطاولة حيث تجلس الفتاة الأخرى . تناولا المشروب ورقصا . ( كانت ماريا تراقبهما وترى أن اليوغسلافية تستفز بشكل واضح زميلاتها .كانت نظرتها الخاطفة تقول " هل رأيت , لم يخترك أنت , بل اخترانى أنا " .

    لكن هذه النظرة الخاطفة كانت تعنى أيضا أشياء كثيرة مبطنة اختارنى لأننى أجمل منك , ولأننى ذهبت معه الأسبوع الماضى وأعجبته مضاجعته لى , ولا،نى أكثر فتوة منك . لاذت الكولومبية بالصمت . وعندما رجعت الفتاة الصربية بعد ساعتين , جلست الكولومبية قربها , ثم أخرجت شفرة الحلاقة وشطبت بها وجهها عند الأذن , لكى تترك جرحاً يذكرها بهذه الليلة . فلا تعيد الكرة . اشتبكت الفتاتان وسالت الدماء وخرج الزبائن مذعورين .

    عندما وصلت الشرطة , أعلنت اليوغوسلافية ان وجهها شطب مصادفة , اذ سقط قدح زجاجى من أحد الرفوف وأصابها ( ليست هناك رفوف فى كوباكابانا ) كانت هذه قاعدة الصمت التى يتوجب اتباعها فى الحانة , وهذه القاعدة تسميها العاهرات الأيطاليات " أوميرتا " . اذ ان كل المشاكل , ابتدا بتلك الناتجة عن غيرة وانتهاء بحوداث الموت , يبث بشأنها , وتجد حلولا لها فى شارع برن , لكن دون تدخل السلطة القضائية , لأن شارع برن يمتلك قانونه الخاص به .

    كان رجال الشرطة يعرفون " الأوميرتا " ويعرفون أن المرأة كانت تكذب , لكنهم لم يصروا على المضى فى التحقيق , لان هذا سيجعل المكلف السويسرى مسؤؤلا عن الأعباء المالية الباهظة التى يستوجبها التوقيف والمحاكمة . وجه اليهم ميلان شكره بالنظر الى سرعة تدخلهم , قائلا " ان كل ما حصل مجرد سوء فهم أو مؤامرة يدبرها أحد المنافسين له " .

    عندما خرج رجال الشرطة , طلب ميلان الى الفتاتين مغادرة المكان وعدم الرجوع للعمل فى حانته . قال لهما ان " كوباكابانا " مؤسسة عائلية فى اخر الأمر ( وهذا تعريف لم تستطع ماريا فهم معناه ) . وانه كان حريصا كل الحرص على سمعته وعلى الدفاع عنها ( وهذا يحيرها أيضا ) . لا وجود اذن لخصومات أو مشاجرات , فالقاعدة الأولى هى احترام الزبون , والقاعدة الثانية هى التكتم المطلق ( تمثلا بقانون سرية المصارف فى سويسرا ) , لا سيما وأنه يمكن الوثوق بالزبائن الذين ينتقيهم ميلان بعناية , كما يتم اختيار زبائن المصرف ليس فقط تبعاً لحسابهم الجارى , بل أيضا لأخلاقهم الحسنة وعاداتهم المستقيمة .
    على الرغم من براعة ميلان فى اختيار زبائنه , فان الأمر لا يخلو أحيانا من التباس فى المواقف أو سؤء الفهم . كذلك قد يرفض أحيانا أحد الزبائن تستعيد ما يتوجب عليه أو قد يوجه تهديدآ لأحدى الفتيات أو يعتدى عليها . منذ أن أنشأ ميلان " كوباكابانا " وهو يختار زبائنه وفقآ لمعايير خاصة به , ويشق على الفتيات تحديدها أو معرفتها . كن يلاحظن أن ميلان كان يبدو مجافيا لكثير من الرجال الأنيقين ويحاول أبعادهم عن الحانة بعبارات شتى , فيما يستقبل بحرارة زبائن غير خليقين , ويرتدون بذلات رياضية , ويدعوهم الى تناول كأس من الشمبانيا .

    لم يكن صاحب " الكوباكابانا " ليحكم على الناس من خلال المظاهر , وهذا كان يجنبه الوقوع فى أخطاء كثيرة .

    لابد من كل علاقة تجارية ناجحة أن تبنى على رضى الطرفين . كانت أكثرية الزبائن الذين يأتون الى الحانة متزوجين أو يشغلون وظائف مهمة فى الشركات . وكانت بعض النسوة اللواتى يعملن هناك متزوجات ولديهن أطفال , ويشاركن فى حضور أجتماعات مجالس الأهالى فى المدرسة , وهن واثقات أن عملهن لا يورطهن بشئ على الصعيد الأجتماعى , لأن رب العائلة الذى يتردد الى الحانة سيكون هو أيضا متورطا ومجبرا على لزوم جانب الصمت .
    وهذا أيضاً وجه أخر لنظام " الأوميرتا " الذى يعمل به هناك .

    أما العلاقة بين الفتيات , فكانت تقتصر على الزمالة فقط دون الصداقة , فلا تستفيض أحداهن فى الكلام عن حياتها الشخصية . وخلال الأحاديث القليلة التى أجرتها ماريا مع زميلاتها , اكتشفت انهن لم يعانين من أى شعوربالمرارة او النب أو الحزن , بل يعانين فقط من الخضوع والأستسلام . لكنها كانت تلمح فى أعينهن نظرة تحد غريبة وكانهن كن فخورات بأنفسهن , ويواجهن العالم بأستقلالية وثقة .

    ما ان تقضى الوافدة الجديدة أسبوعا فى " كوباكابانا " حتى تعد محترفة وتتلقى التعليمات التى يجب عليها اتباعها , وهى : احترام العلاقات الزوجية ( لا يمكن للعاهرة أن تشكل تهديداً لاستقرار الأسرة ) , عدم الموافقة على المواعيد خارج دوام العمل , الأصغاء الى اعترافات الزبائن دون أن تتدخل فيما لا يعنيها , التأوه لحظة بلوغ الرجال النشوة , القاء التحية على رجال الشرطة فى الشارع , حيازة بطاقة عمل كاملة , اجراء فحوص طبية منظمة , وأخيرا عدم الخوض فى النواحى الأخلاقية أو القانونية للمهنة . لقد اختارت العاهرات طريقهن بأنفسهن , ونقطة على السطر .

    قبل أن يزدحم المكان بالزبائن وتبلغ أجواء السهرة مداها , كانت ماريا تشاهد دوما وفى يدها كتاب تقرأه . باتت معروفة بصفتها " مثقفة " الفريق . فى البداية , رغبت الفتيات فى أن يعرفن نوعية الكتب التى تقرأها . لكن , بما أن هذه الكتب لا تروى قصص حب , بل تتناول فقط موضوعات جادة وغير مهمة لهن , كالاقتصاد وعلم النفس وأدراة المزارع , آثرت الفتيات أن يتركنها بسلام , تتابع أبحاثها وتدون ملاحظاتها .

    كان لدى ماريا الكثير من الزبائن الدائمين , وكانت تذهب الى " كوباكابانا " كل يوم حتى فى الأمسيات التى تكون فيها الحركة الخفيفة . لذا , اكتسبت ثقة ميلان , وأثارت غيرة رفيقاتها اللواتى أخذن يشيعن فيما بينهن أن هذه البرازيلية طموحة ومذعية ولا هم لها الا كسب المال . فى أى حال , لم يكن مخطئات بخصوص النقطة الاخيرة . ومع ذلك , رغبت ماريا فى أن تسألهن أولا ينسحب الأمر عليهن أيضا ؟ الا يعملن هنا للهدف نفسه ؟

    لكن الثرثرة لا تقتل , بل هى ضريبة النجاح . ومن الأفضل لماريا أن تتجاهلهن وتنحصر اهتمامها فى هدفين , العودة الى البرازيل فى الوقت المحدد , وانشاء مزرعة .

    كان رالف هارت يشغل أيضاً تفكيرها من الصباح حتى المساء . أحست لأول مرة فى حياتها أنها قادرة على الأستمتاع بغياب الحبيب . لكنها كانت نادمة قليلا , لأنها أفصحت له عن مشاعرها فى المرة السابقة , وقالت له انها تحبه . وفى هذا أظهرت تهورا لأنها تجازف بأن تخسر كل شئ . لكن ما الذى ستخسره ما دامت لا تطلب شيئا بالمقابل ؟ تذكرت خفقان قلبها وانفعالها العارم عندما أشار ميلان الى رالف على أنه " زبون غير عادى " . شعرت عندئذ بالغيرة وبأنها خدعت فى الصميم .

    صحيح أن الحياة علمت ماريا أن من غير المجدى الأعتقاد بأنه فى الامكان أمتلاك الأخر , ويخدع نفسه من يعتقد ذلك . لكن الغيرة أمر طبيعى . ومهما أسترسلنا فى قراءة النظريات التى تدحض الغيرة أو تقول بأنها دليل هشاشة وضعف , فأننا لا نستطيع أبدا التوصل الى لجم هذا الشعور او التغلب عليه .


    الحب الأكبر هو الحب القادر على أظهار هشاشته وضعفه . فى أى حال , اذا كان حبها حقيقيآ ( وليس فقط وسيلة للتسلية وخداع النفس وتزجية الوقت الذى يتمطى الى ما لا نهاية فى هذه المدينة ) , فان الحرية ستتغلب فى النهاية على الغيرة والألم الذى تسببه هذه الغيرة . ذلك أن الألم يشكل عنصرآ من عناصر الحياة . ومن يزاول الرياضة يعرف ذلك جيداً , لانه , اذا أراد بلوغ اهدافه , فيجب عليه أن يكون مستعدا لتحمل جرعة يومية من الألم والشعور بالضيق .

    فالأنزعاج الذى يحسه فى البداية وتثبيط العزيمة ليسا الا مرحلة مؤقتة , ليحصل فيما بعد على الرضى والراحة , ويصبح الألم جزءا لا يتجزأ من مساء تطوره , لأن الرياضى , من دون الألم , لا يشعر أن التمرين قد أعطى النتيجة المرجوة .


    لكن الخطورة تكمن فى التوقف عند الألم دون غيره وأبداء الخشية منه وأطلاق التسميات المختلفة عليه . وقد تحرزت ماريا , ولله الحمد من هذه الهواجس . ومع ذلك , لا تزال التساؤلات المزعجة تقض مضجعها . ترى أين هو رالف ؟ لماذا لا يأتى لأصطحابى ؟ هل وجدنى غبية عندما تخيلت قصة المحطة ؟ هل خسرته الى الأبد , لأنى اعترفت له بحبى ؟ لكنها أرادت الا تتحول هذه المشاعر الجميلة الى عذاب , فابتدعت وسيلة للتجنب ذلك . حين تستعيد ذكرى علاقتها الأيجابية برالف , النار فى المدفأة والنبيذ , والتحدث اليه , والرغبة اللذيذة التى تعتريها لمجرد التفكير فى موعد رجوعه , كان يتضاءل فى عينيها ما تفعله , وتبتسم لللسماء , وتشكرها على أنها حية ترزق , وانها لا تنتظر شيئا من الرجل الذى تحبه .


    وحين كانت أفكارها تعذبها وتخشى أن تفتقده وتستاء من البلاهات التى تفوهت بها عندما كانا معآ , كانت تقول لنفسها " ما بالك ؟ هل تريدين التفكير بذلك ؟ حسنا , كما تريدين , نزولا عند رغبتك . أما أنا فسأكرس وقتى لأمور أهم " . عندئذ تقرر أن تواصل القراءة , أو تتجول فى الشارع , وهى تولى انتباها لكل ما يحيط بها , الألوان , الناس , الأصوات , بخاصة الأصوات , وقع الأقدام , ضجيج السيارات , حفيف الصفحات وهى تقلبها , شذرات الأحاديث . وعندئذ تمحى الافكار السلبية من ذهنها . واذا ما عادت الى الظهور , تعيد ماريا ما فعلته الى أن تبتعد الذكريات المعذبة, بلطف ولوقت طويل .

    كان يعذبها مثلا أن تتخيل أنها لن ترى رالف مجددآ . لكن ماريا أستطاعت , بقليل من التمرس وكثير من الصير , أن تحول هذه الفكرة وتجعلها " أيجابية " ! حين نرحل , سيكون لجنيف وجه , وجه هذا الرجل بشعره الطويل وتسريحته القديمة , بابتسامته الطفولية وصوته الثخين . واذا سألها أحد , بعد سنوات لاحقة , عن المكان الذى تعرفت اليه فى شبابها , فسوف تجيب " جميل وقادر على أن يحب ويكون محبوباً " .



    * * * * *



    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها ذات يوم كانت فيه الحركة خفيفة فى الحانة :

    عاشرت الكثير الكثير من الناس الذين يأتون الى هنا وخلصت الى التنيجة التالية , وهى أن الجنس يصير كأى نوع من انواع المخدرات , وسيلة للهروب من الواقع ونسيان المصاعب والاسترخاء . لكن الجنس , شأنه شأن المخدرات كلها , ممارسة مؤذية ومدمرة .

    اذا رغب فى أن يصير مدمنا سواء من خلال الجنس أم من خلال أى وسيلة أخرى , فهو حر , لأن عواقب افعاله ستكون مرتبطة بالخيارات التى سيتخذها . لكن اذا رغب أحد فى أن يسير دما فى الحياة ويرتقى , فعليه أن يدرك الفرق بين ما هو جيد , وما هو أفضل .

    الجنس , بخلاف ما يظن الزبائن الذين عائرتهم , لا يمكن ممارسته فى أى وقت . يوجد فى كل منا منبه داخلى , وحين يريد شخصان أن يمارسا الحب , فمن الضرورى أن تشير عقاربهما الى الساعة نفسها فى الوقت نفسه . وهذا لا يحدث كل يوم , لأن من يحب لا يشعر أن الحال ستؤدى به الى الفعل الجنسى , وأن من دونه لا يمكن أن تستقيم احوالنا .

    أن الشخصين المتحابي يجب عليهما أن ينظما عقارب الساعة بصبر وثبات من خلال أطلاق العنان لخيالهما فى استنباط التسليات الطريفة وابتكار التمثيليات الصغيرة التى من شأنها أن تؤجج الرغبة . وعليهما أيضا ان يفهما أن الجنس هو اكثر من لقاء . أنه اتحاد جسدى عن طريق الأعضاء التناسلية .

    وهكذا يرتدى كل شئ طابع الأهمية . ان الكائن الذى يعيش حبه بشغف يشعر أنه كمن يبلغ النشوة الجنسية طوال الوقت ولا ينقصه الجنس . اذا حدث وأقام اتصالا جنسياً , فهذا لأن هناك فيضا داخله , لأن الأناء أمتلاوبات يفيض بما فيه , ولأنه يتقبل نداء الحياة . لأنه فى هذه اللحظة , هذه اللحظة بالذات , لم يعد قادرآ على احتواء هذا الفيض .


    * * * * *


    بعدما فرغت ماريا من كتابة هذه الكلمات بوقت قصير , توجهت الى الحانة . وفيما كانت تتهيأ لقضاء سهرة جديدة تؤدى فيها دور " الأم الحنون " أو " الفتاة الصغيرة الساذجة " فَتح باب " كوباكابانا " ودخل تيرنس .

    بدأ ميلان خلف البار مرتاحآ , لم تخيبه الفتاة فى المرة السابقة اذن . حين رأت ماريا تيرنس تذكرت حالا هذه الكلمات التى تعنى الكثير والتى بقى معناها بالنسبة اليها غامضاً , " الألم " العذاب والكثير من اللذة .

    - اتيت من لندن خصيصاً لرؤيتك . فكرت فيك كثيرآ .

    ابتسمت محاولة ألا تكون ابتسامتها مشجعة . هذه المرة أيضا , لم يكن وفيآ للطقوس , ولم يدغها لتناول كأس ولا للرقص , بل جلس بكل بساطة .

    - عندما يحث الأستاذ تلميذه على اكتشاف أمر ما , يجد أنه يشارك التلميذ آيضا فى هذا الأكتشاف .

    أجابت ماريا :

    - أعرف ماذا تقصد .

    كانت ماريا تفكر فى رالف وتشعر أن التفكير فيه يغيظها , فيما هى تواجه أحد الزبائن , وينبغى لها أحترامه وفعل كل ما بوسعها لأرضائه .

    - هل تريدين الذهاب أبعد من المرة السابقة ؟

    فكرت ماريا , ألف فرنك , عالم مستتر يدعوها لأكتشافه , صاحب الحانة ينظر اليها , تستطيع التوقف فى عملها ساعة تشاء , التاريخ المحدد للعودة الى البرازيل , رجل فى حياتها ولا يعلن عن مبادرة نحوها ...

    سالت ماريا :

    - هل أنت على عجلة من أمرك ؟

    أجاب نفسا . لكن ماذا تريد هذه الفتاة ؟
    - اريد أن أشرب كوب العصير , وأنهى رقصتى, وأبدى احتراما لطقوس مهنتى . بدا مترددا قليلا . لكن أن يهيمن الأنسان أو أن يهيمن عليه , الا يشكلان كلاهما جزءا من التمثيلية ؟ سدد تيرنس الحساب , رقصا ثم نادى سائق تاكسى . أنقذها الألف فرنك , وهما يجتازان المدينة . نزلا فى الفندق نفسه كما فى المرة السابقة , وحيا تيرنس الحارس الأيطالى , كما فى ذلك حين تعارفا , ثم دخلا الغرفة نفسها التى تطل على النهر .

    أشعل تيرنس عود ثقاب ,وعندئذ لاحظت ماريا أن شموعا لا تحصى تملأ الغرفة .

    قال تيرنس , وهو يضئ الشموع :

    - ماذا تريدين أن تعرفى ؟ لماذا أنا هكذا ؟ لماذا , أن لم أكن مخطئا , أعجبتك السهرة التى قضيناها معآ حتى الجنون ؟ هل تريدين أن تعرفى لماذا أنت أيضا هكذا ؟

    - هناك عادة شائعة فى البرازيل تقول بأنه لا ينبغى أضاءة أكثر من ثلاث شمعات بعود الثقاب نفسه . أنت لا تعمل بحسب هذه العادة .

    تجاهل تيرنس الملاحظة .

    - أنت مثلى . لا تأتين الى هنا من أجل الألف فرنك بل لأن لديك شعورا بالذنب مثلى وبالتبعية وفقدان الثقة بالنفس , ولأن لديك عقدآ كثيرة . وهذا ليس سيئا ولا جيدآ , هذه هى الطبيعة البشرية .

    أمسك بيده ألة التحكم عن بعد , وأدار جهاز التلفزيون وبذل بضع محطات ثم توقف عند محطة تبث نشرة أخبار وتعرض صورآ لبعض اللأجئين الهاربين .

    - هل ترين هذه الصور ؟ هل سبق لك أن رأيت البرامج التى يعرض فيها الناس مشكلاتهم الشخصية أمام الجميع ؟ هل ذهبت مرة الى كشك الصحف وقرأت العناوين الكبرى ؟ الجميع يغتبطون لمشاهد الألم والعذاب . ننظر اليها بروح السادية . نحن مازوشيوس فقط عندما نستنتج أننا لا نحتاج الى معرفة كل هذا الألم لتكون سعداء . ومع ذلك , نشاهد مأساة غيرنا بتلذذ , واحيانا نتعذب أثر ذلك .


    سكب كأسين من الشمبانيا . أطفا جهاز التلفزيون , واستأنف اضاءة الشموع دون أن يحفل بالمعتقد الذى حدثته عنه ماريا .

  14. #14
    العنود
    الصورة الرمزية شيرين
    الحالة : شيرين غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 172
    تاريخ التسجيل : Nov 2004
    الدولة : مدينتي الفاضلة !
    العمل : بيقولوا أصبحت ربة بيت :(
    المشاركات : 38,817
    التقييم : 10
    رواية " أحدى عشر دقيقة " رواية رائعة بحق ، و لكن على القارئ أن ينتبه إلى أن عليه أن يترك قشور الرواية ليصل إلى الهدف المرجو منها ..

    ،،،،،،،،،،

    شكرا لجهودك العميقة ام كنان

  15. #15
    رفيق سفر
    الحالة : ناديجدا غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1231
    تاريخ التسجيل : Dec 2006
    المشاركات : 2,763
    التقييم : 10
    إم كنان مشكورة ع جهودك وفعلا قد قمت بقراءتها وهي من القصص الرائعة ولكن هذه الرواية بحاجة إلى جيل ناضج فكريا وعقليا ومثقف
    لان الظاهر جنس بحت ومن يقرا يستنتج اكثر من هذا

  16. #16
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    - أعود وأكرر , انه الشرط الأنسانى , مد أن طردنا من الجنة , تتآلم أو نجعل الأخرين يتألمون . نراقب عذاب الأخرين ولا نستطيع أن نفعل شيئا .

    سمعا الرعود تقصف . يبدو أن هناك عاصفة هوجاء تقترب .

    قالت ماريا :

    - لا أقوى على أحتمال ذلك . يبدو لى مضحكآ ان أفكر أنك سيدى وأننى عبدتك . لا نحتاج لأى مسرج لنعرف معنى العذاب . فالحياة نفسها تمنحنا فرصا لا تحصى للتعرف اليه .

    أضيئت جميع الشموع . أخذ تيرنس شمعة ووضعها فى وسط الطاولة . سكب من جديد الشمبانيا وقدمها مع الكافيار . احتست ماريا كأسها , وهى تفكر فى الألف فرنك فى محفظة يدها , فى المجهول الذى ينتظرها , وهو يسحرها ويخفيها فى الوقت نفسه . لن تسنح لها فرصة أفضل للتغلب على مخاوفها . لن تكون السهرة مع هذا الرجل شبيهة بسابقاتها , ولن تتمكن من أخضاعه .

    - اجلسى .
    قالها بنبرة امتزجت فيها عذوبة الكلام بقسوته . اذعنت ماريا لطلبه . وعندئذ , سرت فى أوصالها موجة من الحرارة . كانت تألف هذا الأمر , وأحست انها أكثر أطمئنانا "أنه المسرح , يجب أن أدخل فى اللعبة " .

    كانت تشعر بالأرتياح عندما يتوجه اليه بصيغة الأمر . يجب الاتفكر , أن تطيع فقط . طلبت المزيد من الشمبانيا , لكنه أحضر زجاجة فودكا , والفودكا يسرى مفعولها بسرعة أكبر , وتحرر بسهولة ما هو مكبوت وتتلاءم اكثر مع الكافيار .

    فض خاتم الزجاجة . شرب ماريا وحدها فى الحقيقة . كان الرعد يقصف باستمرار , وكل شئ يساهم فى تهيئة الجو الملائم وكأن السموات والأرض أبتا الا أن تضفيا على جو اللقاء طابع العنف الذى نختزه فى حناياها .

    أخرج تيرنس من الخزانة صندوقآ صغيرى ووضعه على السرير .

    - لا تتحركى !

    أطاعت ماريا . فتح الصندوق , واخرج منه زوجين من الأصفاد المعدنية الملبسة بالكروم .

    - اجلسى منفرجة الساقين .

    أطاعت وهى متلذذة بعجزها , خاضعة لأنه يشتهيها , رأته ينظر بين ساقيها : يستطيع أن يرى سروالها الاسود وجواربهاه وفخذيها , ويراقب شعيرات عانتها وعضوها .

    - قفى !
    قفزت عن الكرسى فوجدت صعوبة فى الأبقاء على توازن جسدها , وعرفت أنها كانت ثملة أكثر مما تصورت .
    - لا تنظر الى . أبقى رأسك منخفضا احتراما لسيدك .

    قبل أن تنفذ الأوامر , لمحت سوطآ رفيعآ يخرج من الصندوق ويهتز فى الهواء مطلقآ , كأن روحآ تسكن فى داخله .

    تجرعت كأسا وكأسين وثلاثة من الفودكا . لم يعد هذا مسرحآ بل وقاعآ ماثلا أمامها , وهذا فوق طاقتها . أحسنت أنها مجرد شئ أداة بسيطة , وأن هذا الخضوع منحها الشعور بالحرية الكاملة , أنه أمر لا يصدق . لم تعد العشيقة , لم تعد المرأة التى تعلم وتؤاسى وتستمع الى الأعترافات وتثير الشهوة . لم تكن الا فتاة برازيلية من الريف أمام السلطة المطلقة للرجل .

    - اخلعى ملابسك .

    كان هذا أمرآ جافا لا رغبة فيه , ومع ذلك هو ايروتيكى الى أبعد حد . أبقت رأسها منخفضآ بأستمرار كعلامة على الأحترام والخضوع اللامتناهى . خلعت فستانها فانزلق حتى لامس الأرض .

    - أرايت أنك تتصرفين بشكل سيئ ؟

    ومن جديد اهتز السوط مصفقآ .

    - عليك أن تعاقبى . كيف تجرؤ فتاة فى مثل سنك على معارضتى عليك أن تركعى أمامى !

    تهيأت للركوع , لكن السوط منعها من ذلك وأخذت الضربات تنهال على جسدها وعلى مؤخرتها , تشعرها بالحريق لكنها تترك أثرآ على جسدها .

    - لم أقل لك أن تركعى ...هل قلت ذلك ؟
    - لا !

    وانهال السوط من جديد على مؤخرتها .

    - قولى لا سيدى .

    ومن جديد الضربات . ومن جديد الحريق . لثانية أو اقل . فكرت أنها قادرة على أنهاء كل شئ حالا , وقادرة أيضآ كل شئ حالا , وقادرة على أيضآ على الذهاب حتى النهاية , ليس من أجل المال , بل بسبب ما قاله تيرنس فى المرة السابقة , لا يعرف الكائن البشرى نفسه حقآ الا حين يبلغ حدوده القصوى .

    نت هذه ما تسمى " المغامرة " . فى هذه اللحظة , لم تعد ماريا الفتاة الشابة التى تصبو التى تحقيق أهدافها فى الحياة , التى تكسب المال من جسدها , التى تعرفت الى رجل يحكى لها قصصآ مثيرة أمام مدفأة . كانت لا أحد , وهذا أقصى ما حلمت به , أن تكون لا أحد .

    - اخلعى ملابسك , وامشى امامى لأستطيع أن أراك مليآ .

    أطاعت منخفضة الرأس دون أن تنبس بكلمة . كان الرجل يتفحصها باعصاب باردة , وهو لا يزال مرتديآ نيابه . لم يعد الكائن الذى التقته فى الحانة الليلية . كان أوليس( * ) لأنى من لندن , أو تيزيوس ( * ) النازل من السماء , الخطاف الذى يجتاح المدينة الأكثر أمانآ فى العالم , والقلب الأكثر قسوة وتوحشآ على وجه الأرض , خلعت " كيلوتها وسوتيانها " . وأحست أنها محمية وان كانت لا تمتلك وسيلة للدفاع عن نفسها . كان السوط يصفق فى الهواء دون أن يبلغ جسدها .

    - أحتفظى برأسك منخفضآ ! انت هنا لكى تذلى وتخضعى لكل رغباتى , مفهوم ؟

    - أجل سيدى .

    أمسك معصميها وغلهما بالأصفاد .
    - سترين العقاب الذى سأنزله بك ! الى أن تعرف كيف تتصرفين بطريقة لائقة .
    وبيده المبسوطة صفعها على مؤخرتها .
    هذه المرة صارخت ماريا , لأنها شعرت فعلا بالألم .
    - تعترضين , أليس كذلك ؟ حسنآ , سترين ما سأفعله بك .

    وقبل أن تأتى بحركة , جاء بكمامة جلدية وأطبق على فمها . لم يمنعها من الكلام تمامآ . كان لا يزال بأمكانها أن تقول " أصفر " , " أحمر " . لكن هذه الكمامة تسمح لهذا الرجل بأن يفعل بها ما يشاء , ولم تكن هناك وسيلة للهروب . كانت عارية , مكممة , مغلولة اليدين , والفودكا تسرى فى شرايينها ممزوجة بدمائها .

    ضربة جديدة على المؤخرة .

    - اذرعى الغرفة من جهة الى جهة !

    أخذت ماريا تمشى وهى تطيع الأوامر التى يوجهها لها " توقفى " , " أستديرى يمنيآ " , " أجلسى " , " افرجى ساقيك " . من وقت لأخر , ومن دون سبب , كانت تتلقى ضربة , وتشعر بالألم , وبأنها فى عالم اخر حيث أختفى كل شئ من حولها . كان هذا شعورآ شبه دينى , الأنحناء المطلق , الطاعة , فقدان الأحساس بالأنا والرغبة والأرادة . كان العرق يتصبب من جسدها , وكانت تشعر أنها مهتاجة من جديد , ولا تفهم ماذا يدور حولها ...

    - اركعى من جديد .
    بما أنها ظلت منخفضة الرأس دليلا على الطاعة والتواضع , لم تكن ماريا قادرة على رؤية ما يحدث بالضبط . كل ما استطاعت معرفته انها كانت فى عالم أخر وفى كوكب أخر , وأن هذا الرجل يلهث وراءها تعبا من الضرب بالسوط ووضربها على المؤخرة , فيما كانت تشعر انها تزداد قوة , وأنها مفعمة بالطاقة والحيوية . الان , لم تعد تشعر بالعار ولا بالانزعاج , من أن تظهر أن اللعبة أعجبتها . أخذت تتأؤه وتطلب اليه أن يلمس عضوها , لكن الرجل بدل أن يستجيب لطبها , أمسكها ورما ها على السرير .

    رماها بعنف , لكن ليس ذلك العنف الذى يسبب ألمآ , وأبعد ساقيها وأوثقهما الى جهتى السرير . كانت يداها مغلولتين بالأصفاد وموضوعتين وراء ظهرها وساقاها مبعدتين موثقتين , والكمامة فوق فمها . متى سيلجها ؟ ألا يرى أنها مستعدة وانها تريد أن تطيعه ,’ ان تكون عبدة له , كلبآ او شيئأ يمتلكه , وانها ستفعل ما يريد , كل ما يريد .

    - هل ترغبين فى أن أجعلك تتمتعين ؟

    وضع مقبض السوط على عضوها ومرره من أسفل الى أعلى . وفى اللحظة التى لامس فيها بظرها , فقدت كل سيطرة . لم تعد تعرف كم من الوقت فضيا هنا , ولا كم من المرات ضربها . وفجأة كانت هذه هى النشوة , النشوة التى لم يستطع عشرات , لا بل مئات الرجال أيقاظها طوال هذه الأشهر . كان هناك ضوء ينفجر فى داخلها , وشعرت ماريا انها تلج فجوة سوداء فى أعمق أعماق روحها , حيث الألم والخوف يمتزجان باللذة المطلقة , ويحملانها بعيدآ أبعد من كل الحدود التى عرفتها . كانت تتأوه وتطلف صرخة مخنوقة بسبب الكمامة وتنتفض فوق السرير وتشعر أن الأصفاد تدمى معصميها , وأن السير المقدود من جلد يجرح قدميها . كانت تنتفض وتتحرك كما لم تتحرك من قبل , بالضبط لأن لديها كمامة على فمها , ولأن أحدآ لا يستطيع سماعها . كان هذا هو الألم واللذة معى , ومقبض السوط يضغط على بظرها باطراد .
    وتدفقت النشوة من كل كيانها , من فمها وعضوها وعينيها وجميع مسام جلدها ....

    دخلت حالة من الرعدة . عندما خرجت منها تدريجيآ , كان السوط أختفى من بين ساقيها وشعرها مبللا , والعرق يتصبب من مسامها . انتزعت يدان ناعمتان الأصفاد , وحررت قدميها من السير الجلدى .

    بقيت هناك ممددة , مشوسة الذهن , غير قادرة على النظر الى الرجل لأنها كانت تخجل من نفسها , من صرخاتها ومن نشوتها , داعب شعرها وكان يلهث هو أيضاً , لكن اللذة كانت حصرآ من أجلها . لم يشعر هو بأى نشوة .

    كان جسدها العارى يلتصق بهذا الرجل الذى لا يزال فى كامل ثيابه , المرهق لفرط ما أصدر من الأوامر واطلق من الصرخات , وجهد نفسه للسيطرة على الوضع الأن . لم تعد تعرف ما ينبغى لها أن تقوله أو تفعله , لكنها شعرت أنها فى أمان , دعاها الرجل لكى يساعدها على بلوغ جانب خفى لم تعرفه فيها . كان حاميها وسيدها .

    أخذت تبكى , وانتظر بصبر وأناة الى ان هدأت .

    وقالت وهى تذرف دموعها , ماذا فعلت بى ؟

    - ما أردت أن افعله .

    نظرت اليه وشعرت أنها محتاجة اليه حتى حدود اليأس .

    - لم أرغمك على شئ , ولم أجبرك ولم أسمعك تقولين " اصفر " . كانت القدرة التى تحركنى نابعة من القدرة التى منحتنى أياها انت . لم يكن هناك ضغط ولا ابتزاز , انها استجابة لرغبتك . حتى لو كنت العبدة وكنت أنا السيد , كنت أدفعك لتبلغى حريتك أنت بالذات .

    رات الأصفاد والقدر الجلدية التى وضعت فى القدمين . لا , كانت الاهانة اقوى وأكثر حدة من الألم . ومع ذلك , كان تيرنس على حق لانها تشعر انها حرة تمامآ , وأنها مفعمة بالطاقة والحيوية . لكنها فؤجئت حين رأت أن الرجل قربها كان منهكآ .

    - هل تمتعت ؟
    - لا . السيد هنا ليرغم العبد ويخضعه . لذة العبد فرحة السيد .

    لم يعد لكل ذلك معنى . كان هذا عالمآ من الفانتا سمات التى لم تكن موجودة فى الكتب ولا علاقة لها بالحياة الواقعية . كانت ماريا مفعمة بالضوء فيما بدا الرجل ضعيفآ مفرغاً .

    -بامكانك الرحيل ساعة ما تشائين .
    - لا اريد الرحيل . اريد أن افهم .

    نهضت بكامل عريها البهى , وسكبت كأسين من النبيذ . ثم أشعلت سيجارتين , أعطته واحدة واحتفظت لنفسها بالأخرى . كان الأدوار مقلوبة : السيدة تخدم العبد , وتكافئه على اللذة التى منحها أياه .

    - سأرتدى ثيابى ثم أرحل . لكن قبل أن أفعل ذلك أريد أن نتكلم قليلا .
    - ليس هناك ما يقال . هذه كانت رغبتك وكنت رائعة . أنا متعب وعلى الذهاب غدآ الى لندن .

    تمدد وأغمض عينيه . لم تكن ماريا تعرف اذا كان يتظاهر بالنوم أم لا , لكن لا بأس فى ذلك . دخنت سيجارتها بلذة , وأحتست ببطء كأس النبيذ أمام النافذة ووجهها ملتصق بالزجاج , تراقب البحيرة وترغب فى أن يراها أحد هكذا , عارية , مفعمة , مشبعة , واثقة بنفسها .

    ارتدت ثيابها , وخرجت دون أن تودعه , ودون ان تدعوه ليفتح الباب بنفسه . لم تعد لهذه العادة أهمية , وهى ليس أكيدة انها ترغب فى العودة .

    سمع تيرنس الباب يغلق . انتظر لبضع دقائق ليرى ما اذا كانت ماريا يترجع مختلقة ذريعة ما , ثم نهض وأشعل سيجارة .

    أخذ يفكر بأن هذه الفتاة تملك أسلوبآ خاصآ بها . تحملت السوط وهو اسلوب التعذيب الأكثر شيوعآ والأقدم والاقل ايلامآ . تذكر حين قام لأول مرة بأختبار هذه العلاقة الغامضة بين كائنين يرغبان فى الاقتراب أحدهما من الأخر , لكنهما لا يتوصلان الى ذلك الا اذا أخضعنا أحدهما للأخر للتعذيب بالتناوب .

    فى الخارج , كان هناك الملايين من البشر الذين يمارسون كل يوم , وعلى غير علم منهم , فن المازوشية السادية , يتلذذون بتعذيب أنفسه وتعذيب الأخرين . يذهبون الى العمل ويعودون الى بيوتهم متذمرين من كل شئ . الرجل يعتدى على المرأة , والمرأة تعتدى على الرجل . ويشعر الجميع بأنهم تعساء , لكنههم يتلذذون بتعاستهم , يلتصقون بها بطريق لا تنفصم عرها , لكنهم لا يدركون أنه يكفى أن يقوموا بحركة أو عبارة ليتحرزوا من الأضطهاد . عرف تيرنس ذلك مع زوجته , وهى مغنية أنكليزية شهيرة . عرف عذاب الغيرى التى أزقته . كان يتشاجر مع زوجته طوال الوقت , ويقضى نهاراته تحت تأثير المهدئات , وليالية ثملا يعاقر الخمرة . كانت زوجته تحبه ولا تفهم تصرفاته . وكان يحبها ولا يفهم معنى تصرف بالذات . لكن بدا الامر وكأن الألام التى ينزلها أحدهما بالأخر ضرورية لأستمرار علاقتهما , وجوهرية فى حياتهما معآ .

    ذات يوم , نسى أحد المؤلفين الموسيقيين , وهو رجل كان يبدو لتيرنس طبيعيآ للغاية أكثر مما يمكن أن يكونه فنان , نسى كتابا فى الأستوديو " فينوس المرتدية الفرو " وكاتبه يدعى ليوبولد فون ساخر – مازوخ . تصفح تيرنس الكتاب , وكلما تقدم فى قراءته , فهم ذاته بشكل أفضل .

    " خلعت المرأة الجميلة ملابسها , وأمسكت سوطآ طويلا له مقبض صغير ولفته حول معصمها , قالت لعشيقها " طلبت الى أن أجلدك , وهذا ما سأفعله " . فهمس عشيقها قائلا " أجلدينى , أتوسل اليك " .

    كانت زوجة تيرنس فى الجهة الأخرى من الحاجز الزجاجى فى الأستوديو , منصرفة تمامآ للتمرن على الغناء من أجل الحفلة المقبلة .
    طلبت من التقنيين أن يقطعوا الميرفون الذى يسمح بسماع كل شئ , ونفذات أوامرها . اعتقد بيرنس أنها فعلت ذلك لتضرب موعدا مع عازف البيانو دون ا، يسمعها احد . ثم انتبه لتصرفه وشكوكه المريرة بسبب الغيرة المجنونة التى تثيرها فيه زوجته , لكنه كان قد اعتاد العذاب , ولم يعد يستطيع العيش من دونه .

    تذكر كلام المرأة فى الرواية التى كانت بي يديه , عندما خلعت ملابسها وقالت " سأجلدك " . فأجابها العشيق " أجلدينى , أتوسل اليك " .

    كان تيرنس رجلا جميلا ويتمتع بنفوذ كبير فى مؤسسة اسطواناته , فما حاجته اذن ليعيش حياة كهذه ؟

    لكنه يحب العذاب , ويستحقه , لأن الحياة كريمة معه , ولم يكن جدير آ بكل هذه النغم , من مال واحرتام وشهرة . وقد وصل فى مهنته الى مستوى رفيع , ويشعر أن كل شئ متوقف على أحراز النجاح المتواصل . وهذا ما كان يقلقه أيضا , لا،ه سبق له أن رأى ناسآ كثيرين فى قمة الشهرة يسقطون من عليائهم .

    قرأ الكتاب حتى أخر جملة , ثم أخذ يتوسع فى أبحاثه ويقرأ كل ما يتصل بالعلاقة الغامضة التى تربط الألم باللذة . عثرت زوجته على أفلام الفيديو التى أستأجرها , والكتب التى خبأها , وسألته ما معنى هذا كل , وهل كان مريضاً . أكد تيرنس لها أنها أبحاث تقوم بها وتساعده فى انجاز عمل جديد . واقترح عليها دون أن يبدو عليه أدنى أهتمام " لن نخسر شيئا اذا حاولنا " .

    حاولا , بخجل كبير فى البداية , ملتجئين فقط الى الكتب الوجيزة الموجودة فى متجر الخلاعيات . ثم أخذا يطوران تقنياتهما شيئا فشيئى , وتوصلا الى بلوغ حدود خطرة فى المسألة , لكنهما كانا يشعران ان زواجهما يزداد متأنة , وانهما شريكان فى سر محزن وملعون .

    توسعا فى تجربتهما لتشمل فنونآ أخرى , أطلقآ موضة جديدة , ملابس جلدية مكبسة بالمسامير الحديدية . كانت زوجته ترتدى جزمة جلدية وتحمل رباط الجوارب . وتدخل حلبة المسرح وفى يدها السوط فتفتن الجمهور حتى الهذيان . احتلت اسطوانتها الجديدة المرتبة الأولى فى " الهيت – باراد , بانكلترا " وأحرزت نجاحآ منقطع النظير فى جميع انحاء أوروبا . فوجئ تيرنس بردود فعل الشباب , واكتشف انهم يتقبلون بسهولة غير متوقعة شطحاته الشخصية .

    بد له أن العنف الذى يكبتونه فى داخلهم كان يعبر عن نفسه بهذه الطريقة , بحدة , ولكن لا تصل الى الى حدود الأذى والخطورة .

    اصبح السوط رمز الفريق . وطبع على الأقمصة , وجرى استخدامه فى الوشوم والملصقات الصغيرة وبطاقات البريد . كان تيرنس يمتاز بنشأة ثقافية وفكرية مختلفة , مما دفعه الى التعمق فى هذه المسألة بأطراد , وذلك بهدف أن يفهم نفسه أكثر .

    وبخلاف ما قاله للعاهرة , لم يكن لذلك علاقة بالنادمين على خطاياهم , طالبى المغفرة الذى أرادوا التضحية وتعذيب أنفسهم فى سبيل أبعاد الطاعون الأسود . منذ أول الازمنة والأنسان يعرف أن ترويض الألم هو جواز المرور الى الحرية .

    كان هناك أعتقاد سائد فى مصر وروما وبلاد فارس , فحواه أن الأنسان يجب أن يضحى بنفسه من أجل انقاذ بلاده ولعالم . وكان أمبراطور الصين , ما ان تحدث كارثة طبيعية , حتى يعاقب لأن يمثل الألوهية على الأرض . وكان المحاربون الأشداء والأكثر بسالة فى أسبارطة واليونان القديمة يجلدون مرة فى السنة , من الصباح حتى المساء , أكراما للالهة أرتيميس , فيما كانت الحشود المجمعة تشجعهم بهتافاتها وصرخاتها على تحمل الألم بكرامة , لأن هذا الألم يعدهم بشكل أفضل لمواجهة الحروب الأتية . وعند أنتهاء النهار , كان الكهنة يتفحصون الأثار التى تركتها الجراح على ظهورهم , ويقرأون فى خطوطها مستقبل المدينة .

    كان " آباء الصحراء " وهم ينتمون الى رهبنة قديمة فى القرن الرابع عشر يقع ديرها فى منطقة قريبة من الأسكندرية , يلجأون الى جلد أنفسهم , لكى يدحروا الشياطين , أو يبرهنوا تفوق الروح على الجسد فى السعى الروحى . كما ان تاريخ القديسين حافل بالأمثلة على ذلك . كانت القديسة روز تركض فى حقل من الشوك والقديس دومينيك لوريكاتوس يجلد نفسه كل مساء قبل النوم . وكان الشهداء يستسلمون طوعآ للموت البطئ على خشبة الصليب أو للحيوانات المفترسة كى تلتهمهم . كانوا جميعآ على يقين بأن تجاوز الألم يقودهم الى حالة الأنخطاف والنشوة الروحية .

    ثمة دراسات راهنة غير مثبتة علميآ , تؤكد أن نوعا من الفطر , ذى المزايا المسببة للهلوسة ينمو على الجراح , ويثير بالتالى الرؤى .
    وكانت اللذة التى يتركها تعذيب النفس عارمة لدرجة أن هذه الممارسة لم تقتصر فقط على الأديرة , بل تعدتها لتنتشر فى العالم أجمع .

    فى العالم 1718 , صدر كتاب عنوانه " مبحث فى جلد الذات " , وهو يتحدث عن كيفية اكتشاف اللذة عبر الألم , دون باذى جسدى . وفى نهاية القرن الثامن عشر , كانت هناك أمكنة كثيرة . فى جميع أنحاء أوروبا يتردد اليها الناس , سعيآ وراء اكتشاف المتعة عبر الألم . ووفقآ لأرشيفات , فقد ظهرت لدى بعض الملوك والملكات عادة تقضى بجعل خدامهم يصربونهم . ثم اكتشفوا انه يمكن أن نشعر باللذة ليس فقط من خلال تلقى الألم بل من خلال ممارسته على الأخريين , مع ان تلك الممارسة كانت اكثر ارهاقا واقل توفيرآ للمتعة .

    كانت تيرنس يدخن سيجارته وهو يشعر برضى لدى تفكيره ان الجزء الأكبر من البشرية كان عاجزى عن فهم أفكاره . وهذا أفضل , لانه بذلك يستطيع أن يكون فخورآ بانتمائه الى ناد مغلق لا يمكن الا للنخبة وحدها دخوله . تذكر كيف أن عذابه فى الزواج تحول الى انبهاء دائم . كانت زوجته تعرف الهدف من زياراته الى جنيف , ولم تكن منزعجة , بل على العكس كانت سعيدة
    بأن يحصل زوجها , فى هذا العالم المريض , على المكأفاة المرجؤة بعد أسبوع من العمل المضنى .

    فكر ان الفتاة التى خرجت لتوها من غرفته قد فهمت كل شئ , وان ورحيهما متقاربان . شعر بحضورها الطاغى , رغم أنه ليس مستعدى للوقوع فى الحب لأنه مغرم بزوجته . لكن راق له التفكير أن يمارس حريته على أكمل وجه وأن يحلم بعلاقة جديدة .

    بقيت التجربة الأصعب , أن يجعل " فينوس ذات الفرو " ملكة , سيدة قادرة على أذلاله ومعاقبته دون رحمة . واذا نجحت فى الاختبار , فسيكون جاهزآ ليفتح لها قلبه , ويسمح لها بالدخول اليه .



    * * * * *

  17. #17
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    هذا ما دونته ماريا فى يومياتها وهى لا تزال تحت تأثير الفودكا واللذة :

    " عندما لم يعد لدى ما أفقده , نلت كل شئ , عندما توقفت عن أن أكون ما كنته , وجدت نفسى . عندما عرفت الذل والخضوع التام , صرت حرة . لا أعرف أن كنت مريضة , ان كان كل هذا لحمآ أو شيئآ يحدث مرة واحدة . أعرف أننى أستطيع العيش من دونه , لكن أحب أن ألتقيه ثانية , وأعيد التجربة وأمضى ابعد وأبعد فيها .


    كنت خائفة قليلا من الألم , الا انه كان أقل قوة من المذلة , لم يكن الا ذريعة . عندما بلغت رعشتى الجنسية الأولى منذ أشهر , وبعد كل هؤلاء الرجال الذين عاشرتهم وكل ما فعلوه بجسدى , أحسست – ويا للعجبا – أننى أقرب الى نفسى . تذكرت ما قاله بخصوص الطاعون الأسود , عندما كان جلادو أنفسهم يمنحون عذاباتهم من أجل خلاص البشرية , ويجدون فيها لذة . لم أكن أريد انقاذ البشرية , ولا هو , ولا نفسى . كنت حاضرو فقط أمام ذاتى وبقوة .

    الجنس هو فن السيطرة على فقدان السيطرة .


    * * * * *



    ليس الأمر مسرحية , كانت ماريا ورالف فى المحطة فعلا بناء على طلب من ماريا التى أرادت الذهاب الى هناك . سمحت لنفسها بهذه النزوة , لا ضير فى ذلك لتناول صنف من بيتزا ! أستعذبت مذاقه . ليت رالف وصل قبل يوم فقط , عندما كانت تشعر أنها أمرأة تسعى الى الحب والرغبة ونار المدفأة والنبيذ ! لكن الحياة قزرت بشكل مختلف وأتخذت مسارا اخر . لم تعد اليوم بحاجة لأن تركز اهتمامها على الأصوات وعلى اللحظة الحاضرة لتنسى العذاب الذى يتسببه الحنين الى رالف . والسبب أن رالف لم يخطر على بالها للحظة واحدة لأكتشافها أشياء أخرى تثير اهتمامها أكثر .

    ما العمل اذن مع هذا الرجل الجالس قربها يلتهم البيتزا ؟ لعله لا يحبها وينتظر بفارغ الصبر أن يذهب بها الى بيته ؟ عندما دخل الى " كوباكابانا " ودعاها لتناول كأس , فكرت أن تقول له أن الأمر قد انتهى , وانه يستطيع أن يبحث عن فتاة أخرى . لكنها شعرت برغبة عارمة للتحدث مع أحدهم عن سهرتها السابقة .

    حاولت أن تتحدث عن الموضوع مع بعض العاهرات اللواتى كن يعاشرن زبائن غير عاديين , لكن جميعهن غيرن الموضوع . ومن بين كل الرجال الذين تعرفهم , كان رالف هارت الوحيد الذى بامكانه أن يفهمها , لا سيما وأن ميلان كان يصنفه من الزبائن غير العاديين . نظر اليها رالف بعينين تلتمعان شوقآ , وهذا صعب , الامور عليها , ورأت أن من الأفضل عدم التحدث فى ذلك .

    - ماذا تعرف عن " الألم والعذاب والكثير من اللذة ؟ .

    مرة أخرى , لم تستطع السيطرة على نفسها , وتفوهت بما كانت تريد أن تكلمه قبل قليل .

    توقف رالف عن تناول الطعام .

    - أعرف كل شئ , وهذا لا يثير اهتمامى .

    كان الجواب خاطفآ وكانت ماريا مصدومة . الجميع يعرفون كل شئ عن الموضوع , ما عداها , يا الهى اى عالم هذا الذى أعيش فيه ؟

    تابع رالف كلامه :

    - صارت شياطينى وظلماتى وذهبت حتى النهاية . اختبرت كل شئ , وليس فقط فى هذا الميدان , بل فى ميادين اخرى كثيرة . ومع ذلك , حين تواجهنا فى المرة السابقة , وجدت حدودى غير اللذة , وليس عبر الألم .

    غصت فى أعماق نفسى , وأدركت أننى لا أزال أصبو للحصول على اكبر قدر ممكن من الأشياء الحلوة فى الحياة , وهى كثيرة .

    كان رابغآ فى أن يقول لها " وانت أحد هذه الأشياء الجميلة التى أصبو اليها . لذا . أتوسل اليك ألا تسيرى فى هذه الطريق , لكنه لم يملك الشجاعة على قول ذلك . عندما وصلا الى الساحة , نادى سائق تاكسى , وطلب اليه أن يقلهما الى ضفة البحيرة . حيث مشيئا سوية يوم تعارفا للمرة الأولى , وبدا لماريا أن أبدية تفصلها عن ذلك اللقاء .

    فؤجئت ماريا بشعورها لكنها حافظت على هدوئها . كانت غريزتها تقول لها ان لا يزال أمامها الكثير لتخسره , رغم ان روحها ما برحت منتشية بما حدث البارحة .

    لم تخرج من ذهولها الا عندما وصلا الى ضفة البحيرة . كان الوقت لا يزال صيفآ , لكن الطقس يميل الى البرودة فور حلول الظلام .

    سألته عندما نزل من السيارة :

    - ماذا نفعل هنا ؟ الهواء بارد , سأصاب بالزكام .
    - فكرت بكلماتك كثيرآ , العذاب واللذة , أخلعى حذاءك .

    تذكرت أن أجد زبائنها طلب اليها الشئ نفسه , وانه كان مستثارآ فقط لمجرد النظر الى قدميها . ألن تدعها " المغامرة " فى سلام اذن ؟

    - سأصاب بالبرد .

    اصر رالف على قوله :

    - أفعلى ما أقوله لك . لن تصابى بالبرد اذا بقيت وقتآ قصيرآ هنا . ثقى بى كما انا اثق بك .
    أدركت ماريا أنه كان يريد مساعدتها . لعل تجربته فى الحياة أوسع بكثير مما عرفته . لعله شرب كثيرآ من مياه بالغة المرارة , وأراد تجنيبها الخطر الذى تعرض له من قبل . لكنها لم تكن ترغب فى أن يساعدها أحد . كانت راضية بعالمها الجديد , حيث العذاب لم يعد مشكلة . ومع ذلك , فكرت فى البرازيل وتخلت عن حلمها فى لقاء شريك تواجه معه عالمآ بهذا الأختلاف . وبما أن البرازيل صارت أهم شئ فى حياتها , فقد خلعت حذاءها . مشت على الأرض المغطاة بحجارة صغيرة فتمزقت جواربها . لا أهمية لذلك , تستطيع أ، تشترى بدلا منها .

    - اخلعى سترتك .

    بامكانها ان ترفض , لكنها منذ البارحة اعتادت ان تقول بفرح " نعم لكل شئ " . خلعت سترتها , لم يتأثر جسدها بالبرد فى الحال , ولكن تدريجيآ أخذ البرد يزعجها .

    - فلنمش ولنتحدث .
    - هنا مستحيل , الأرض مكسوة بالحجارة .
    - لكن هذا ما أردته بالضبط , أن تتحسسى هذه الحجارة , وأن تسبب لك الألم , وأن تدمى قدميك . جزيت دون شك العذاب المقرون باللذة , كما جربته أنا , واريد أن أنتزع هذا الشعور من روحك .

    رغبت ماريا فى أن تقول له , غير مجد ما تفعله لأن الامر لتحبنى . لكنها أخذت تمشى ببطء بسبب البرد والحجارة الحادة الزوايا التى كانت تجرح راحتى قدميها .

    - ذهبت الى اليابان لأعرض لوحاتى , حين كنت متورطاً بكليتى فى ما تسميه العذاب , الأهانة والكثير من اللذة . كنت أعتقد أن هذه الطريق لا رجوع منها , وأننى اتوغل فيها أكثر فأكثر , وانه لم يتبق لى من رغبة أخرى فى هذه الحياة سوى أن أعاقب , وأنا أعاقب .

    كلنا بشر , وجميعنا يرافقنا الأحساس بالذنب منذ ولادتنا , وتخاف عندما نشعر أن السعادة باتت فى متناول أيدينا . ويداهمنا الموت ونحن لا نزال نرغب فى أن نعاقب الأخرين , لاننا نشعر أننا عاجزون باستمرار , مظلومون , تعساء . أليس تكفير المرء عن خطاياه . وقدرته على معاقبة الخطأة . امرآ لذيذآ ؟ أجل , هذا رائع .

    كانت ماريا تمشى , وكان الألم والبرد يفوتان عليها فرصة الأنتباه الذى توليه لكلمات رالف , رغم كل جهودها فى تخطى هذ العذاب .

    - اليوم , لاحظت الأثار على معصميك .

    يقصد اثار الأصفاد . مع أنها ارتدت عدى أساور لكى تخفيها عن الأنظار . لكن عينى رالف المنتبهتين دوما لا يخفى عليها شئ .

    - وأقول لك أخيرآ , انك اذا كنت مقتنعة بأن ما اختبرته مؤخرآ يدفعك للذهاب فى هذه الطريق , فأنا لا أمنعك . لكن أعلمى أن لا علاقة لهذا بالحياة الواقعية ....

    - قلت هذه الطريق ؟
    - أقصد طريق الألم واللذة . السادية والمازوشسة . سمى ذلك ما شئت . اذا كنت مقتنعة أن هذه هى طريقك , فلن أمنعك , لكنى سأتعذب حين أتذكر أشتهاءك , ولقائى بك , والنزهة على طريق مار يعقوب , و " الضوء " المنبعق منك . سأحتفظ بالقلم الذى اهديتنى اياه فى مكان خاص , وسأذكرك كلما أشعلت النار فى المدفأة . لكنى لن أعود الى رؤيتك ثانية .

    أحست ماريا بالخوف , حان الوقت لتتراجع , لتقول الحقيقة وتتوقف عن التظاهر بأنها ملقة أكثر منه فى هذا الموضوع .

    - التجربة التى قمت بها مؤخرا – البارحة لكى أكون صريحة معك تماما – لم أقم بها من قبل ..ما يخيفينى أن أجد نفسى على شفير الفساد والأنحلال .

    صار الكلام صعباً . كانت أسنانها تصطك وقدماها ترتجفان .

    واصل رالف كلامه , وكأنه لا يصغى الى ما تقوله :

    - أقمت معرضى فى منطقة تدعى " كومانا " ذات يوم جاء حطاب لزيارة المعرض , لم تعجبه لوحاتى , لكنه أستطاع أن يدرك عبر الرسوم ما كنت أعيشه وأحسه . فى اليوم التالى , جاء لزيارتى فى الفندق , وسالنى اذا كنت سعيدآ . قال لى اذا كنت سعيدآ فعلى أن اواصل السعى بحثى عما أحبه . واذا كنت تعيساً فعلى مرافقته وقضاء بضعة أيام معه . ارغمنى على المشى فوق الحجارة , كما أفعل الان معك , وجعلنى أدرك روعة الألم . لكن الألم الذى احسسته كانت الطبيعة تمارسه على الأنسان ولا يمارسه أنسان على أخر . كان هذا الطقس يدعى " شوغان دو " وهى ممارسة ترقى الى آلاف السنين .

    قال لى اننى كنت رجلا لا يهاب الألم وهذا شئ جيد . ذلك أن ترويض الروح يمر عبر ترويض الجسد . لكن المشكلة , فى رأيه , اننى أستخدم الألم بطريقة خاطئة , وهذا سيئ جدا .
    كان ذلك الحطاب الامى يعتقد أنه يعرفنى أفضل مما أعرف نفسى . وهذا ما أثار غيظى . الا اننى شعرت بالفخر , لأن لوحاتى تستطيع ان تعبر عما احسه , ويفهمها كل الناس .

    شعرت ماريا ان حجراً أكثر حدة من الحجارة الاخرى جرح قدميها . لكن البرد كان أقوى من كل شئ. كادت عروقها تتجمد من شدة الصقيع , وشق عليها الأستماع الى أقوال رالف , لماذا لا يهتم الرجال فى هذا العالم اللعين الا بالكلام على الألم معها , الألم المقدس , الألم المقترن باللذة , الألم مع ايضاحات أو من دونها , لكن دائمى الألم , ولا شئ الاه ....

    أدمى حجر أخر قدمها الجريحة . كتمت ألامها على مضض , وواصلت تقدمها . فى البداية , حاولت الحفاظ على رباطة جأشها , وعلى تماسكها المطلق , وعلى الضوء المنبعث منها . ها هى الان تمشى فيما معدتها تضطرب , وأفكارها تدور مكانها , شعرت انها ستتقيأ , قررت التوقف . كل ما تفعله غير مجد , وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف .

    لم تتوقف احتراما لكبريائها . كانت قادرة على مواصلة هذه الرحلة حافية القدمين , مستغرقة ما تتطلبه من وقت , لانها سرعان ما تبغ نهاياتها , لانها لن تدوم طوال الحياة . وفجأة , فطرت لها فكرة أخرى : ماذا لو لم تستطع الذهاب غدا الى " كوباكابانا " بسبب الندوب الخطيرة , أو الحمى القوية التى قد يسببها الزكام المحتم ؟ أخذت تفكر بالزبائن الذين ينتظرونها , بميلان الذى يثق بها كثيرآ , بالمال الذى لن تكسبه , بمزرعتها المقبلة , بأهله الفخورين بها . لكن الألم سرعان ما ابعد كل هذه الخواطر , وأخذت تمشى متعثرة الخطوات , تنتظر بفارغ الصبر أن يعترف رالف هارت بأنها بذلك قصاراها , ويقول لها ان هذا يكفى , وانها تستطيع ارتداء حذائها من جديد .

    بيد أن رالف بدا بعيدى غير مكترث . كانت تلك طريقته الوحيدة لتحريرها من هذه الأشياء التى تجهلها وتسحرها فى أن , لكنها ستترك فى النفس دمارآ وجراحا أعمق من الكدوم التى أحدثتها الأصفاد . كانت تعرف انه يحاول مساعدتها , وتبذل جهودآ مضنية لاثبات قوة أرادتها . لكن الألم قطع عليها كل الأفكار التى راودتها , دنست كانت أم نبيلة . وحده الألم يحتل فضاء كيانها اذن يرعبها , يرغمها على الأعتراف بأن هناك حدودآ لا يمكن تجاوزها ...
    لكنها قامت بخطوة .
    ثم بأخرى .
    وبدا الألم , وكأنه يجتاح نفسها ويضعفها روحياً . فالقيام بمسرحية صغيرة فى فندق من خمس نجوم , وهى عارية أمام كأس الفودكا وطبق من الكافيار شئ , والمشى فى البرد وقدماها حافيتان تجزهما على الحجارة الناتئة شئ اخر . شعرت أنها مضطربة الذهن , ولا تقوى على التفوه بكلمة واحدة أمام هارت . كان عالمها مقتصرا فقط على الحجارة الصغيرة الحاذة التى ترسم دربها بين الأشجار .

    وفيما كانت على أهبة الأستسلام , أجتاحها شعور غريب , شعور بانها تجاوزت الحد , وباتت تطفو على مساحة فارغة , وبدا لها أنها عائمة فوق نفسها غافلة عما تحس به . أيكون هذا الشعور هو ما أحمل به طالبو المغفرة الذين حدثها عنهم تيرنس . أكتشفت فى الجهة الأخرى من الألم بابا يقضى الى طبقة اخرى من الوعى , حيث لا مكان للطبيعية التى لا ترحم ولا تقهر .

    أصبح كل شئ من حولها ضبابيا وكأنها فى حلم : المنتزه المضاء بشكل سيئ , البحيرة القاتمة , الرجل الصامت , المتنزهون الذين لا يلاحظوا انها كانت حافية القدمين وتتعثر فى مشيتها ...

    هل كان هذا بفعل البرد أم الألم ؟ وفجأة , فقدت حاسة الشعور , وانتقلت الى حالة انتقى فيها كل احساس بالرغبة أو الخوف اعتراها احساس غامض لا تدرى ماذا تسقيه ؟ انه " سلام غامض . لم يكن الحد الذى بلغه الألم هو الحد الأقصى , وباستطاعتها ان تذهب أبعد من ذلك .

    فكرت بكل الكائنات البشرية التى تتعذب بصمت دون أن تفتعل الألم كما هى تفتعله الأن . هذا أيضا لا يهمها . المهم أنها تخطت حدود جسدها , ولم يتبق من الان فصاعدا الا الروح " الضوء " . انه مجرد فراغ , دعاه أحدهم الجنة ذات يوم . ثمة آلام لا تنسى الا اذا كانت لدينا القدرة على تجاوز أثارها .

    المشهد الثانى الذى تذكرته هو حين أخذها رالف بين ذراعيه . خلع سترته ووضعها على كتفيها . تداعت أرضا بسبب البرد . قلما بهم . كانت سعيدة ولم تكن خائفة . عليها أن تنتصر , ولن تذل نفسها أمام هذا الرجل .




    * * * * *

  18. #18
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    أصبحت الدقائق ساعات . لابد أنها غفت بين ذراعيه . حين أستفاقت وجدت نفسها , وكان الوقت لا يزال ليلا , فى غرفة تحوى فى أحدى زواياها , جهاز تلفزيون , ولا شى اخر , غرفة بيضاء , فارغة .

    ظهر رالف يحمل كوبا من الشيكولاتة الساخنة .

    قال :
    - حسنا , وصلت بك حيث أردت الوصول .
    -لا أريد شوكولاته , أريد نبيذا . اريد أن اذهب الى غرفتنا , وارى المدفأة والكتب المبعثرة أرضاً .

    قالت " غرفتنا " تفؤهت بهذه الكلمة سهوا .

    نظرت الى قدميها . وما عدا الجرح الصغير , لم يكن هناك الا ندوب حمراء سرعان ما تختفى فى وقت قصير . نزلت الدرج على شئ من الشقة . وذهبت لتجلس فى أحدى الزوايا على السجادة قرب المدفأة . كان هذا المكان يريحها , وكأنه خصص لها فى هذا البيت .

    - قال لى هذا الحطاب انه عندما نقوم بتمرين جسدى ونسعى الى انتزاع كل الطاقة من جسدنا , تكتسب الروح عندئذ قوة غريبة تشبه " الضوء " الذى رأيته فيك , أخبرينى ماذا شعرت ؟

    - أن الألم صديق المرأة .
    - هذا خطر .
    - وأن الألم له حدود .
    - هذا هو الخلاص . لا تنسى ذلك .

    كانت أفكار ماريا لا تزال مشوشة . أحست بهذا . " السلام " عندها ذهبت ابعد مما تحتمل . أكتشفت شكلا جديدآ من العذاب . وهذا منحها لذة غريبة .

    تناول رالف كرتونآ للرسم , وبسطه أمامها قائلا :

    - هذه هى قصة الدعارة . طلبت الى أن استعلم عن الوضوح يوم تعارفنا .
    أجل , تذكرت أنها طلبت اليه ذلك بهدف التسلية وتزجية الوقت , أو ليكون الأمر مدخلا
    لأستعراض ذكائها . أما الأن , فلم يعد لذلك أى أهمية .
    - فى الأيام الأخيرة , شعرت طوال الوقت أننى اسبح فى مياه مجهولة . لم أكن أعتقد أن
    هناك تاريخيآ لهذه الظاهرة . كل ما أعرفه أنها أقدم مهنة فى التاريخ . لكن تاريخيها
    موجود , وهناك قصتان .
    - وهذه الرسوم ؟
    شعر بقليل من الخيبة , لأنها لم تفهم كلامه . ثم أضاف .
    - رسمت على الورق الأشياء التى استلهمتها , كنت أقرا وأقوم بالأبحاث وأتعلم .
    - نتكلم عن هذا فى يوم أخر . أما اليوم , فلا أريد أن اغير الموضوع . اريد أن افهم الألم .
    عانيت الألم البارحة , واكتشفت انه يقودك الى اللذة . وعانيته اليوم وشعرت أنك وجدت السلام . لذا أقول لك , لا تتعوديه , انه مخدر خطير ندمته . انه يواكبنا فى حياتنا اليومية وفى عذابنا الخفى , فى استسلامنا وفى انهيار أحلامنا , لكننا تحمل الحب مسؤللية الأمدا على الدوام . الألم مخيف عندما يكشف عن وجهه الحقيقى , لكنه ساحر عندما يكون تعبيرآ عن التضحية او التخلى عن الذات أو الجبن . يستطيع الكائن البشرى أن يتجنب الألم , كما يستطيع أن يجعله ملاذة الأمين , ويسعى لأن يجعله جزءا من حياته .

    - لااعتقد ذلك , لا أحد يرغب فى العذاب ...
    - اذا استطعت ان تفهمى أنك قادرة على العيش دون عذاب , فهذا يعنى أنك قمت بخطوة كبيرة الى الأمام . لكن لا تظنى أن الأخرين سيحذون حذواك . لا أحد يرغب فى العذاب . ومع ذلك , فان الجميع أو الغالبية العظمى , يبحثون عن الألم والتضحية فى عيون أولادهم وأزواجهم والله . فنتخل عن التفكير بذلك الان . أعلمى فقط أن ما يحرك الكون ليس السعى وراء اللذة , بل التخلى عن كل ما هو جوهرى . ألا يذهب الجندى الى الحري ليقتل العدو ؟

    لا , يذهب ليموت فناء بلاده . ألا تحب المرأة أن تعبر لزوجها عن الحد الذى تشعر معه بالرضى والاكتفاء ؟ لا , تريد أن يرى الى أى حد تتفانى ونتعذب لكى يكون سعيدآ . الا يذهب الزوج الى العمل وهو يسعى لأن يحقق تألقه الشخصى ؟ لا , يبذل عرقه ودموعه من أجل عائلته , وهكذا دواليك . يتخلى الأولاد عن أحلامهم لكى يدخلوا السرور الى قلوب أهاليهم . ويتخلى الأهل عن الحياة ليدخلوا السرور الى قلوب اولادهم . ويصبح الألم والعذاب الدليل على ذلك الشئ . الذى يفترض به الا يؤذى الا الى الفرح , وهو الحب .

    - توقف .

    توقف رالف , حان الوقت لتغيير الموضوع من جديد . أخرج الرسوم التى أنجزها الواحد تلو الأخر . بدا كل شئ مشوشا أول الامر . كانت هناك شخصيات مرسومة , ولكن أيضا خربشات وألوان وخطوط متوترة أو هندسية . ثم بدأت ماريا تفهم تدريجيا ما كان يقوله , لانه كان يرافق كل كلمة بحركة من يده , وكل جميله تعيدها الى العالم الذى تنكرت له , مع انها نتتمى اليه , متذرعة أن ذلك العالم لا يشكل الا مرحلة مؤقتة من حياتها , ووسيلة لكسب المال , ليس ألا .

    - أكتشفت أن هناك قصتين للدعارة لا قصة واحدة . الأولى تعرفينها لأنها تشبه قصتك تماما : تكتشفت فتاة جميلة , ولأسباب عديدة أختارتها او فرضت عليها , أن الطريقة الوحيدة لتكسب رزقها هى فى أن يشبع جسدها . وتوصلت بعض العاهرات , من خلال هذه الوسيلة , للسيطرة على أمم فى التاريخ , هناك ميسالين فى روما , وأخريات تحولن الى أسطورة مثل مدام دوبارى , أو ارغتهن المغامرة , لكنهن كن سيئات الحظ مثل الجاسوسة ماتاهارى . ألا أن معظمهن لم يعرفن لحظة مجد واحدة , ولا واجهن تحديات كبيرة .

    بل بقين الى الأبد الفتيات اللواتى كن يسعين وراء الشهرة والزوج والمغامرة , ثم اصطدمت بواقع مختلف , قال بهن الأم الى الأستسلام للواقع , والتآلف معه , فانههارت أحلامهن بالسيطرة عليه , ولم يتوصلن لأنه يفعلن شيئا اخر . منذ أكثر من ثلاثة ألاف سنة , والفنانون يتفننون فى صنع المنحوتات والرسوم واللوحات والكتب , والعاهرات يقمن بعملهن منذ الأزل , وكأن شيئا لم يتغير . هل تريدين أن أحدثك عن تفاصيل أخرى ؟

    وافقت ماريا بأشارة من رأسها . لكن لا يزال همها أن تفهم الألم , وأن يتسنى لها الوقت لذلك , شعرت أن شيئا مؤذيا شريرا خرج من جسدها , فيما كان تمشى فى المتنزه .

    - هناك دومآ اشارة الى العاهرات فى النصوص القديمة , فى الرسوم الهيروغليفية المصرى وفى الكتابات السومرية وفى العهدين القديم والجديد . لكن المهنة لم تنتظم الا فى القرن السادس قبل المسيح , عندما أنشا المشترع سولون المواخير التى تشرف عليها الدولة , وقام بفرض ضريبة على الأتجار بالجسد . لقى هذا الأجراء ارتياحاً فى صفوف رجال الأعمال فى اثينا , لأن هذه التجارة التى كانت محرمة , صارت شرعية . أما العاهرات فكن يصنفن وفقآ للضرائب التى يدفعنها . هناك العاهرة الأقل ثمنآ وتدعى ( Pone ) . وهى عبدة يملكها أصحاب المواخير . ثم تأتى العاهرة التى تجد زبائنها فى الشارع وتدعى Perirpatetike) ) . وأخيرى العاهرة التى تأتى فى الصدراة من حيث النوعية , والمبلغ الذى يدفع لها وتدعى ( ( Hetnifa..أى الأنثى الرقيقة .

    وهى ترافق رجال الأعمال فى أسفارهم وتتردد الى المطاعم الفخمة , وتتمتع بالسيادة المطلقة على أموالها , وتسدى النصائح , وتتدخل فى حياة المدينة السياسية . كما رأيت , ما كان موجودا بالأمس لا يزال مستمرآ حتى اليوم . فى القرون الوسطى وبسبب الأمراض الجنسية المعدية ...

    ساد الصمت , النار فى المدفأة تدفئ جسد ماريا وروحها . لم تكن ماريا تريد الأستماع الى هذه القصة التى تشعرها أن العالم توقف عن الدوران , وان كل شئ يتكرر دون أن يتوصل الأنسان ابدى لان يبؤى ( الجنس ) المكانة التى يستحقها .

    -لا يبدو أن الموضوع يثيرأهتمامك .

    قالت ماريا , وهى تريد أن تكون صريحة لا سيما وانها قررت أن تبوح لهذا الرجل بكل مكنونات قلبها ( مع أنها لم تعد الأن أكيدة من شئ ) .

    - لست مهتمة بما مر معى من قبل , لأنه يبعث أحزانى الدفينة . قلت لى ان هناك قصة أخرى .
    - القصة الأخرى مخالفة كليا لأولى , وهى الدعارة المقدسة .

    وفجأة خرجت ماريا من حالة الحذر التى استسلمت لها , واستجمعت قواها لتصغى بانتباه , ماذا يقول ؟ الدعارة المقدسة ؟ كيف بالأمكان كسب المال عن طريق الجنس , والأقتراب من الله , فى الوقت نفسه ؟

    - كتب المؤرخ هيروديتس فى معرض حديثه عن بابل العبارات التالية :

    " كان هناك عادة غريبة فى سومر , كانت كل أمراة مرغمة أن تذهب مرة على الأقل فى حياتها الى معبد الألهة عشتار وتسلم جسدها لمجهول يزور الميدنة , كعلامة على حسن الضيافة , مقابل مبلغ رمزى تتقاضاه .

    فكرت ماريا فى ان تعرف أكثر عن هذه الألهة . لعل هذا يساعدها هى أيضا , على استعادة شئ فقدته ولم تعد تذكره .

    - انتقل تأثير عشتار الى انحاء الشرق الأوسط كلها , وبلغ حدود سردينيا وصقلية فيما بعد . لكن , فى ظل الأمبراطورية الرومانية . كانت هناك الهة أخرى تدعى فسنا , وهى تفرض اما العذرية التامة , واما العطاء التام .

  19. #19
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    كانت النسوة فى معبدها مسؤولات عن حراسة شعلة النار المقدسة . ولأجل ذلك يؤكل اليهن تلقين الشباب والملوك أصول الجنس , وينشدن الأناشيد الأيروتيكية , وتصيبهن الرعدة . ويقدمن نشوتهن الى الكون , باعتبارها شكلا من أشكال الأتصال بالألوهية .

    عرض رالف على ماريا نسخة تحوى كتابة قديمة ومقرونة بالترجمة الألمانية فى اسفل الصفحة .

    حين جلست عند باب الحانة .
    أناء الألهة عشتار
    انا العاهرة الأم
    رغم أنك تسقوننى بالموت .
    انا ما تبحثون عنه
    انا ما وجدتموه
    وما نشرتموه
    والان تجمعون أشلائى المبعثرة

    غضت ماريا بريقها , وأخذ رالف يضحك . رجعت الى حيويتها المعهودة . وبدا الضوء يلتمع فى عينيها من جديد . من الأفضل أن يكمل رال فالقصة ويظهر لها الرسوم , ويستمر فى ان يشعرها بأنه محور أهتمامه .

    - لا أحد يعرف السبب الذى ادى الى اختفاء الدعارة المقدسة , بعد أن انتشرت مدة الفى سنة على الأقل . قد يكون السبب الأمراض أو المجتمع الذى عمل على تغيير قوانينه مع تغير الأديان . اختفت الدعارة المقدسة الى الأبد . فى أيامنا هذه , الرجال يحكمون العالم , وكلمة " عاهرة " تستخدم للنيل من كل امراة لا تتبع الطريق القويم .

    - هل بامكانك المجئ الى " كوباكابانا " غدا ؟

    لم يفهم رال ما يرمى اليه السول , لكنه وافق فى الحال .




    * * * * *

    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها ذلك المساء , حين مشت حافية القدمين فى الحديقة الأنكليزية بجنيف :

    " قلما يهمنى أن يعاد أحياء الدعارة المقدسة ذات يوم . لكنى اكره ما افعله لانه يدمر روحى ويمنعنى من التقاء ذاتى , ويعلمنى ان الألم مكأفاة , وأن المال يشترى كل شئ , ويبرر كل شئ . لا أحد ينعم بالسعادة من حولى , لا الزبائن لأنهم يعرفون أنهم مجبرون على دفع المال مقابل أمر كان يمكن أن يحصلوا عليه مجانا , وهذا أمر محبط , ولا النساء لانهم يعرفن أنهم يبعن ما كن يرغبن فى ان يمنحنه بفرح ومحبة , وهذا الأمر مدمر .

    حاربت نفسى كثيرآ قبل أن أكتب هذه الكلمات وقبل أن اعترف وأقول اننى تعيسة وغير راضية . كنت فى حاجة الى الصمود بضعة أسابيع بعد . لكن لم يعد بأمكانى أن افعل ذلك بطمأنينة كما فى السابق , وكأن كل شئ طبيعى , أو كان ما يحصل مجرد مرحلة فى حياتى لا تلبث أن تزول . اريد أن انسى كل ذلك . أنا فى حاجة الى الحب , فقط الى الحب .

    الحياة أقصر أو أطول من أن اجيز لنفسى أن اعيشها على هذا الوجه البالغ السوء .


    * * * * *



    لم يكن اللقاء فى بيته ولا فى شقتها , لا فى البرازيل ولا فى سويسرا , بل فى فندق لا تنطبق عليه مواصفات المكان المحدد : أثاثه كأنه خارج حدود الزمن , وديكوره الأليف مختلف عن كل طابع معهود .

    لم يكن يشبه بشئ الفندق المطل على البحيرة الذى يذكرها بالألم والعذاب الممزوج باللذة . تشرف نوافذه على طريق مار يعقوب , وهى طريق يقصدها الحجاج سعيى وراء غايات شتى , لا تقتصر على طلب المغفرة والتكفير عن الخطايا فحسب , بل على جانبيها يتلاقى الناس فى المقاهى ويتحدثون ويتصادقون ويكتشفون " الضوء الكامن فيهم , بعدما كان محتجبآ عن بصائرهم , ويتحابون ....

    انها تمطر . الشارع مقفر فى هذه الساعة من الليل . لعل الطريق ترتاح الان من كل الأقدام التى عبرتها كل يوم على مر العصور .

    أشعل النور , واسدلت الستائر .

    طلب أليها أن تخلغ ملابسها وكذلك فعل . حتى الان لم يسبق لها ان رأته عاريا , كانت هى الوحيدة التى عرت جزءآ صغيرة من جسدها . كان ينبعث من القاعة نور خافت . ما لبثت عينا ماريا أن اعتادنا الضوء الخفيف المتسرى من مكان مجهول , واستطاعت ان تبصر قامة الرجل الذى تحبه .

    أخرج منديلان مطويان بعناية مغسولان بالماء ومجففان جيدآ حتى لا يبقى عليهما اثر لعطر أو لصابون . تقترب منه وتطلب اليه أن يعصب عينيها . يرمقهعا بنظرات حائرة ويردد كلمات مفادها أنه اجتاز الجحيم مرات عدة . تؤكد له أن كل ما تبتغيه هو العتمة الكاملة فقط بعيدى عن الجحيم , وانه جاء دورها لتعلمه شيئا , بعد ما علمها البارحة درسآ فى الألم . يطيعيها ويعصب عينيها . وهى تعصب عينيه . الأن , لم يعد هناك أى ضوء , انها العتمة الكاملة . يمسك أحدهما بالأخر ويمشيان حتى السرير .

    لا , لا يفترض بنا ان نستلقى او نتمدد . يجب ان نجلس منا نفعل دائمآ , وجها لوجه, ويتقرب أحدنا من الىخر حتى تتلامس ركبتانا .

    غير أنها رغبت دوما فى القيام بما تفعله الان ولم تتسن لها الفرصة , لا مع حبيبها الأول , ولا مع حبيبها الذى الذى أفقدها عذريتها , ولا مع العربى الذى تقاضت منه مبلغ الف فرنك وهو يؤمل النفس بأن تمنحه أقصى ما هى قادرة عليه – مع ان الألف فرنك مبلغ لا يكفى لتشترى ما كانت تشتهية – ولا مع الرجال الكثيرين الذين تناوبوا على اعتلاء جسدها وتزاحموا على استباحة فخذيها جيئة وذهابا , وهم أيانا لا يفكرون الا بأنفسهم , أو احيانا أخرى يسعون لكسب ودها أو أمتلاك قلبها , أما تسيطر عليهم أحلام رومنطيقية , واما تحركهم غريزة ممارسة العمل الجنسى تكرارآ , قبل لهم أنه ينبغى للرجل ان يتصرف على هذا النحو , وانه اذا انتهك هذه القاعدة فهو ليس برجل .

    تذكرت ماريا ما دونته فى يومياتها . لم تعد تستطيع الأستمرار فى ما تفعله . رغبت فى ان تمر الأسابيع التى تبقت لها فى سويسرا بسرعة . لهذا السبب بالذات , أى لأن الايام المتبقية هنا باتت معدودة , فأنها تمنح نفسها لهذا الرجل . هنا يكمن الضوء الذى يستنير به حبها السرى . ليست الخطيئة الأصلية فى ان حواء اكلت التفاحة , بل فى انها كانت بحاجة لكى تتقاسم مع أدم الأنفعالات التى أحست بها لحظة ارتكابها الفعل المحزم . خات حواء ان تواصل سلوط الطريق دون ان يساعدها أحد .

    ثمة أشياء لا يمكن تقاسمها مع أحد , وتبقى ملكنا وحدنا , وهى سر حريتنا . يجب الا نخاف من المحيطات التى اخترنا الغوص فيها بكامل ارادتنا , لأن الخوف يفسد اللعبة كلها , والأنسان يواجه الجحيم مرات عدة ليدرك هذه الحقيقة . لنحب بعضنا بعضآ , لكن لمنخل عن سعينا المتداول لأمتلاك بعضنا لبعض .

    أحب هذا الرجل الجالس قربى لأننى لا امتلكه ولأنه لا يمتلكنى . ليدنا الحرية الكاملة لأن يهب واحدنا نفسه لأخر . وعلى أن أعيد هذه الكلمات عشرات , مئات , لا بل ملايين المرات, الى ان اقتنع بها أنا نفسى , وتصبح يقينآ مرادفآ للحقيقة .

    فكرت بالعاهرات اللواتى يعملن معها , بأمها وبصديقاتها . جميعهن يعتقدن ان الرجال لا يعيشون الا من أجل الأحدى عشرة دقيقة فى اليوم , وأنهم مستعدون لأنفاق ما ملكت ايديهم للحصول على المتعة التى توفرها المضاجعة . لكن هذا غير صحيح , اذ يمتلك الرجل بعضآ من الأنوثة داخله ويتوق الى اللقاء الغرامى بحد ذاته ليضفى على حياته معنى جديدآ .

    أيعقل أن تكون أمها قد تصرفت مثلها خلال الممارسة الجنسية مع أبيها . فتظاهرت ببلوغ النشوة لم تبلغها فى الحقيقة ؟. ترى الا يزال محرمآ على أمرأة من داخل البرازيل أن تبوح بأنها استمتعت فى ممارسة العمل الجنسى وبلغت فيه ذروة النشوة ؟ تعرف ماريا أشياء قليلة عن الحياة والحب , لكنها الان تكتشف معصوبة العينين مصدر الأشياء كلها , هذا يبدأ كل شئ , حيث يفترض به أن يبدأ , حيث أحبت أن يبدأ .

    عندما تلامسا , فى العتمة الكاملة , نسيت العاهرة والزبائن وامها وأباها . كانت قد قضت فترة ما بعد الظهيرة نتساءل عما بامكانها ان تفعل لتسعد رجلا أعاد اليها كرامتها , وأفهمها أن البحث عن السعادة يفوق فى أهميته الأهمية التى نوليها للألم وضرورته فى حياتنا .

    اريد أن يجعلنى اكتشف شيئا جديدآ , لان هذا ما يسعده . بالأمس أظهر لى سر العذاب , وحكى لى قصة الدعارة والعاهرات , عاهرات الشارع والعاهرات المقدسات . يسعده أن يعلمنى . فليرشدنى اذن وليعاملنى . اريد أن اعرف كيف يبلغ الجسد نشوته قبل الروح , الأيلاج والمتعة .

    مدت ذراعها نحوه , وطلبت اليه أن يحذو حذوها . دمدمت بعض الكلمات , هذا المساء , فى هذا المكان المجهول المنسئ الذى لا طابع له , أريد أن يتلمس جلدى , وهو الحد الفاصل بينى وبين العالم .

    سالته أن يتحسسها بيديه , لأن الأجساد تتفاهم قبل الأرواح , أن يلمسها وتلمسه متجنبين المناطق المثيرة فى جسديهما , وكأنهما يتعقدان ذلك لكى يطيلا أمد الرغبة البطيئة المتمهلة , لا تلك التى تشعر فيها الطاقة الجنسية باندفاع لا رجوع منه .

    لامست أصابعه وجهها فاشتقت فيها رائحة الأصباغ , رائحة معاندة لا يستطيع ازالتها , حتى لو غسل يديه ملايين المرات , رائحة رافقته منذ الولادة , منذ أن لمح أول شجرة , أول بيت , ورسمها فى أحلامه . وهو أيضاً لا يدر أنه أشتم رائحة ما فى يديها , لكنها تجهل مصدرها , ولا تريد أن تعرف , لان كل شئ يصير جسدها فى هذه اللحظة , والباقى صمتآ . تتداعب جسده ويداعب جسدها , وبامكانها ان تبقى هكذا طوال الليل , لأن هذا ممتع ولذيذ ولا يفضى بالضرورة الى اى فعل جنسى . وفجأة , لأن الامر كذلك , لأنها حرة ولا تمارس ضغوط عليها ولا اكراه , أحست بحرارة تسرى بين فخذيها , وبأن عضوها رطب . بعد قليل , سيلامس عضوها ويجده رطبآ . ولا بأس أن كان ذلك جيدى أم سيئآ . المهم أن جسدها يتفاعل بهذه الطريقة , ولا تنوى ان تقود الرجل فى خطواته , كأن تقول له مثلا ألمسنى هنا أو هناك , بطريقة أبطأ أو بأيقاع أسرع ...

    ها ان يدى الرجل تتجهان الان الى تحت ابطيها فينتصب وبر ذراعها . تريد أبعاد يديه لانها تشعر بالألم . داعبته فى المكان ذاته . لاحظت أن ملمس البشرة تحت ابطيه مختلف تمامآ عنها, هل السبب مزيل الرائحة الذى يستعمله ؟ لكن ما بالها تفكر على هذا النحو ؟ يجب الا تفكر بشئ أطلاقا . يجب أن تلمس جسده بيديها ...هذا كل شئ .

    رسمت أصابعه دوائر حول نهدها , كما يرسم الحيوان المفترس الدوائر حول الفريسة التى يتربص بها . ودت لو تتحرك أصابعه بسرعة أكبر فتلامس حلمتها . تستبق أفكارها لمساته . لعله يتباطآ فى حركاته لكى يستفزها فتسرى اللذة على مهل مؤجلة الفعل الجنسى الى ما لا نهاية , تنتصب حلمتاها . يعبث بهما قليلا . يقشعر شعربدها ويذوب عضوها رغبة . يجيل الأن اصابعه ويمررها حول بطنها نزولا حتى ساقيها وقدميها . يدخل يديه بين ساقيها , ويتحسس حرارتها دون أن يقترب لمساته عذبة , خفيفية , ذات خفة هاذية .

    تعيد اللمسات التى مررها على جسدها الى جسده , تلامس يداها شعيرات ساقيه وتتحسس الحرارة المنبعثة من عضوه . ثم , وكأنها استعادت فجأة عذارتها بطريقة غامضة دفينة , أو كأنها تكتشف جسد الرجل لأول مرة , تلمس عضوه . كأن اقل صلابة مما تصورت , فيما عضوها رطب تمامآ . انها مفارقة غريبة , هل يحتاج الرجل لوقت أطول كى تستفيق شهوته ويبلغ انتصابه التام ؟ من يدرى !

    تتلمس جسده كما يمكن للعذارى وحدهن أن يفعلن ذلك . فالعاهرات نسين أصول المداعبة الحقيقية . يتأثر الرجل ويتضخم عضوه , فتزيد ماريا من الضغط بيديها . تعرف الان كيف يجب ان تلمسه – فى الأسفل بدلا من الأعلى – وكيف نطوق عضوه بأصابعها , وهى ترجع القلفة بعنف الى الوراء . بهتاج كثيرآ . يداعى شفرتى فرجها بالنعومة السابقة نفسها , فيما هى تتوق الان للمسة أكثر عنفآ , وأعمق توغلا , يمرغ بظرها بالقليل من الماء الذى انبجس من أحشائها , ثم يعود الى رسم الحركات الدائرية نفسها التى رسمها حول حلمتها . يداعب هذا الرجل كما لو كان أمرأة , كما كان يلبس جسدها ويتحسس أحاسيسها .

    صعدت أحدى يدى رالف من جديد الى نهدها . ما أعذب ما ينتابها من شعور باللذة ! ما أعظم شوقها الى عناقه فى هذه اللحظة . لكن لا . كل ما يفعلانه الان هو اكتشاف جسديهما فقط . ولديهما الوقت , كل الوقت ... لا شئ , يمنعهما من ممارسة الحب الان , انه لامر فى منتهى التلقائية والامتاع , لكنها تريد أن تكتشف شيئا جديداً , لذة متمهلة مختلفة , حضورآ مختلفى للجسد .

    لذا , يجب أن تستطير على نفسها لئلا تفسد كل شئ , وأن يكون لقاؤهما كما فى ذلك المساء , حين احتست معه الخمر على مهل . كانا يتلذذان بكل جرعة , وكانت الجرعات المتأنية البطيئة تبعث فى نفسها الداف , وتفتح لها افاقى وحرية , وتجعلها أكثر التصاقا بالحياة .

    ترغب فى احتساء هذا الرجل كما احتست تلك الخمر . عندئذ فقط , يمكنها الى الأبد , نسيان الخمر السيئة التى تتجرعها دفعة واحدة , فتسكرنا , ونستيقظ , من ثم , يقع متخشب وبثقوب فى الروح .

    توقفت لتشبك أصابعها بأصابع رالف . سمعت تأؤها , وكانت راغبة فى أن تتأوه بدورها , لكنها تماسكت وشعرت بالدفء يسرى فى انحاء جسدها , وأيقنت انه يشعر بالشئ نفسه . باتت تدرك أن الطاقة تنتشر فى الجسد دون بلوغ النشوة الجنسية , وتصل الى الدماغ . لم تعد ماريا تفكر فى شئ الا فى الذهاب حتى النهاية , مع أنها ترغب فى التوقف , التوقف فى منتصف الطريق , تمنت ان تترك اللذة أن تجتاح جسدها بالكامل حتى تبلغ أدراك روحها . فتوقظ فيها الرغبة الحقيقية الجامحة . تلك اللهفة , الثمرة النادرة للتورط العاطفى التى يمكنها وحدها أن ترجع لها عذريتها التى فقدتها .

    انتزعت ماريا المنديلين بهدوء , وأشعلت المصباح الموجود قرب السرير . كانا عاريين تمامآ . لم يبتسما . نظرا فقط احدهما الى الاخر ببساطة . فكرت ماريا " أنا الحب " , " انا الموسيقى " فلنذهب الى الرقص .

    لكنها لم تقل ذلك يتحدثان عن أشياء سخيفة . متى سنلتقى مجددآ ؟ نقترح موعدآ . بعد يومين ؟ يقولأنه يريد أن يدعوها الى معرضه , تتردد لان هذا يعنى دخوله عالمه الفتى والتعرف الى وسطه وأصدقائه . ترى ماذا سيقولون عنها ؟

    ترفض . لكنه يعرف أنها راغبة فى الذهاب . يصر على طلبه متذرعآ بحجج واهية تشكل جزءا من اللعبة . يحددد موعد اللقاء فى المقهى الذى تعارفنا فيه . لا , البرازيليون , متطيرون , يجب الا يلتقى الناس بعضهم بعضآ ثانية فى المكان الذى التقوا فيها لأول مرة , لان هذا يمكنه أن يسدل الستار على علاقتهم , ويضع حدآ لها .

    شعر بالغبطة لأنها لا تريد أن تقطع معه حلقة الأتصال . قررا الألتقاء فى أحدى الكنائس التى تشرف على المدينة وعلى طريق مار يعقوب , لكنها جزء من الحج الغامض الذى سلكا دربه منذ أن تعارفا .



    * * * * *


    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها عشية قررت ان تشترى تذكرة العودة :

    " كا ما كان , كان عصفور له جناحان رائعان بريشات براقة والوان رائعة . كان مخلوقآ ليحلق فى سماء الحرية , ويدخل المرور العظيم على قلوب هؤلاء الذين يراقبون تحليقه .

    ذات يوم , رأت أمراة هذا العصفور وفتنت به . شاهدته يطير مندهشة حتى حدود الانبهاء , وقلبها يخفق بجنون , وعيناها تلتمعان من شدة الانفعال . دعاها العصفور لمرافقته . وطار معآ وهما فى كامل الانسجام . كانت متيمة بالعصفور , تحتفى بجمالة طوال الوقت .

    لكن المرأة فكرت ذات يوم " ترى هل يتوق الى اكتشاف جبال بعيدى ؟ خافت , خافت أن يرحل والا تقع فى الحب مرة ثانية , احست بالغيرة , غارت من قدرة العصفور على الطيران .

    أحست انها وحيدة .

    فكرت فى المرة المقبلة , حين يظهر العصفور سأنصب له فخى وهكذا لن يتمكن من الطيران مجدداً .

    عاد العصفور , الذى كان هو آيضاً مفتونآ بها , لرؤيتها فى اليوم التالى , فوقع فى الفخ واحتبسته فى قفص .

    كل يوم , كانت المرأة تراقبه بشغف وتعرضه أمام صديقاتها فيتهتفن , ما أسعدك وما أوفر حظك ! ومع ذلك , بدأت الامور تتغير بشكل غريب , بما ان العصفور صار ملكها ولم تعد بحاجة لان تعمل على كسب وده , لم تعد المرأة تهتم به . والطائر الذى لم يعد فى امكانه التحليق والتعبير عن معنى لحياته , بدأ ريشه يذبل ويفقد بريقه , ويتحول جماله الى قبح . ولم تعد المرأة توليه اى اهتمام , بل اقتصرت عنايتها به على اطعامه وتنظيف قفصه .

    وذات يوم , مات العصفور , فحزنت المرأة للغاية , ولم تكن تكف عن التفكير فيه . لكنها لم تكن تتذكر قط القفص . تذكرت فقط اليوم الذى لمحته فيه لأول مرة , وهو يطير بعيدى محلقى فوق الغيوم .

    لو انها استجابت لدوافع مشاعرها كما ينبغى , لأدركت ان الشئ الذى اثار انفعالها عندما التقت العصفور كان حريته , والطاقة الكامنة فى جناحيه , وليس حسن شكله الخارجى .
    فقدت حياتها معناها عندما فقدت العصفور . وجاء الموت يقرع بابها .

    سألت المرأة الموت :
    - لم جئت .
    فأجاب :
    -لكى تتمكنى من الطيران معه مجددآ فى السماء , لو أنك تركته يرحل ويعود فى كل مرة . لكنت استطعت كسب وده , ولازداد أعجبك به اكثر فأكثر . من الان فصاعدا , انت فى حاجة الى لكى تقدرى على استعادته .

    * * * * *

    بدات ماريا نهارها بعمل كانت تهيات له منذ أشهر , للذهاب الى وكالة سفريات لشراء تذكرة العودة الى البرازيل , وفقآ للتاريخ الذى حددته على الروزنامة .

    لم يتبق لها , والحالة هذه , الأ أسبوعان فى أوروبا . بعدها تعود الى البرازيل وتغادر جنيف التى ستظل تشكل لها وجه رجل أحبته . أما شارع برن , فسنتقصر ذكراه على اسمه المرادف لعاصمة سويسرا . بالطبع , سنتذكر غرفتها والبحيرة واللغة الفرنسية وضروب الجنون التى يمكن أن تخطر على بال الفتاة فى الثالثة والعشرين ( احتفلت بذكرى مولدها البارحة ) , قبل أن تدرك أن هناك حدودى لهذا الجنون .

    لا تطمع فى أن تحتبس العصفور , أو أن تدعوه للعودة معها الى البرازيل . كان هذا العصفور أبهى ما صادفته فى هذه الحياة . لذا عليه أن يطير بحرية وأن يعيش على حنينه الى الجولات التى كان يقوم بها مع رفيقته , وهما يسبحان فى الفضاء الرحب . كانت ماريا هى أيضا عصفورة , وحضور رالف الى جانبها سوف يذكرها الى الأبد بمرحلة " كوباكابانا " التى باتت جزءا من ماضيها , وليس من حاضرها .

    قطعت عهدا على نفسها انها لن تقول له " وداعا . الا لحظة الرحيل لئلا تتعذب كلما خطر لها على بال . عما قريب لن اكون هنا . وهكذا ارادت ان تغافل قلبها فى ذلك الصباح , وهى تجتاز شوارع المدينة وكأنها تعرفها منذ الأزل , التلة , طريق مار يعقوب , جسر " مون بلان " الحانات التى اعتادت التردد اليها ... راقبت بنظرها طيور النورس وهى تحلق فوق النهر , وراقبت البائعين وهم يعيدون ترتيب بضائعهم , والناس يخرجون من مكاتبهم لتناول وجبات الغذاء , والطائرات تحط فى البعيد . لاحظت لون التفاحة التى كانت تأكلها , وقوس القزح يرتفع فوق الفوارة وسط البحيرة . قرأت فى عيون العابرين نظرات الفرح الخجول أو المقنع , نظرات الرغبة النظرات الفارغة من أى تعبير , النظرات ببساطة . عاشت سنة تقريبا فى مدينة من مدن كثيرة فى هذا العالم , فى مدينة لولا هندستها الخاصة ووفرة اللافتات فيها , لكانت اشبه بأى مدينة أخرى داخل البرازيل . رأت السوق والخدمات يساومن , واتلامذة يخرجون من مدارسهم قبل الأوان , ربما كانوا مزودين بعذر من أبيهم أو من أمهم المريضة , ليتنزهوا على ضفاف البحيرة , ويتبادلوا القبل . رات ناسى يشعرون أنهم فى ديارهم , وآخرين غرباء . رأت الصحف المثيرة للفضائح والمجلات المحترمة المخصصة لرجال الاعمال الذين , والحق يقال , لا يقرأون الا الصحف المثيرة للفضائح ...

    ذهبت ماريا الى المكتبة لتعيد الكتاب الذى استعارته والمتعلق بالادراة الزراعية . لم تفهم منه شيئا , لكنه ساعدها مع ذلك لتستعيد السيطرة على نفسها , بعدما كادت تفقدها . كما ساعدها على العودة الى ذاتها لتحديد هدفها الواضح فى الحياة . كان الكتاب رفيقى صامتآ , غلافه أصفر سميك ويحوى سلسلة من الرسوم البيانية . كان منارة تضئ لياليها القاتمة فى الأسابيع الأخيرة .

    فكرت انها تخطط دائماً لمشروعات المستقبل , ولكنها تصطدم دائمى بالحاضر . فكرت أيضاً بالطريقة التى اكتشفت عبرت نفسها , عبر الأستقلال واليأس والحب والألم , لكى تعثر من جديد على الحب , وكانت ترغب فى ان تتوقف عند هذا الحد .

    الأغرب من كل ذلك أنها فيما كانت بعض زميلاتها فى العمل يتحدثن عن المزايا والمتعة التى يجدنها فى مضاجعتهن الرجال , كانت تشعر , من ناحيتها , أن الجنس لم يوفر لها شيئا , لا جيدى ترجوه ولا سيئا تخشاه , ثم انها لم تستطع ان تحل مشكلتها , وهى عجزها عن بلوغ النشوة أثناء الأيلاج . أصبح الفعل الجنسى بالنسبة أليها مبتذلا للغاية , وأمرآ عاديآ جدى , بحيث أنها باتت شبه مقتنعة أنها لن تتوصل أبدى الى العثور على النار والسعادة التين طالما حلمت بهما خلال سعيها الا مجدى , واللتين لا يمكن اختبارهما الا عندما تتعانق الارواح التى كانت هائمة تفتش فى نشفها الأخر , حسبما يقول رالف .

    أو قد يكون السبب بكل بساطة هو استحالة وصولها الى النشوة دون الحب , كما كانت تؤكد الأمهات والأباء ورجال الأدب الرومنطيقى .

    كانت أمينة المكتبة ( وهى صديقتها الوحيدة التى لو لم تقل ذلك ) ذات مزاج طليق , بخلاف العادة . استقبلتها فى وقت تناول الغذاء , ودعتها الى تقاسم السندويش معها . شكرتها ماريا قائلة لها انها تناولت غداءها منذ قليل .

    - استغرقت قراءة هذا الكتاب وقتآ طويلا .
    - لم افهم منه شيئا .
    - هل تتذكرين الموضوع الذى سألتنى عنه مرة ؟

    لا , لا تتذكر , لكنها ما ان رات الأبتسامة الماكرة على محيا المرأة حتى فهمت قصدها "
    الجنس " .

    - هل تعرفين ؟ مد أتيت تبحثين عن كتاب مختص بهذا الموضوع حتى أمرت فريق العمل باجراء احصاء شامل لكل ما نملك فى بابه . لم يكن هناك الشئ الكثير . لكن , بما انه علينا العمل على تنشئة الشباب جنسياً , سعيت الى الحصول على عدة مؤلفات .

    وهكذا لن يحتاجوا للأستعلام عن الموضوع بالطريقة الأسوا , وهى معاشرة العاهرات على سبيل المثال .

    اشارت امينة المكتبة الى زاوية فيها كدسة من الكتب وجميعها يغلفها بعناية ورق بنى اللون .

    - لم يتسن لى الوقت لتصنيفها بعد , لكنى ألقيت نظرة سريعة عليها , وهالنى ما اكتشفته .

    حسنآ , راهنت ماريا على ما ستتطرق المرأة اليه " الوضعيات غير المريحة , السادية , المازوشسة ... فضلت ماريا الأدعاء بأنه حان الوقت لتعود الى عملها ( لكنها لم تذكر ما قالت للمرأة عن عملها : هل تعمل موظفة فى مصرف أم فى محل ؟ لأن الكذب فى اى حال يوجب على الذاكرة بذل المزيد من الجهود ) .

    شكرت أمينة المكتبة , وأشارت الى انها تريد الرحيل . لكن الأخرى قالت :

    - أنت أيضى ستصابين بالذعر مثلى , هل تعرفين مثلا أن البظر اكتشاف حديث ؟

    أكتشاف ؟ حديث ؟ ماذا تقول هذه المرأة . هل الأسبوع بالذات لامس أحدهم بظرها وبدا لها وكأنه موجود ها منذ الأزل , أو كأن يديه تعرفان غيبا الميدان الذى تتلمسانه بالرغم من العتمة الكاملة .

    - لم يعترف بوجوده رسميآ الا عام 1559 عندما نشر طبيب يدعى رونالدو كولومبو كتابا عنوانه ( De re anatonica ) ووصف البظر على انه شئ جميل ومفيد . هل تصدقين ذلك ؟

    أخذتا تضحكان .

  20. #20
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    أمسكت ماريا بالحقيبتين ووضعتهما على السرير . تخيلت انها ستملؤهما هدايا وملابس جديدة وصورى عن المناظر وصورآ عن المناظر الثلجية والعواصم الأوروبية الكبيرة , وهى ذكريات تعيدها الى زمن سعيد , خين عاشت فى البلد الأكثر أمانا وكرما فى العالم . صحيح أن لديها بعض الملابس الجديدة وبعض الصور عن الثلج الذى تساقط يومى على جنيف . لكن , فيما خلا هذا , جرت الامور عكس ما كانت تتوقع .

    جاءت الى هنا , وهى تحلم بان تجمع المال الكثير , وان تتدرب على مواجهة الحياة , وتكتشف هويتها الحقيقية , وتجد زوجا وتدعو عائلتها لزيارتها فى بيتها . كانت ماريا ترجع الى البرازيل وفى جعبتها المبلغ الكافى بالضبط لكى تحقق حلمها . وتحشرت لأنها لم تزر بعد الجبال , ولانها تعود . وهذا أسوا ما فى الامر , غريبة عن نفسها . لكنها كانت سعيدة , لانها عرفت متى يجدر بها أن تتوقف عن مواصلة عملها , ونفذت القرار .

    قليل من الناس يعرفون متى يجدر بهم التوقف ....

    خاضت أربع مغامرات فقط , الرقص فى الملهى , وتعلم الفرنسية , والعلم فى الدعارة والوقوع فى غرام رجل الى حد الجنون . كم من الناس يستطعيون التباهى بهذا المقدار الذى لا يستهان به من الأنفعالات فى مدة سنة واحدة ! كانت سعيدة رغم حزنها . كان لهذا الحزن اسم , ليس الدعارة ولا سويسرا ولا المال , بل رالف هارت .

    كانت تود لو تتزوج به , حتى لو لم تعترف بذلك فى سريرتها . وهو سينتظرها فى الكنيسة , حيث تواعدا , وسيظهر لها رسومه . ويعرفها الى أصدقائه , والوسط الذى يحيا فيه .

    عزمت على الأ تذهب الى الموعد , بل أن تنزل فى احد المطاعم قرب المطار . لأن طائرتها تقلع غدا صباحى . ابتداء من هذه اللحظة , ستكون كل دقيقة تقضيها الى جانب رالف . وكأنها سنة من الألم الأتى من كل ما كان بامكانها أن تقوله ولم تقله , من الذكريات , يداه , صوته , حكاياهع , دعمه لها .

    فتحت من جديد حقبيتها , وأخرجت منها الحافلةالكهربائية التى قدمها اليها فى المساء الأول حين ذهبت الى بيته . تأملتها لبضع دقائق . ثم رمتها فى سلة المهملات . هذه الحافلات لا تستحق أن تتعرف أن البرازيل , لانها كانت ظالمة وغير نافعة للصبى الذى رغب دومآ فى أن يلهو بها .

    لا , لن تذهب الى الكنيسة . سيطرح عليها أسئلة , واذا أطلعته على الحقيقة وقالت له انها راحلة , سيطلب اليها البقاء , ويعدها بأى شئ شرط الا يفقدها . وسيلعت لها حبه الذى أظهره لها فى كل دقيقة قضياها معآ . لكنهما تعلما أن يمارس كل منهما حريته المطلقة . وهذا هو السبب الذى أدى الى نجاح علاقتهما , أى انهما لم يكونا محتاجين أحدهما الى الأخر . يخاف الرجال دائمآ عندما تقول لهمأمرأة " أريد أن الأرتباط بك " . كانت ماريا ترغب فى أن تحتفظ , عن رالف بصورة العاشق الذى وهب نفسه لها بكليته , وأظهر استعداده ليفعل كل شئ من أجلها .

    لا يزال أمامها الوقت كى تقرر ما اذا كانت ستذهب الى الموعد أم لا . الأن عليها أن تحصر اهتمامها بأشياء أكثر عملية . رأت أن معظم أمتعتها لا تزال خارج الحقائب , وانها حائرة بخصوص الأشياء التى يحب أن تسبقيها . فى أى حال ثمة أشياء لا تستطيع حملها فى الحقائب , وستترك لمالك الشقة أن يتخذ القرار بشأنها " كالأدوات الكهربائية المنزلية واللوحات التى اشترتها من سوق التحف والمناشف والشراشف . من المستحيل أخذ كل هذا معها الى البرازيل , حتى لو كان أهلها محتاجين الى هذه الأغراض أكثر من المتشول السويسرى , ثم أنها ستذكرها على الدوام بالمعامرة التى خاضتها .

    غادرت المقهى . ذهبت الى المصرف وطلبت بأن تسحب كامل المبلغ الذى أودعته هناك . قال لهاه المدير : الذى كانت على علاقة حميمة به , أن ما تقوم به ليس فى مصلحتها , وأن هذه الفرنكات يمكن أن تدر عليها مالا مع أمكانية تحويلها الى مكان اقامتها لاحقآ فى البرازيل . ثم ماذا لو سرق منها هذا المال . كم من الأشهر التى عملت خلالها سيذهب جناها سدى ! ترددت ماريا للحظة , كما هى عادتها , وفكرت فى أن هذا الرجل يريد مساعدتها حقآ لكنه , بعدما أمعنت فى الأمر قليلا , استنتجت أن الهدف من هذا المال هو أن يتحول الى مزرعة وبيت أهلها , مع بعض بهائم وكثير من العمل , وليس أن يبقى أوراقا نقدية .

    سحبت من المصرف كامل المبلغ , حتى أخر فلس . ووضعته فى حقيبة اشترتها خصيصآ للمناسبة , وربطتها بحزامها تحت ملابسها .

    ذهبت الى وكالة السفريات , وهى تصلى لكى يمنحها الله الشجاعة للذهاب بعيدآ . عندما أرادت أن تأخذ تذكرتها , قالوا لها هناك أن الطائرة ستووقف غدا فى باريس, وأن ركابها سيستأنفون رحتلهم على متن طائرة بديلة . لا يهم , المهم أن تبتعد من هنا قبل أن تبذل رأيها .

    مشت حتى الجسر , واشترت مثلجات مع أن البرد كان قد عاد مجددآ الى جنيف , وأخذت تراقب المدينة . عندئذ بدا لها كل شئ مختلفا , وكأنها لا تزال واصلة للتو , وتتهيأ لزيارة المتاحف والأثار التاريخية والحانات والمطاعم الرائجة . أمر غريب , أننا عندما تسكن فى مدينة فاننا نؤجل أكتشافها الى وقت لاحق , وتظل على جهلنا لها .

    قالت فى نفسها ان عليها أن تكون سعيدة بالرجوع الى ديارها , لكنها لم تستطع ذلك , فكرت أيضاً أنها لابد وأن تكون حزينة , لأنها تغادر مدينة تحترم ساكنيها , ولم تستطع قبول ذلك الواقع . تركت بعض الدموع تنساب من عينيها , خافت من نفسها . كانت الفتاة الذكية التى تملك كل المواصفات لتنجح , لكنها تقوم دومآ باتخاذ القرارات السيئة .

    وتمنت من كل قلبها ألا تقوم بأتخاذ قرار سيئ هذه المرة .



    * * * * *



    عندما دخلت , كانت الكنيسة مقفرة تمامآ . واستطاعت أن تتأمل بصمت الزجاجيات التى تنيرها سماء أجلت غيومها العاصفة التى هبت فى الليلة الفائتة . أمامها مديح وصليب بلا مصلوب , ليس الصليب هنا وسيلة عذاب تحمل رجلا تحتضر , بل رموزآ للقيامة التى يغيب معها كل معنى للعذاب وما يتضمنه من هول ورهبة تذكرت ذلك السوط فى الليلة العاصفة . أحست أنه مماثل للصليب " يا ألهى , ماذا دهانى كيف لى أن أفكر بهذا ؟ " .

    كانت سعيدة لأنها لم تر فى الكنيسة صورآ لقديسين يتألمون وأثار الدم والجراح بادية عليهم . كانت الكنيسة مكانآ يجتمع فيه الناس , ليعيدوا اليها يتجاوز حدود أدراكهم .

    توقفت أمام بيت القربان , حيث يحتفظ بجسد يسوع الذى تؤمن به , مع أنه لم يشغل من أفكارها حيزا مهما . جئت على ركبتيها , وتعهدت لله والعذراء مريم ويسوع وجميع القديسيين أنه مهما يحصل لها هذا النهار فلا شئ سيمنعها من تغيير رأيها . وأنها سترحل فى جميع الأحوال . وقد تعهدت لله بذلك , لأنها تعرف جيدآ خطورة أفخاخ الحب القادرة فى أى لحظة على تغيير أرادة أمرأة .

    ما أن مضت دقائق حتى شعرت بيد على كتفيها . أحنت رأسها حتى كادت تلامسها .

    - كيف حالك ؟
    - عظيمة . لنذهب ونتناول فنجان قهوة .

    خرجا وهما يضعان بدأ فى يد مثل حبيبن يتلاقيان بعد طول فراق . تبادلا القبلات علنا , ونظز اليهما بعض المارة وهم مصدومون . أبتسما كلاهما للاستياء الذى اثاره تصرفهما , وللرغبات التى أيقظاها بقبلاتهما , وهما يعرفان جيدى أن هؤلاء الناس لو يودون لو يقومون بالئ نفسه , على الرغم من أن الأمر يعتبر بمثابة فضيحة .

    دخلا مقهى شبيهآ بكل المقاهى المألوفة , لكنه بدا مختلفا فى هذا اليوم . لأنه يضم حبييبن جمع بينهما الحب . طفقا يتحدثان عن جنيف ومصاعب اللغة الفرنسية وزجاجيات الكنيسة ومضار التدخين , مع أنهما كانا يدخنان وليس لديهما اطلاقا نية التخلى عن هذه العادة السيئة .

    أصرت على أن تسدد الحساب , فوافق . ذهبا الى حيث كان يقام معرض رالف . وهناك تعرفت ماريا الى الفنانين والأغنياء الذين يبدون أكثر ثراء مما هم , وأيضا أصحاب الملايين الذين يبدون أكثر فقرآ , والجمهور الذى يطرح الأسئلة عن اشياء لمتسمع بها من قبل . كان الجميع يقدرون حضورها وأعربوا عن أعجابهم بفرنسيتها , وسألوها عن الكرنفال وكرة القدم والموسيقى فى بلادها . كانوا كلهم مهذبين ولطفاء وودوين وساحرين .

    عندما خرجا . قال لها انه سيذهب لرؤيتها فى " كوباكابانا " . توسلت اليه ألا يفعل , لأنها حرة هذا المساء , وتريد أن تدعوه الى العشاء . وافق على الدعوة , وقبل أن يفترقا , حذنا مكان العشاء فى مطعم جميل يقع فى ساحة كولونى الصغيرة .

    عندئذ تذكرت مارا صديقتها الوحيدة , وقررت أن تزور امينة المكتبة لتقول لها وداعآ .

    بقيت محتبسة بسبب زحمة السير وقتا طويلا , حتى انتهى الأكراد ( للمرة الثانية ) من التظاهر , وتمكنت السيارات من معاودة السير بشكل طبيعى . لكنها الأن , وقد عادت سيدة وقتها , فلا أهمية لكل ذلك .

    قالت أمينة المكتبة لماريا ما ان دخلت .

    - قد أبدو لك ودودة أكثر من اللازم , لكن ليس لدى صديقة أخرى أعهد اليها باسرارى سواك .

    هل هذا معقول ؟ ليس لديها اصدقاء , بعد أن قضت حياتها فى المكان نفسه , وكانت تقابل عددآ غفيرآ من الناس كل نهار .. هل من المعقول ألا يكون لديها صديق تتحدث اليه , وتبوح له بمكنونات قلبها ؟ وأخيرى عثرت ماريا على واحدة مثلها , واحدة مثل الجميع .

    - أعدت التفكير فيما قرأته عن البظر .
    - من جديد ! اليس ممكنا التحدث فى موضوع أخر ؟.
    - أدركت أننى كنت أشعر بلذة كبيرة فى جميع علاقاتى بزوجى , لكن كانت لدى مشكلة فى أن أبلغ النسوة خلال الأيلاج . هل تجدين هذا طبيعيآ ؟

    - هل تجدين طبيعيآ أن يتظاهر الاكراد كل يوم مثلا ؟ وأن تهرب النسوة العاشقاتمن فرسان أحلامهن ؟ وأن يحلم الناس باستثماء الأراضى بدل التفكير فى الحب ؟ وأن يبيع رجال ونساء وقتهم دون أن يتمكنوا من شرائه بالمقابل ؟ ومع ذلك فهذا موجود . لا فرق أن كان ما أفكر فيه صحيحاً أم لا . المهم أن هذا يصبح طبيعيآ كيفما تبدلت الأمور . يصبح كل ما هو مخالف للطبيعية ومخالف لرغباتنا الأكثر عمقآ , أمرآ طبيعيآ فى أعيننا , حتى لو بدا ذلك ضلالا وزيغآ فى عين الله . نحن الذين فتشنا عن جحيمنا , وبنيناه بأيدينا خلال ألاف السنين التى مرت , وبذلنا لهذا الهدف كل جهودنا الممكنة . لذا حياتنا جحيم , لأننا نعيش عكس الحياة وقوانينها الطبيعية .

    نظرت ماريا الى أمينة المكتبة . ولأول مرة سألتها عن اسمها ( لم تكن تعرف الا اسمها الزوجى ) . كان اسمها هايدة , متزوجة منذ ثلاثين سنة , لكن لم يسبق لها , ولو مرة واحدة , أن سآلت أن كان طبيعيآ الا تبلغ النشوة أثناء ممارسة الجنس مع زوجها .

    - لا أعرف ان كان جيداً أن أقرى كل ذلك ! ربما كان من الأفضل أن أبقى جاهلة , وافكر أن زوجى وفيآ وشقة تطل على البحيرة , ووظيفة فى المكتبة , هى كل ما تحلم به أمرأة . منذ أتيت الى هنا وبدأت قراءاتى عن الموضوع , انتابنى القلق بشان ما فعلته فى حياته , هل الجميع هكذا ؟

    قالت ماريا , وهى تشعر أنها ممتلئة حكمة أمام هذه المرأة التى تتوسل نصائحها :

    - أوكد لك أنهم كذلك .
    - هل ترغبين أن أتطرق الى التفاصيل ؟

    وافقت ماريا بأشارة من رأسها .

    - لا شك أنك مازلت شابة ويصعب عليك فهم هذه الأشياء . ولهذا السبب بالضبط , اردت ان اروى لك قصتى , لكى تتجنبى الأخطاء التى وقعت فيها .

    لماذا لم يكن زوجى يهتم قط ببظرى ؟ كان يظن أن النشوة المهبلية , وكان يشق على , يشق على كثيرآ أن أصطنع انفعالا لابد لى أن أشعر به بحسب رأى زوجى . لا شك أننى كنت أشعر بلذة لكنها لذة مختلفة . فقط عندما يكون الأحتكاك فى المنطقة العليا ... هل تفهمين ؟

    - افهم
    - الان عرفت السبب.

    ثم أضافت , وهى تشير ال كتاب موضوع على الطاولة , ولم تستطع ماريا قراءة عنوانه :

    - هناك حزمة من الأعصاب تمتد من البظر حتى النقطة G , هى الطاغية . لكن الرجال يعتبرون ان المسألة كلها تتعلق بالأيلاج . هل تعرف ما هى النقطة G ؟

    فأجابتها ماريا وهى تقوم بدور الفتاة الساذجة البرئية :

    - تحدثنا عنه فى المرة السابقة " النقطة G " هى عندما تدخل الى الطابق الأول , عند ,النافذة , فى الزواية .

    - نعم , نعم !

    ثم أضافت المرأة , وقد أشرقت عيناها .

    - هل فكرت مرة كم من الأصدقاء تحدثوا اليك عن هذا الموضوع ؟ لا أحد , ويمكنك التأكد من ذلك بنفسك . أمر غير معقول ! كان البظر اكتشاف ذاك الطبيب الأيطالى . أما النقطة G , فهى اكتشاف عصرنا . وعما قريب سيجرى الكلام عنها فى جميع العناوين الكبيرة فى الصحف والمجلات , ولا احد يستطيع تجاهل دورها . هل تتخيلين أى مرحلة ثورية تعيش فيها ؟

    نظرت ماريا الى ساعتها , وأدركت هايدى ان عليها الاسراع فى تعليم هذه الفتاة الجميلة , وافهامها ان النساء يملكن كل الحق فى ان يكن سعيدات ومنفتحات جنسيآ . ارادت ان يفيد الجيل المقبل من هذه الأختراعات العلمية المدهشة :

    - أعتقد الدكتور فرويد أن لذتنا هى بالضرورة كامنة فى المهبل , كما أن لذة الرجال تكمن فى الأحليل . لكن يجب العودة الى الأصل , الى المنطقتين اللتين منحتانا اللذة على الدوام , وهما البظر والنقطة G ! قليلات جدى هن النسوة اللواتى يتوصلن الى أقامة علاقة جنسية ترضيهن , وتجعلهن يشعرن بالأكتفاء فعلا ,. لكن اسمعينى , سأعلمك شيئا فى غاية الأهمية , اقلبى الوضعية خلال الممارسة , فليمتدد شريكك , ولتصعدى فوقه , عندئذ سيحتك بظرك بعانتى فتحصلين على الأثارة اللازمة , الأثارة التى تستحقينها !

    تظاهرت ماريا بأنها لا تولى الحديث اهتماما , ليست الغلطة غلطتها اذن . وكل القصة متعلقة بالتركيب الداخلى لأجزاء الجسم ! رغبت فى أن تقبل أمينة المكتبة لأنها شعرت أنها تحررت من حمل ثقيل جدآ . ما أحسن هذا اليوم الذى قامت به بهذا الأكتشاف , وهى لا تزال شابة , ولديها كل الحياة لتنعم بها ! ما هذا اليوم الرائع ! .

    ابتسمت هايدى ابتسامة المتأمرة وقالت :

    - هم لا يعرفون ان عضونا أيضا ينتصب .

    " هم " اى الرجال ... عندئذ تشجعت ماريا وأرادت أن تطرح على المراة سؤالا حميما جدآ :

    - هل كانت لك علاقة خارج أطار الزواج ؟

    كان السؤال بمثابة صدمة لها . انبثقت من عينيها نار قدسية , وعلا وجهها الاحمرار , لم يعرف ان كان بسبب الغضب أم الخجل ؟ . ثم , بعد ان انتهى الصراع بين رغبتها فى الاعتراف ورغبتها فى اصطناع هيئة مستنكرة , قالت وهى تحاول تغيير الموضوع :

    - لنرجع الى موضوع الانتصاب . البظر أيضا ينتصب , هل تعرفين ذلك ؟
    - منذ الطفولة .

    بدت هايدى خائبة , ثم أضافت .

    - واذا داعبت المنطقة حوله دون ان تلمسى رأسه , فان اللذة ستنبثق بشكل أكثر حدة .

    بعض الرجال يستعجلون , فيلمسون مباشرة راس البظر , دون أن يعرفوا ان ذلك مؤلم للمرأة . هل انت موافقة ؟ ثم أن المحادثة الصريحة مع شريكك هى دومى مفيدة , كما ورد فى الكتاب الذى كنت أقراه .

    - هل كنت تتحدثين بصراحة مع زوجك ؟

    ومن جديد تجاهلت هايدى السؤال , بحجة أن زمانها كان مختلفآ . ما يهمها اليوم هو ان تشارك الاخرين بتجربتها الفكرية . نظرت ماريا الى ساعتها وقالت لها انها اتية لتودعها , لانها انهت فترة تدريب فى سويسرا . بدت هايدى وكأنه لا تسمع ما تقول .

    - ألا تريدين أن تستيرى هذا الكتاب عن البظر ؟
    - لا , شكرآ .
    -ألا تريدين أن تستعيرى شيئا أخر ؟
    -لا أنا عائدة الى بلادى . لكن اريد أن اشكرك على معامتلك الحسنة وعلى احترامك وتفهمك الى اللقاء .

    تصافحتا , وهما تتمنيان أن تنال كل منهما نصيبها الكبير فى السعادة .

    انتظرت أمينة المكتبة خروج الفتاة , ثم , كانت الحركة أقوى منها , ضربت الطاولى بقبضة يدها , لماذا لم تغتنم الفرصة ؟ لماذا لم تجب عن شؤال الفتاة حين تجرأت وسألتها عما اذا ارتكبت مرة خيانة زوجية ؟

    " ليس الامر خطيرى فى أى حال .

    ليس الجنس محور العالم , لكنه يمثل مكانة كبيرة فى حياتنا . نظرت من حولها " آلاف الأعمال التى تحيط بها تروى قصص " حب" لكن القصة هى نفسها دومآ , يلتقى أحدهم الأخر ويقع فى غرامه . يفترقان ثم يلتقيان من جديد ... جميع هذه الكتب تتحدث عن الأرواح التى تتواصل , والبلدان البعيدة , والمغامرة والعذاب والهموم . لكن , نادرآ ما سمعت أحدهم يقول فيها " انتبه أيها السيد " أنتبه لجسد المرأة , وحاول أن تفهمه جيداً . لماذا لا تتحدث الكتب عن الموضوع بصراحة .

    لا يبد أن هذا الموضوع يهم أحد فعلا , وفى العمق . يصر الرجال على البحث عن علاقات جديدة , وهم لا يزالون أشبه بالصيادين , وساكنى الكهوف الذين يتبعون غرائزهم ونزواتهم . والمرأة ؟ لا تدوم الرغبة عند المرأة فى الحصول على المتعة مع شريكها الا بضع سنوات , بحسب تجربة هايدى الشخصية . ثم يخف كثيرى اهتمام المرأة بمتعتها وجسدها , وتفضل عدم الكلام عن الموضوع , معتبرة انها الوحيدة فى العالم التى تعانى . وتكذب حين تتذرع بأنها لم تعد تتحمل رغبة زوجها واصراره على مضاجعتها كل مساء .

    وسرعان ما تكرس النسوة أوقاتهن لمشاغل أخرى , الأولاد , المطبخ , تنظيم الوقت , الاعمال المنزلية , الفواتير التى يجب تسديدها , التساهل حيال مغامرات الزوج العاطفية , السفر خلال العطلات وتركيز الاهتمام فقط على الاولاد . وقد تجمع بين النساء والرجال علاقة تواطؤ أو قد يدوم الحب بينهم , لكن الجنس , قطعآ لا .

    كان يجدر بها أن تبدو أكثر انفتاحى مع الفتاة البرازيلية , وهى فتاة بريئة ومن عمر ابنتها , وغير قادرة على اكتشاف الحياة . أنها مهاجرة تعيش بعيدآ عن وطنها , وتشفى فى عمل لا تحبه , وتنتظر أن تلتقى رجلا يمكنها الزواج به , والتظاهر أمامه ببعض الرعشات الجنسية , والفوز بالأمان بجانبه , والمشاركة فى زيادة النسل فى الجنس البشرى . ولا تلبث بعيد الزواج أن تنسى هذه الأشياء المتعلقة بالنشوة الجنسية والبظر والنقطة G , لتكون فقط زوجة صالحة وآما صالحة , تسهر على الأعتناء بيتها وعائلتها , وتستمنى خفية من وقت لاخر , وهى تفكر فى العابر الذى التقته فى الشارع , ووجه اليها نظرة تلتمع فيها الشهوة . يجب الحفاظ على المظاهر . لكن لماذا يهتم الناس , جميع الناس , بالمظاهر الى هذا الحد ؟

    أليس هذا هو السبب فى أنها لم ترد على الفتاة حين سألتها " هل كانت لك علاقة خارج أطار الزواج ؟ " .

    فكرت ان مثل هذه الأسرار تدفن معنا . كان زوجها رجل حياتها حتى لو أن مرحلة النشاط الجنسى باتت من الماضى البعيد . كان شريكا ممتازآ , كريما , متزنآ , يناضل لأعالة أولاده , ويجهد لاسعاد من يعيشون فى عهدته . كان الرجل المثالى الذى تحلم به كل امرأة . لذا , كانت تشعر بأنها امرأة سيئة اذا فكرت أنها اشتهت يومى رجلا اخر وتبعته .

    تذكرت لقاءهما . كانت راجعة من مدينة ناقوس الجبلية عندما انهار جبل ثلجى , وقطع طريق مرور القطارات لبضع ساعات اتصلت هايدي بعائلتها لتطمئنها انها بخير , واشترت بعض المجلات استعدادى لتزجية فترة طويلة فى المحطة .

    عندئذ رأت رجلا يجلس قربها , وهو يحمل حقيبة على ظهره وكيسآ للنوم . كان شعره رماديى , وكانت الشمس قد احرقت بشرة وجهه , وكان الوحيد الذى لا يبدو عليه الانزعاج من الانتظار . على العكس , كان يبتسم ويفتش من حوله , عساه يجد أحدآ يتحدث اليه . فتحت هايدى المجلة . لكن – اه ما اعظم أسرار هذه الحياة – التفت عيناها بعينى هذا السافر , ولم تستطع أن تشبح بهما عنه بسرعة , مما شجعه على الاقتراب .

    وقبل ان تسنح لها فرصة صده بأسلوب لائق ومهذب , كان الرجل قد توجه اليها بالكلام . اخبرها انه كاتب وانه شارك فى ندوة كانت تقام فى دافوس , وان تعذر وصول القطار سيفوت عليه موعد طائرته . سألها اذا كانت ستساعده على ايجاد فندق لدى وصولهما الى جنيف .

    نظرت اليه هايدى , وتساءلت كيف بامكان رجل سيفوت موعد طائرته ومضطر الى الانتظار ساعات طوية فى محطة مزعجة , أن يكون بهذا المزاج الهادئ ؟

    بدأ الرجل يحدثها وكأنهما صديقان منذ وقت طويل . حكى لها عن اسفاره وعن سر اسفاره وعن سر الخلق الأدبى والأشياء التى أدهشته , وتلك التى اثارت الذعر . فى نفسه , وعن النساء اللواتى احبهن والتقاهن فى حيته . اكتفت هايدى بالأستماع اليه , وهى تهز برأسها موافقة على ما يقوله , فيما كان يتابع حديثه دون حرج . كان يعتذر من وقت الى أخر على طلاقة لسانه , ويطلب اليها أن تحدثه هى ايضا عن نفسها . لم يكن لديها ما تقوله , فقط , أنا انسانة بسيطة , ولا شئ , خارقا فى حياتى .

    وفجأة بدات تأمل فى ألا يتوقف القطار أبدا . سحرها حديثه . وأخذت تكتشف أشياء لم يسبق لها ان اخترقت عالمها الا عبر قصص الخيال . بما أنها لن تراه ثانية , فقد تشجعت وسالته ألم تعرف سبب هذه الجرأة ولا حتى لاحقآ ) عن موضوعات تشغل بالها . قالت له أن زوجها يمر بمرحلة صعبة , وسوف يطلب اليها ان تظل الى جانبه . وتود أن تعرف ماذا بامكانها أن تفعل لأسعاده . قدم لها لرجل بعض النصائح المفيدة . لكنه اعتبر أن ليس من الضرورى التحدث عن زوجها . قال لها وهو يردد عبارة لم تسمعها منذ سنوات .

    - أنت أمراة مثيرة جدى للاهتمام .

  21. #21
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    لم تعرف كيف كان ينبغى لها أن تتصرف , لاحظ الرجل خرجها , فأخذ يحدثها عن الصحارى والجبال والمدن الضائعة والنساء المحجبات والنساء العاريات الخصور , وعن المحاربين والقراصنة والحكماء المسنين .

    وصل القطار الى المحطة . جلسا على المقعد نفسه أحدهما بجوار الاخر . الأن , لم تعد المرأة المتزوجة التى تقيم فى شاليه قبالة البحيرة , والتى لديها ثلاثة أطفال يجب أن تربيهم , بل امرأة مغامرة تسافر الى جنيف للمرة الأولى . عندما نظرت الى الجبال والنهر . أحست أنها سعيدة لوجودها بقرب رجل يحاول أغواءها مثلا جسديا ( فالرجال لا يفكرون الا فى هذا ) , ويفعل كل ما فى وسعه لاستمالتها . فكرت فى كل الرجال الأخريين الذين حاولوا أغواءها , والذين لم تدع لهم اى مجال للتقرب منها . فى ذاك الصباح , تغير العالم بالنسبة اليها . أحست انها مراهقة فى الثامنة والثلاثين , وأنها تتابع بشغف المحاولات التى يقوم بها الرجل لأغوائها . وفيما كانت تظن أنها فى خريف عمرها ( هذا الخريف الذى جاء قبل الأوان ) , وأن لديها كل ما تحلم به امرأة , ها قد ظهر هذا الرجل فى المحطة فجأة , ودخل عالمها دون استئذان .

    نزلا فى جنيف أرشدته الى فندق ( أصر على أن يكون متواضعا لأنه لم يكن يتوقع أن يقضى نهاراً أضافيا فى هذه البلاد حيث مستوى المعيشة مرتفع للغاية ) . ثم طلب اليها أن ترافقه حتى غرفته , للتأكد من أن كل شئ على ما يرام . تنبهت هايدى الى المحاذير التى يمكن ان تنتظرها , ومع ذلك , وافقت . أغلقا الباب وتبادلا قبلا محمومة . نزع عنها ثيابها – ويا الهى – كم كان خبيرآ بجسد المرأة واسراره وما تعانيه من عذاب وحرمان .

    مارس الحب طوال بعد الظهيرة , ولم يختف السحر الا عند هبوط الليل . عندئذ تفوهت بالجملة التى لم يكن يجدر بواحدة مثلها أن تقولها أبدآ :

    " على أن اعود , زوجى ينتظرنى " .

    اشعل سيجارة . بقيا صامتين لبضع دقائق . لم يودع أحدهما الأخر . نهضت هايدى وخرجت دون أن تلتفت وراءها , مدركة تماما أن لا معنى لأى كلمة أو لأى جملة يمكن أن تقال .

    تعرف هايدى أنها يجب ألا تعود لرؤيته أبدآ . ومع ذلك لم تعد الزوجة الوفية لبضع ساعات , ولا ربة البيت , ولا الأم الحنون أو الموظفة المثالية الثابتة فى صداقاتها . رجعت أمرأة لبضع ساعات .

    لاحظ زوجها زوجا تغيرها , وقال لها أن مزاجها غريب , فهى أما أكثر فرحى من المعتاد واما أكثر حزنى . كان يشق عليه أن يصف حالتها بدقة . لكن , بعد أسبوع , عادت الأمور الى سابق عهدها .

    فكرت هايدى , ليتنى أخبرت الصغيرة عن هذه المغامرة . فى أى حال لن تفهم شيئا , لأنها تعيش فى عالم مختلف , حيث الناس أوفيا , وعهود المحبين أبدية ...


    * * * * *




    ما دونته ماريا فى يومياتها :

    " لا أعرف ما الذى يفكر فيه عندما فتح الباب فى ذلك الماء ورآنى وأنا احمل فى يدى حقيبتين "

    قلت له على الفور .

    - لا تشغل بالك كثيرآ . لن آقيم فى بيتك . تعال نذهب لنتاول العشاء . ساعدنى على ادخال علىحقيبتى دون ان ينبس بكلمة . لم يقل " لم هذه الحقائب ؟" أو " كم أنا سعيد برؤيتك " . أمسك ذراعى ببساطة , جذبنى اليه , وبدأ بتقبيلى وهو يمرر يديه على جسدى ونهدى وعضوى , وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل , أو كأنه يجلس يحدس أن هذا هو اللقاء الأخير .

    جردنى من سترتى وثوبى وتركنى عارية . هناك فى الردهة , ومن أى مقدمات والهواء بارد ينساب من شقوق الباب , مارسنا الحب لأول مرة . رأيت أن من الأفضل أن نكف عن مواصلة عملنا , وأن تبحث عن مكان أكثر أراحة , لأثبت له أن لدينا متسعآ من الوقت لأكتشاف الأسرار التى أودعها القدر والكون فى أجسادنا . لم أقل شيئا . أريده فى , فهو الرجل الذى أمتلكه ولن أمتلكه أبدآ . لذا أستطيع أن أحبه بكل كيانى وأن أحصل منه – ولو لليلة واحدة – على سعادة لم أحلم بها فى حياتى , ولن يتسنى فى بلوغها مع رجل اخر .

    مدَدَنى على الأرض وولجنى , دون أن يكون عضوى رطبآ , لكن الألم الذى شعرت به لم يزعجبنى . على العكس , أحببت أن يكون ولوجآ مؤلما . جميل أن يدرك أننى ملكه وانه لا يحتاج الى أن يطلب أذنا منى للدخول . لست هنا لأعمله شيئا من خبرتى كعاهرة , ولا لأظهر أننى متفوقة الى احساسى على النساء الأخريات . " أنا هنا فقط لأقول له " نعم " وأننى أستقبله بكل كيانى , وأنتظره مثلما ينتظرنى , وأن تجاوز حدود البروتوكول بيننا يهيجنى . لكن , فلنترك لغرائونا أن تقودنا الى حيث تشاء , أنا المرأة وهو الرجل . كنا فى الوصف الأكثر تقليدية , أنا تحته وساقاى , وهو فوقى يتمرغ بى . نظرت اليه دون أى رغبة فى التصنع أو التاوه أو أى شئ . رغبت فقط أن أبقى مفتوحة العينين , لأتذكر كل دقيقة وأراقب تقاسيم وجهه وحركات يديه التين تعبثان بشعرى , وفمه ينهال على عضا وتقبيلا دون اى لمسات تمهيدية أو غير مآلوفة , فقط هو فى وأنا فى روحه .

    كان يتمرَّغ بى , يثور حيناً ثم يهدأ أحياناً . ثم ينظر الى وجهى حيناً أخر . ولم يكن ليسألنى هل أجد متعة فى ما يفعله , لأنه يعرف أنها الطريقة الوحيدة لتتواصل روحانا فى هذه اللحظة . زاد جموحه فى داخلى , وعرفت أن الدقائق الأحدى عشرة شارفت على نهايتها , ليت تلك اللحظات تستمر الى ما لا نهاية ! ما أجمل أن يمتلكنى رجل والا أمتلكه ! حصل كل هذا , وعيناى مفتوحان تراقبان ما يجرى الى أن أصبح أدراكنا بما حولنا مشوشآ , وكأننا دخلنا فى بعد أخر , حيث كنت الأم العظيمة والكون والمرأة المحبوبة والعاهرة المقدسة فى الطقوس , التى حدثنى عنها وأنا أحتسى كأس النبيذ وأتدفا بنار المدفأة . شعرت بدنو نشوئه قبل أن يبلغها , طوقته بذراعى وشددته الى صدرى , وزاد ولوجه حمأة وسرعة . وعندئذ أطلق زعقة عالية . لم يتأؤه ولم يعض شفتيه بل زعق ! وزار مثل حيوان ! خطرت لى فكرة أن الجيران سيتدعون الشرطة للتتعقب الصارخ , وتتبين سبب الصراخ . لكن الامر لم يعد له أهمية . تضاعفت لذتى عند سماع صرخاته التى ذكرتنى بغياهب الأزمنة , حين التقى أول رجل وأول امرأة ومارسا الحب .

    وما لبثا أن أطلقا معآ زعقة واحدة !

    ثم تداعى جسده فوقى . لااعرف كم من الوقت بقينا متعانقين , هكذا داعبت شعره , كما فعلت فى ذلك المساء , حين وضعت المنديل الأسود , وكانت العتمة كاملة فى غرفة الفندق . شعرت أن خفقات قلبه تهدأ , وأن يديه تمران برفق على ذراعى , فتقشعر لمرورهما كل شعيرات جسدى . ثم تنبه الى نقل جسده الذى يضغط على , فمال ناحيتى وهو يمسك بيدى , وبقينا معآ تنظر الى السقف والثريا .

    قلت له :

    - ليلة سعيدة .

    جذبنى ناحيته مسندآ رأسه الى صدرى وداعبنى طويلا , ثم قال لى بدوره :

    - ليلة سعيدة .

    قلت :

    - لابد أن الجيران سمعوا كل شئ !

    لم أشا أن اقول له " أحبك فى هذه اللحظة , لأنه لم يكن لذلك معنى كبير . هو يعرف ذلك وأنا أيضا " .

    أجابنى :

    - الهواء المتساب من شقوق الباب بارد جدآ .

    بدل أن يهتف قائلا " ما أروع تلك اللحظات .

    ثم أضاف :

    - لنذهب الى الطبخ .

    نهضنا ولاحظت أنه لم يخلع سرواله كليآ . كان لا يزال مرتديآ ثيابه , وعضوه ما زال ظاهرآ . لبست سترتى , ولحقت به الى المطبخ . أعد القهوة ودخن سيجارتين , فيما دخنت سيجارة واحدة .جلس أمام الطاولة وكان يقول لى " شكرآ " بعينيه , وكنت أجيبه انا أيضآ أريد أن أشكرك , لكن شفاهنا ظلت مطبقة .

    ثم تجاسر وسألنى :

    - ماذا تعنى هاتان الحقيبتان ؟
    - أعود الى البرازيل غدآ صباحآ .

    هل كان يجدر بى أن اقول " أحبك " أو " أود لو أبقى هنا معك , " أو " أطلب منى البقاء !

    - لا تفعلى .

    ما أجمل أن يقول لى ذلك .

    - لا أستطيع . هذا وعد . هذا قسم .

    لو أنى لم أقم بهذا الوعد لكنت أعتقدت أن هذا سيدوم الى الأبد , وهو ليس كذلك . ليس الا جزءا من حلم فتاة جاءت من بلاد بعيدة جدآ لتتعرف الى مدينة كبيرة وتواجه ألف مشقة , لكنها التقت الرجل الذى تحبه . هذه أيضا نهاية سعيدة لأننى بعد , كل المشقات التى واجهتنى ستراودنى حكاية ذلك الرجل الذى تغرم بى , كلما راجعت أيامى التى قضينها فى أوروبا . وسيكون معى دائمآ لأن زوجى ستظل تعانق روحه الى الأبد .

    أما رالف , لا تعرف مقدار حبى لك . أعتقد أن النساء يقعن دائما فى الحب من أول نظرة , ولا يستمعن الى نداء العقل , مهما قال لهن انهن مخطئات ومهما دعاهن الى محاربة مشاهرن . ثم تأتى اللحظة , حين يجتاح الانفعال كياننا كله , كما فى ذلك المساء عندما مشيت حافية القدمين فى المنتزه متحفلة الألم والبرد , لأننى اعرف جيدآ أنك تحبنى .

    أجل , أحبك كما لم أحب رجلا من قبل . ولهذا السبب بالضبط أرحل . لو بقيت لصار حلمى واقعا بليدآ , وتحول حبى الى رغبة فى امتلاك حياتك ... أى أننى أتخلى عن كل هذه الأشياء التى تحول الحب الى عبودية , الأبقاء على الحلم هو أفضل أمنية لدى , يجب أن تعتنى بكل لحظة سعادة حصلنا عليها من بلد زرناه , أو هبة وهبتها الحياة لنا .

    اراد رالف أن يغير موضوع السفر ويظهر اهتمامه بى . كان حريصا على الا يلزمنى بشئ , خشية أن يفقدنى الى الأبد , كان يعتقد أن أمامه الليل كل ليحملنى على تغيير رأيى فقال :

    - لم تبلغى النشوة .
    - لم أبلغ النشوة لكنى شعرت بلذة هائلة .
    - كان من الأفضل لو بلغتها .
    - كان بامكانى التظاهر بذلك , فقط لكى تكون مسرورآ , لكنك تستحق أفضل من هذا ,
    انت رجل حقآ , يارالف هارت , بكل ما فى هذه الكلمة من جمال وقوة . عرفت كيف
    تدعمنى وتساعدنى , وقبلت أن أدعمك وأساعدك دون أن يحس أى منا بأى حرج . أجل
    , كان الأمر أجمل لو أننى بلغت النشوة لكنى لم أبلغها . ومع ذلك , شعرت أننى أعبد
    الارض الباردة وجسدك العار والعنف الممتع الذى ولجتنى به .

    اليوم : ذهبت الى المكتبة لأرد الكتب التى كانت لا تزال فى حوزتى . سألتنى أمينة المكتبة عما اذا كنت أتحدث الى شريكى عن علاقتى الجنسية بصراحة , وكنت أرغب فى أن أجيبها , " عن أى شريك تتحدثين ؟ عن أى علاقة جنسية ؟ , لكنه لا تستحق مثل هذا الجواب , لأنها كانتن دائما ملاكا معى .

    فى الواقع , لم أعاشر الا شريكين منذ قدومى الى جنيف , أحدهما أيقظ فى أسوا ما فى داخلى , وقد سمحت له بذلك حتى اننى رجوته كى يفعل . والأخ رانت , بفضلك شعرت من جديد أننى أستعيد انتمائى الى العالم . أود لو أستطيع أن اعلمك أين تلمس جسدى , بأى درجة من الحدة بأى درجة من الرفق ولكم من الوقت , أعرف أنك ستفهم كلامى على انه اتهام او عذاب أو لوم . لكن كل ما أبتغيه من ذلك أن يكون أرشادك الى هذا الأمر وسيلة تسمح لأرواحنا بأن تتواصل بشكل أفضل . فن الحب كالرسم , يتطلب تقنية وصبرا وممارسة مشتركة , ويفترض جرأة لأنه يحب الذهاب الى ماهو أبعد مما تعارفنا على تسميته " ممارسة الحب " .

    بدل أن يأخذ رالف كلامى على محمل الجد , أشعل سيجارة ثالثة فى أقل من نصف ساعة , ثم قال :

    - أولا , سنقضى الليلة هنا ( لم يكن قوله طلباً بل امرآ ) .
    - ثانيآ , سنمارس الحب من جديد , لكن بتشنج أقل وبرغبة أكبر .
    - ثالثا , وأخيرآ أود أن تكتشفى أنت أيضآ الرجال بشكل أفضل . ماذا قال , أكتشف
    الرجال بشكل أفضل ؟ لكنى كنت أقضى معهم جميع ليالىِ , مع البيض والسود
    والآسيويين واليهود والمسلمين والبوذيين ! ألا يعرف هذا !

    أحسست أننى أكثر خفة وطلاقة . كان جيدآ أن يتخذ الحوار شكل النقاش . لأننى , للحظة ما , أوشكت أن أطلب المغفرة من الله . لاننى مضطرة أن أنكت بوعدى له . كان الواقع حاضرآ بقوة أمام عينى , يأمرنى بأن أحتفظ بحلمى كاملا , وألا أقع فى الأفخاخ التى ينصبها لى القدر .

    لاحظ رالف السخرية التى علت وجهى , فقال :

    - أجل , أطلب اليك أنت أن تفهمى الرجال بشكل أفضل . تحدثيننى عن ضرورة أن تعبر المرأة عن أحاسيسها الجنسية , وأن تكتشف جسدها وتريدين مساعدتى فى الابحار على متن جسدك , وتطلبين الى اني يكون لدى الصبر والوقت . أنا موافق . لكن , هل خطر ببالك أننا مختلفان عى الأقل فى ما يتعلق بالوقت ؟ لماذا لم تشكى أمرك لله وتطلبى اليه المساعدة ؟

    حين التقينا , طلبت اليك ان تعلمينى الجنس , لاننى فقدت كل رغبة فيه . هل تعرفين لماذا فقدتها ؟ لأن كل علاقتى الجنسية أفضت بى الى الضجر والحرمات . أدركت أن من الصعب جدآ أن أمنح النساء اللواتى أحببتهن اللذة نفسها التى كن يمنحننى اياها .

    النساء اللواتى احببتهن . لم تعجبنى العبارة , لكنى تظاهرت باللامبالاة وأشعلت سيجارة .

    - لم تكن لدى الشجاعة لاقول للمرأة " علمينى أسرار جسدك " . لكن , حين ألتقيتك ورأيت ضوءك , أحببتك على الفور . وفكرت أننى فى هذه المرحلة نت حياتى , لن أخسر شيئا اذا كنت صادقآ مع نفسى , ومع المرأة التى أود أن تكون الى جانبى .

    كان طعم السيجارة لذيذا ,ورغبت فى أن يقدم لى قليلا من الخمر , لكنى لم أشا تغيير الحديث.

    - لماذا لا يفكر الرجال الا بالجنس ؟ لماذا لا يحاولون أن يفعلوا معى ما فعلته انت , أى أن ترغب فى معرفة أحاسيس جسدى وأحواله ؟

    - أيقال أننا لا نفكر الا بالجنس ؟ العكس هو الصحيح . نقضى حياتنا , نحن نقع انفسنا أن الجنس بالغ الأهمية . نتعلم ممارسته مع العاهرات أو مع العذارى وتخبر قصصنا لمن يود سماعها . وحين نتقدم فى السن , نخرج برفقة الصغيرات لكى نقنع الأخرين , أو نفرجهم باننا لا تزال كما تتوقع منا النساء أن تكون . لكن , لا شئ من هذا صحيح . نحن لا نفهم شيئا . نعتقد أن الجنس والقذف أمرآ واحدى , وليس الأمر كذلك . لا نتعلم , لأننا لا نملك الجرأة لنقول لأمرأة " علمينى أسرار جسدك " . ولا تتعلم , لأن المرأة آيضا لا تملك الجرأة لتقول " حاول أن تعرفنى " . وهكذا فاننا نبقى عند مستوى الغريزة البدائية للمحافظى على استمرار النوع , ونقطة على السطر . هل تعرفين بم يهتم الرجل أكثر من الجنس ؟ احزرى ....

    فكرت أن ما يهمه أكثر هو المال أو السلطة , ولكنى لم أقل شيئا .

    -بالرياضة , لأن الرجل حينئذ يفهم جسد الرجل الأخر . فى الرياضة نلاحظ حوار الأجساد التى تتفاهم .

    - انت مجمون .
    - قد أكون مجنوناً . لكن هذا يتضمن شيئا من الحقيقة . هل سبق لك أن تساءلت عن شعور الرجال الذين تضاجعينهم ؟
    - نعم . تنقصهم الثقة بالنفس وأشعر انهم خائفون دومآ .
    - لا بل يعتريهم ما هو أكثر من الخوف , يشعرون بأنهم سريعو العطب . حتى لو لم يكونوا عارفين ماذا يفعلون . كل ما يفعلونه هو أن المجتمع والأصدقاء والنساء أنفسهن يدعون أن الجنس مهم . " الجنس , الجنس , الجنس ..انه ملح الأرض . هكذا تدعى أيضا الاعلانات والأفلام والكتب . ولا أحد يعرف عما نتكلم . نعرف فقط أنه يجب القيام بذلك , لأن الغريزة أقوى منا جميعى وهذا كل شئ .

    هذا يكفى . حاولت أن أعطيه دروسا لكى يحمينى , فبادر الى التصرف مثلى . لكن مهما قسمت كلماتنا بالحكمة – لأن واحدنا كان يحاول التأثير فى الأخر – فان كل ما تقوله كان سخفيا وغير جدير بالتعبير عن حقيقة مشاعرنا ! اجتذبته ناحيتى , لأن الحياة . بغض النظر عما كان سيقوله أو عما فكرت فيه , قد علمتنى كثيرا . فى بداية الأزمنة , كان كل شئ حبى خالصاً وتضحية بالذات . لكن ما لبثت الأفعى أن ظهرت لحواء , وقالت لها :

    " ما اعطيته سوف تخسرينه . وهذا ما حصل لى , طردت من الجنة فى المدرسة . ومنذ ذلك الوقت , أحاول أن أقول لافعى أنها مخطئة , وأن التضحية بالثمين الغالى أهم من محاولة الأستثار به . لكن الأفعى هى التى كانت على حق , وأنا المخطئة . جثوت على ركبتى وجردته من ثيابه على مهل . رأيت أن عضوه قد استرخى . قبلت باطن ساقيه بدا من القدمين . تأثر عضوه بقبلاتى , فلامسته وأخذته فى فمى من دون تسرع , ومن دون تلميح , وكأننى أستنهضه للقيام بمهمة عاجلة , " هيا , حضر نفسك للتحرك , قبلت بحنان من لا ينتظر شيئا . ولهذا نلت كل شئ . اهتاج وبدأ يداعب نهدى راسما حول حلمتى دوائر كذلك التى رسمها فى تلك الليلة : حيث كانت العتمة شاملة . اشتعلت فى أحشائى الرغبة ليلجنى من جديد . أينما يشاء وبالطريقة التى يجب أن يمتلكنى بها , سواء فى فمى أو فى عضوى , لم يجردنى من سترتى . مددنى على الطاولى , على بطنى , وساقاى مسددتان الى الأرض , وولجنى على مهل , هذه المرأة دون قلق , دون تشنج ولا خوف من أن يفقدنى , لانه هو أيضا كان يعرف ان ذلك ليس الا حلمى , وسيقى حلمى على الدوام .

    عضوه فى , ويده تتلمس صدرى وردفى , تتلمسنى , كما أمراة وحدها على ذلك . عندئذ فهمت أننا مخلوقان أحدنا لأخر لأنه يستطيع أن يكون امراة مثلى وأستطيع أن أكون رجلا مثله . وها أن تصفينا المفقودين يلتقيان لكى يكتمل الكون .

    كلما ولجنى وداعبنى بلمساته , أحسست أنه لا يلجنى أنا فقط بل يلج الكون كله . لدينا الوقت كله والحنان كل لتتسع معرفة أحدنا لأخر . أجل , كان رائعآ أن أصل بحقيبتين , وبى رغبة لا تقهر فى الرحيل , وان يرمينى حالا على الأرض ويلجنى فى العنف والرهبة . كان جميلا أيضا أن اعرف ان الليل لن ينتهى أبدآ وأن النشوة التى بلغتها على طاولة المطبخ لم تككن غاية بحد ذاتها , ولكن بداية لقاء .

    جمد عضوه فى , فيما كانت أصابعه تنتقل بسرعة . ومن نقطة حساسة الى أخرى بلغت نشوتى الأولى والثانية والثالثة . كانت لدى رغبة فى ابعاده , لأن ألم اللذة كان قويا جدى , كانت اللذة حين تغذب , اللذة الممزوجة بالألم , لكنى تحملت بعزم , وتقلبت برضى أن يكون الأمر كذلك , أستطيع أن أتحمل نشوة أخرى بعد أو نشوتين أو أكثر ....

    وفجاة تفجر ضوء فى داخلى . لم اعد أنا نفسى , بل صرت كائنا متفوقآ على كل ما عندى . عندما أوصلتنى يده الى النشوة الرابعة رأستنى أدهل مكانا حيث السلام الكامل . وفى النشوة الخامسة بلغت أفاقا بعيدة . عندئذ أحسست أن عضوه يعيد التوغل فى من جديد , ويترافق جموحه مع حركة يده . قلت , يا ألهى , أنا متروكة ولا أعرف ان كانت هذه سماء أم جحيما .

    لكنها كانت الجنة . كنت الأرض والجبال والنمور والأنهار الجارية حتى البحيرات والبحيرات الجارية حتى البحر . كان يذهب فى بسرعة متزايذة والألم يمتزج باللذة . اردت أن اقول " لم أعد أحتمل , لكن هذا ظلم , لاننا فى هذه المرحلة من تداخلنا كنا أنا وهو واحدة " .

    تركته يلجنى طوال الوقت اللازم . كانت أظافره مغروزة فى ردفى , وأنا ممدة على بطنى فوق طاولة المطبخ . فكرت أنه ما من مكان فى العالم أروع من ذلك المكان لممارسة الحب . من جديد سارع الى غرز أظافره فى بشكل مؤلم , وعضوه يجلد بقوة بين ردفى , كان جسده ملاصقا لجسدى , وأوشكت أن أبلغ النشوة وهو آيضا , لكن لا شئ من هذا – لا شئ من هذا كذب !

    - تعالى .

    كان يعرف عما يتكلم , وكنت اعرف انه ان الاوان . استرخى كل جسدى , لم أعد نفسى . لم أعد اسمع ولا أرى ولا أشعر بطعم شئ . تحولت الى مجرد جسد يحمل .

    - تعالى !

    وأمنيته , لم تكن أحدى عشرة دقيقة بل أبدية .كنا وكأننا خرجنا كلينا من جسدينا , ودخلنا جنة الخلد , حيث الحب الحقيقى والتفاهم التام والسعادة المطلقة . كنا امرأة ورجلا , رجلا وامرأة . ولم اعرف كم من الوقت دام هذا , لكن كل شئ ,بدا صامتا يصلى , وكأن الكون والحياة صارا فى حال من الخشوع لا ادرى ماذا اسميها خارجة على المكان والزمان .

    ثم ما لبث أن رجع الكون الى مستقره والزمن الى دورانه .
    سمعت صرخاته وصرخت معه . كانت قوائم الطاولة تضرب الأرض بعنف , ولم يزعجنا الضجيج , ولم نسأل ماذا ستكون ردة فعل سائر الناس .

    أخرج عضوه منى دون أن يعلمنى . أخذت اضحك , التفت نحوه وضحك هو آيضا . تعانقنا ملتصقين أحدنا بالأحر , وكأننا نمارس الحب لأول مرة فى حياتنا .

    قال لى :

    - باركينى .

    باركته دون ان اعرف ماذا أفعل . وتوسلت اليه أن يفعل الشئ نفسه . قال " مباركة هذه المرأة التى احببتها كثيرآ " . كانت كلماته جميلة فتعانقنا من جديد وبقينا على هذه الحال دون ان نعرف كيف أن أحدى عشرة دقيقة يمكنها أن تقود رجلا وامرأة الى الجنة .

    لم تظهر على اى منا علامات الارهاق . توجهنا الى الصالون . وضع أسطوانى , ثم فعل بالضبط ما كنت اتوقع منه ان يفعل , أشعل النار فى المدفأة , وقدم لى خمرة , قم فتح كتابا وقرأ ما يلى :

    زمن الولادة وزمن الموت
    زمن الزرع وزمن الحصاد
    زمن القتل وزمن الشقاء
    زمن الهدم وزمن البناء
    زمن البكاء وزمن الضحك
    زمن النحيب وزمن الرقص
    زمن رمى الحجارة وزمن جمعها
    زمن المعانقة وزمن الفراق
    زمن الأحتفاظ وزمن التخلى
    زمن التمزيق وزمن الرتق
    زمن الصمت وزمن الكلام
    زمن الحب وزمن الكراهية
    زمن الحرب وزمن السلم

  22. #22
    أم كنان
    الحالة : ربا محمد خميس غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 26
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الامارات .. أبوظبي
    المشاركات : 53,208
    التقييم : 10
    كان هذا النص يتلاءم مع اللحظة التى أعيشها , ويبدو وكأنه قصيدة وداع . ألا انه كان من أجمل النصوص التى قرأتها فى حياتى .

    ضممته الى ذراعى وضمنى الى ذراعيه . تمددنا على السجادة أمام المدفأة . كان لا يزال الشعور بالأكتمال حاضرآ فى , وكأننى كنت على الدوام امرأة . حكيمة , سعيدة , متفتحة .

    - كيف أمكن لك أن تقع فى غرام عاهرة ؟
    - لم أفهم السبب حينئذاك . لكننى , الان , أعتقد , بعدما أمعنت فى التفكير , أن السبب هو أننى اعرف ان جسدك ليس ملكى لى وحدى . اذا أستطيع أن احصر اهتمامى كله بامتلاك روحك.

    - والغيرة ؟ ماذا تفعل بالغيرة ؟
    - لا نستطيع أن نقول للربيه , " تعال شرط ألا تتاخر وتدوم أطول وقت ممكن " . ولكن فقط , " تعال وباركنا بالأمل الذى تشيعه بيننا , وابق قدر ما يحلو لك .

    كلمات فى الهواء . لكنى كنت بحاجة الى سماعها وكان هو أيضا محتاجآ الى قوتها . نمت وحلمت بعطر يغمر كل شئ .


    * * * * *



    فتحت ماريا عينيها , فتسربت خيوط الشمس عبر الستائر المعدنية المفتوحة .

    فكرت وهى تنظر الى الرجل النائم قربها , " مارست الحب معه مرتين ومع ذلك أشعر وكأننا كنا معآ منذ الأزل , أو كأنه يألف منذ الأزل حياتى وروحى جسدى وضوئى وللى " .

    نهضت لتعد القهوة . عندئذ رأت الحقيبتين فى الرواق وتذكرت كل شئ , القسم , الصلاة فى الكنيسة , حياتها , الحلم الذى أوشك ان يصير حقيقة, ويفقد سحره , الرجل الكامل , الحب الذى يتحد فيه الجسد والروح واللذة والنشوة .

    بامكانها البقاء , ليس لديها ما تخسره سوى قليل من الوهم الأضافى . فكرت فى القصيدة التى قراها لها " زمن البكاء وزمن الضحك " . لكن هناك جملة أخرى تقول " زمن للعناق وزمن للفرق " . أعدت القهوة , أغلقت باب المطبخ أخذت الهاتف واتصلت بسائق تاكسى . استجمعت ما لديها من قوة وارادة واطبقت جفنيها على ذكرى تلك الملابس تلك الليلة الساحرة , وعزمت على الرحيل .

    ارتدت ملابسها , اخذت الحقائب , ورحلت املة من كل قلبها ان يستقيظ الرجل ويطلب منها البقاء .

    لكنه لم يستيقظ . وفيما كانت تنتظر وصول سيارة التاكسى فى الخارج مرت غجرية قربها وهى تحمل مجموعة من باقات الزهور .

    - هل تريدين باقة ؟

    اشترت ماريا باقة . كانت هذه الزهور ايذانا بقنون الخريف ورحيل الصيف . من الأن فصاعدا لن تشاهد فى جنيف الطاولات المنتشرة على أرصفة المقاهى , ولا المنتزهات مغمورة بضوء الشمس ومزدحمة بالمتنزهين . لا يفترض أن نشعر بالأسى لرحيلها , فهذا كان خيارها , وليس هناك ما يدعو للتحسر والنحيب .

    وصلت الى المطار وطلبت فنجان قهوة . انتظرت , لأربع ساعات وصول الطائرة المتجهة الى باريس , وهى تتوقع أن يظهر رالف بين اللحظة والأخرى لاسيما وانها ابغلته بساعة الرحيل قبيل أن ينام . فكرت أن هذا يحصل فقط فى الأفلام . فى المشهد الأخير وفيما المرأة على وشك الصعود الى الطائرة , يصل الرجل يائسا فيشدها اليه ويقبلها ويعيدها الى عالمه فى كتف النظرات المستمتعة والمجاملة لموظفى الطائرة . ثم تظهر كلمة " النهاية " على الشاشة , ويتأكد المشاهدون أن البطلين سيعيشان فى سعادة الى الأبد .

    لكن الأفلام لا تروى أبدى ما يحصل بعد ذلك ! هذا ما خطر على بال ماريا لكنها استرسلت فى الخيال لتعزى نفسها , وتذكرت أن الافلام لا تروى شيئا عن الزواج والطبخ والأولاد والعلاقات الجنسية التى تخف وتيرتها باطراد , والعثور على أول رسالة غرام من العشيقة التى تخف وتيرتها باطراد والعثور على أول رسالة غرام من العشيقة ( فتتخد الزوجة القرار بأشارة فضيحة ثم بعد الزوج بان هذا لن يتكررر ) , ثم رسالة ثانية من عشيقة اخرى ( فتثير الزوجة فضيحة أخرى وتهدد بالطلاق ويكتفى الروح بأن يقول لها أنه يحبها ) . ولدى العثور على الرسالة الثالثة من العشيقة الثالثة تقرر الزوجة أن تصمت وتتظاهر بانها لا تعرف , خشية أن يقول لها الزوج انه لم يعد يحبها , وانها تستطيع الرحيل متى تشاء .

    لا , فالستار يسدل قبل ان تبدى مسرحية الحياة الواقعية . فرأت ماريا مجلة واثنين وثلاثا . واخيرآ اعلن على الميكروفون عن وصول الطائرة , بعدما أحست ماريا انها قضت سنوات فى قاعة الانتظار فى المطار , صعدت الى الطائرة متخيلة أيضا المشهد الشهير الذى ما أن تضع فيه البطلة حزام الأمان , حتى تشعر بيد تلمس كتفها , فتلتفت وتجد حبيبها مبتسمآ لها .

    لم يحصل شئ من هذا .

    نامت خلال الرحلة القصيرة من جنيف الى باريس . لم يتسن لها الوقت لتفكر فى القصة التى سترويها لأهلها وأصدقائها . لكن أهلها سعداء ولا شك برجوع ابنتهم , وبالمزرعة التى تضمن لهم شيخوختهم .

    أيقظها صوت عجلات الطائرة , وهى تلامس أرض المطار . جاءت المضيفة وقالت لها ان عليها ان تغير منصة الأنطلاق , لان الطائرة المتجهة الى البرازيل تنطلق من المنصة F فيما هى موجودة فى المنصة C , وان عليها ألا تقلق لأنه ليس هناك تأخر , وأن لديها متسعا من الوقت . وأن الموظفين على الأرض يستطيعون مساعدتها لتهتدى الى وجهتها الصحيحة . فيما كانت الطائرة تقترب من سلم النزول , تساءلت هل يستحق الأمر عناء ان تقضى يوما فى باريس , لا لشئ ألا لتلتقط بعض الصور , وتتباهى لدى وصولها الى البرازيل بأنها زارت المدينة . كانت تشعر انها بحاجة ايضا الى الوقت لكى تفكر وتكون وحيدة مع نفسها , وتستعيد مجريات الليلة الفائتة لكى ترشحها جيدى فى ذاكرتها , وتستنير بضوئها , مسترجعة سحرها ساعة تشاء , لتشعر انها لا تزال حية . أجل , باريس فكرة رائعة . استعلمت من مضيفة الطيران عن موعد الطائرة المقبلة المتوجهة الى البرازيل , وهذا يفيدها فى حال قرارها بالأ تسافر اليوم .

    أخذت المضيفة تذكرتها , واسفت لأن تسعيرة التذكرة لا تسمح لها بارجاء موعد الرحلة , فعزت نفسها بالقول أن اكتشاف مدينة بهذا الجمال بمفردها سيشعرها بالأحباط . وسرعان ما توصلت الى الأحتفاظ بهدوء أعصابها وقوة ارادتها , لأنه لن تفسد كل شئ بسبب أشتياقها الى رجل .

    نزلت من الطائرة وخضعت لتفتيش الشرطة , ستنقل أمتعتها مباشرة الى الطائرة الاخرى . فتحت الأبواب وأخذ المسافرون يقبلون من جاؤؤا لتوديعهم . زوجاتهم أو أمهاتهم أو أولادهم . تظاهرت ماريا وكان كل ذلك لا يعنيها فيما كانت تفكر من جديد بوحدتها . لكن هذه الوحدة كانت اقل مرارة لأن لديها سرآ \ حلمى . ولأن الحياة ستكون أسهل .

    " ستكون باريس دائمى هنا " .

    لم يكن الدليل السياحى الذى تفوه بهذه العبارة , ولا سائق التاكسى . أخذت ساقاها ترتجفان عندما سمعت صوته .

    ستكون باريس دائمى هنا ؟

    - هذه الجملة تذكرنى بفيلم أعبده . هل تودين أن ترى برج أيفل ؟

    اجل تود كثيرآ . كان رالف يحمل ورود فى يده , ويعناه مفعمتان بالضوء , الضوء الذى رأته فيهما , فى اليوم الأول للقائهما , عندما كان يرسم صورتها , فيما الهواء البارد يشعرها بالانزعاج .

    قالت لكى تخفى دهشتها :

    - كيف وصلت الى هنا قبلى ؟

    لم يكن للجواب اى اهمية . احتاجت الى قليل من الوقت لتتماسك .

    - رايتك تقرأين مجلة . كان بامكانى الأقتراب منك , لكنى رومنطيقى , رومنطيقى حتى العظم . فكرت أن من الأفضل أن استقل أول طائرة متجهة الى باريس تنزهت فى المطار وانتظرت ثلاث ساعات وأنا أستعلم فى كل لحظة عن مواعيد الطائرات . اشتريت لك زهورآ واردت أن اقول لك الجملة التى تفوه بها ريكى لحبيبه فى فيلم " كازابلانكا " , وأنا أتخيل الدهشة على وجهك . كنت أكيدآ من أن هذا ما تريدينه وما تتوقعينه , وأن كل قوة العالم لا تكفى لتقف فى وجه الحب وقوة الحب القادرة على قلب كل المعادلات بلمحة بصر . لا يكلفنا شئ أن تكون رومطيقيين كما فى السينما . الا توافقيننى الرأى .

    لا تعرف ان كان ذلك يكلفنا أم لا , ولا تريد أن تفكر فى أى " سحر " لأن هذا اخر هم لديها , تعرف فقط انها التقت هذا الرجل , وأنهما ماريا الحب للمرة الأولى منذ ساعات , وانه قدمها لأصدقائه الليلة الفائتة . وتعرف أيضا انه تردد الى الحانة الليلة حيث كانت تعمل , وانه تزوج مرتين . وأنه ليس منزعآ عن كل عيب . هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى , صار لديها المال لتشترى مزرعة , وهى لا تزال فى مقتبل العمل . امامها المستقبل , وخلفها تجربة كبيرة فى الحية واحساس قوى بالأستقلالية . رغم كل ذلك , فان القدر يختار عنها وبامكانها المجازفة من جديد .

    بما انها لم تعد متشوقة لتعرف ماذا سيحصل بعد كلمة النهاية على الشاشة , عانقت رالف وقبلته . لكن , لو عرفت يوما ان أحدهم يروى قصتها , فستطلب منه أن يبداها , كما تبدا قصص الجنيات " كان ما مكان .....


    * * * * *

    تمت ...







    ملاحظات الكاتب-----

    استغرقت وقتآ طويلا لأكتشف المعنى المدقس للجنس , على غرار الجميع , وأعمم دون تردد . كانت الفترة التى عشت فيها شبابى تتسم بالحرية المتطرفة والأكتشافات المتنوعة والشطط . تبعتها فترة اتسمت بالجو المحافظ والقمعى . وهذا الثمن تدفعه دائمآ بعد فترات المجون التى تمر بها المجتمعات , والتى لا تختفى دون عواقب وخيمة .

    خلال هذا العقد من الفجور والتفلت الجنسى ( فترة السبعينات ) , نشرالكاتب ايرفينخ والا كتابآ يتطرق فيه الى موضوع الرقابة فى الولايات المتحدة , ويشير الى الدسائس القضائية التى عملت على تحظير نشر أحد النصوص التى تتحدث عن الجنس , وكان بعنوان " سبع دقائق " .

    فى رواية والا , ليس الكتاب , هدف الرقابة , الا ذريعة روائية , ونادرآ ما يظهر موضوع الجنس بحد ذاته . تساءلت حينئذ ماذا بامكانه ان يكون هذا الكتاب . وما المادة الروائية التى يمكن أن ينضمنها . ثم دفعنى هذا التساؤل الى اخر : ماذا لو حاولت بنفسى كتابة رواية عن الجنس .

    خلال سياق الرواية , يشير والا عدة مرات الى الكتاب الوهمى , دون أن يحدد ما فيه , مما جعل مهمة التخيل لدى مستحيلة . لم يتبق فى ذاكرتى من ذاك الكتاب الا العنوان " سبع دقائق " , ( لكنى أجد والا يبالغ كثيرآ فى اختزاله مدة الفعل الجنسى . قررت ان أطيلها ) . وفكرت انه لأمر هام أن نقارب الجنس بطريقة جادة . وهذا ما قام به على اية حال عدد لا يستهان به من الأدباء .

    عام 1997 , وبعد أن أنتهيت من القاء محاضرة فى مانتو بايطاليا , وجدت فى الفندق , حيث نزلت , مخطوطة تركت لى عند الأستعلامات لا اقرا المخطوطات فى العادة , لكنى قرأت تلك المخطوطة , وهى تروى قصة حقيقية لعاهرة برازيلية وزيجاتها والصعوبات التى واجهتها مع القانون . ومختلف الأحداث التى عاشتها .

    عام 2000 كنت مارى بمدينة زوريخ , فتحدثت عبر الهاتف مع هذه العاهرة التى تدعى سونيا ( وهو اسم مستعار ) . قلت لها أننى احببت النص الذى كتبته ونصحتها بأن ترسله الى ناشرى البرازيلى الذى لم يوافق على نشره . استقلت سونيا القطار المتجهة الى زوريخ ودعتنا للذهالب , انا وصديق وصحافية من جريدة " Blick " التى كانت قد أجرب مقابلة معى للتو , الى لانفستراس , حى الدعارة الشهير . كنت اجهل أن سونيا أعلمت مسبقا زميلاتها بزيارتها , ودهشت حين رأتنى اوقع للعاهرات كتبى المنشوة فى لغات عدة .

    عندئذ , أتخذت قرارى بأن أتحدث عن الجنس ,لكن لم يكن لدى بعد لا السيناريو ولا الشخصية الرئيسية . كنت قد فكرت بقصة تذهب باتجاه البحث عن الجنس المقدس . لكن هذه الزيارة الى لانفستراس أنارت لى طريقى , ذلك أننا لكى نتمكن من الكلام عن البعد المقدس للجنس , من الضرورى أن نفهم لماذا تم تدنيس الجنس , أو امتهانة الى هذا الحد .

    عند أجرب المجةل السويسرى " L'illustee'e " مقابلة معى , تحدثت عما حصل لى فى لانفستراس , وعن حقل التوقيع المرتجل الذى نظمته العاهرات ! الشى الذى دفع المجلة الى القيام بتحقيق واسع عن هذا الموضوع . وكانت نتيجة هذا التحقيق أن جاءت عدة عاهرات الى حفل توقيع أقيم لى فى جنيف وهن يحملن فى ايديهن الكتب ليحصلن على توقيعى . لفتت احداهن انتباهى بشكل خاص . ذهبت معها بصحبة وكيلتى وصديقتى مونيكا أنتونيس , لتناول فنجان قهوة , فتحول اللقاء الى عشاء , ثم تبعته عدة لقاءات فى الأيام اللأحقة . وعندئذ ولدت حبكة هذه الرواية " أحدى عشرة دقيقة " .

    أوجه شكرآ خاصا الى آنا فوت بلانت , وهى ناشرتى السويسرية التى زودتنى بمعطيات أساسية عن الوضع القانونى للعاهرات فى بلادها . وشكرآ آيضا الى النساء التالية أسماؤهن فى زوريخ ( وهى أسماء مستعارة ) . سونيا التى التقيتها للمرة الأولى فى مانتو ( لعل أحد يهتم يومآ بنشر كتابها ! ) ومارتا وانتينورا وايزابيلا . وفى جنيف , أشكر ايمى ولوتشيا وآندرى وفانيسا وباتريك وتريز وأنا كريستينا ( واسماؤهن أيضا مستعارة ) .

    كما أوجه شكرى الى انتونيللا زارا التى سمحت لى باستخدام بعض المقاطع من كتابها " علم الشغف " لأستعين بها فى يوميات ماريا .

    وأخيرآ اوجه شكرى الى ماريا ( اسم مستعار ) التى لا تزال مقيمة فى لوزان , وهى متزوجة ولديها ابنتان . وقد اخبرتنا , أنا ومونيكا , القصة التى على أساسها بنيت هذه الرواية , قصتها .


    باولو كويلو


    ****



    اتمنى ان تنال اعجابكم..

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. ميلاد مجيد
    بواسطة davinci في المنتدى الساحة الأدبية المفتوحة
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 26-12-2008, 09:37 PM
  2. مبروك ابو مجدي
    بواسطة رولا في المنتدى الملتقى الاجتماعي ( المناسبات )
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 28-02-2007, 11:01 AM
  3. عائله اسرائليه كامله اعتنقت الاسلام ...(بالصور)
    بواسطة أبو هادي في المنتدى فضاءات عامة
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 06-12-2006, 08:43 PM
  4. صيدليه كامله اسمها...... الفلفل!
    بواسطة ربا محمد خميس في المنتدى ملتقى الطب الغذائي وعلم الميكروبيوتك
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 18-07-2006, 05:26 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •