- لقد زال خوفى ويمكننا الذهاب بعيدآ فى اللعبة . اذا كان الأمر ضروريا عاقبنى لأننى امرأة عاصية . كذبت خنت وتصرفت بالسوء مع هؤلاء الذين أحبونى وعملوا على حمايتى .
دخلت ماريا فى اللعبة . قالت ما ينبعى أن تقوله .
امرها تيرنس بصوت عال ومثير للدهشة والقلق .
- أركعى !
استجابت ماريا لطلبه . لم يعاملها أحد , قط بهذه الطريقة , ولا تعرف ان كل ما تفعله جيدا أم سيئا . أرادت فقط أن تذهب بعيدآ , وفكرت أنها تستحق هذه المعاملة بسبب كل ما فعلته فى حياتها . أضحت أمرأة مختلفة وكان أمراة خرى قد تقمصت جسدها .
- ستعاقبين لأنك عديمة الفائدة ولأنك لا تعرفين القواعد وتجهلين كل شئ عن الجنس والحياة والحب .
بدا تيرنس وهو يتكلم وكأنه شخصان , رجل يشرح لها بهدؤء قواعد السلوك البشرى , ورجل أخرها يشعرها أنها أتعس شخص فى العالم .
- هل تعرفين لماذا أفعل ذلك , لانه ليس من لذة فى الدنيا أكبر من أن نقود أحدآ الى ولوج عالم مجهول , وان نفقده عذريته , ليس عذرية الجسد بل عذرية الروح . هل فهمت ؟
- فهمت .
- اليوم بأمكانك أن تطرحى الأسئلة , لكن , فى المرة المقبلة , ما أن ينزع الستار عن المسرح حتى تبدأ المسرحية ولا أحد يمكنه أيقافها . واذا توقفت فهذا لأن روحينا لم يتقفا . تذكرى , أنها مسرحية . يجب أن تكونى الشخص الذى لم تجرؤى يوما أن تكونيه . وستكتشفين شيئا فشيئا أن هذا الشخص هو ذاتك الحقيقة . بانتظار ذلك , حاولى أن تتظاهرى باحتمال المعاناة كونى خلاقة .
- واذا لم أستطع تحمل الألم ؟
- ليس هناك ألم . انه فقط شهور يتحول الى لذة , الى سر . قولى لى " لا تعاملنى هكذا , أنا أتالم , لان هذا يشكل أيضا جزءى من المسرحية أناء ولكى تتحاشى الخطر ....اخفضى رأسك ولا تنظرى الى .
جثت ماريا على ركبتيها , وخفضت رأسها وهى تنظر الى الأرض .
- لكى تتجنب أن تسبب هذه العلاقة أذية جسدية خطيرة , سنستعمل أصطلاحين . اذ قال أحدنا " أصفر " فهذا يعنى أنه يجب الحد من العنف , واذا قال " أحم " فهذا يعنى أن عليه التوقف فى الحال .
- قلت " أحدنا ؟
- نعم لأننا سنتبادل الأدوار , لا وجود لأحد دون الاخر , ولا أحد بامكانه أن يدل الاخر , الا اذا سمح للأخر بأذلاله .
كانت هذه الكلمات مرعبة , أتية من عالم لا تعرفه , عالم خافل بالظلمة والوحل والعفن . ومع ذلك كانت تحدوها رغبة الذهاب بعيدآ , كان جسدها يرتجف خوفآ وأثارة .
لامست يد تيرنس راسها بحنان غير متوقع .
قال :
- انتهت اللعبة .
توسل اليها أن تنهض بنبرة لا تخلو من بعض الحنان , وان حلت من العدائية الجافة التى أظهرها من قبل . ليست ماريا سترتها وهى لا تزال ترتجف . لاحظت تيرنس الحالة التى كانت فيها .
- دخنى سيجارة قبل أن ترحلى .
- لم يحدث شئ .
-ليس هذا ضروريأ . لكن هذا اللقاء سيتابع مساره فى روحك . وفى المرة المقبلة عندما نلتقى , ستكونين أكثر استجابة .
- هل تساوى هذه السهرة ألف فرنك ؟
لم يجب أشعل هو أيضا سيجارة , وكانا قد فرغا من احتماء النبيذ . استمعا الى الموسيقى , وقد خيم عليهما صمت طويل ممتع .
ثم جاء وقت الكلام , وتفأجات ماريا من كلماتها بالذات :
- لا اعرف لماذا كانت لدى رغبة المشى فى الوحل .
- بسبب الالف فرنك .
- ليس الأمر كذلك .
بدا تيرنس سعيدى بجوابها .
- أنا ايضا طرحت على نفسى هذا السوال . كان الماركيز دو ساد يقول أن التجارب الأهم التى يختبرها فى حياته هى تلك التى يبلغ فيها المرء أخر المطاف . وهى التى تعلمنا لأنها تستنفذ منا كامل طاقتنا . ان رب العمل الذى يهين موظفا , او الرجل الذى يهين زوجته , هما على درجة عالية من الجبن , أو يسعيان للأنتقام من الحياة . أن مثل هؤلاء الناس لم يجرؤؤا يوما على النظر الى أعماق أنفسهم .
لم يسعوا ليعرفوا من أين تأتى الرغبة فى التحرز من الوحش الكامن فى داخلهم , ولا ليدركوا أن الجنس والألم والحب تمثل للأنسان تجارب قصوى . وحده الذى يعرف أقامة الحدود يعرف معنى الحياة . ليست البقية الا مضيعة للوقت وتكرارآ للمسار نفسه , نشيخ ونموت دون أن نعرف ماذا كنا نفعل على هذه البسيطة .
* * * * *
من جديد الطريق , من جديد البرد , ومن جديد الرغبة فى المشى .
كان هذا الرجل مخطئا . ليس ضرورياً أن نعرف شياطيننا لكى نلقى الله .
صادفت فى طريقها جماعة من التامذة الخارجين من أحدى الحانات . كانت السعادة تخيم عليهم , على الرغم من أثار السُكر البادية على وجوههم الجميلة المفعهمة بالحيوية والنشاط.
عما قريب سينهون دروسهم , ويبدأ ما يرون أنه " الحياة الحقيقية " العمل , الزواج , الأطفال , الرتابة , المرارة , الشيخوخة , الشعور الهائل بالخسارة , الحرمان , المرض , العجز , التبعية , الوحدة , وأخيرآ الموت .
لكن , ما بالها ؟ هى ايضا كانت تنشد الطمأنينة لكى تحيا حياتها الحقيقية , والوقت الذى كان قضته فى سويسرا لتمارس مهنة لم تفكر يوما فى اختيارها , كان مرحلة صعبة من تلك المراحل التى يواجهها الجميع عاجلا أم أجلا.
ذهبت الى " كوباكابانا " وخرجت برفقة الرجال من أجل المال , وأنت أدوار الفتاة البرئية الساذجة أو المرأة المغوية أو الأم المتفهمة , وفقآ لأمزجة الزبائن .
لم يكن ما فعلته الا جورآ أدته على أعلى درجة من الأحتراف طمعاً بالعلاوة , وعلى أدنى درجة من الاهتمام خشية ان تعتاده .
قضت تسعة أشهر فى مراقبة العالم من حولها .
وقبيل عودتها الى ديارها , اكتشفت أنها قادرة على احب دون أن تطلب أى شئ بالمقابل , وعلى العذاب دون سبب .
كما لو أن القدر رماها فى لجة حياة قذرة , غريبة الأطوار , لكى تكتشف أسرارها المضيئة والمظلمة .
* * * * *
وهذا ما كتبته ماريا فى يومياتها ليلة لقائها بتيرنس :
" أستئهد بالماركيز دوساد الذى لم أقرأ له سطر واحد , لكنى سمعت بعض التعليقات التقليدية عن السادية , والتى تقول أننا لا نعرف أنفسنا حقاً الا حين نتجاوز حدودنا بالذات .
هذا أكيد .
لكن ذلك الأمر يحتاد الى مراجعة , لانه ليس ضروريا أن نعرف كل شئ عن ذواتنا .
لم يخلق الكائن البشرى فقط لكى يفتش عن المعرفة , بل لكى يحرث الأرض أيضاً , وينتظر المطر , ويزرع القمح , ويجنى الغلال , ويعجن الخبر .
فى داخلى أمرأتان , أحداهما تسعى الى بلوغ السعادة والشغف والمغامرات التى يستطيع الوجود أن يوفرها لها , والثانية عبُدة الرتابة والحياة العائلية والأفعال الصغيرة التى يمكن التخطيط لها وتنفيذها .
انا أحنل فى حنايا جسدى على السواء ربة المنزل والعاهرة , وكل منهما تصارع الأخرى .
ان لقاء المرأة بذاتها لعبة تنطوى على الكثير من المخاطر . عندما ألتقى بذاتى نصير طاقتين , عالمين يتصادمان . أما اذا كان اللقاء يفتقر الى الأنسجام المتوازن , فانه يتحول الى انفجار مدمر للذات البشرية الواحدة .
* * * * *
من جديد صالون رالف هارت والنار فى المدفأة والخمر , وكلاهما جالسان على الأرض . كل ما أحست به ماريا البارحة أثناء لقائها بذاك الأنكليزى , مدير مؤسسة الأسطوانات , كان بمجرد حلم , أو كابوس . وهذا يتعلق بحالتها النفسية .
كانت تبحث فى هذه اللحظة عن سبب وجودها , أو بالأحرى عن هذه التضحية المجنونة بالنفس التى تمنح من خلالها قلوبنا دون أن نطلب شيئا بالمقابل .
أينعت ماريا , وهى فى انتظار هذه اللحظة . أكتشفت أخيرا أن الحب الحقيقى لا علاقة له بما نتصوره عادة , اى بسلسلة الأحداث التى تثيرها طاقة الحب , بداية الحب , الألتزام , الزواج , الأطفال , نهاية الأنتظار , الشيخوخة معآ , نهاية الأنتظار , تقاعد الزوج فى حينه , الأمراض والشعور بأن الأوان قد فات وأن الزوجين تخليا عن تحقيق أحلامهما المشتركة , وباتا ينتظران قدرهما المحتوم .
نظرت ماريا الى الرجل الذى قررت أن تهبه ذاتها دون أن تبوح له بما كانت تشعر تجاه , لانها لم تكتشف الأسلوب الملائم للتعبير عن مشاعرها وانفعالاتها .
بدا رالف مرتاحآ , وكأنه يعيش فترة ساحرة فى حياته . كان يبتسم وهو يحدث ماريا عن الرحلة التى قام بها مؤخرا الى ميونيخ , ليقابل مدير أحد المتاحف الكبرى .
- سالنى المدير اذا كانت اللوحة عن وجوه جنيف قد أنجزت . قلت له أنننى تعرفت الى أحد الأشخاص الذين أرغب فى أن أرسمهم , أمرأة مليئة بالضوء ...لكن , لا أريد التحدث عن نفسى . أريد أن أقبلك , أشتهيك , أرغب فيك .
الرغبة , الرغبة ؟ الرغبة ! أنها النقطة المحورية فى هذه السهرة . وكان هذا امرا تعرفه ماريا تمام المعرفة !
توقظ الرغبة مثلا حسن لا تستجيب لدواعى الرغبة فى الحال , حين نرجئ هذه الأستجابة .
- اشتهينى اذن . هذا ما نفعله الأن . انت على بعد متر منى , سعيت الى حانة ليلية وأنفقت ما فيه الكفاية لتحصل على مبتغاك , وتعرف ان لديك الحق أن تلمسنى لكنك لا تجرؤ . أنظر الى . أنظر الى . تخيل أننى لا اريد أن تنظر الى . تخيل ماذا أخفى تحت ملابسى .
كانت ترتدى فستانا أسود بسيطاً , ولا تفهم السبب الذى يدفع الفتيات الأخريات فى حانة " كوباكابانا " لأن يبذلن كل ما فى وسعهن ليبدون مثيرات من خلال أرتداء الألبسة المثيرة والألوان الغامقة .
كان الأمر فى نظرها مختلفاً , أن تثير رجلا يعنى أن ترتدى ملابس تبدو فيها مشابها لأى أمرأة يلتقيها فى المكتب أو القطار او عند صديقة زوجته .
نظر اليها رالف . أحست ماريا أن نظراته تعريها , وراق لها أن يشتيهيها بهذه الطريقة , دون أن يلمسها ,كأنهما فى مطعم أو فى رتل من المنتظرين أمام قاعة السينما .
قالت ماريا :
- تخيل أننا فى محطة . أنتظر القطار قربك , وانت لا تعرفنى . لكنى عينى تلتقيان عينيك مصادفة , وأنا لا أشيح بهما عنك , لا تعرف ما احاول قوله لك لانك رغم ذكائك , رغم أنك قادر على رؤية " الضوء " الكامن فى الأخريين , لست حساسا بما فيه الكفاية لترى ما يمكن أن ينجلى عن هذا الضوء .
لم تنس المسرح . أرادت أن تمحو بأقصى سرعة ممكنة وجه المدير الفنى الأنكليزى , لكنه كان هنا , يرصد تخيلاتها .
- أنظر اليك فى عينيك مباشرة وأتساءل , هل رأيته من قبل فى مكان ما؟ أو لعلنى شاردة الذهن أو اخشى أن أبدو سمجة . تعرفنى من قبل , لكنى أود أن تتجاهلنى لثوان معدودات , وستكتشف أننا تعارفنا منذ زمن أو هناك سوء فهم يعترى علاقتنا .
لعلنى ذهبت الى المحطة فقط لأن لدى رغبة هى الأبسط فى العالم , الألتقاء برجل , أو لاننى هاربة من حب يعذبنى , أو أسعى الى الانتقام من خيانى حديثة العهد , وذهبت الى هناك بحثا عن رجل مجهول . لعلنى ذهبت لأننى ارغب فى أن أكون عارهتك لليلة فقط , لأقطع معك رتابة حياتى , ولاننى عاهرة تبحث عن عمل .
خيم عليها صمت عميق . كانت ماريا تبدو شاردة تستعيد فى ذهنها ذكرى الرجل الأنكليزى فى الفندق , والاهانة . رت فى رأسها كلمات " الأصفر , " الاحمر " , " الألم " وكثير من اللذة . كل ذلك أثر فى روحها بشكل ملحوظ .
لاحظ رالف شرودها , وحاول أن يعيدها من جديد الى المحطة :
- فى هذا اللقاء , هل ترغبين فى أنت أيضاً ؟
- لا أعرف , لا تتكلم , وأنت لا تعرف .
عادت ماريا الى شرودها قليلا . فى أى حال , ساعدتها فكرة " المسرح " هذه كثيرا , لان الشخصية الحقيقة تظهر جلية , وتغيب كل الشخيات المزيفة التى تسكننا .
- لا أشيح بنظرى عنك , ولا تعرف ماذا عليك أن تفعل . هل الأقتراب ؟ هل سأصدك ؟ هل سأدعو شرطياً , ام أدعوك لتناول فنجان من القهوة ؟
قال رالف , وكانت نبرة صوته مختلفة , وكأنهما التقيا فعلا للمرة الأولى :
- رجعت لتوى من ميونيخ ...
ثم أضاف :
- وأنوى أن ارسم سلسلة من اللوحات عن الجنس , عن الأقنعة العديدة التى يختبئ خلفها الناس كلى يتجنبوا القيام بتجربة لقاء حقيقى .
لابد أنه يعرف " المسرح " . قال ميلان أنه كان هو أيضا " زبوناً غير عادى " . دوت صفارة الخطر , لكن ماريا كانت بحاجة الى الوقت لكى تفكر .
- قال لى مدير المتحف " علام تعتمد فى أعداد عملك الفنى ؟. وأجبته " على نساء يشعرن بأن لديهن الحرية بأن يمارسن الجنس من اجل المال . فأجاب : ليس هذا ممكنا , فهؤلاء النسوة عاهرات . وأجبته " أجل هن عاهرات واريد أن أعرف ما هى قصتهن . أقوم بأعداد لوحات فنية تنسجم كليآ مع ذوق العائلات التى تتردد الى متحفك .
المسألة مسألة ثقافة كما تعرف , وتقوم على أن نعرض بشكل ممتع ما يشق علينا تقبله .
فقال المدير باصرار " لكن الجنس لم يعد محزمآ . فالجنس مسألة مطروحة على الدوام , بحيث يصعب علينا أن نقوم بعمل ذى قيمة عن هذا الموضوع . فأجبته , " هل تعرف من أين تأتى الرغبة الجنسية ؟ " .
فقال المدير " من الغريزة " .
فقلت له " أجل , من الغريزة , وجميع الناس يعرفون هذا . لكن كيف بالأمكان أن نقيم عرضآ جميلا وناجحا اذا استندنا فقط الى العلم ؟ أريد فى معرضى أن أصور الطريقة التى نفسر فيها هذا الأنجذاب الجسدى , كما يفعل الفيلسوف مثلا .
طلب منى المدير أن اعطيه مثلا عن ذلك . قلت له " افرض أننى صعدت فى القطار عائدآ الى المنزل وان أمرأة رمقتنى بنظرة أعجاب . عندئذ سأتحدث اليها وأقول لها اننى لا اعرفها وأننا احرا فى ان نفعل كل ما حلمنا به , وأن يعيش كل منا " فانتا سماته " . ونفترق , من ثم , ويذهب كل منا فى طريقه , أنا الى زوجتى , وهى الى زوجها , ولن يحصل لقاء أخر .
سألقك اذن فى هذه المحطة ...
- قصتك مثيرة جدا لأهتمام . لدرجة أنها تلغى كل دوافع الرغبة لدى .
ضحك رالف موافقا على ما قالته . لم يعد هناك نبيذ , فذهب الى المطبخ ليحضر زجاجةأخرى . نظرت ماريا الى النار , وهى تعرف مسبقاً ماذا ستكون الخطوة المقبلة , مستمتعة بالحفاوة التى تلقاها , ناسية أمر الأنكليزى , ومستسلمة من جديد للحظة التى تحياها .
سكب رالف كأسين من النبيذ .
- أريد فقط أن أسالك بدافع الفضول , كيف ستنتهى قصتك مع مدير المتحف ؟
- أستشهد بفيلسوف أغريقى , لانى سأكون فى حضرة أنسان مثقف . يعتبر أفلاطون أن الرجال والنساء فى بداية الخليقة , كانوا مختلفين عما هو اليوم . كانت هناك فقط كائنات خدئوية ذات جسد وعنق ورأس بوجهين وكل وجه ينظر فى اتجاه مختلف , وكأنهما مخلوقان ملتصقان أحدهما بالآخر . كانت هذه المخلوقات تملك عضوين جنسيين مختلفين وأربع أرجال وأربع أذرع .
لكن الآلهة الأغريق بدأت تشتغل فى نفوسهم الغيرة حين رأوا أن مخلوقا بأربع أذرع أعظم قدرة على العمل . وأن وجهين متقابلين كانا دائما متيقظين , وأن الآلهة لا يستطيعون بالتالى مهاجمته والقضاء عليه غدرآ , وأن أربعة أرجل لا تلزم صاحبها ببذل الكثير من الجهد فى الوقوف أو المشى الطويل . والأخطر من ذلك كله , أن هذا المخلوق لديه عضوان جنسيان ولا يحتاج الى أحد من أجل التناسل . عندئذ قال زوس وهو الزعيم الأعلى لأولمب , لدىّ خطة لأنتزاع القوة من هذه الكائنات الفانية . فما كان منه الا أن أنزل الصاعقة فانشقت المخلوقات شطرين رجلا وأمرأة . مما جعل نسل الأرض يزداد كثيرآ , لكن هذا الأنشطار بين ذكر وأنثى أضعف ساكنى الأرض , وأثار فيهم البلبلة والضلال . صارا لزاما عليهم أن يبحثوا عن نصفهم المفقود ويعانقوه من جديد ليستعيدوا بهذا العناق قوتهم السابقة ومهاراتهم المفقودة , ليصبحوا أقدر على مواجهة المتاعب والمشقات وأتقاء سهام الغادرين . هذا العناق الذى يستطيع من خلاله الجسدان أن يجتمعا من جديد لكى يصير واحدآ , هو ما ندعوه الجنس .
- هل هذه القصة حقيقة ؟
- أجل , بحسب أفلاطون .
نظرت اليه ماريا مسحورة , وامحت من ذهنها تجربة البارحة نهائيا , فتنت به عندما كان يروى هذه القصة الغريبة بحماس وبعينين تلتمعان ليس فقط رغبة بل فرحاً . رأت أمامها رجلا يشع وجهه بذاك الضوء الذى كان قد استشفه فيها .
- هل أستطيع أن أطلب منك أيضاحاً ؟
أجابها رالف أنها تستطيع ان تستوضح عما يشاء .
- لماذا , عندما شقت الآلهة هذه المخلوقات ذات الأرجل الأربع شطرين , أعتبر البعض أن العناق ليس الا أمرآ كالأمور الأخرى , وانه بدلا من ان يزيد طاقة البشر , فانه ينتزعها , هل بامكانك أن تقول لى السبب ؟
- أتقصدين الكلام عن الدعارة ؟
- هذا بالضبط ما قصدته . هل تستطيع أن تقول لى متى لم يعد الجنس مقدساً .
- سأحاول معرفة ذلك أن شئت . لم أفكر فىالموضوع من قبل , وأعتقد أن أحدآ لم يفكر فيه .
سألت ماريا بألحاح بالغ :
- هل فكرت مرة أن النساء العاهرات قادرات على الحب ؟
- نعم . فكرت فى الأمر عندما كنا جالسين أمام الطاولة فى المقهى , فرأيت ذاك الضوء المنبعث من وجهك . وحين دعوتك الى شرب كأس , اخترت أن أصدق كل شئ , بما فيه أمكانية أن تعيدينى الى العالم الذى فارقته منذ وقت طويل .
أحس أن العودة الى الوراء باتت متعذرة . انها العشيقة , وعليها أن تهرع للنجدة حالا , فتقبله وتضمه بين ذراعيها , وترجوه ألا يذهب .
لكنها قالت :
- لنعد الى قصة المحطة أو بالأحرى لنعد الى اليوم الذى جئنا فيه للمرة الأولى الى هذا الصالون , حين أعترفت بوجودى وقدمت لى هدية . كانت هذه محاولتك الأولى لدخول كيانى , ولم تكن تعرف المكانة التى تحتلها فى نفسى . لكن , وكما تروى قصتك , فان الكائنات البشرية مشطورة نصفين , وهى تسعى دومآ خلف العناق الذى يجمعها . هذه غريزتنا , لكن هذا أيضاً السبب الذى نحتمل لأجله كل الصعوبات التى تعترض طريقنا خلال هذا السعى .
وأردفت ماريا قائلة :
- أريد أن تنظر الى , واريد فى الوقت نفسه ألا تجعلنى ألاحظ ذلك . الرغبة الأولى مهمة لأنها محتجبة ومحزمة ولا تدخل فى الحسبان . لا تعرف ان كنت موجودآ أمام نصفك المفقود , ولا هو أيضا يعرف ذلك . لكن شيئا ما يجذب أحدكما الى الأخر ويجب الاعتراف به .
ثم قالت ماريا فى نفسها , من أين أتى بكل هذه الأفكار ؟ امن أعماق قلبى , لا،نى رغبت دومآ فى أن يكون الأمر كذلك ؟ أم من أحلامى , من حلمى بالذات كامرأة ؟
أخفضت قليلا حمالة فستانها لكى تكشف عن جزء , جزء صغير من أحد نهديها , الرغبة ليست ما تراه بل ما تتخيله " .
رأى رالف أمامه امرأة سمراء ترتدى فستانا غامق اللون كشعرها , جالسة على أرض الصالون , مفعمة بالرغبات الغريبة , كالرغبة مثلا التى حدته الى اشعال النار فى المدفأة صيفا . أجل , أراد أن يتخيل ما يخفيه هذا الثوب , أن يتخيل حجم نهديها . كان يعرف أن الصدارة التى ترتديها ليست ضرورية , لكنها من مستلزمات المهنة . لم يكن نهداها كبيرين ولا صغيرين , بل كان فتيين , ونظرتها لم تكن لتبوح بشئ . ماذا كانت تفعل هنا ؟ لماذا يقيم هذه العلاقة الخطرة الغريبة ما دام لا يجد أى صعوبة فى العثور على المرأة التى يشتهيها ؟
كان ثريا وفتياً وشهيراً وحسن المظهر وشغوفا بعمله . أحب المراتين اللتين تزوج بهما وأحبناه . كان لديه كل ما يمكن لأنسان أن يتمناه . كان حريا به أن يهتف عالياً ويقول " كم أنا سعيد " .
لكنه لم يكن سعيداً . رأى من حوله الكثير من الناس يتهافتون من أجل كسرة خبز وسقف ووظيفة تسمح لهم بالعيش الكريم , فيما هو يملك كل شئ , وهذا يزيده تعاسة . ألا أنه , من فترة ليست بعيدة , استيقظ لمرتين أو ثلاثة أو ثلاث ونظر الى الشمس , أو الى المطر , وشعر أنه سعيد , فقط لكونه حيآ يرزق , سعيد بكل بساطة , دون أن يطلب شيئا بالمقابل . ما خلا هذه الأيام النادرة , فقط استهلك نفسه فى الأحلام والحرمان والعمل والرغبة فى تخطى الذات والأسفار , أكثر مما يقوى على احتماله . كان متأكدآ من انه قضى حياته وهو يحاول اثبات شئ ما , لمن تحديدآ ؟ وما هو هذا الشئ ؟ لا يعرف .
ظل ينظر الى المرأة الجميلة الواقفة أمامه , والتى ترتدى الأسود الخفر , المرأة التى التقاها مصادفة مع أنه رآها من قبل فى حانة ليلية , فأدرك أنها صعبة المراس . كانت تسأله أن كان يرغب فيها , وهو يرغب فيها كثيرآ , اكثر مما تستطيع أن تتصور . لكنه لا يرغب فى نهديها أو جسدها , بل فى رفقتها . كان يكفيه أن يضمها بين ذراعيه , وهو يتأمل النار بصمت , او يشرب النبيذ , او يدخن سيجارة او اثنتين .
هذه الحياة سلسلة من الأمور البسيطة , وقد تعب من كل هذه السنوات التى سلخها وهو يبحث عن شئ لا يعرف كنهه .
بيد أنه , أن لمسها ضاع كل شئ . رغم " الضوء" المنبعث منها , لم يكن متأكدآ من رغبتها الفعلية فى قربه . هل عليه أن يدفع لها , أن يشترى رغبتها ؟ اجل , وسيستمر فى الانفاق عليها الى أن يتمكن من غزو قلبها والجلوس معها على حافة البحيرة والكلام عن الحب , الى ان يسمع منها الشئ نفسه بالمقابل .
الأفضل اذن عدم المجازفة , وعدم استعجال الأمور , والصمت .
توقف رالف هارت عن تعذيب نفسه , وعاد ليركز من جديد على اللعبة التى اخترعاها لتوهما . كانت المرأة الجالسة فى مواجهته على صواب . النبيذ والنار والسيجارة والرفقة لا تكفى , وينبغى البحث عن نوع أخر من النشوة , عن نار أخرى .
كانت ترتدى فستانا بحمالات , وتكشف عن أحد نهديها . باستطاعته ان يرى بشرتها التى تميل الى السمرة اكثر منها الى البياض , وشعر أنه يشتهيها كثيراً .
لاحظت ماريا بريقا ينبعث من عينى رالف . تعرف انها مرغوبة , وهذا اثارها أكثر من اى شئ أخر . لا علاقة لما يحدث بالوصفات التقليدية عن الحب " اريد أن أمارس الحب معك , اريد أن أتزوج , أن نصل الى النشوة , أن أنجب طفلا , أريد التزامات تجاهى . لا , لم يكن الامر كذلك . كانت الرغبة شعورآ حرآ , أهتزازا فى الفضاء , ارادة تغنى الحياة . وهذه الأرادة بامكانها أن تقلب الجبال وتجعل ماريا تمضى قدما و ....تجعل عضوها رطبا .
كانت الرغبة مصدر كل شئ , منذ غادرت أرض بلادها لتكتشف عالما جديدآ . وتتعلم اللغة الفرنسية , وتتخطى أحكامها المسبقة لتكتشف عالما جديدآ . وتحلم بأنشاء مزرعة , وتقع فى الغرام دون ان تطلب شيئا بالمقابل . وتتمراى فى عينى رجل , فترى أنعكاس ذاتها الحقيقية . أخفضت الحمالة الأخرى لفستانخا ببطء مدروس , ثم أنزلت الفستان عن جسدها . خلعت صدارتها , ولبثت مكانها عارية الصدر تتحرق شوقاً لأن يرتمى فوقها ويضم صدره الى صدرها . ويتعهد لها بالحب الأيدى . تساءلت , هل كان حساساً بما يكفى لكى يستلم للرغبة بذاتها , وهى لذة الجنس الحقيقة ؟
هدأت الضجة من حولها . اختفت المدفأة ومعها اللوحات والكتب لم يعد هناك الا الرعدة التى لا مكانفيها الا لدواعى اللذة التى تلغى كل ما عداها .
لم يحرك الرجل ساكناً . فى البداية , قرأت شيئا من الخجل الى عينيه , لكن هذا لم يدم طويلا . كان ينظر اليها ويمرر لسانه فوق جسدها ويتداخلان ويندى جسدهما عرقاً , ويتبادلان القبل , ويمزجان الحنان ويصرخان ويتأوهان حتى يبلغا معآ مرحلة النشوة ...
كل هذا حصل فى خياله .فى الواقع , كانا صامتين لا يحركان ساكناً . وهذا السكون زاد من أثارة ماريا , لأنه أتاح لها الحرية فى أن تتخيل ما تشاء . طلبت اليه أن يلمسها برفق , ثم أفرجت ساقيها , واستمنت أمامه , وهى تتلفظ , دون تمييز , بكلمات رقيقة ومبتذلة . بلغت مرحلة النشوة عدة مرات , وكادت توقظ الجيران بصرخاتها , لا بل ودت لو أقلقت بال العالم , وتركته فى حالة أستنفار .
أمامها الرجل الذى تحلم به , الذى يمنحها اللذة والفرح , الذى تستطيع معه أن تكون نفسها , فتعترف له بمشكلاتها مع جسدها , وتقول له كم تود لو تبقى معه طولال الليل والأسبوع و ...الحياة .
بدأ العرق يتصبب من جبينبهما. كان ذلك بسبب النار المشتعلة فى المدفأة . هذا ما فكر به كلاهما فى الوقت نفسه , دون أن يتفوها به . كانا يشعران أنهما يذهبان بعيدآ متجاوزين الحدود , مطلقين العنان لخياليهما . ويعيشان معآ لحظات أبدية من الهناء .
لكن , ينبغى لهما أن يتوقفا , لأن خطوة واحدة الى الأمام تفقدهما كل شئ , وتعيدهما الى نقطة البداية , ويختفى معها كل هذا السحر فى مواجهة الواقع الأليم .
وببطء شديد أيضاً , لأن النهاية هى دوما أصعب من البداية , أرتدت صدارتها وغطت نهديها . عاد العالم الى مكانه , وعادت الخيالات المبهمة من حولها الى الظهور من جديد . ارتدت فستانها , ثم ابتسمت ولامست وجهه بعذوبة . أخذها من ذراعها . ثم جذبها ناحيته , وضمها الى صدره لتبقى رهينة بين ذراعيه .
رغبت فى ان تقول له أنها تحبه . لكنها لم تفعل , لأن هذا قادر على افساد كل شئ , وعلى أخافة الرجل الذى تحبه . كما خشيت عليه من أن يقول لها أنه يحبها هو أيضاً . لم تكن ماريا تريد ذلك , ان حريةحبها تتمثل فى ألا تطلب شيئا من حبيبها , وألا تحفل بما ينتظرها .
قالت :
- من يقدر على الأصغاء الى مشاعره بأذان مرهفة . يعرف أنه فى مقدورنا بلوغ النشوة دون أن يلمس أحدنا الأخر . ذلك أن الكلمات والنظرات تحوى فى جناياها كل أسرار الرقصة . لكن القطار وصل , وكل يذهب فى طريقه . كنت أمل أن ارافقك فى هذه الرحلة حتى...حتى أى مكان ؟
- أجاب رالف : حتى الرجوع من جنيف .
- من يتملى الأنسان الذى طالما حلم به , يعرف أن الطاقة الجنسية الكامنة فى ذاته سابقة على الممارسة الجنسية . اللذة الكبرى ليست فى الجنس , بلفى الشغف الذى تمارس به الجنس .