أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة" الشافعي"

 

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

برنامج WHDownloader v0.1.1 لتحديث وسد الثغرات الامنية الموجودة بجهازك » الكاتب: حمادة بدر » آخر مشاركة: حمادة بدر /// برنامج Max Uninstaller 3.0.2.1487 لازالة البرامج المستعصيه من جذورها » الكاتب: حمادة بدر » آخر مشاركة: حمادة بدر /// برنامج JRiver Media Center 20.0.50 العملاق لتشغيل وتنظيم الملتيميديا » الكاتب: حمادة بدر » آخر مشاركة: حمادة بدر /// برنامج Video2Webcam 3.5.2.8 لعمل كاميرا وهميه لاصدقائك اثناء الدردشه » الكاتب: حمادة بدر » آخر مشاركة: حمادة بدر /// البرنامج الرائع لاسترجاع الملفات المحذوفة EaseUS Data Recovery Wizard 8.6 » الكاتب: حمادة بدر » آخر مشاركة: حمادة بدر /// الجامعات ودورها في خدمة شباب الوطن » الكاتب: ساعد وطني » آخر مشاركة: ساعد وطني /// مستشفى الاسراءلعلاج الادمان00201025733386 » الكاتب: نورين الفيحاء » آخر مشاركة: نورين الفيحاء /// مصحة الاسراء للطب النفسى وعلاج الادمان010245733386 » الكاتب: نورين الفيحاء » آخر مشاركة: نورين الفيحاء /// مصحة الاسراء للطب النفسى وعلاج الادمان010245733386 » الكاتب: نورين الفيحاء » آخر مشاركة: نورين الفيحاء /// اكاديمية البعد الرابع فى تركيا » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى ///
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 30 من 36

الموضوع: في حضرة الغياب( مكتمل)

  1. #1
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10

    Post في حضرة الغياب( مكتمل)

    تقدم لكم الرفيقة سوما هنا كتاب " في حضرة الغياب" للشاعر الأسطورة محمود درويش..
    رجاؤنا الحار أن لا تقاطع النصوص بأي مشاركة شكر أو تحية , ومن شاء الشكر فليقدمه لاحقا بعد إتمام العمل بإذن الله ..

    نترك بين أيديكم في حضرة الغياب بجهود الأخت سوما ونتمنى ممن يريد اقتباس المواد من هنا أن لا ينسى ذكر المصدر " ملتقى الصداقة الثقافي " حفاظا على جهود الرفاق التي تبذل في هذا البستان .

    المدير العام


    ================================================




    في حضرة الغياب

    نصوص





    توطئة


    "في حضرة الغياب" نصوص بين النثر والنثر
    أو بين الشعر والنثر، بل هو في صميم الكتابة الشعرية المتعددة الايقاع
    والنبرة واللغة، في مناخ غني، متجدد، خصب كأنه بين الاعتراف،
    وبين الجرح، وبين الغياب، وبين الحدود القصوى للتجربة.
    كأنه في نصه الجديد على حافة "الهاوية" الخلابة،
    وتلك التي تستدعي ما يخلبها، ومن يخجلها، الى مستور النص،
    وما في تضاعيفه، وما في ايماءاته، وما في عنفه وشفافياته.

  2. #2
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    كُتبَ على صفحة الغلاف الخارجي


    هناك عرفت من آثار النكبة المدمرة ما
    سيدفعك إلى كراهية النصف الثاني
    من الطفولة، فإن كنزة صوف واحدة، منتهية
    الصلاحية، لا تكفي لعقد صداقة مع
    الشتاء، ستبحث عن الدفء في الرواية،
    وستهرب مما أنت فيه إلى عالم متخيل
    مكتوب بحبر على ورق، اما الأغاني، فلن
    تسمعها إلا من راديو الجيران، وأما
    الأحلام، فلن تجد متسعا لها في بيت
    طيني، مبني على عجل كقن دجاج، يحشر
    فيه سبعة حالمين، لا أحد منهم ينادي
    الآخر باسمه منذ صار الاسم رقما. الكلام
    إشارات يابسة تتبادلونها في الضرورات
    القصوى، كأن يغمى عليك من سوء
    التغذية، فتداوى بزيت السمك... هبة
    العالم المتمدن لمن أخرجوا من ديارهم.
    تشربه مكرها كما تكره الألم على إخفاء
    صوته في ادعاء الرضا.

  3. #3
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    محمود درويش

    في حضرة الغياب

    نص




    يقولون: لا تبعد، وهم يدفونني

    وأين مكان البُعدِ إلا مكانيا؟

    مالك بن الريب

  4. #4
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10


    -1-


    سطرا سطرا أنثرك أمامي بكفاءة لم أوتها إلا في المطالع
    وكما أوصيتني أقف الآن باسمك كي أشكر مشيعيك
    إلى هذا السفر الأخير وأدعوهم إلى اختصار الوداع،
    والانصراف إلى عشاء احتفالي يليق بذكراك/

    فلتأذن لي بأن أراك وقد خرجت مني وخرجت منك،
    سالما كالنثر المصفى على حجر يخضر أو يصفر في
    غيابك. ولتأذن لي بأن ألمّك، واسمك، كما يلم السابلة
    ما نسي قاطفو الزيتون من حبات خبأها الحصى. ولنذهبن
    معا أنا وأنت في مسارين:
    أنت إلى حياة ثانية، وعدتك بها اللغة، في قارئ قد
    ينجو من سقوط نيزك على الأرض.

    وأنا إلى موعد أرجأته أكثر من مرة، مع موت وعدته
    بكأس نبيذ أحمر في إحدى القصائد، فليس على الشاعر
    من حرج إن كذب، وهو لا يكذب إلا في الحب، لأن
    أقاليم القلب مفتوحة للغزو الفاتن.

    أما الموت، فلا شيء يهينه كالغدر: اختصاصه المجرب.
    فلأذهب إلى موعدي، فور عثوري على قبر لا ينازعني
    عليه أحد من غير أسلافي، بشاهدة من رخام لا يعنيني إن
    سقط عنها حرف من حروف اسمي كما سقط حرف
    الياء من اسم جدي سهوا.


    ولأذهبن بلا عكاز وقافية، على طريق سلكناه، على غير
    هدى بلا رغبة في الوصول، من فرط ما قرأنا من كُتب
    أنذرتنا بخلو الذرى مما بعدها، فآثرنا الوقوف على سفوح
    لا تخلو من لهفة الترقب لما توحي الثنائيات من امتنان
    غير معلن بين الضد والضد. لو عرفتك لامتلكتك، ولو
    عرفتني لامتلكتني، فلا أكون ولا تكون.

    هكذا سمينا، بتواطؤ ايقاعي، ما كان بيننا من هاوية
    سفحا، ونسبنا إلى كتب قرأناها عجزنا عن الوصول إلى
    ذروة تطل على عدم ضروري لاختبار الوجود يا صاحبي!
    يا "أنا"ي النائم على بزوغ البياض من أبدية وعلى
    تلويح الأبدية ببياض لا لون بعده، فبأي معنى من معانيك
    أقيم الشكل اللائق بعبث أبيض؟ وبأي شكل أحمي
    معناك من الهباء .. ما دامت رحلتنا أقصر من خطبة
    الكاهن في كنيسة مهجورة في يوم أحد، لم يسلم فيه
    أحد من غضب الآلهة؟

    لكنك مسجي أمامي، أعني في كلامي الخالي من عثور
    الاستعارات على مصادرها، وعلى رابط خفي بين أرض
    متدنية وسماء وثنية من هناك إلى هناك يرحل الغيم
    برفقة قمر لم يحرمنا افتضاح سره الصخري من تذكر
    حب سابق. ولم يمنعنا جفاف القلب من مداواة أوجاع
    المفاصل بذكرى التمدد على العشب، تماما كما أنت
    مسجي أمامي في كلامي الذي لن يخذله غد شخصي
    كف عن الخداع، لا لأنه تأدب وتهذب، بل لأنه يحتضر
    الآن ويصير إلى خبر، لا عدو له ولا صديق.. خبر عن
    مسافرين اثنين أنت وأنا، لم يفترقا في مرآة أو طريق...
    لم يفترقا إلا لساعات يتأكدان خلالها من سطوة أنثى
    على الذكر/

    حيث يرى المرء نفسه في حرائق البرق، كما هي، معافاة
    مصفاة من شوائب التشبيه بما ليس موتا يُحيي.. وحياة
    تحيا على حصة العاشق من سخاء المودة بين المخلوق
    والخالق. فلا جنة معلنة بالحواس وبالحدس سوى العاشقة
    ولا جحيم إلا خيبة العاشق

    فلتأذن لي إذن، ونحن نفترق على هذا البرزخ، بأن أفسخ
    العقد المبروم بين عبث وعبث، فلا نعلم من انتصر منا ومن
    انكسر أنا أم انت أم الموت، لأننا لم نعترف من قبل،
    لننتصر، بأن العدو أذكى منا وأدهى، فلا شيء يغوي
    الهزيمة أكثر من مجافاة هذا الاعتراف، يا صاحبي
    المترف بالأوصاف النقيضة، المشرف في البحث عن
    عبث لا بد منه لتدريب النفس على التسامح، ولتحظى
    بنعمة التأمل في ماء يضحك في الغمازات، ويطيرُ
    فراشات فراشات تخلق الشعر من كل شيء حي، فالخفة،
    كالندى ، قاهرة المعدن، وعذراء الزمن، هي التي تدرب
    الوحش على النفخ في النايات/

    فلا تصالح شيئا إلا لهذا السبب المبهم، ولا تندم على
    حرب أنضجتك كما ينضج آب أكواز الرمان على
    منحدرات الجبال المنهوبة، فلا جهنم أخرى في انتظارك.
    ما كان لك صار عليك/

    وعليك أن تدافع عن حروف اسمك المفككة، كما تدافع
    القطة عن جرائها. وعليك ما عليك: أن تدافع عن حق
    النافذة في النظر إلى العابرين، فلا تسخر من نفسك إن
    كنت عاجزا عن البرهان، الهواء هو الهواء ولا يحتاج إلى
    وثيقة دم. ولا تندم... لا تندم على ما فاتك، حين
    غفوت، من تدوين لأسماء الغزاة في كتاب الرمل، النمل
    يروي والمطر يمحو، وحين تصحو لا تندم لأنك كنت
    تحلم، ولم تسأل أحداً: هل أنت من القراصنة؟ لكنّ أحداً
    ما سيسألك: هل أنت من القراصنة؟ فكيف تزوّد البديهة
    بالوثائق والبنادق، وفيها ما يكفيها من محاريث خشبية،
    وجرارٍ من فخار، وفيها زيت يضيء وإن لم تمسسه نار،
    وقرآن، وجدائل من فلفل وبامية، وحصان لا يحارب/

    فلا تعاتب أسلافك على ما أورثوك من براءة النظر إلى
    التلال بلا استعدادٍ لتلقي الوحي من سماء خفيضة، بل
    لعدّ النجوم على أصابع يديك العشر. فأنى لك أن تثبت
    البديهة بالبرهان، والبرهان متعطش لنهب البديهة تعطش
    القرصان إلى سفينة ضالة؟ البديهة كظبي مطعون
    بالأمان، مثلك، مثلك، في هذا الحقل المفتوح لعلماء الآثار
    المسلحين الذين لم يكفوا عن استجوابك: من انت؟
    فتحسست أعضاءك كلها، وقلتَ: أنا أنا. قالوا: ما
    البرهان؟ فقلتَ: أنا البرهان. فقالوا: هذا لا يكفي، نحتاج
    إلى نقصان. فقلت: أنا الكمال والنقصان. فقالوا: قل إنك
    حجر كي ننهي أعمال التنقيب، فقلت لهم: ليت الفتى
    حجر، فلم يفهموك/

    وأخرجوك من الحقل. اما ظلك، فلم يتبعك ولم
    يخدعك، فقد تسمّر هناك وتحجر، ثم اخضر كنبتة
    سمسم خضراء في النهار، زرقاء في الليل. ثم نما وسما
    كصفصافةٍ في النهار خضراء، وفي الليل زرقاء/

    مهما نأيت ستدنو/ ومهما قُتلت ستحيا/ فلا تظننّ إنك
    ميتٌ هناك/ وأنك حي هنا/ فلا شيء يثبت هذا وذلك
    إلا المجاز/ المجاز الذي درّب الكائنات على لعبة الكلمات/
    المجاز الذي يجعل الظل جغرايا/ والمجاز الذي سيلمّك
    واسمك/ فاصعد وقومك/ أعلى وأبعد مما يعد تراث
    الأساطير لي ولك/ اكتب بنفسك تاريخ قلبك/ منذ
    إصابة آدم بالحب/ حتى قيامة شعبك/ واكتب بنفسك
    تاريخ جنسك/ منذ اقتبست من البحر إيقاعه ونظام
    التنفس/ حتى رجوعك حيّا إليّ/ فأنت مسجي أمامي/
    كقافية غير كافية لاندفاع كلامي إليك/ أنا المرثيُّ
    والراثي/ فكّني كي أكونك/ قُم لأحملك/ اقترب مني
    لأعرفك/ ابتعد عني لأعرفك!

  5. #5
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]2


    وُلدنا معا على قارعة الزنزلخت، لا توأمين ولا جارين، بل
    واحداً في اثنين أو اثنين في واحد. لم يصدق أحد من
    الجالسين في ظل شجرة التوت أنك ستحيا، من فرط ما
    شَرَقتَ بحليب أُمك واختنقت. نحيلاً كنتَ كخاطرةِ
    عابرة. نحيلا كنبتة شعير خاليةٍ من الحَبّ كنت. لكن
    لشهر آذار، القادر على سفك دم المكان شقائقَ نعمان،
    مهارة الإنقاذ من موت مبكر لا تنساه إلا لتتذكر أن الحياة
    لم تأت إليك على طبق من ذهب أو فضة، هاشّة باشّة،
    بل جاءتك على استحياء كجاريةٍ مدفوعةِ الأجر، صعبة
    وعذبة، وشديدة الممانعة. لكن التدريب الطويل على
    الألفة هو ما يجعل الحياة ممكنة.

    وممكنةٌ هي مراوغة الثعالب، أولى حيواناتك الماكرة،
    بعيونها الخضراء أنثوية الإغراء... تخافها ولا تقوى على
    الابتعاد، كجاذبيةٍ تدفعك إلى الرغبة في القفز من علٍ إلى
    جُرف أو هاوية.

    هكذا سكنتك منذ البداية فتنة الثعلب والهاوية،

    وجرَّك فضولُ القطط دون حذرها، إلى ملامسة الخطر.
    فغافلتَ أهلك المشغولين بفرم أوراق التبغ بسكاكين حادة،
    وتناولت إحداها ووضعتَ على شفرتها ركبتك اليسرى،
    وضغطت لتعرف إن كانت السكين تفعل بلحمك الطريّ
    ما تفعله بأوراق التبغ، ففاجأك السائل الأحمر. ولم تتوجّع
    إلا حين نزعوا السكين من ركبتك، وضمّدوا جرحك
    وعاقبوك على طيش التجربة.

    هكذا رأيتَ الدم الأول.. دَمَك الذي علّمك أن الندبة
    ذاكرة لا تكف عن العمل، كلما نظرت إليها شممت
    رائحة التبغ الذهبيّ، وعباءة جدك المعلقة كخيمة في
    الريح. وكلما لمستَ الندبة استمعت إلى بكاء الدم
    وكرهت الحناء.. على أيدي العرائس وأقدامهنّ،
    وأشحتَ بوجهك عن رقصة الديك الأخيرة، وعن
    خروف العيد، ولم تشارك أترابك لعبة تعذيب العصافير/

    وحلمت، وما زلت تحلم حتى الهزيع الأخير من الحلم،
    بأنّ عصفوراً حطَّ على يدك، فضممته وشممته وفاحت
    من ريشه رائحة الصيف، ولثمته، ثم كلمته قائلاً: يا
    أخي! عُدْ إلى فضائك، فعاد إليك في حلم الليلة التالية.

    كأنك طفلي، كأني أبوك. ولم يدللك أبوك لئلا يرميك
    إخوتك في جُبّ الحكاية. فاحملني كما حملتك، لأرى
    من بعيد إلى ذلك الأزرق المنساب من كل بعيد تُصَفيه
    المسافة من كل شائبة، ففي الحكاية حقل أوسع مما كان.

    ولم أكن طفلا آنذاك، ولكني هو الآن في وداع يفتح
    لفعل الماضي الناقص باب المدائح على مصراعين: المكان
    المفقود، والزمان المفقود. ليس المكان هو الفخ إذ يصير إلى
    صورة، ففي الذاكرة ما يكفي من أدوات التجميل لتثبيت
    المكان في مكانه، وما يكفي لترتيب الأشجار على ذبذبة
    الرغبة، لا لأنه فينا وإن لم نكن فيه، بل لأن الرمل هو
    قوة الضعيف المستعصية على المقايضة. وفي الأمل ما
    يكفي من العافية لقطع المسافة الطويلة من اللامكان
    الواسع إلى المكان الضيّق. أما الزمان الذي لم نشعر به إلا
    متأخرين، فهو الفخ الذي يتربَّصُ بنا على حافة المكان
    الذي جئنا إليه متأخرين، عاجزين عن الرقص على البرزخ
    الفاصل بين البداية والنهاية.

    فاحملني كما حملتك الفراشاتُ إلى مدارج الضوء،
    خفيفا مثلها، كلما انبلج الصبح من ثقوب بابك الخشبي،
    وانهمرت ألوانٌ طائرةٌ لم تعرف أسماءها، كخواطرَ
    سماويّة مبعثرة، على حقول خالية من الجيش. هناك،
    حسبتَ أن الأرض تطير وترقص. فوقفت على صخرة
    وفتحتَ ذراعيك للريح وقفزت إلى أعلى لتطير، فأحاطت
    بك الفراشات كشقيقات، وأعانتك على الطيران.. ولم
    تفلح. لكنها أدخلتك إلى مدار اللازورد، ودربتك على
    فقه العزلة. فابتعدت عن البيت، وخلوت إلى الشجر الذي
    لم تعرف من أسمائه إلا ما خفّ لفظه، كالزيتون
    والخرنوب والسنديان والبلوط. ولم تعرف من أسماء
    النباتات إلا الخبيزة والهندباء ذات الزهر الليلكي كلون
    عيني جدتك.

    هناك سكنتك فتنة الطيران والعزلة. وهناك حاولت أن
    تولد من حلمك، دون أن تدرك الفارق بين الحلم
    والخيال. في مساءٍ ما، تسللتَ من خلوتك الشجرية إلى
    بوابة الدار الجنوبية ودعوت الحصان إلى الخروج معك،
    فأطاعك وخرج. وعلى محاذاة صخرة عالية أوقفتَ
    الحصان الفاتن وقفزت على ظهر أملس دون سرج. قادك،
    كما يقود الهواءُ سحابةً، إلى منحدر يؤدي إلى حقل لا
    نهاية له. فهمزْتَهُ فاستجاب، وصار الهواء ريحاً فانتشيت:
    إني أطير. كل شيء يطير. الشجر، الأرض، الجهات،
    النباتات، الريح، ولا غاية من هذا الطيران سوى لذة
    الطيران إلى المجهول، حتى هبط الليل على المجهول وعلى
    المعلوم، وصار المكان أعمى. لم تعلم أنك قد سقطت.
    لكن الحصان العائد بلا فارسه الصغير هو من دلَ أهلك
    على موقع طيشك، ضمدوا الجرح في حاجبك الأيمن، ثم
    عاقبوك.

    أما الندبة على حاجبك الأيمن، الندبة التي لا تراها غير
    الأنثى الخبيرة باستجواب قلب الذكر فهي ذاكرة فراشة
    تقلِّد نسراً.

    وعلى سبابة يدك اليسرى ندبة أخرى. جلست وبنتاً
    صغيرة كيمامتين على حجرين في كرم زيتون. سأقاسِمُكِ
    هذه التفاحة، قلتَ لها، وأنت تنظر في عينيها وتمِّرر
    السكين الصدئة على إصبعك بدلا من التفاحة. خافت
    من الدم وهربت وأنت تناديها: خذي التفاحة كلّها!
    وداويت جرحك بحفنة من تراب مخلوط بالعشب
    اليابس.

    لم أسألك وأنت تكبر أمامي عما يجعلك تجرح نفسك
    كلما غبت في حضور، ألكي تثير الانتباه، أم لتعوِّد الألم
    على رائحة البصل؟

    سَمّوك الشقيَّ، وأنت أطلقت على طائر الدوريّ لقب
    الشقي. هو شبيهك في التوتر، ونقيضك في الحذر، لكنك
    أحببت مهارته العالية في مراوغة الصيّاد، فلا عشّ له إلا
    الحيلة. وأحببتَ فيه حيرةَ اللون بين الحنطة والضوء، وخفةَ
    الطيران على ارتفاع منخفض وعال برفرفة واحدة،
    ومخاتلة المشي بين الناس، بلا وجل، كمخبر قادر على
    الإفلات من قبضة اليد الخائبة.

    وسمّوك الشقيّ لأنك تبكي من فرح أو من حزن، دون
    أن يّؤَوّل أحدٌ صوت الريح في قصَب سرعان ما يتحوَّلُ
    نايات، ماذا يقول الناي؟ هل يحمل في ما يحمل هذيان
    الريح، أم ينقل فرح الرُعاة بولادة حمل جديد، أم خوفهم
    من قطيع ذئاب يحاصر قطيع الأغنام؟. يستدرجك الناي
    إلى البعيد، وتبكي كمن يستبق الفاجعة. لا غيم أسود في
    الأفق/

    فلماذا تبكي والموت بعيد؟/ وحديقةُ بيتك عاليةٌ/
    والشرفة عاليةٌ/ والصفصافةُ عاليةٌ/ فلماذا تبكي/ وطريق
    التبانة واضحة/ والليل يُضيئك من خصلة شعرك حتى
    أخمص قدميك؟/ وأنت تطيع الناي وتركض تركض/
    لا ذئبٌ يعوي في الليل على قمر أصفر كالليمونة/ لا
    شبحٌ يطلع من جذع الزيتونة كي يغتال أباك/ لماذا
    تبكي؟/ هل خوفك من فرح يبكيك؟ سألتك/ لكني
    أدرك أن هواء الليل على جبل مثقوب بالناي سيرشح دمعاً
    سمّيناه ندى/ ستصير غداً ناياً سحرياً/ قلت/ فلم
    تسمعني/ لم يكبر جرحك بعد/ لا تتركني في هذا
    الوادي أبحث عنك سدى/ لم تسمعني/

    والآن وأنت مُسَجّىً فوق الكلمات وحيداً، ملفوفاً
    بالزنبق، والأخضر والأزرق، أدرك ما لم أدرك:

    إن المستقبل منذُئذٍ،
    هو ماضيك القادم![/align]

  6. #6
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]للحروف البيضاء على اللوح الأسود مهابةُ فجر ريفيّ.
    وكما يُصبُّون الماء، على مهل، في جرة لا تمتلئ، تشرَّبتَ
    الشكل الناقص وصوته معاً، بتعذيب الحنجرة وتطويعها
    للإشارة، وبإخضاع الحلق لما تراه العينان.

    حين يُجمعُ حرفٌ إلى حرف، أي عَبَثٌ، يُسفِرُ
    غامضُ الشكل عن وضوح صوتٍ ما، ويفتح هذا الوضوح
    البطيء مجرى لمعنى له صورة، فتصير ثلاثة أحرف باباً أو
    داراً. وهكذا تبني حروفٌ خاملة، لا قيمة لها إذا افترقت،
    بيتاً إذا اجتمعت.

    يا لها من لعبة! يا له من سحر. يولد العالم تدريجياً من
    كلمات. هكذا تصير المدرسة ملعبا للخيال.. فتركض
    إليها بفرح الموعود بهدية اكتشاف، لا لتحفظ الدرس
    فحسب، بل لتعتمد على المهارة في تسمية الأشياء، كلُّ
    بعيدٍ يقترب. وكل مغلقٍ ينفتح. إذا لم تخطيء في كتابة
    كلمة نهر، فسيجري النهر في دفترك. السماء أيضا تصبح
    جزءاً من مقتنياتك الشخصية إذا لم تخطيء في الإملاء

    كلُّ ما لا تبلغه يداك الصغيرتان مُلكُ يديك الصغيرتين إذا
    أَتقنتَ التدوين بلا أخطاء. من يكتب شيئا يملكه. ستشمُّ
    رائحة الوردة من حرف التاء المربوطة كبرعم يتفتح
    وستتذوق طعم التوت من جهتين: من التاء المتصلة ومن
    التاء المفتوحة كراحة اليد/

    الحروف أمامك، فخذها من حيادها والعب بها كالفاتح
    في هذيان الكون. الحروف قلقة، جائعة إلى صورة،
    والصورة عطشى إلى معنى. الحروفُ أواني فخار فارغةٌ
    فاملأها بسهر الغزو الأول. والحروف نداءٌ أخرسُ في
    حصى متناثر على قارعة المعنى. حكَّ حرفاً بحرف تولد
    نجمة، قرِّب حرفا من حرف تسمع صوت المطر، ضع
    حرفاً على حرف تجد اسمك مرسوماً كسلم قليل الدرج/

    كُلُّ الحروف جاهزة لاستقبال الشكل/ الكائن، الباحث
    عن يد ماهرة تخلق الحاجة إلى الانسجام. ما عليك إلا
    أن تسمّي بيدك كائنات تعرفها من قبل، وكائنات تعرّفك
    على نفسها فيما بعد/

    ويَستهويكَ حرفُ النون المستقل كصحن من نحاس يتسع
    لاستضافة قمر كامل التكوين. يرنّ ويحنُّ إلى أي امتلاء
    ولا يمتلئ، ولا يكفّ عن الرنين مهما ابتعد ومهما
    ابتعدت. سيكبر فيك وتكبر فيه، ويُحْييكَ، ويُقصيك عن
    نفسك كَجُبّ ملحاح، ويُدنيكَ من الآخرين.. نون
    النسوة والجماعة والمثنى وقلب "الأنا" وجناحا "نحن"
    الطليقان.. ستأخذك سورة الرحمن إلى الإيمان المصحوب
    بالطرب، فتحبُّ الله وتشفى من قلق السؤال الأول: "من
    خلق الله"؟

    وتحبّ الشعر ويأخذك الإيقاعُ المهموز بحرف النون إلى
    ليل أبيض، كلمات تنقل فرساناً من حب الحرب دفاعاً
    عن بئر الماء، إلى حرب الحب دفاعاً عن أميرة مخطوفة في
    بلاد الجن. لا تستقيم الحكاية إلا بثلاثية الفروسية والشعر
    والحب. مقادير يصارعها السيف والقصيدة معاً، فلا تكون
    غلبة إلا بهما مجتمعين. لم تنتصر قبيلة بلا شاعر، ولم
    ينتصر شاعر إلا مهزوماً في الحب.

    حين ينفض الساهرون من ديوان جدك، ويحملك جدك
    إلى النوم، تكون الحكاية قد هيَّأتك لتحلم وفق خيالها
    المفتوح: ستتابع حروب عنترة تارة، والمهلهل تارة.
    وستدخل غرفاً لا تعرفها في تناسل الحكاية من الحكاية في
    ليالي شهرزاد التي لا تبلغ النهاية، فتصير جزءاً من حكاية
    في عالم سحري التكوين لا يشبه شيئاً مما حولك.

    هكذا سكنتك فتنة الإيقاع والحكاية.

    فابتعدتَ، وحيّرك الخيط المقطوع بين الواقع والخيال، بين
    حرب تُروى وحرب تُرى.

    في مساء ما، رأيت نساء الحيّ ذاهباتٍ آيبات بحماسة،
    يحملن على رؤوسهن أكياساً ملأى بحجارة يكدّسنها
    على سطوح المنازل كالذخيرة، والرجال منهمكون بتدبيب
    رؤوس العصيّ بالمسامير. ما هذا؟ سألت، فقيل لك: غداً،
    صباحا تندلع الحرب بين الحمولتين الكبيرتين في القرية. لنا
    حلفاء من الأنسباء ولهم حلفاء.. لكننا سننتصر. لم
    تسأل عن سبب الحرب، فلعله الضجر أو خلاف على
    ظل شجرة، ولعله اختراع حكاية. لكن المعركة التي
    امتدت من الصباح إلى المساء لم تسفر عن قتلى أو نصر،
    بل فتحت أبواب السجون للمحاربين، وأغلقت باب
    الحكايات في دار جدّك. وكان عليك أن تبكي من فقر
    الليل. وكان عليك أن تكمل الحكايات وحدك وعلى قدر
    حلمك، بلا رواة ومعاونين!

    أما الحروف البيضاء على اللوح الأسود، فقد تشقَّقت
    ككلس صدئ، لأن كابوساً ما رافقك إلى المدرسة: هل
    مات أبي؟ وحين يسألك المعلم: ما معنى هذه الجملة:
    "انتظر السيارة حتى تعبر" تجيبهُ وأنت شارد الذهن: يعني
    إذا رأيت سيارة على الشارع، فلا تمش على الشارع حتى
    تزمِّر السيارة. يضحك المعلم: ما علاقة تعبر بـ تزمِّر؟
    فتقول: أليست كلمة "تعبر" هي "تزمِّر" لأن للسيارة
    زُمّارة. فيقول لك موبّخا: تعبر معناها تمرّ. حتى الآن،
    وبعد ستين عاماً من هذه الوعكة اللغوية، ما زلت تسمع
    صوت الزمّور كلما قرأت أو سمعت كلمة "تعبر".
    وتضحك في سرّك من قدرة الأخطاء الأولى على الحفر
    في الصخر. وتسأل: متى أشفى من تعريف الكلي
    بالجزئيّ؟ فالريشة ليست هي الطائر، والشجرة ليست هي
    الغابة، والعتبة ليست هي البيت.

    لكن الكلمات هي الكائنات. ستسحرك اللعبة حتى
    تصبح جزءا منها. وستقضي العمر في الدفاع عن حق
    اللعبة في استدراجك إلى المتاهة، وفي استدراجها إلى
    الفكاهة. تقرأ ولا تفهم ما تقرأ، فتقرأ أكثر مستمتعاً بقدرة
    الكلمات على الاختلاف عن العادي. الكلمات هي
    الأمواج. تتعلّم السباحة من إغواء موجة تلفك بالزبّد
    وللكلمات إيقاع البحر ونداء الغامض: فلتأتينّ إليّ
    إليّ بحثا عما لا تعرف-ناداك الأزرق. وأنقذك
    الحظّ وحرسُ الشاطئ من انقطاع أكيد مع صوت
    الكلمات. لكن قنديل البحر ما زال يحكّك دون أن
    تتوب عن حبّ البحر، ودون أن تعلم أن البحر هو مصدر
    الإيقاع الأول. فكيف يسجن البحر في أحرف ثلاثة
    ثانيها طافح بالملح؟ كيف تتسع الحروف لكل هذه
    الكلمات؟ وكيف تتسع الكلمات لاحتضان العالم؟

    تكبر على مهل وببطء. وتودُّ لو تقفز أسرع أسرع في
    السباق إلى غد تروِّض فيه الكلمات، وتقول شعراً حماسياً
    مدفوعاً بقوة الحبّ وبواجب الدفاع عن القبيلة، فينفتح
    لك السرّي الخفيّ بانفتاح الكلمات على الوعي، فلا
    تكون لعبةً كما ظننت، بل تحديق الظاهر إلى الباطن،
    وتجلِّي الباطن في الظاهر، فتكونها وتكونك، فلا تعرف
    التمييز بين القائل والقول. ستسمّي البحر سماء مقلوبة،

    وتسمّي البئر جرّة لحفظ الصوت من عبث الريح، وتسمّي
    السماء بحراً معلقاً على الغيوم

    ثمة شيء يتزيّا بالغامض، لا يُشَمُّ ولا يلمس ولا يتذوق
    ولا يبصر، هو ما يجعل الطفولة حاسَّة سادسة، فسمَّوك
    الحالم من فرط ما ركّبتَ للكلمات من أجنحة لا يراها
    الكبار، وتحرشت بالغامض، واغتربت/

    فانهض من هذا الأبيض

    عُدْ طفلاً ثانية/ عَلِّمني الشعر/ وعلِّمني إيقاع البحر/
    وأرجع للكلمات براءتها الأولى/ لِدني من حبة قمح، لا
    من جرح، لِدني/ وأَعدني، لأضمَّك فوق العشب، إلى
    ما قبل المعنى/ هل تسمعني: قبل المعنى/ كان الشجر
    العالي يمشي معنا شجرا لا معنى/ والقمر العاري
    يحبو معنا/ قمراً/ لا طَبَقا فضّيا للمعنى/ عُد طفلاً
    ثانيةً/ علِّمني الشعر/ وعلمني إيقاع البحر/ وخُذ بيدي/
    كي نعبر هذا البرزخ ما بين الليل وبين الفجر معاً/ ومعاً
    نتعلم أولى الكلمات/ ونبني عشا سرياً للدوريّ: /أخينا
    الثالث/ عُد طفلاً لأرى وجهي في مرآتك/ هل أنت
    أنا/ وأنا أنت؟/ فعلّمني الشعر لكي أرثيك الآن الآن
    الآن/ كما ترثيني!
    [/align]

  7. #7
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]4

    لكَ ليلٌ على هذا الوادي، فاهبط أسرع من حَجَلٍ
    مذعور. الهواء ساكن لا يحرك ريشه، ولا دليل لرحيلك
    هذا أوضح من غراب يرافق النازحين إلى حدود الليل/

    لك ليل، ولا إقامة لنا ولك، منذ الآن، تحت أشجار
    الزيتون، ولا درب خارج ما ينشره الظل الداكن لعرباتٍ
    نسمعها ولا نراها. الليل مكبّرات صوت. الليل طبل
    الصدى. لك ليل صارخ فاهدأ. واسمك الصغير وأسماؤنا
    كلها تتهيأ للإقلاع إلى مصائرها العشوائية في فوضى
    التكوين.

    يوقظونك من زمنك الخاص، ويقولون لك: اكبر الآن معنا
    في زمن القافلة، واركض معنا لئلا يفترسك الذئب. فلا
    وقت لنا لنودّع أي شيء ساخن. فاترك بقيّة منامك نائما
    على نافذة مفتوحة، ليلحق بك حين يصحو عند الفجر
    الأزرق. الحلم هو الذي يجد الحالمين، وما على الحالم إلا
    أن يتذكر/

    فاخرج معنا إلى هذا الليل الخالي من الرحمة، ستعرف
    فيما بعد كيف تنضِّد الكواكب في خزانة الذاكرة
    وكيف تعوِّض الخسارة بقوة العبارة وتنتصر. أمّا الآن، فلا
    تنظر إلى النجمة لئلا تخطفك وتضيع. وتعلق بثوب أُمك
    ... الدليل الوحيد على أن الأرض تركض حافية القدمين،
    ولا تبك كأخيك الصغير، المولود منذ أيام، لئلا يرشد
    البكاءُ الجنودَ إلى جهتنا المرمية في الهواء كيفما اتفق.

    لن يقوى أحدٌ على إخفاء الوجع عنك، فهو مرئيّ،
    ملموس، مسموع، كانكسار المكان المدوي. وها أنت ذا
    معنا ترى الوجع الذي ينهبنا كل شيء دفعة واحدة،
    وينسلّ منا كنصل السكين جالسا قبالتنا شامتاً، على
    الضفة الأخرى لنهر كان حاجزا وصار لفظة حجرية.
    الوجع يسامرنا، عن بعد، ويعوي كإناث الوحوش: تعالوا
    إليّ تعالوا! فلا نذهب ولا نرجع.

    لم نكن بعد في حاجة للأساطير، لكن ما حدث فيها
    يحدث الآن فينا.. في هذا اليوم المهروس بجنازير
    الدبابة. فمن يروي قصتنا نحن السائرين على هذا الليل،
    مطرودين من المكان ومن الأسطورة التي لم تجد منّا أحداً
    يشهد على أن الجريمة لم تقع. فإذا لم نكن نحن نحن،
    فليسوا هم هم. لكن الخصوصية هي الخصوصية، ذريعة
    السارق.

    فلا تنظر إلى نفسك في ما يكتب عنك. ولا تبحث عن
    الكنعانيّ فيك لتثبت أنك موجود. بل اقبض على واقعك
    هذا، واسمك هذا، وتعلّم كيف تكتب برهانك. فأنت
    أنت، لا شبحك، هو المطرود في هذا الليل.

    لك ليل. وللحظ آباء هم آباؤك، وللمنازل بُناة هم
    أجدادك، وللجرح المبكر فيك صرخة هي أنت، ولا ولد
    آخر أصابه سهم آلهة ماجنة. هكذا ستكتب عن
    تاريخ لا عن أسطورة، فليس من شأن نساء الملح أن
    يشهدن عليك أو لك... ولك أن تستعين بآلهة
    الأساطير، كذاكرة متخفية، لتحمي الشعر من غلبة الجيش
    على الإيقاع وعلى تاريخ القمح، ولتحمي الزمن من
    هيمنة الراهن... فلك في تعدد الآلهة نصيبٌ ما من
    عدلٌ ممكن، ولك من هذا الماضي نصيب من طفولة لا
    تريد أن تشيخ سريعاً بلا حكمة. لكن ما هو راسخ هو أن
    اسمك هو اسم الأرض/

    ولم تكن للأرض من أنوثة أجمل من الكنعانيات السابحات
    على السهل والتل مموّهات بشقائق النعمان، والمريمية،
    وعصا الراعي، والنجس المنحني بجلال الأمير على الماء/

    الكنعانياتُ الكنعانياتُ المزهواتُ بصبوات الربيع،
    الشهوانياتُ، الطالعاتُ من صهيل الصافنات، ومن تأهب
    النايات للإمساك بأول الأرض الهارب من الخاصرة إلى
    جداول ترعى بين أقدامهن/

    للاسم هنا رنَّةُ الفضة، وطعنةُ الرمح الطائش في خصور
    الكنعانيات المنذورات لتعليق الأرض، بحروف الأبجدية
    السامية، على قرون الأيائل/

    وليس للاسم هنا قربان الحي للميت ولا غفران الميت
    للحيّ. فالكنعانيات، وقد أغواهن البابونج، أخرجن الأرض
    من وحشتها في الكهوف إلى بيوت على شاكلة الإيقاع
    الحجري/

    وكنا أمام البحر شُهودَ التفاحات الأولى في الرحيل من
    فردوس إلى آخر، وجنوداً لا سلاح لنا غير أعواد الذرة
    وقُوّة القمح العظمى/

    ورأينا كيف يخضرّ الظل ويحمرّ من شمس أريحا،
    ويبيضّ من رقة سلامنا الحار، سلامنا الحار، سلامنا الزراعي السائر خفيفاً
    خفيفاً بين نارنا الأولى وما انقطع من رسائلنا الشفهية.

    من ريح إلى ريح/

    سلامنا المنشور كالأزرق الأبدي على أرض تغطي جرحها
    الأنثوي بورق التين وبصوف الخراف الساعية بلا أجراس
    إلى ماء الينابيع/

    سلامنا المكشوف كرائحة الفواكه الناضجة الفاضحة في
    ليالي الأعراس/

    فلتغتسلن، أيتها الكنعانيات، بالماء والضوء والحبق، ليمتلئ
    المكان بأنوثة تهرول خلف قطيع الماعز. الفلفل أيضاً
    يشرئب كأثداء الشاة، ويشهد على سلام الفرح، ويلهب
    الأفخاذ المُبقعة بحليب العنب اللزج/

    فاسبحن، أيتها الكنعانيات، اسبحن في النور الساخن،
    لتطفح قصيدةُ شاعرٍ ما بتراث الماء الصافي قبل الغزو...
    شاعر لم يولد على قارعة هذا الرحيل، بل وُلد منذ الأزل،
    منذ التقى آدم بحواء لتزجية الأبدية. شاعر لم يولد، هو
    وأسلافه إلا على هذه الأرض المسماة بكنّ، المُدمّاة
    بشوك الورد الذي زرعتن.

    لم تكن لنا حاجة للأساطير إلا لتفسر العلاقة بين القمر
    والدورة الشهرية، وبين الشمس ودورة الفصول، وإضفاء
    السحر على الكلام في ليالي الشتاء الطويلة، وتدريب
    الوحوش على طاعة النغم.

    فلتحفظ ليل الألم هذا عن ظهر قلب. فقد تكون الراوي
    والرواية والمروي، فلا تنس هذا الطريق الضيّق المتعرج
    الذي يحملك وتحمله إلى المجهول العربيد الذي سيرميك
    وأهلك، بالشبهات.

    وتسأل: ما معنى كلمة "لاجئ"
    سيقولون: هو من اقتُلِعَ من أرض الوطن.
    وتسأل: ما معنى كلمة "وطن"؟
    سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفير
    النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى.
    وتسأل: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاث أحرف لكل
    هذه المحتويات... وتضيق بنا؟

    وبسرعة تكبر على وقع الكلمات الكبيرة، وعلى الحافة بين
    عالم ينهار خلفك، وعالم لم يتشكل بعد أمامك.. عالم
    مرميّ كحجر طائش في لعبة أقدار. تسأل نفسك: من
    أنا؟ ولا تعرف كيف تعرّف نفسك. ما زلت صغيراً على
    سؤال يحيّر الفلاسفة. لكن سؤال الهوية الثقيل قد أقعد
    الفراشة عن الطيران.

    تنتحي ركناً قصيّاً على صخرة مهجورة على البحر
    اللبناني. تبكي كأمير صغير أنزلوه عن عرش الطفولة، قبل
    أن يُلَقّنوه فِقه الرُشد التدريجيّ، ودرس الجغرافيا الضروريّ
    لمعرفة المسافة بين "هنا" و"هناك":

    يا بحر، يا بحر.. ولا تفلح في تركيب النداء الكافي.
    لكن حرف الحاء يدرّب الحلق على بُحّة الملح: يا بحر، يا
    بحر! وتبكي، فيذوب قليل من الملح الصاعد إلى العينين،
    وتتضح وجهة النداء: يا بحر، يا بحر.. خذني إلى هناك.

    يدنو طائر أبيض منك، طائر بحريّ، سحريّ يهبط برفق
    إليك، وبرفق يطوي عليك جناحيه ويلمُّك كأنك واحد
    من فراخ سلالته، ويقلع ويطير على ارتفاع منخفض، فلا

    تدري إن كنت أنت الطائر أم صفةً من صفاته. تحلقان
    على طول الساحل المتعرّج المتدرج بين الأزرق والأخضر.
    وبلا ألم تهبطان على باحة البيت الواقف كالأم على
    التلة النافذة ما زالت مفتوحة. يفرد الطائر الأبيض
    جناحيه برفق على سريرك، فتنام خفيفا كما على غيمة.
    لكن أصواتاً عالية توقظك فجأة: ماذا تفعل هنا أيها الولد
    الأحمق؟ كيف تنام على هذه الصخرة المهجورة على
    شاطئ البحر، في مثل هذا الليل؟ ألا بيت لك ولا أهل؟
    فانتبهت إلى أنك تحلم/

    لكَ حلمٌ يسبق الشعر، بهيٌّ
    ونداءٌ يسبق الإيقاع، بحريّ
    كأنَّ الليل هذا
    خلوةُ الخالق بالمخلوق:
    كن سيّد أوصافك منذ الآن،
    يا ابني لك حلمٌ
    فاتبع الحلمُ بما أوتيتَ من ليلٍَ وكن إحدى صفات
    الحلم
    واحلمْ تَجدِ الفردوسَ في موضعه![/align]

  8. #8
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]5


    ظلام، ظلام، ظلام. نجاةُ اللون من التأويل، وخيالٌ يهب
    الأعشى ما فاته من فروق الإملاء، ومساواةً ترجح كفة
    الخطأ. لو خلا الليل منا لعاد صيادوا الأشباح إلى ثكناتهم
    خائبين. ولو خلا الليل منهم لعدنا إلى بيوتنا سالمين.

    الأشجار سوداء عمياء بلا أسماء وبلا ظلال. وفي كل
    حجر سرّ ما. كأنّ الموت الذي لم تره من قبل ينصب
    فخاخه بدهاءٍ تام السرية. فماذا تفعل في هذا الخلاء
    الكامل لو نقصت هذه القافلة الصغيرة؟ ومن أية جهة
    تنجو، وماذا تفعل بنجاتك؟ إلى أين تأخذها وأنت لا
    تعرف أيّ طريق؟

    لم تفكر بموتك أنت، فما زلت صغيراً على هذه التجربة
    إذ لم تدرك بعد أن بمقدور الصغار أيضا أن يموتوا. لكن،
    كيف تمضي وحيدا إلى حياة لا تعرفها ولا تعرف
    مكانها؟ فأبكاك احتمالٌ يهيلُ عليك، بلا رأفة، سماءً
    ثقيلة الوطأة. ويروي لك. بلا رحمة، نهاية قصة عن
    ضياع أبديّ في ليل وحشيّ مطبقٍ على بغلتين، وطريقٍ
    صخريّ، وسمسارِ حنينٍ يقود خمسة عائدين إلى
    خطاهم المعاكسة.

    وستروي إلى لا أحد واضحِ الملامح: لم يكن لنا من
    عدُوٍّ، وقتئذٍ، إلا الضوء والصوت. ولم يكن لنا، ليلتئذٍ،
    من حليف سوى الحظ، ينهرك صوت الخوف الخفيض: لا
    تسعل أيها الولد، ففي السعال دليل الموت إلى مقصده.
    لا تشعل عود الثقاب، أيها الأب، فإن في بصيص نارك
    الصغيرة إغواءً لنار البنادق.

    وخُيّل لك أن الليل هذا هو خباء الموت الواسع، وأنك
    تمشي أو تزحف أو تقفز كالجندب في برية الذئاب الخالية
    من المارة. وخيَّل لك أن الضوء القادم من نجمة شاردة، أو
    من سيارة بعيدة، هو أحد الأدلاء السرّيين لصاحب هذه
    البرية. وعليك إذا لاح الضوء من بعيد أن تتخذ هيئة
    شجرة واطئة أو صخرة صغيرة، وأن تحبس أنفاسك لئلا
    يسمعك الضوء الواشي.

    وستروي لي عندما أتقن التدوين، أو ستروي للا أحد كيف
    عثرت هناك، في ذلك الليل، على قرون استشعار جاهزة
    لالتقاط الرسائل البعيدة، وكيف تدربت على الإقامة في
    المغامرة، وكيف اكتويت بجمرة الثنائيات، وجاهدت في
    مكابدة الضد للضد، وتجنبت تعريف العكس بالعكس،
    فليس كل عكس لما هو خطأ صواباً دائماً. وليس الوطن
    هو النهار، دائما. وليس المنفى هو الليل...

    ظلامٌ يوحدُ العناصر في كهف الوجود الخالي من الصُّور.
    يطفح المجهول المحمول على عواء الذئاب وعلى هسيس
    العشب الدامي. وتمشي خطوةً على خواطر سوداء، وعلى
    صخرة ليلٍ خطوة. وأنت تسأل في سرك عما يجعل
    العتمة صلبة، وعما يجعل الحياة صعبة. وتحن إلى مطر في
    الجنوب، إلى مطر يذيب هذا الحبر الكوني الهائل، وتقول:
    لو هطل المطر علينا في هذا الليل لذاب الظلام ورأينا
    خطانا والطريق، وقادتنا رائحة المطر إلى الشجر الذي
    شبَّ في الغياب ودخلت أغصانه العالية إلى الغرف

    لكن همساً مالحا يأمرك بأن تنبطح على الأرض. هو
    الضبع-يقولون لك وهم يشيرون إلى ضوء سيارة من
    بعيد، ولا يأذنون لك بأن تسأل: هل يقود الضبعُ سيارة؟
    لم تعرف المجاز بعد، فلم تعرف أن الضبع هو "حرس
    الحدود". إذ ظنّوا أن الضبع لمن هو في سنك أرحم. فهو
    لا يحمل بندقية ولا يعرف المحاججة. ويكفيك، لتنجو
    منه، أن تخفي خوفك في جيبك، وتتظاهر بالمشية
    اللامبالية. يبتعد الضوء، وتزدرد الخوف، وتمشي مع
    بغلتين، وعائلة، وسمسار حنين على هدى الظلام.

    وأنا الراوي، لا أنت، أُذكِّرك الآن بمنادي قريةٍ كان يقف
    على سطح بيت ويصرخ: جاء الضبع. فيهرول عشرات
    من أمثالك إلى كهف القرية، إلى أن يعود الجنود من
    حملة التفتيش عمن عادوا إلى بلدهم "متسللين". تلك
    القرية المنحوتة في سفح جبل ذات بيوت من جدران
    ثلاثة. أما الرابع فهو ظهر الجبل. بيوت لو نظرت إليها من
    تحت، من كرم الزيتون، لرأيت لوحة عشوائية رسمها فنان
    أعمى على عجل، صخرة على صخرة، ونسي أن يرشَّ
    عليها شيئا من نعمة اللون، فقد كان خائفا من أن يرى،
    فجأة، ما صنعت يداه. أما النوافذ فإنها تطل على جهة
    واحدة: جهة الضبع!

    هناك، عرفت من آثار النكبة المدمرة ما سيدفعك إلى
    كراهية النصف الثاني من الطفولة. فان كنزة صوف
    واحدة، منتهية الصلاحية، لا تكفي لعقد صداقة مع
    الشتاء. ستبحث عن الدفء في الرواية، وستهرب مما أنت
    فيه إلى عالم متخيل مكتوب بحبر على ورق. أما
    الأغاني، فلم تسمعها إلا من راديو الجيران. وأما الأحلام
    فلن تجد متسعاً لها في بيت طيني، مبني على عجل كقنّ
    دجاج، يحشر فيه سبعة حالمين، لا أحد منهم ينادي الآخر
    باسمه منذ صار الاسم رقماً. الكلام إشارات يابسة
    تتبادلونها في الضرورات القصوى، كأن يغمى عليك من
    سوء التغذية، فتداوى بزيت السمك... هبة العالم
    المتمدن لمن اخرجوا من ديارهم. تشربه مكرهاً كما تُكره
    الألم على إخفاء صوته في ادعاء الرضا.

    تتذكر مذاق العسل الجارح الذي كان جدك يرغمك على
    تناوله فتأبى، وتهرب من مشهد جدتك التي تضع المنخل
    على وجهها لتتقي عقصات النحل وتقطف الشهد بيد
    جريئة. كل شيء هنا برهان على الخسارة والنقصان. كل
    شيء هنا مقارنة موجعة مع ما كان هنا. وما يجرحك
    أكثر هو أن "هناك" قريبة من "هنا". جارة ممنوعة
    من الزيارة. ترى إلى حياتك التي يتابعها مهاجرون من اليمن
    دون أن تتدخل في ما يفعلون بها، فهم أصحاب الحق
    الإلهي وأنت الطارئ اللاجئ.

    وحين تقول لأهلك: لم أذق في حياتي طعماً أسوأ من
    زيت السمك، يسخر منك الكبار: ألك حياة يا ابن
    السابعة. ألك ذكريات؟ تقول: نعم. وهذا هو الفارق.
    ولد الماضي فجأة كالفطر. صار لك ماض تراه بعيداً.
    وبعيد هو البيت الذي يسكنه وحيداً ولد الماضي من
    الغياب. ويناديك الماضي بكل ما ملكت يداه من أزهار
    الصبار الصفراء على طريق يصعد فوق التلال، ومن رائحة
    الحنين الشبيهة برائحة البلوط المشوي في الموقد، ومن
    عباءة جدك البنية كالتبغ الذي بلله الماء، الخفاقة كصوت
    صراع وديّ بين الحكمة والعبث. ولد الماضي كأثداء كلبة
    توشك على الولادة، ومن خوفك من الغد .
    كاملاً جاهزاً لخطف العروس على حصان الحكاية. من
    كل ما أنت فيه، ومن كل ما فيك من بؤس الحاضر
    الجائع إلى تعريف الهوية.. وُلد الماضي.

    وكما لو كنت تهذي: البعيد هو السعيد. والسعيد هو
    البعيد. سأجعل الليل إثمداً لأستعيد عافية الماضي وأداوي
    بها حمى أصابت الأرض المتشعبة فيّ كالنَّجيل. وأهذي
    وأعرف أني أهذي، ففي الهذيان وعي المريض برؤياه، لأنه
    أنبل مراتب الألم.

    سيقول الطبيب مرة أخرى: إنه يشكو من سوء التغذية،
    فهل أقلع عن تناول زيت السمك؟ كلا، ولكنه يتذكر
    أشياء لا يحتملها من هو في مثل عمره. يتمنى أن يكون
    فراشة، فهل للفراشات ذكريات؟ الفراشات هي الذكريات
    لمن يتقنون الغناء قرب نبع الماء، فهل غنّى؟ ما زال صغيراً
    فأنى له أن يدحرج الكلام على مصطبة من رمل؟ إنه
    يشكو من سوء الحاضر، فلتأخذوه إلى الغد.

    ليس لنا في اليد حيلة ولا غد ـ قالوا ـ ونحن على هذه
    الحال، مربوطون إلى مصائر متينة التركيب، ومشدودون
    إلى هاوية بعد هاوية. نشتري الماء من آبار الجيران،
    ونقترض الخبز من سخاء الحجر. ونحيا، إن كان لنا أن
    نحيا، في ماض رضيع مزروع في حقول كانت لنا، منذ
    مئات السنين، إلى ما قبل قليل... قبل أن يختمر العجين
    وتبرد أباريق القهوة. بساعة نحس واحدة دخل التاريخ
    كلص جسور من باب، وخرج الحاضر من شباك.
    وبمذبحة أو اثنتين، انتقل اسم البلاد، بلادنا، إلى اسم
    آخر. وصار الواقع فكرة وانتقل التاريخ الى ذاكرة.
    الأسطورة تغزو، والغزو يعزو كل شيء إلى مشيئة الرب
    الذي وعد ولم يخلف الميعاد. كتبوا روايتهم: عدنا
    وكتبوا روايتنا: عادوا إلى الصحراء. وحاكمونا: لماذا وُلدتم
    هنا؟ فقلنا: لماذا ولد آدم في الجنة؟

    تذكّر، لتكبر، نفسك قبل الهباء
    تذكر تذكر
    أصابعك العشر، وأنس الحذاء
    تذكر ملامح وجهك،
    وأنس ضباب الشتاء
    تذكر مع اسمك، أمك
    وأنس حروف الهجاء
    تذكر بلادك، وأنس السماء
    تذكر تذكر!
    [/align]

  9. #9
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]6

    عشت، لأن يداً إلهية حملتك من عين العاصفة إلى وادٍ
    غير ذي زرع. وعشت في منزلة الصفر، أو أقل وأكثر.
    عشت عصيّ القلب، قصيّ الالتفات إلى ما يوجع ويجعل
    الوجع جهة، وإلى ما يرجع من صدى أجراس تضع
    المكان على أهبة السفر: من هنا مرّت الغجريات
    المصابات بحمّى الرقص والإغواء. علّقن سراويلهن على
    أغصان الشجر وارتدين العري المتخفّي في رشاقة الحركة.
    على الخيال وحده أن يرى فضيحة العُري في إيمان الفن
    بذاته المتمنعة عن الإفصاح. فالغجريات الماهرات بدسّ
    البرق في عظام المشاهدين، هنّ هنّ القادرات على
    ستر العري بضوء يسطع من نهود ترشح حبيبات ماء يضحك
    ...

    في كل ولدٍ غجرية. وفي كل غجرية سفر مرتجل. وفي
    كل سفر حكاية ولا تُروى إلاّ بعد اجتياز الذكرى سنّ
    الخجل من أصحابها. ألهذا حملت الغجر معك كلما
    افترق المكان عن زمانه، وكلما تشرّد المكان في سُكّانه
    الباحثين عنه في ما تبقى من روائح هي الدليل على حسّية
    الروح؟ ألهذا بحثت في النساء الغريبات عن فوضى الجسد
    في شهوة الغجريات الراقصات على حبال الريح،
    واصطحبت المعنى الخالي من الزركشة، في الحب، إلى
    آخر العبث؟

    وعشت، لأن يداً إلهية أنقذتك من حادثة. عشت في كل
    مكان كمسافر في قاعة انتظار في مطار يُرسِلك، كبريدٍ
    جوّي، إلى مطار.. عابراً عابراً بين اختلاط الهُنا بالهناك،
    وزائراً متحرراً من واجبات التأكد من أي شيء. هكذا
    مرّت الغجريات على حقل أيامك البعيدة، في طريقهن
    الشريد من الهند إلى ما يرد على حاسة التيه من هواجس
    بلا خرائط وهويات... جميلات وبائسات وراقصات بلا
    سبب، سوى ما للدم الساخن من نسب إلى الإيقاع. هُنّ
    هُنّ، سِربُ خيامٍ مهاجرة إلى مغامرة قد يَجدنَ فيها
    كفاف حياة في متناول اليد. ولا يودّعن شيئاً لئلا يحزنّ،
    فالحزن مهنة لا تليق بهنّ، فهنّ الحزينات منذ وُلِدن.
    ويرقصن كي لا يمُتن. ويتركن الأمس وراءهن حفنةً من
    رماد موقد مؤقت. ولا يفكرن بالغد لئلا يعكّر التوقع صفو
    الارتجال. اليوم اليوم هو الزمن كله/

    فاحذر طريق الغجريات، لأنه لا يوصل إلى أي هدف.

    وعشتَ، لأن كثيراً من الرصاص الطائش مرّ من بين
    ذراعيك ورجليك ولم يصبك في قلبك، كما لم يَشُجّ
    حجر طائش رأسك. وعشت لأن سائق الشاحنة انتبه في
    اللحظة الأخيرة إلى ولد يصرخ بين مؤخرة الشاحنة وبين
    الجدار الذي تلتصق به. وعشت، لأن سائق سيارة رأى
    في الظلام قميصاً أبيض واقفاً على حافة الشارع، فأنقدك
    من خطر الليل وأعادك إلى الأهل المشغولين بتقليب
    الافتراضات على جمر الخوف. وعشت، لأن ضوء القمر
    اخترق الماء وأضاء صخوراً مدببة أقنعتك بأن الموت
    سيكون مؤلماً لو قفزت من تلك الصخرة إلى البحر، لا
    سباحة في مياه الأبدية.

    وعشت، من دون أن تعرف كيف تصوغ كلمات الشكر
    البسيطة: حمداً للحياة حمداً. ولم تسأل إلاّ متأخراً: كم
    مرة متّ ولم أنتبه؟ وكلما متّ وانتبهت التهمت الحياة
    كحبة خوخ، فلا وقت طويلاً للخوف من المجهول ما
    دامت الحياة، وهي أنثى، مشغولة عن الموتى بتجديد
    صباها وفجورها وتقواها، على مرأى من المحرومين.

    تجلس في مطعم المطار في ركن قصيّ، وتفكّر في جدوى
    الرحلة: هل أنا في ذهاب أم إياب. لا أحد ينتظرني في
    الذهاب ولا سبب يدعوني إلى الإياب. لي أكثر من اسم
    وأكثر من تاريخ ميلاد في جوازات سفر جليلة الأغلفة،
    حمراء وزرقاء وخضراء. وحرٌّ أنا في هذا الزحام المسافر،
    وآمنٌ كبضائع الحوانيت المعفاة من الجمارك، ومحروس
    بأجهزة الإنذار الإلكترونية. لا أحد يسألني من أنت ولا
    أحد يلتفت إلى مشيتي المتلعثمة، وإلى الزر المقطوع في
    معطفي، وإلى بقعة الزيت على قميصي. كأني شخص
    هارب من إحدى الروايات المعروضة في كشك الصحف،
    هارب من المؤلف والقارئ والبائع. وفي وسعي أن
    أضيف وأن أحذف وأن أعدّل وأن أبدّل وأن أقتُلَ وأن
    أُقْتَلَ وأن أمشي وأن أجلس وأن أطير وأن أصير ما أريد
    وأن أحبّ وأن أكره وأن أعلو وأن أهبط وأن أسقط من
    أعالي الجبال ولا أصاب بسوء لأني لا أعتدي على حقوق
    المؤلف، ولي في المصائر، أعني مصائري، وجهة نظر
    أخرى/

    لم ينهكَ أحدٌ في المطار عن الإفراط في الخروج من
    انضباط المؤلف، فاسترسلت في طرق المعلوم على فولاذ
    المجهول، فتطاير شَرَرُ الممكن من خيال كلما ضاقت عليه
    الجدران شعّ كبلّور مكسور في مجاز السجين. فرأيت إلى
    نفسك في المطار التالي شخصاً غير مرغوب فيه، لافتقار
    الوثائق إلى فقه الربط بين الجغرافيا وأسمائها: فمن وُلِدَ في
    بلد لا يوجد.. لا يوجد هو أيضاً. وإن قلت مجازاً إنك
    من لا مكان قيل لك: لا مكان للامكان هناك. وإن قلت
    له، لموظف الجوازات، اللامكان هو المنفى، أجابك: لا
    وقت لدينا للبلاغة.. فاذهب إذا كنت تحبّ البلاغة إلى
    لا مكان آخر/

    ورأيت إلى نفسك في مطار ثالث ورابع وعاشر تشرح
    لموظفين لا مبالين درساً في التاريخ المعاصر عن شعب
    النكبة الموزع بين المنافي والاحتلال، من دون أن يفهموك وأن
    يمنحوك إذناً بالدخول. ورأيت إلى نفسك في شريط
    سينمائي طويل تروي على رسلك ما حلّ بأهلك مسروقي
    اللسان، والقمح والبيت والبرهان... منذ هبطت عليهم
    جرّافة التاريخ العملاقة وجرفتهم من مكانهم وسوّت
    المكان على مقاس أسطورة مدجّجة بالسلاح وبالمقدّس.
    من لم يكن آنئذ في الأسطورة لن يكون الآن. وتساءلت:
    هل من جلاّد مقدس؟ ورأيت إلى نفسك تكمل ما تيسّر
    لك من عمرك، بلا مؤرخين ومؤلفين في المطار المزدحم
    بالمسرعين إلى مواعيدهم التجارية والغرامية/

    وأنت المُفرَغ من لقاء أو وداع، تجلس على المقعد
    الجلدي وتنام. وتستيقظ لأن مسافراً مستعجلاً تعثّر بك
    واعتذر من دون أن ينظر إليك. تمضي إلى الحمّام وتغسل
    ثيابك الداخلية وجوربيك وتحلق ذقنك، ثم تتوجه إلى
    الكافيتيريا لتحتسي فنجان قهوة، وتبحث في الجرائد عن
    آخر أخبارك: هل من بلد يقبل بي؟ فلا تجد فيها، في
    الجرائد، إلاّ أخباراً مُفَصّلة عن الحروب والزلازل
    والفيضانات. لعل الله غاضب على ما يفعل البشر
    بالأرض! لعل الأرض حبلى بالقيامة!

    ما معنى أن يحيا إنسان في المطار؟ تهجس: لو كنتُ
    مكاني لكتبتُ مديحاً لحريتي في المطار: أنا والذبابة
    حُرّان/ أُختي الذبابة تحنو عليّ/ تحطّ على كتفي
    ويدي/ وتُذكّرني بالكتابة/ ثم تطير. وأكتب سطراً:
    كأن المطار بلاد لمن لا بلاد له/ وتعود الذبابة بعد قليل/
    وتمحو الرتابة، ثم تطير تطير تطير/ ولا أستطيع الحديث
    إلى أحد/ أين أختي الذبابة، أين أنا؟

    ترى إلى نفسك في شريط سينمائي تحدق إلى امرأة تجلس
    في الركن المقابل لك في الكافتيريا. وحين تراك وأنت
    تراها تتشاغل بتنظيف قميصك من قطرة نبيذ، وقعت
    ككلمة شاردة من عبارة كنت ستقولها لها لو كانت
    معك: جمالك هذا كثير عليّ كسماء، فارفعي السماء
    قليلاً لأتمكن من الكلام. ترفع عينيك عن صحن الحساء
    الساخن، فتراها تراك، لكنها سرعان ما تتشاغل برش الملح
    على طعامها بيد يرتجف عليها الضوء، فتخاطبها في سرك:
    لو كنت مثلي ممنوعة من الخروج، لو كنتِ مثلي! تشعر
    بأنك أحرجتَها، فتتظاهر بأنك تخاطب النادل: لا، عفواً.
    لؤلؤة من عرق تلمع في جيدها المرفوع للثناء، فتقول لها
    في سرك: لو كنتُ معك للحستُ حبة العرق. الرغبة
    ماثلة واضحة كالصحن، كالشوكة والملعقة والسكين،
    كزجاجة الماء، كالشرشف، وكأرجل الطاولة. والهواءُ
    معطر. تلتقي النظرتان وتشعران بالحرج فتفترقان. هي
    تحتسي جرعة من كأس النبيذ الذي ذابت فيه اللؤلؤة.
    وأنت تشعر بأنها قد سمعت بكاء الحوت في محيط
    عميق، وإلا، فما الذي يغرقها في هذا الصمت الكثيف؟
    تقول لها في سرك: إن أعلنوا أن قنبلة ستنفجر في المطار،
    فلا تصدقي.. لأني أنا من أطلق هذه الشائعة لاقترب
    منك وأقول لك إني، لا غيري، من أطلق هذه الشائعة.
    يخيّل لك أنها اطمأنت، فرفعت نخبك متلألئاً، وانسلّ
    خيط من الرغبة من أطراف أناملها، وحرك في عمودك
    الفقري نبضة كهربائية، وهزتك قشعريرة... فتولهت
    وتأوهت، وفاحت رائحة المنجو من سرير سرّي معلقٍ في
    الهواء، وناحت كمنجات بعيدات وارتخت أوتارها في
    نهاية الهياج/

    لم تنظر إليها، لأنك تعلم أنها تنظر إليك ولا تراك، فقد
    حلك الضباب على طاولتك الدائخة من فرط ما كدستَ
    عليها من أدوات التأويل، ومن أوراق بيضاء لا يكفي
    عشرون مؤلفاً لإشباعها بالكنايات. لم يكن النادل، بل
    هي من ربتت على إغمائك، وقالت: هل كانت وجبتك
    شهية؟ وأنتِ ـ سألتها، فقالت: سعدت بلقائك... هل
    تذكرتني؟ قلتَ: قد يفقد المرء ذاكرته في المطارات.
    فقالت: وداعاً لم تنظر إليها وهي تبتعد، لأنك لا تريد
    أن ترى الرغبة وهي تدق بكعبين عاليين رخام
    الكاتدرائيات، وتوقظ في أجساد الكمنجات شبقاً
    إلى الرحيل. لكنك تذكرتها حين تسلل النعاس، كما تسلل
    خدر النبيذ إلى جسدك، بدءاً من الركبتين إلى ما لا
    تتذكر من غابة الجسد. أما اسمها، فقد تعرفه غداً، على
    طاولة أخرى في مطار آخر!
    [/align]

  10. #10
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]-7-

    السجن كثافة. ما من أحد قضى ليلة فيه إلا درّب
    حنجرته على ما يشبه الغناء، فتلك هي الطريقة المتاحة
    لترويض العزلة وصيانة كرامة الألم. أن تسمع صوتك
    المبحوح يعني أن آخرك قد سامرك وأسر لك بأخبارك
    الشخصية، في غرفة كلما ضاقت اتسع ما وراءها
    واحتضنت العالم بشغف المصالحة/

    وأنت إذ تغني لا تغني لتتقاسم الليل مع أحد. ولا تغني
    لتقيس إيقاع وقت بلا إيقاع ولا علامة، بل تغني لأنّ
    الزنزانة تغريك بمناجاة الخارج، نقصانك في كمال العزلة:
    تأتي الحقول إليك بحفيف السنابل الذهبية. والشمس تملأ
    قلبك بضوء البرتقال. وتأتي إليك زهور السفوح المبعثرة
    كشعر فتاة فوضوية. ورائحة القهوة المشحونة بهياج الهال
    تأتي إليك. كأنك لم تنتبه من قبل إلى ما في خارجك
    من سعة ودعة... والى ما كان ينقصك من احتفاء
    بالطبيعة/

    وكما في القصائد والغسق، يحتفل الغموض بالوضوح،
    لأن بؤرة سرية تطلق إشعاعها في الجهات وفي الكلمات،
    وتحرم الظلام من أبدية الصفات. تزورك الذكريات
    الصغيرة قطيعاً من ماعز وأيائل تتقافز كأكواز صنوبر على
    طريق جبلي. في كل أغنية فتاة تنتظر على محطة باص أو
    على شرفة. وعلى كل شرفة منديل يلوح وحمامة آمنة.

    وأنت، أنت وأكثر/

    مأهول، كمجمع سكاني، بالصاعدين على الدرج
    وبالنازلين إلى الشارع. مأهول بأدوات المطبخ والغسالات
    ونزاع الأزواج على أفضل طريقة لتقشير البطاطا وقلي
    السمك. وجع خفيف في المعدة يتبعه وجع ميتافيزيقي:
    هل تصاب الملائكة بالزكام؟

    وأنت، أنت وأقل/

    لا تستطيع ولوج يوم جديد بلا حمام، وحلاقة،
    وصحيفة، وفنجان قهوة. حجم الأرض هنا متران مربعان
    لهما باب حديدي دائم الإغلاق. أصوات أحذية غليظة
    تحمل إليك حساء العدس المطبوخ بالسوس، فتدرك أن
    نهاراً جديداً قد حل ضيفاً على العالم. لكنك لا تحصي
    الأيام، فلا خرز في زنزانتك ولا حصى للتقويم الجديد.
    ولا تعلم إن كانت حرب جديدة قد اندلعت، أو كانت
    الحرب القديمة قد وضعت أوزارها. ولا تعرف إن كانت
    ثيابك قد توقفت عن بث رائحتها،أم أن حاسة الشمّ
    فيك هي التي تعطلت.

    لا جديد إذاً. لا جديد في هذه القطيعة الصلبة مع الزمن.
    لا جديد سوى قديمك الزاحف منك واليك، متحولاً
    فكرةً وصورة تتناوبان، بلا مهاراة، ذرائع هدوئك الذي لا
    غنى لك عنه للتنفس الطبيعي في هواء فاسد. لا شيء
    رهن إشارة القلب الذي كان يأمرك فتنصاع، ويأمرك بأن
    تعصى فتعصى، ويأخذك إلى أقصى ما في مطاردة الحجل
    من برية، والى أقسى ما في الكلام من خشونة الهجاء.

    كم أنت هادئ لتقول: الهجاء فحولة اللغة القادرة على
    مناطحة الجنادل، كلما توقفت البلابل عن الغناء، وامتثلت
    فرس غير أصيلة، إلى إغواء حمار. الهجاء فروسية مقهورة
    تعوض نقصان التشبه بالقادر برفع إنشاء الخاسر إلى مرتبة
    العرش، لكنه، الهجاء، يطرب الجمهور الغاضب، ويعذبّ
    الغالب بطنين الأولاد الذين يلاحقونه بأصوات التنك
    والشتائم، ويحرمه من تتويج النصر بالطرب.

    وأنت، تقريباً أنت/

    لا سجين ولا طليق. فالسجن كثافة. ما من أحد قضى
    ليلة فيه إلا وأمضى الليل كله في تدليك عضلات الحرية
    المتشنجة، من فرط السهر على الأرصفة، حافيةً وعاريةً
    وجائعة. وها أنت ذا تحتضنها من كل ناحية، حراً متحرراً
    من عبء البرهان. ما أصغرها وما أبسطها وما أسرعها في
    الاستجابة إلى نشاط السراب. وهي فيك وفي متناول
    يدك التي تدق بها جدران الزنزانة: في اقتباسك أمثولة
    الطير، وفي هطول المطر، وفي هبوب الرياح، وفي ضحكة
    الضوء على حجر منسي، وفي كبرياء شحاذ يوبخ مانحيه
    إذا بخلوا، وفي حوار غير متكافئ مع سجانك حين تقول
    له:

    أنت، لا أنا، هو الخاسر، فمن يحيا على حرمان غيره من
    الضوء يغرق نفسه في عتمة ظله. ولن تتحرر إلا إذا
    بالغت حريتي في الكرم، كأن تعلمك السلام وترشدك
    إلى بيتك. أنت الخائف، لا أنا، مما تفعله الزنزانة بي، يا
    حارس نومي وحلمي وهذياناتي الملغومة بالإشارات. لي
    الرؤيا ولك البرج وسلسلة المفاتيح الثقيلة والبندقية المصوَّبة
    إلى شبح. لي النعاس حريري الطبع والملمس، ولك السهرُ
    عليّ لئلا يسحب النعاس سلاحك من يدك قبل أن يرتدّ
    إليك طرفك. الحلم مهنتي، ومهنتك استراق السمع،
    سدى، إلى حديث غير ودي بيني وبين حريتي/

    لا يصغي السجّان إليك، ولا يراك وأنت تغافله وتدخل
    في نفسك دخول الغريب إلى مقهى على الرصيف. لم
    تحب المقاهي وملاهي الليل، كما أشاعوا عنك. المقهى هو
    امتلاء الروائي بفضول النص المتعطش إلى مراقبة المصائر.
    المقهى هو إفراغ الوقت من ضجر مصاحب للكائن في
    كؤوس نميمة. والضجر مذل كالشهوة المتأججة في غير
    موضعها. المقهى هو الشرك الملائم لاصطياد أفكار نسيها
    أصحابها مع البقشيش على الموائد، واقتباسات غير دقيقة
    لعناوين ثقافية تشبه الوجبات السريعة.

    لكنك تحس الآن برغبة ملتهبة في الذهاب من الزنزانة إلى
    المقهى. ستجلس وحدك مع فنجان قهوة وجريدة قد
    تقرأها وتنسى ما قرأت. وقد لا تقرأها وتتذكر ما لم تقرأ.
    لكنها ستارة ورقية لاختلاس النظر إلى الآخرين: إلى سيّدة
    تخاطب كلبها بحنان عائلي، والى جنرال يأكل بنهم،
    فالجنرال هو أيضاً كائن يجوع.. والى فتاة تنزل خصلة شعر
    على جبينها بنزق المنتظرة... والى صحافيّ يدوّن
    ملاحظات عن رجل أمامه يحاول حل الكلمات
    المتقاطعة. وحين تختلس النظر إلى نفسك، تكتشف أنك
    لا تفكر بشيء ولا تنتظر أحداً، ولا تشعر بفراغ أو امتلاء
    أو ضجر.

    الضوء ساطع، فتخرج إلى الشارع النازل من قمم الصنوبر
    إلى البحر. السجن هو حرمان الكائن من مشهد الشجرة
    والبحر. والحرية هي المخيلة القادرة على استدعائهما إلى
    السجن، وجعل ما ليس مرئياً مرئياً. لا.. هذا ما يفعله
    الشعر. الشعر إذاً فعل حرية، ويجعل ما هو مرئي غير
    مرئي عند مواجهة الخطر. والمشي رياضة وحرية. تتخيّل
    أنك تمشي على شارعك الشخصي بطيئاً في البداية.
    تتملى شبابيك مفتوحة على الداخل، على أسرار صغيرة
    وحمامات. تقيس المسافة بين لقاء طويل ووداع صغير،
    فينتابك شعور حامض بالندم على خطأ لم ترتكبه: لست
    أنا المسؤول عما حدث. لكن الحرب أعادت كلا منا إلى
    خيمته. أنت إلى نشيدك الوطني، وأنا إلى السجن، فلم
    تعد أغنية الجسدين مشتركة!

    المشي رياضة وحرية. تتخيل أنك تمشي على شارعك
    الشخصي سريعاً سريعاً لتحرق السعيرات الزائدة
    لساندويتش الشورما وألواح الشوكولاته. الدهن والسكر
    هما شهوة السجين إلى استرداد عافية المألوف. والمشي
    رياضة الكلمات وتدريب الذاكرة على ما تحتاج إليه من
    نسيان الزؤان والإهانة. المشي السريع يخفف عن
    الكلمات شحم النعوت والمترادفات وما يجعل السهم
    طائشاً. المشي السريع يضع الرمزي في موقعه الصحيح من
    الواقعي مهما تحرش الضباب بالصورة والفكرة والرؤيا.
    المشي السريع يلف الكلام بسَروَةِ القوام الرشيقة تحت
    سماء صافية. فلتسرع قبل أن يوقفك السجان عن رياضة
    المجاز في منتصف هذا الشارع الواسع. ولتسرع قبل أن
    يوقظك، ويرمي إليك بوعاء البول الصباحي.

    وأنت أنت ولا أنت في آن واحد/

    منقسم إلى داخل يخرج وإلى خارج يدخل. لكنك حرٌّ
    في الاختلاء بحرية غير حمالة أوجه.. حر في وضع
    الخيال على ركبتيك. ولا تجري، كما هي العادة، مقارنة
    بين سجن كبير وسجن صغير، لأن لا شيء في الزنزانة
    يلهيك عن التحديق إلى بؤرة سوداء تشع نوراً، فتغنّي له
    وتطير، كما يفعل المتصوف، أبعد من هدهد في أقاصي
    السؤال!.
    [/align]

  11. #11
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]-8-


    لم يسحرك أكلة اللوتس بمذاق النسيان العسليّ. خرجوا
    من أسطورتهم سالمين، ودخلتَ وأهلك بلا استعداد كاف
    في التيه. تعرف تماما ماذا تركت وراءك: ماضياً غير مدوّن
    في نشيد، عن طُرواديّين جُدد لا يروى عنهم إلا ما يقول
    أعداؤهم عنهم. لكنهم لم يخطفوا هيلين ولم يكونوا سبباً
    للحرب. كانوا طيبين مسالمين، ولا ذنب لهم غير أنهم
    وُلدوا على سفوح شُبهت بالدرج المؤدي إلى الله، وكانوا
    شجعانا بلا سيوف، وعفويين بلا بلاغة، فانكسروا أمام
    الدبابات، وهُجّروا وبعثروا في مهبّ الريح، دون أن
    يفقدوا إيمانهم بالشفاء من جرح التاريخ.

    فمن أنت في هذه الرحلة؟ أشاعر طروادي نجا من المذبحة
    ليروي ما حدث، أم خليط منه ومن إغريقي ضلّ طريق
    العودة؟ إن فتنة الأسطورة تجعلك نهباً لانتقاء
    الاستعارات.. فخُذ منها ما يصلح لصعود النشيد إلى
    ختام آخر، يتسع لصوت الضحية الطرواديّ المفقود،
    ولعجز النصر الإغريقي من إعادة الشباب إلى المحارب
    الذي شاخ في ثنائية البيت والطريق.

    مشدوداً كالوتر بين الماضي والغد، تعرف كل ما خسرت
    وتركت وراءك. ولا تتبيّن أمرا من أمور الأمام. لكن
    جاذبية أفقية تدفعك بقوة العاصفة إلى محتويات الأمام،
    إلى مجهول فاتن في قصيدة لم تكتمل تبدأها أنت، ثم
    تقوم هي بتولي مسارها، حيث يتغلَّب المصنوع على
    الصانع والوليد على الوالدة. سمّوك الحالم،حين قلت إن
    الطروادي يقاوم. وفسروا أحلامك قبل أن تراها. وقلت:
    ابتعدتُ قليلاً لأقترب، فقالوا: هذه هي طريقة النادم في
    الكلام. فهل ندمتَ حقاً على هذا السفر؟ قلتَ: لا
    أعرف ما دمتُ في أول الطريق.

    وكان عليك أن تختار الهامش لتعرف أين أنت. الهامش
    نافذة تطل على العالم، فلا أنت فيه ولا أنت خارجه
    الهامش زنزانة بلا جدران. الهامش كاميرا شخصية تنتقي
    من المشهد ما تشاء من صور، فلا يكون الملك هو الملك.
    ولا يكون مقلاع داود إلا سلاح جوليات. هل صحيح أنّ
    من يكتب قصته قبل الآخر يكسب أرض القصة؟ لكن
    الكتابة تحتاج إلى مخالب كي تحفر الأثر في الصخر.

    وسَمّوك الحالم حين اخترت الهامش لترى حلمك ويراك
    مُنكباً على تذكّر اسمك القديم الذي يتبعك كظلك، ولا
    ينطق. لو نطق الظل لأرشدني-قلت لي. أما أنا فذهبت
    إلى الشارع أهتف وأنزف وأهتف بسقوط الذرائع
    والأسباب، حتى خيّل لي أنني حَررتُ وتَحررّتُ وكَفَّرتُ
    عن ذنوب لم أرتكبها. وكنت تنظر إليّ من الهامش، لأن
    المسافة كما قلت لي مصفاة ومرآة. وفي المساء التقينا،
    كما هي العادة، فعانقتني، وربتَّ على كتفي وقلت لي:
    سأمضي غداً معك، لأن الهامش يتأمّلُ ولا يفعل.

    طريق يعلو ويهبط، يتموّج ويتعرّج ويطول، ويتفرع إلى
    طرق لا حصر لها ولا نهاية تجتمع بالبداية. كم مرة نبدأ
    من البداية؟ ونجونا من موت كثير، وهزمنا النسيان، وقلت
    لي: نحن ننجو ولا ننتصر، وقلت لك: النجاة هي انتصار
    الطريدة الممكن على الصيّاد. الصمود هو البقاء والبقاء هو
    أول الوجود. وصمدنا، وسال دمٌ غزير على السواحل
    والصحاري..دمٌ فاض عن حاجة الاسم إلى هوية،
    وحاجة الهوية إلى الاسم.

    وبحثنا عن زهرتنا الوطنية، فلم نجد أفضل من شقائق
    النعمان التي سمّاها الكنعانيون "جراح الحبيب"، وبحثنا
    عن طائرنا الوطني، فاخترنا الأخضر" تيَمّناً بانبعاثه من
    الرماد، وتجنّبا لسوء فهم مع أخوة "الفينيق"، وبحثنا عن
    علمنا الوطني، فأَرشدَنا بُعدنا القوميّ لى بيت الشعر إياه،
    الذي أغدق على الألوان الأربعة أوصافا قد تجافي
    الموصوف، ولكنها تهيّج الحماسة.

    وسال دم غزير حتى صارت قيافةُ الدم.. دمِنا دليلَ العدوّ
    إلى طمأنة ذاته الخائفة مما فعل بنا، لا مما قد نفعل به.
    فنحن الذين لا وجود لنا على "الأرض الموعودة" صرنا
    شبح القتيل الذي يطارد القاتل في النوم وفي اليقظة وفي
    ما بينهما، فيضطرب ويكتئب ويشكو من الأرق ويصرخ:
    "ألم يموتوا بعد؟" كلا.. فقد بلغ الشبحُ سنّ الفطام وسنّ
    الرشد وسنّ المقاومة وسنّ العودة. الطائرات تطارد الشبح
    في الهواء. الدبابات تطارد الشبح في البر. والغوّاصات
    تطارد الشبح في البحر. والشبح يكبر ويحتلُّ وعيَ القاتل
    حتى يصيبه بالجنون:
    على شرفة في مشفى الأمراض النفسية تطلّ على آثار دير
    ياسين، يجلس ملك إسرائيل الجديد ويهذي: هنا، هنا
    كانت بداية معجزتي. هنا قتلتهُم ورأيتُهم قتلى. رأيتهم
    موتى ملئ البصر والسمع. هنا سمعت أنين الوحوش
    البشرية الذي لم يعكر صفوَ موسيقاي. ومن هنا نشرتُ
    أصواتهم شمالاً لتُفزع سائر القطيع الذي يُرَنّق ماء الأرض
    المقدسة. ومن هنا أذعت الذعر في ما تبقى من حيوانات
    تدبُّ على اثنتين.. ليدخلوا في رحلة التيه. لا، لا فالتّيه
    ليس اللفظ الملائم لمصيرهم. التيهُ خُصوصيّتي. التيه يفضي
    إلى الهداية. التيه يفضي إلى عودة. التيه احتكاري كما
    هو الله لي. يتناول الملك أقراص المهدّئ ويتذكر: لولا
    بطولتي، لولا ما فعلت بدير ياسين، لما قامت ممتلكتي. لولا
    الغياب، غيابهم، لما حضرت.. أن لا يكونوا هو أن أكون.

    فمن أين طلعوا عليّ، أنا الذي لم أرض بهم جيراناً أو
    عبيداً، لا حطابين ولا سقاة ماء. يضغط الملك على كأس
    الماء بعصبية فيهشمه، فيبزغ من يده خيط دم، فيهذي: لم
    أرَ دم الشبح الذي يطارده جيشي في لبنان وأرى دمي؟
    هنا قتلتهم ورأيتهم قتلى، فكيف غَشُّوا الموت وعصوا
    أوامري.. وأنا من يهبُ الموت والحياة.. أنا الملك، ملك
    إسرائيل الجديد. وكيف صار الميت شبحا وكيف تطاول
    الشيخ عليّ؟ أأنا في حلم أم في كابوس أنا؟ أنا من شرفة
    في هذا العالم تطل على نهاية أخرى؟ أبعدوا عني دير
    ياسين ثانية، أبعدوا عني صراخ هذه الأشباح، أو أبعدوني
    عنها... فلا أستطيع الاعتذار لها ولا أريد. حيرام! حيرام
    يا ملك صور أسعفني. لقد غضب عليَّ شعبي، وقال إن
    حربي عبث، وإن اغتيال الشبح عبث، وإن سلامي عبث
    أسعفني يا حيرام ولو بصُلحٍ كذب، أخدّر به عقلي وقلبي
    وشعبي، وأشفى من أتراحي. ألا تعرفني؟.. ألا تسمعني
    يا ابن الكلبة والكلب! لا أحد يستمع إلى الملك المعتكف
    في بيته المطل على موقع جريمته الأولى. وحين يخرج
    متكئا على عكاز لزيارة قبر زوجته لا يتكلم مع أحد.
    الشبح هو رفيقه الوحيد. عدوّه الذي لا يغادره، عدوّهُ
    الذي يعوده في مرضه، ويقوده إلى لقائهما الأول: هنا
    قتلتني، ودفنتني في هذه الحفرة، فلا يقوى على صدّه،
    وينهار: يسقط القاتل في قبر القتيل!

    سألتُك: ما معنى ذلك؟ فقلت لي: قد يحتاج المعنى إلى
    وقتٍ آخر لينضج في ملح الأرض. وقد يحتاج إلى شاعر
    آخر خلو من الطرواديين والإغريق، شاعرٍ ينظر من علٍ إلى
    هاويةٍ لم يقع فيها، فتصير بحيرة. أما الآن، فنكتفي من
    المعنى بتلويحه يد من بعيد: ما زلنا أحياء، وقادرين على
    تعديل النصّ الإغريقي، فالفصل الأخير، فصل النهاية
    مفتوح إلى ما لا نهاية!

    المجازُ، الكنايةُ، والاستعارةُ، والتوريةُ
    هي ظل الكلام، فلا
    صورةُ الشيء كالشيء.. أو عكسهُ
    إنها حيلة الشعر في التسمية
    ولي في المجاز مآرب أخرى
    كأن أترك الأغنية
    على رسلها
    تتلفتُ شرقا وغرباً
    وتقفز بين السماوات والأودية
    وتعالج أوجاعها
    بقليلٍ من السخرية
    [/align]

  12. #12
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center][align=center]- 9 -


    سألتك، فقاطعتني قذيفةٌ تبحث عن هدف مراوغ. هبطنا
    إلى ملجأ وسألتكَ بمكرٍ تعرفيه فيّ: متى تبحرُ السفن؟ قلتَ
    بنزق: إلى أين؟ قلتُ: إلى ما لا نعرف... إلى مجهول
    جديد. أليس هذا هو طريق المعنى؟ لم تعجبك السخرية
    التي تحل في غير مقامها، كأنْ يضحك المرء في جنازة، أو
    يبكي في عرس. فأشحتَ بوجهك عني وابتعدت وغبت،
    وأصغيتَ إلى صوتٍ فيك يناديك ويرميك بوخزِ الإبر،
    كلما وصلت إلى مفترق أو منحدر: لماذا... لماذا نزلتُ
    عن جبل الكرمل؟ لم تصدق من صدقوك. فقد عاملوك
    كما يعامل المضيفون طائرا مهيض الجناح توارى عن
    السرب، فعالجوك ودرّبوك على الطيران التدريجيّ،
    فطرت. وعلموك الغناء فغنيتَ وقلت: أنا ما سأكون.

    في القاهرة الساحرة الساهرة تحلم بأنك في الجنة، فتقوم
    في الليل وتفتح النافذة لتتأكد من صحة الأبديّة كلما
    رأيتَ النيل. لكن، لماذا نزلت عن الكرمل؟ يغيب السؤال
    عن الآخرين ويحضر فيك وحدك، سرّيا خفيّا كآلام
    الشبح التي يوقظها عُضوٌ مبتور. فتقول: كفى هذا. وتنام.
    يوقظك سؤالي: متى تبحر السفن؟ فتجيب بعصبية
    تستدرج المعنى إلى العبث: لن أخرج! فأذكّرك بأن بيروت
    ليست حيفا. وكان عليك أن تقول ذلك هناك، فتخجل
    من تصويب الخطأ بالخطأـ وتستدرك: أعني لن أخرج من
    جهة البحر، لأني لا أجيد السباحة. أمازحك قليلا: لكنّ
    كلامك منظوماً بحريٌّ كله، وأنت لا تعرف البحر؟ تهدأ
    وتقول: البحر سرير استعارات مائية. البحر مشهدٌ لغويً.
    البحر إيقاعات.

    خرجنا من الملجأ إلى شوارع خاليةٍ من المارة والقذائف.
    إنها هدنة تصمّ الآذان. لقد أُفرغتِ السماءُ من الطائرات
    وامتلأت بالأزرق الذي يتصبب بُخارا. بوسعك الآن أن
    تحصي دقات القلب، في الوداع الحزين لثورةٍ تبحث عن
    طريق أبعد أبعد، للوصول إلى أرضها التي كانت على
    مرمى تفاحة، فسألتك: هل ابتعدت لتقترب، أم اقتربت
    لتبتعد؟ قلتَ: المناخُ غير ملائمٍ لتمليح الجراح وتشريح
    التورية.

    وبكيتَ كما لم تفعل من قبل. بكيت من كل الحواس.
    بكيت كأنك لا تبكي، بل تذوب دفعة واحدة وتمطر.
    فلممتك من كل جهاتك وحملتك إلى شُقّتك الصغيرة
    في الطابق الثامن من بناية تطل، من بعيد، على البحر
    الذي ستبحر فيه السفن. كل شيء يبكي: السماء
    الواطئة. الرصاص الذي يودّع المقاتلين يبكي. الشوارع
    تبكي، والشرفات وأطلال البنايات، والشعارات على
    جدران المدينة تبكي، والمواعيد المرمية في الممكن
    والمستحيل تبكي.

    تركتُك وخرجتُ ألقي نظرات الوداع على من تدربوا
    على إخفاء الدموع ولوّحوا بالبنادق باسمين، فأوجَعَتني
    إشارات النصر المرسومة بأصابع لم ينتبه أبطالها إلى ما بُتر
    منها. وسمعت هتافات تزّف البطولة إلى بدايات جديدة.
    الفكرة جمرة. والطريق هو البحث عن صواب الطريق.

    وسننجو وننتصر. لم أعد قادراً على البكاء، فقد أحرق
    الغضب دموعي، ولم أعد قادرا على النظر إلى الحاضر،
    فقد رفعتني الحماسة إلى أعلى مدارجها، وأضاءت شمسُ
    الغد أنفاقي كلها. فكأني أقوى مني ما دامت البداية فينا
    حيّة، وفينا من كثافة الغيم ما يروي الصحراء لو تقطر
    ومطر. وفينا من آثار الظلم ما يُغنينا عن طلب العدالة
    بفصاحة اللسان والتبيين والبيان. لم يعد البحر مجهولا
    وكفَّ صوت السفن المبحرة عن العويل، وصرختُ: من
    كل مرفأ.... نبدأ

    وحين عدتُ إليك، ورأيتُ الأخضر الرماديّ في عينين
    صافيتين، سألتك: هل تعجبك الهمزة في آخر الكلمة؟
    فأجبت: تعجبني أينما وقعت، ولا يعجبني سؤالك.
    فاذهب عني، فقد اشتقت إلى الصمت!

    بيروت نائمةٌ حالمةً بيوم آخر. غداً تحصي قتلاها
    وجرحاها. وتمددتَ على هدير الصمت. الصمت كليٌّ
    كونيّ مشحون بوحشةِ بريّة، يعلو ويهبط صدى لصدى
    خلاء السماء من عواء الفولاذ. كأنك تسمع قطرات الماء
    تنقطها حَنفيّةٌ غير محكمةِ الإغلاق... أو تصغي إلى
    خطوة تتقدم من الباب ولا تصل أبداً. للصمت نميمة
    الجدران، ووشاية الفراغ للفراغ. وللصمت صوت العتمة
    التي تنساب وتنساح بهيبة جيش سرّي المواقع. وللصمت
    هسيسُ حاسةٍ تتطلع إلى وظيفة حاسة أخرى بين
    النوم واليقظة. الصمت تأتأةٌ ثرثارةٌ بين عناصر لا تتقن
    الكلام. الصمت ما يتناهى إلينا من قهقهةِ عاصفةٍ بعدما
    أدّت واجبها العبثيّ بنجاح. الصمت طنين يحوّل غرفة
    النوم غابة أشباح.

    تصرخ وتصرخ كي تكسر هذا الصمت الملحاح بصمت
    أعلى، فيندحر الصمت ثم يعود إليك مستعيناً بطاغوت
    الأرق، فتوقد شمعة وترشد الصمت إلى باب الخروج: من
    هنا.. من هنا تمضي وتصل إلى مقرّك الدائم: ضمير
    العالم، فيعطيك ويمضي مُخلفاً لك الأرق.. وتلك مسألة
    أخرى يسبِّبها سوءُ التفاهم المتبادل بين الوعي وأعضاء
    الجسد، وسوء الفهم الدائم بين الواقع والخيال. لكنك
    اعتدت حلّها بالمراوغة، إذ قلت للواقع: أنتَ الخياليّ
    الوحيد، وقلت للخيال: أنت الواقعيُّ الأكيد

    ونمت، همت بجسدك وهام بك. تعب شهيُّ الخدر
    يَلجكَ سُمّاً. ويرفرف عليك سربٌ من النوارس
    المتزاحمة على نشيد البحر للسفن. نشيدٌ شجيّ يلتفت
    إلى الوراء، إلى يابسة تبتعد وإلى زمن يبتعد كنصٍّ زائدٍ
    دوّنه شعب زائد لا كتاب له على اليابسة. فجأة، تخلع
    النوارس بياضها وترمدّ وتسود، ويشتد سوادها وتصير إلى
    جوارح تنقضُّ على أطفال ينامون في العراء، تخطفهم
    بمخالب مُقوسة، فيصرخون من الهلع والوجع، ويصرخون
    ويصرخون ثم يتوقفون عن الهلع والوجع والصراخ في
    بطن الوحش.

    يضربك الكابوسُ بقبضته الحديدية، فتصرخ بلا صوت
    تتفقد أعضاء جسمك التي قطعها الكابوس بمهارة جزّار
    فتجدها سوية سليمة لكنها ترتجف وتصرخ من أثر الذبح
    تحاول أن تنهض من السرير لترى أين قُتِلتَ، فلا ترى دماً
    في الغرفة. تبحث عن وجهك في المرآة، وعن قدميك في
    الحذاء، وعن يدك حول كأس الماء، وعن قلبك تحت
    القميص. وتتأكد من أنك حيّ، أو ميت وجد نفسه حيّا،
    من آثارك لا من حياتك/

    أنت والفجر وحيدان. وحيدان أنت والفجر في الشارع
    الفُرنُ مغلق والباعة غائبون والأبواب موصدة. لا قطط في
    الشارع المزدحم بأكوام القمامة. والشجرة الوحيدة واقفة
    وحدها على باب البناية، لاستقبال الفجر المبشِّر بأبدية لا
    تعني أحداً في هذا الوقت الزائد. أنت والفجر وحيدان
    غريبان اجتمعا عنوة، دون أن تجمعهما ألفة ولا فضول. لا
    تدري إلى أين تمشي، لكنك تمشي على خُطى سابقة
    ريثما يدلق الفجر رزقته الكحلية وينصرف. وتعترف بأنك
    أخطأت: لماذا نزلتُ عن الكرمل، ولم أكمل رحلتي مع
    إخوتي إلى البحر.. إلى ما لا أعرف؟

    ترى دبّابة عملاقة في منتصف الشارع، فلا تدري إن
    كان عليك أن تعود القهقرى أم تواصل السير كأنك لا
    ترى ما ترى. تنظر إلى الساعة كأنك على موعد، وتمشي
    بخطى تسابق دقات قلبك إلى لا هدف، فلا يكترث بك
    الجنود المأخوذون بمتعة التعرف إلى أول عاصمة عربية
    يغزونها. ستعلم من الإذاعات أن ليل صبرا وشاتيلا كان
    مضاء كله، لينظر القتلة في عيون قتلاهم فلا تفوتهم
    لحظة نشوة على موائد الذبح، وستقرأ ما سيكتبه جان
    جونيه:
    "يا لها من حفلات ومآدب فاخرة تلك التي أقيمت حيث
    كان الموت يبدو وكأنه يشارك في مسرّات الجنود المنتشين
    بالخمرة والكراهية. ولا شك أنهم كانوا منتشين أيضاً
    بكونهم قد نالوا إعجاب الجيش الإسرائيلي الذي كان
    يستمع وينظر ويشجع ويوبّخ المترددين. إنني لم أرَ هذا
    الجيش رؤية العين، غيرَ أني رأيت ما فعله. إن قتلة قد
    أنجزوا العملية، لكن جماعات عديدة من فرق التعذيب
    هي، في غالب الظن، التي كانت تفتح الجماجم وتشرّح
    الأفخاذ، وتنثر الأذرع والأيدي والأصابع. وهي التي
    كانت تجرّ، بالحبال، محتضرين معاقين، رجالاً ونساء
    كانوا لا يزالون على قيد الحياة. حفلة وحشية جرت
    هناك: سمر، نشوة، رقص، غناء، نداء، عويل، تأوهات
    ... على شرف متفرّجين كانوا يضحكون وهم جالسون
    في الطابق الأخير من مستشفى عكا".

    لا تستطيع اجتياز منطقة الألم، ولا الوصول إلى مصدر
    الكابوس، لتكون شاهدا على تقطيع جسدك والنظر عميقاً
    في عيني قاتلك الذي تعرفه جيداً. ولا تستطيع الكلام إلى
    أحد، فقد خلا العالم، خلا تماماً من الأحياء، واكتظ
    بالقتلى الذين ودّعوا أمس إخوتهم وحراسهم المبحرين
    على سُفنٍ يونانية الصنع، طروادية الدلالة. لم يكمل
    القتلى عملاً من أعمالهم: لم ينهوا عشاءهم، ولا
    صلاتهم، ولا كوابيسهم.

    وتجنبتَ البلاغة، فهي في غير موضعها ضرب من ضروب
    المشاركة في التعذيب. وفي السيّارة ذات الحصانة
    الدبلوماسية، التي هرّبتك من بيروت إلى دمشق، قال لك
    السفيرُ الليبيّ: لو عرفت جزءا مما أعرف، لكفرت باللغة
    العربية. قلت له: شكراً، وشَرَقتَ بأحرف العلة. لم تبك
    هذه المرة.. لأن النار والدمع لا يجتمعان في عين واحدة
    وفي عبارة واحدة. وحين دخلت إلى حمام مطعمٍ على
    شاطئ طرابلس تغسل يديك، ونظرت إلى المرآة، رأيتَ
    وجها لا تعرفه: كان أنفا كبيراً يحمل نظارة طبية، ولا
    يشبهك!... لكنه وجهك.

    إذا كنتَ أنتَ أنا، وأنا أنتَ يا
    صاحبي، فلنا موعدٌ مرجأ
    في الأساطير. أيّ طريق سنسلك؟

    قلتَ: الطريقُ طريقنا في الكلام عن الغد. قلتُ لك:
    الرحلة ابتدأت. قلتَ: كم مرةً ستقول لي: الرحلة
    ابتدأت؟

    قلتُ: لا غد يبقى على حاله!
    قلتَ: لكنه لم يصل.
    قلتُ: مرّ بنا ومررنا به ذات يوم ولم ننتبه.
    قلتَ: كم مرة ستقول لي الرحلةُ ابتدأت؟
    قلتُ: إنّ القصيدة ناقصةٌ.....[/align]
    [/align]

  13. #13
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]-10-


    خريفك هذا. فاعتن به كما يليق بشاعر يتقنُ الزجّ بنفسه
    في الشبه: كم أحبُ الخريف. وجُرَّ المكان برسنِ العبارة،
    قبل أن يركلك الوقتُ إلى هاوية عالية. جُرَّه.... جُرَّه
    بكل ما فيك من نضج خسارة، وائتمان على حنين يتلفت
    إلى خُلُوّ الجهات من اليقين.

    هذا الخريف لكَ، ولكَ ما تستغني عنه الأشجار من زينةٍ
    ورقةً ورقةً. وما من زينة لك غيرها، وأنت تتغاوى في
    الدخول إلى قاعات فارغة. تدقُّ البلاط دقّاً لتُسمع نفسك
    صوتَ خطواتك عاليا عاليا، بلا سبب. كأنّ الوقت كله
    يومُ أحد... ما من أحد يصحو، الساعة، ليتأكد من أيّ
    شيء. وفي الضوء على الأرصفة ثقوب فضّية كحروف
    من لغة لم تدون بعد. وفي الورد المطمئن في المربعات فرح
    يحيِّيك ويُسليك: تمهّل! وتأمَّل في ما ينسيك المقارنة
    الجاهزة، وأرخِ رسن المكان قليلا، فالذاكرة هي أيضاً في
    حاجة إلى ما يرتّبُ فوضاها، دُرجاً دُرجا، في هذا الخريف.

    هذا خريفك من أوّله، ينشر رائحة منفى فائغة، ورسائلَ
    فارغة، فلتملأها بالأصفر البُنيّ الذهبيّ النحاسيّ المرسل
    إلى اشتقاقات اللون، غير المترادفة، من أوراقٍ تأخذ وقتها
    الكافي في وداع الشجرة، إذ لا ريح تهب اليوم. وأنت،
    من فرط ما أنت وحيد، لا تفكر بالوحدة. ولأنك لم
    تودّع أحداً، من البارحة، لم تكترث لظلك " إن كان
    يمشي أمامك أم خلفك". الهواء خفيف، والأرض تبدو
    صلبة.

    وليست تلك، كما قالوا، إحدى صفات المنفى/

    هذا هو خريفُك الخارج من صيف حار، من فصل كونيّ
    الإجهاد، ومن حرب لا تظهر لها نهاية. خريفٌ يُنضِجُ
    عنب الجبال العالية المنسيّ. خريف يُعدُّ لاجتماعات كبرى
    يراجع فيها مجلس الآلهة القدامى مُسوَّداتِ مصائرَ ما
    زالت قيد التأليف، ويختلفون ويتّفقون على هُدنةٍ بين
    الصيف والشتاء. لكن خريف الشرق قصير، يمر كتلويحة
    يد سريعة من مسافرٍ على حصانٍ إلى مسافر على حصان
    في اتجاهين متعاكسين، فلا يعول أحد على خريف كهذا،
    على عواصف من غبار.... وعلى زواج متعة.

    أما الخريف هنا، خريف باريس العائدة من إجازتها
    الكبرى، فهو انكباب الطبيعة التي أغواها المطر على كتابة
    أشعارها الباذخة بكل ما أوتيت من مهارةٍ ونبيذ يتخمر.
    خريفٌ طويل طويل كعقد زواج كاثوليكي لا يشي بما فيه
    من سعادة أو شقاء لعابرٍ مثلك على المشهد. خريفٌ طويلُ
    البال. عناق إيروسي بين الضوء والظل والأنثى والذكر،
    وبين سماء تنخفض باحترام على شجر يتعرّى بكرامة،
    أمام التباس الغوايات بين قطرات ضوء يمطر، وبين قطرات
    ماء يشعّ ويشرق.. خريف يتباهى. خريف يتماهى مع
    أوائل فصول ثلاثة: عُري الصيف، وجماع الشتاء، وفتوة الربيع.

    وأنت، أنت تمشي خفيفا على سطح هذا النهار الخريفيّ.
    تنتعش وترتعش وتندهش: "أفي مثل هذا النهار يموت
    أحد؟". ولا تعرف إن كنت تسكن الخريف أم هو الذي
    يسكنك، حتى لو تذكرت أنك الآن في خريف العمر،
    حيث يتقنُ العقلُ والقلب والإنصات إلى الزمن بتناغمِ
    التواطؤ بين المتعة والحكمة. إيقاع نبيل يرفع الجسد إلى
    مرتبة الانتباه لما ينقص، فيزداد امتلاء بما يفد إليه من
    جماليات الصحو والغيم. ويستعدُّ، كمرصدٍ جويّ، لرصد
    المناخ المناسب لحوار عابر: هذا النهار جميل، أليس
    كذلك؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نحتسي القهوة
    معا؟ لرائحة القهوة أبواب تفضي إلى سفر آخر: إلى
    صداقة، أو حب، أو إلى ضياع لا يؤلم.. فتنتقل القهوةُ
    من الاستعارة إلى الملموس.

    إيقاع سري يقود التجربة إلى ذهاب أقصى... إلى لقاء
    بين خريف يتنزّه في الساحات مع الجميع، مع الناس
    والحمام، وبين خريفك الخاص بك، خريفك الجوّاني.
    وتتساءل كما تساءل غيرك: "هل نحن ما نصنع بالزمن،
    أم نحن ما يصنع الزمن بنا؟". لا تعنيك حيرةُ الإجابة قدر
    ما يعنيك تخفيف السرعة. لا تريد لهذا الخريف أن
    ينتهي، كما لا تريد للقصيدة أن تمتلئ فتنتهي. لا تريد
    بلوغ الشتاء. فليكن الخريف أبديتك الخصوصيّة.

    وليست تلك، كما يقولون، إحدى صفات المنفى!/

    ليس المنفى سفراً، ذهاباً، وإياباً، وليس إقامة في حنين. فقد
    يكون زيارة، وانتظاراً لما يفعل بك الزمن، وخروجاً من
    الذات إلى غيرها للتعارف والتآلف أو لعودة الذات إلى
    الصدفة. لكلّ منفى طبيعةٌ ولكل منفيّ طبائع. في المنفى
    تدريب على التأمل في ما ليس لك، وإعجاب بما ليس
    لك. فالمنفى يهذّب الجسد، يفتنك جمال الشكل، ولو
    كان المعنى ناقصاً، فالكمال هو وعي النقصان. تماثيل
    تمجّد الماضي وتماثيل تتوثب للقفز عن عاطفة الهوية إلى
    هوية العاطفة، وتماثيل تحرّر الغد من الجماليات وتحرّر
    الطبيعة من نظام المخيلة الصارم. الجمال هو العُلو. لكنك
    تنحاز، لأنك ريفيّ التكوين، إلى الأشجار التي تنعكس
    في ماء النهر، وإلى الحمام البر- جويّ، وتتوقف طويلاً
    عند سوسنة نبتت، وحدها، خارج الأحواض... لا لأنها
    مثلك غريبة بين الأزهار، بل لأنها تعتمد على نفسها في
    نموّ بلا رعاية. ألمنفى سفر الشاعر في قصيدة، سفر داخل
    السفر، لكن اللغة المجازية تتلفت إلى الوراء.

    والنظر إلى الوراء، يقولون، صفة من صفات المنفى/

    إلى أين أعود؟ تساءلتَ وأنت تعلق لوحاتٍ على جدران
    عنوانك الجديد، وإلى أين أذهب؟ كان الأمام مؤقتاً.

    وكان الوراء الطاعن في المؤقت مُشتتاً. وكانت الأبدية
    الطالعة مع الضوء من الحديقة تقهقه. مازحتها قائلا: أنتِ
    أيضا منفى. وتساءلت: كم من مساميرَ دققتَ على
    جدران بيوت أخرى؟ وكم من لوحات علّقت، وكم من
    أسرَّة هجرت لينام عليها غيرك، وكم من مُسَوداتٍ
    ومطالع نسيت في أدراج أخرى، وكم من صور نساء
    ضاعت في طيات كتب لم تقرأها. وكم مرة قلت: كم
    مرة أسافر، أو أهاجر، أو أرحل؟ دون أن يتضح الفارق في
    مصيرك بين السفر والهجرة والرحيل، من كثرة ما تتسع
    المفردات لوهم المترادفات، ومن فرط ما تتعرض الاستعارة
    للتحولات: من "وطني ليس حقيبة" إلى "وطني حقيبة"

    وفي المنفى تختار حيزا لترويض العادة، حيّزا خصوصياً
    ليومياتك، فتكتب: ليس المكان هو الفخ/ في وسعنا أن
    نقول: لنا شارع جانبيّ هنا/ وبريد/ وبائع خبز/
    ومغسلة للثياب/ وحانوت تبغ/ وركن صغير/ ورائحة
    تتذكّرُ...

    المدن رائحة: عكا رائحة اليود البحري والبهارات. حيفا
    رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة. موسكو رائحة
    الفودكا على الثلج. القاهرة رائحة المانجو والزنجبيل. بيروت
    رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون. باريس رائحة
    الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة. دمشق رائحة
    الياسمين والفواكة المجففة. تونس رائحة مسك الليل
    والملح. الرباط رائحة الحناء والبخور والعسل. وكل مدينة
    لا تُعرفُ من رائحتها لا يُعوَّل على ذكراها. وللمنافي
    رائحة مشتركة هي رائحة الحنين إلى ما عداها... رائحة
    تتذكر رائحة أخرى. رائحة متقطعة الأنفاس، عاطفيّة
    تقودك كخارطة سياحية كثيرة الاستعمال إلى رائحة
    المكان الأول. الرائحة ذاكرةٌ وغروب شمس. والغروب
    هنا توبيخ الجمال للغريب.

    وليس حُبُّ الغروب، كما يقولون، صفة من صفات
    المنفى/

    تُدخِلُك الذاكرة، وهي متحفك الشخصيّ، في محتويات
    الضائع... في حقل سمسم وحوض خسّ ونعناع... وفي
    قرص شمس يتهاوى في دخول البحر. يكبر الضائع فيك،
    ويكبر في هذا الغروب الذي يضفي على البعيد صفات
    الفردوس، ويُنَقّيه من كل سوء. فكل ما هو مفقود معبود.
    وهو ليس كذلك!

    جُرَّ المكان إذا برسن العبارة، واحمله كما تحمل اسمك،
    لا ظلك، في خيالك لا في حقيبة. الكلمات هي وحدها
    المؤهلة في هذا الغروب لترميم ما انكسر من زمان
    ومكان، ولتسمية آلهة غفلت عنك وخاضت حروبها
    بأسلحة بدائية. الكلمات هي المواد الأولية لبناء بيت.
    الكلمات وطن!

    ضع قمراً على كل صفصافة، وفتاةً على كل نافذة،
    وغزالاً على كل نبع. ودع القصيدة تبني الجهة الجنوبية
    من العدم. إن أوجعك المنفى ولم يقتلك أرجعك إلى
    مهد الخيال وقوّاك وساواك بمن يسهرون على تدجين
    الغامض. والمنفى، وهو سوء تفاهم بين الوجود والحدود،
    هو جسرٌ لعبور الحساسية بين الصور، وهو اختبار لقدرة
    النرجس على الزهو والتواضع معاً، ومناظرة المختلف
    للمختلف، ومجانبةُ الشبيه للشبيه. فليس كل ما ينبذك
    هنا يحتضنك هناك. وليس كل ما تشبهه هناك يحتضنك
    هنا. فدع الخيال ما للخيال: حرية الكلمات في إطاعة
    العواطف.

    ولكن إعلان العاطفة- يقولون- ليس من صفات المنفى/

    فلتصقل المسافة بكفاءة المحترف الماهر، لا بهشاشة المشتاق
    الحائر، فليس شعر المنفى ما يقول لك المنفى، بل ما تقول
    له أنت، ندّاً لند. المنفى هو أيضا مضياف الاختلاف
    والائتلاف.. فلتصنع نفسك من نفسك. ولا تنس أن
    تشكر المنفى بشهامة: سأمدحك، أيها المنفى، حيث يليق
    بك المديح. هناك... تحت شجرة التين التي تستضيفني،
    عند بيت أمي، عابراً في خريف عابر!
    [/align]

  14. #14
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]-11-


    عاديّ يومك، الغيم رمادي يهمل ما تقرأ عليه وما تكتب
    من خواطر، ويكمل جملةً موسيقية بعيدة بعيدة في مكان
    ما وزمان ما. تشعل الضوء صباحا لترى القاموس الذي
    تفتحه عشوائياً على كلمة ما تجري عليها تدريبك
    الذهني. ويفرحك أن تعرف أنك لا تعرف. تصحح
    أخطاءك اللغوية، والماء يغلي في المطبخ. تضع القاموس
    جانبا، وتمشي إلى المطبخ. تشرب كأساً من عصير
    البرتقال البارد. ينعشك السكريُّ الحامض، وتحس بتيّار
    عافية يسري في العضلات وفي المعنويات. تصنع قهوتك
    طبقاً لتقاليدك الصارمة، ولتعاليم ديك الهال. تعود إلى
    القاموس وتحفظ أبياتاً منن الشعر مصاحبة لتنوع استخدام
    الكلمة. تتجه نحو الباب فلا ينفتح. تنسى أنك قد
    سحبت المفتاح من القفل ووضعته على الطاولة. فأنت
    تفعل ذلك منذ فترة طويلة، منذ مات صاحبك في غرفة
    مغلقة: تبقي القفل جاهزا لاستقبال مفتاح آخر تحتفظ به
    مُدبِّرة المنزل التي تأتي في منتصف النهار. فقد تموت ولا
    ينفتح الباب، فتبقى أنت والموت وحيدين في الداخل. يا
    لها من خاطرة خبيثة: تريد أن تتزوج من امرأة لا وظيفة
    لها إلا إعلان موتك! يا لها من أنانية! ويا له من حبّ
    يزف النعي للنعي. تشرب فنجان قهوة آخر. ثم تجمع
    البريد الملقى خلف الباب. تفضّ الرسائل على عجل:
    فاتورة الهاتف، ضريبة التلفزيون، أجرة الشقة، فاتورة
    الكهرباء، إعلان عن موسم تنزيلات للسجاد الفارسي،
    إعلانات عن تخفيض في أسعار السفر إلى جزر نائية،
    ودعوات إلى مزاد علني لأثاث من عصر لويس الرابع
    عشر، وإلى معرض مجوهرات. تبتسم: لا شيء يعنيني.


    ثم تدير زرَ الراديو لتستمع إلى نشرة الأخبار: ثلوج
    ومنزلقات، ثلوج وإضرابات، ثلوج وموتى من المسنين. لا
    ثلج في شرق المتوسط، فلا خبر. تغلق الراديو وتمضي إلى
    الحمّام. تحدق إلى وجهك في المرآة: لا جديد سوى
    ارتفاع السخرية إلى الحاجبين. لا عدوّ أقوى من الزمن،
    ولا خصم لك أنبل من المرآة. كان الزمن. فيما مضى،
    يمضي، بطيئا كنملة. وكنّا نستحثه: عجّل بنا! فلنا موعد
    بعد ساعة، فلا تستجيب عقارب الساعة لخرير دمنا
    الساخن. كان الزمن كسولاً كتلميذ خامل، ثقيلاً
    كأستاذ. كان يحرضنا على التأفف من بطء الغد، ولا
    يمحضنا نظرة إلى الماضي، إذ لم يكن للفتوة ماض بعد.


    وما أن أتقنا قراءة الكتب الصعبة، ودخلنا في التجربة،
    حتى تحولت حكمة مطبوخةً في قدر الزمن، مطبوخة
    كوعل بريّ يحتاج إلى توابل يمنعنا الأطباء من تناولها،
    فقد تأخرنا عن الوصول إلى الوليمة في موعدها الصحيّ،
    ودخلنا في سباق غير متكافئ مع الزمن الذي يقود
    مركبته الفضائية بأقصى سرعة. وصرنا نستمهله: أيها
    الزمن انتظرنا! فلنا موعد بعد شهر، فلا تسرع.. لا وقت
    كافياً لنا لانتقاء الكلمات اللائقة بالمرأة الناضجة ولحجز
    مقعدين في الأوبرا، والتأكد من أنّ أحداً لن يقتل نيابةً
    عنا، من فرط الشبه بين المارة على الليل، ولا وقت كافياً
    لنا لمراجعة ضرورية لأسماء العاطفة في موسوعة
    المترادفات. ونقول للزمن أيضاً: لا تلتهمنا قبل أن نعبر
    النهر وننظر من الضفة الثانية إلى المقاعد الخشبية التي
    تركناها خلفنا، على الضفة الأولى، نظيفة لاستقبال
    عشاق آخرين سينظرون إلينا ونحن ننظر إليهم قائلين:
    كانوا مثلنا، فهل نصير مثلهم. تحدّق إلى وجهك في
    المرآة. تضع عليه رغوة الصابون وتشرع في الحلاقة. تبدأ
    من الجانب الأيسر، من أسفل السالف نزولاً إلى الذقن،
    ثم من تحت إلى فوق. تفتح حنفية الماء الساخن لتنظيف
    ماكنة الحلاقة، وتباشر العملية ذاتها في الجانب الأيمن.


    تواجه صعوبة في حلاقة العَنفَقَة والسامِغين. وكالعادة
    تسيل قطرات من الدم، فتضغط على الجرح الصغير
    بإبهامك، ثم تنظر إلى المرآ برضا من يتناسى مختلة
    الزمن. تتعرّى، تغطس في حوض الماء الساخن، تداعب
    فقاعات الصابون والرغوة الملونة كقوس قزح ذائب. تفرك
    أعضاءك عضواً عضواً بعناية فائقة، كأنك أمّ تحمّم طفلها.
    ولحلو لك أن تغني، فينقِّحُ الصدى نشاز اللحن
    وتطرب.. وتعجب من ارتباط الماء بالغناء، صوت الماء
    إيقاع. ولعل الموسيقى هي انتظام قطرات الماء في روح
    تتجلَّى بيد العازف على آلات مصنوعة من مادة مائية
    عاطفية. تدلف إلى غرفة النوم. تفتح خزانة الثياب. ترتدي
    ملابسك الداخلية البيضاء، ثم قميصاً أزرق وبنطلوناً
    كحلياً وجوربين كحليين [لا تميز بين الكحلي والأسود
    وتنتعل حذاء أنيقاً أسود [الأناقة تبدأ من الحذاء، وتمضي
    إلى موعدك الصباحي.. إلى الغامض، إلى الهواية التي
    صارت حرفة، والحرفة التي ظلت هواية. فنجان القهوة
    على يسار المكتب، وعلبة الأقلام على يمينه قرب دواة
    الحبر الأسود. وفي الوسط أوراق بيضاء ملأى بكتابة
    بيضاء. تناديك وتناديها، وفيها ما فيها من ذاكرة السابقين
    المتخفيّة. وأنت وحدك بلا معين وبلا ضمان، تحاول أن
    تعثر على سطرك الخاص بك في هذا الزحام الأبيض
    الممتد ما بين الكتابة والكلام. لم تعد تسأل: ماذا أكتب،
    بل كيف أكتب؟ تستدعي حلماً فيفرُّ من الصورة، وتناشد
    معنى فيضيق نبه الإيقاع. وفي ظنك أنك قد تخطيتَ
    الاستعارة لغياب يحضر ولحضور يغيب بتلقائية تبدو
    مطيعة. وتعرف أن المعنى في الشعر يتكون من حركة
    المعنى في إيقاع يتطلع فيه النثر إلى رعوية الشعر، ويتطلع
    فيه الشعر إلى أرستقراطية النثر. "خذني إلى ما لستُ
    أعرف من صفات النهر... خذني". جملة موسيقية كهذه
    تشق طريقها في مجرى الكلام، جنينا يتكون، ويكوّن
    ملامح صوت ووعداً بقصيدة. لكنها في حاجة إلى فكر
    يقودها وتقوده في مناخ الإمكانيات المفتوحة، وإلى أرض
    تحملها وإلى قلق وجودي وإلى تاريخ أو أسطورة. ألسطر
    الأول مو ما سماه الحائرون، إزاء مصدره، الإلهام أو
    الإشراق. والباقي عليك وحدك. عليك أن تجد الباقي
    وعناصر البناء الكفيلة بصب الشعر، شعر الحياة، في نظام
    القصيدة. فمنذ هبط عليك السطر الأول أصبحت أنت
    الصانع الماهر والشاعر إن حالفك الحظ وأدركت الخطأ
    أليس الشعر محاولة ما لإصلاح الخطأ؟ تترك المكتب
    مطمئناً إلى أن صباح الغد سيوفر لك عملاً ما دام السطر
    الأول في انتظارك. تتناول وجبة الغداء مع كأس النبيذ،
    على وقع جيتارات جُنّت على طريق الأندلس. ويعجبك
    أن تظن أن الغيم الرماديّ ذاكرة موسيقى متخفية. تتمدد
    في القيلولة نصف ساعة لا أكثر، نصف ساعة تكسر
    روتين النهار وتهدئ دقات القلب. تستيقظ نشيطاً
    بعدها، وتقضم تفاحة أو أجاصة على عجل، وتذهب إلى
    موعدك بعد الظهر. تصل دائما قبل الوقت بعشر دقائق،
    تختار مقعدا قرب الحائط الزجاجيّ في مقهى غير مزدحم.


    تتصفح الجرائد التي لا تقرأها في الصباح. تنظر إلى
    الساحة المزدحمة بالمشاة والطيور الجريئة. تتأمل مشي
    النساء: منهنّ من تمايلت، ومنهن من تثاقلت، ومنهن من
    تهادت، ومنهن من تمادت في إيقاظ البرق بين الساق
    والساق. ثم تتلهّى بالنظر إلى أشجار الجوز الباسقة
    السامقة تتشرب قطرات الضوء. وتحسّ بيد تربت على
    كتفك. تعانق صاحبك النحّات الذي يهددك: هذه آخر
    مرة أرشحك فيها للخلود. تضحك من تواضعه ومن
    الخلود معا: ألم أقل لك إن الخلود علَف الحمار المُفَكر،
    ورشوَةٌ يعرضها الماكرُ على تاريخ أمكر؟ يتدخل النادل
    وهو يضع فنجان القهوة: الخلود ورقة يانصيب رابحة
    مات صاحبها قبل إعلان النتيجة بدقائق. يسألك النحّات:
    لماذا ترفض أن أصنع لك تمثالاً صغيراً تضعه إلى جانب
    ألبوم الصور. تقول له: ليس عندي ألبوم صور ولا
    أرشيف. يسأل بدهش: وإن متّ فأين سيجدونك. تقول:
    في قبري. يلحّ بالسؤال: لماذا ترفض التمثال؟ تقول: لأني
    أريد أن أتحرك... أن أمدّ يدي لأكش الذباب عن
    وجهي، وأن أمد لساني ساخراً، وأن أنزل رجلي إلى
    الشارع. يقول: ثق بي، سأجعل الحركة مرئيّة. تقول: ولا
    أريد أن يكسرني أحد. انا من يفعل ذلك. والتمثال غير
    قادر على النقد الذاتي. يقول لك: أنت إذا حمار. تقول:
    كخلودك هذا. تفترقان بمودة. تعود إلى شقتك ماشيا لا
    على أربع، لأنك لست حماراً. تبحث في التلفزيون عن
    مباراة كرة قدم، وعن فيلم بالأسود والأبيض، ولا تجد.


    تنتظر مكالمة من امرأة غضبت منك لأنها اختلفت معك
    على تعريف الحب. تقرأ حتى منتصف الليل. ثم تضع
    رأسك على المخدة وتستعرض يومك: هل أسأت إلى
    أحد؟ وتنام على سطرين:


    خُذني إلى ما لستُ أعرف من صفات النهر، خذني!
    خذني إليك...[/align]

  15. #15
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]-12-

    تحبُّ النوم.. اليقظة المغمى عليها كحالك هذا. ألنوم
    سيّد وسلطان. وأنت، نائماً، سيد نفسك وسلطانها. حيٌّ
    بلا تكاليف حياة. حيّ في موت مجازي مُنتقىً بعنايةِ
    ملاك، لتمرين الجسد على زيارة اللامرئي بهيئة اللائق
    باللائق. النائم لا يكبر في النوم، ولا يخاف ولا يسمع
    أنباء تعصر العلقم في القلب. لكنك تسأل نفسك قبل
    النوم: ماذا فعلتُ اليوم؟ وتنوس بين ألم النقد ونقد
    الألم.. وتدريجياً تصفو وتغفو في حضنك الذي يلمّك
    من أقاصي الأرض، ويضمك كأنك أمُّك. النوم بهجة
    النسيان العليا. وإذا حلمت، فلأنَّ الذاكرة تذكرتْ ما
    نسيتْ من الغامض.

    تنام، وتعلم أنك تنام فيفرحك النوم وتمدح الكسل،
    صديق النوم والمواهب. ولا يهمك أن يُطيل النومُ عمرك،
    بل يهمك أن يطيل العمرُ نومك. النوم ضيافة الأبيض
    على الحواس، وارتيادُ الأزرق أرض المطلقِ بلا مرشدين
    و كهنة وصوفيين. والنائمون سواسية على الرغم من
    اختلاف السُرُر والسرائر. لكن اليقظة هي التي تفرّق بين
    النائمين، وتجرهم إلى حروب ما قبل النوم وبعده. لو نام
    العالمُ أكثر لصارتِ الفوارقُ أقل.

    وأنت نائم تعلم أنك نائم فتتوغل في النوم، وتنتشي
    بسحابة دافئة تحتضنك وتحتضنها، طائرين بلا موعد وبلا
    مقصد غير هذا العناق المجانيّ. جناحكَ الأيسر لك
    وحدك، والأيمن أيضاً. يوقظكَ شخيركَ ليذكركَ بما أنت
    فيه من لهفة إلى مزيد من الخفة: أنت نائم. قد تنسى أين
    أنت ومن أين أتيت ومتى وصلت، فتشعل ضوء المصباح
    وتعلم أنك في أرض النوم، فتشكر خفّة الريش المباركة.
    وتغفو غير آبه بشعاع يتلصص عليك من النافذة، وغير آبه
    بصخب الشارع. فالنوم، معافى، لا يُصغي ولا يُبصر.

    لكنك ترى النوم وتسمعه وتشم روائحه وتذوق نعماه
    وتلمسه عضواً عضواً، وتنام وتعلم أنك نائم، وأنك موغل
    في سفر بلا طرُق وخرائط وعناوين، في نزهة منزهة عن
    أية غاية. تغادر العالم، عالم الأشياء والكلمات وما يفرق
    بينها، ويجمع في ساعات الليل، كأن الليل سرير.
    وتعجب لمن جعلوا الليل نهاراً والنهار ليلا. النوم امتلاء
    الجسد بالطمأنينة والسكينة، وخلوّ الذهن من الرعب
    والضجر. لا ضجر في النوم ولا خطر. هو حاجة الصحو
    إلى غيبوبة قريبة من تشبيه الشيء بشبيهه الغائب، وتنبيه
    المخيلة إلى آثار الوقت السلبية فيها، إن لم نعطل الساعة.
    النوم يوقف الوقت عن العمل. ثماني ساعات، ثماني
    ساعات نائمة لا أقل. فإذا نقصَت لسبب ما، كأن يوقظها
    رنين الهاتف أو جرس الباب، كان صحوكَ دائخاً ومشوباً
    بالكمد. كأن الأرق الذي لم يُصبكَ في الليل قد أمسك
    بتلابيب النهار كلِّه.

    كم كنتَ تمقت الأرق! لأنه يستعصي على المحاورة،
    عنيد شديد المراوغة سعيد بقدرته على المناورة. كلما
    جاملتهُ ازداد ثرثرة واستبسالاً على وهن الجسد العاجز عن
    شرف المقاومة أو راحةِ الاستسلام، واستعان عليه، ليذله،
    بتسليط الوعي على الحواس. الأرق ضيفٌ ثقيل يحلّ
    عليك بلا موعد. يحرمك من النوم ومن اليقظة معا.
    الأرق طنين بعوضه، وصراع خفيّ على لحاف ومخدّة
    وركبتين. وأنت الذي تُقتَلعُ عُنوةً من جسدك، وتعادُ إلى
    جسدك الأول مُخَدَّراً مُسَهَّداَ لا تجد وصفا لعذاب الخَدّر
    إذا ما طال وصحا. والنوم، إذا تدخل الأرق لا يُفاوض،
    كالوحي لا يُفاوَض، وكأيّ عضو يأبى الاستجابة لا
    يفاوض.

    تحاول أن تنتشل جسدك العالق بين النعاس واليقظة،
    فتضغط على زر الضوء بصعوبة. وبصعوبة تفتح كتاباً،
    وبصعوبة تقرأ، وبسهولة تنسى ما قرأت. تحاول أن تحلم
    يقظاً، أن تحلم بأنك نائم، فتنام وتعلم أنك نائم... ولا
    تحلم كثيراً. منذ متى لا تحلم كثيرا؟ منذ وَضَعتَ قلماً
    ودفتراً على طرف النوم لتدوِّن أطراف كلام خفيف الوزن
    خفيف اللحن، يهبط عليك كحبيبات الندى، لا هو شعر
    ولا هو نثر، لا أرضيّ ولا سماويّ. لكنه يطير بك وتطير
    به، فتصفو وتخفّ وتشفّ، وتفنى في معنى لا تفهمه.
    تستيقظ في الصباح مرحاً فرحاً كأنك تتمّم ما هبط
    عليك من نداء لا تتذكر منه إلا الرعشة التي تَمُدُّكَ بطاقةِ
    إنشاد، فتدرك أن يومك هو امتداد حلمك.. فاعرف-
    قلتَ لنفسك- كيف تحلم.

    ومنذ نصبت القلم والدفتر شرَكاً لاصطياد الحلم جفل
    الحلم من التدوين، ربما لأنه لا يرغب في أن يُكتبَ أو
    يُطلبَ عند الحاجة فلا تنتظرهُ كما تنتظر الوحي. سيأتي
    هو السيّد كما يأتي الحب بلا استئذان. سيأتي هو السيّد،
    حين لا تنتظره، شفّافاً لتعرف أنك نائم لا ميت. وقد
    يأخذ بيدك كي تمشي معه في جولة تتفقّد فيها آثار
    نفسك المنسية على أرض بعيدة. تقول: أنا هو، وهو
    الظلّ.. وتركض في ذكراك. وحين يراك الحلم على
    وشك الانتباه إلى خارطة الذاكرة يعيرك أحد جناحيه،
    ويقلع بك إلى بساتين برتقال مُعَلقةٍ فوق الغيوم، وإلى
    طيور لا تعرفها، لكنها تخاطبك بمنطقها الذي تفهمه دون
    مكابدة.. فتولد من ذاتك ذاتٌ أخرى أعلى، وتحتضن
    الكون ويحتضنك الكون، فيَصير داخلُك خارجَك،
    وخارجُك داخلَك. وتقول: أنا هو أنا!

    تصحو في الصباح مُبلّلاً بندى يرشح من عناق الليل
    والنهار، وتسير إلى الغد الذي فتحه لك الحلم بكلمات
    مبهمة، تأخذك إلى أعلى وأبعد من هذا القاع. فاذهب
    معها.. مع الكلمات، والعب بها لعبة البراءة والقصد.
    واكتب بها ما فاتك من أسماء، وتوقاً إلى طيران يجعل
    الأرض أكثر استدارة، تُفاحةً تسقط إلى فوق، وتدور على
    نفسها ويدور الزمان معها، فليس كل ما كان سيكون،
    وليس كل ما سيكون كان. فلا تثريب عليك إذا حدث
    خلل طارئ في هبوط الحلم عليك. فهو مثلي ومثلك
    يصاب بالحمّى، فيهذي مثلنا بكلمات تحتكّ بكلمات لا
    تنتج عبارة، ويتواصل اللامعنى مع ارتفاع الحرارة.

    ويأخذك الكابوسُ إلى مرتفع يُطِلُّ على مرتفعٍ بينهما
    هاوية لا يبلغ البصر قرارها. تحاول القفز من المرتفع إلى
    المرتفع فتسقط في الهاوية وتصحو على صراخك المبلّل
    بالعرق. ويأخذك الكابوس إلى احتفال رسمي. وحين
    تصعد إلى المنصة تجد نفسك حافياً عارياً دون أن تتمكن
    من النزول عن المنصة. ويأخذك الكابوس إلى امتحان في
    قواعد اللغة الصينية. لكنه لم يأخذك مرة واحدة إلى موت
    أكيد وإلى زواج طويل.

    لكنك تحبُّ النوم. وتُحيّي هيبنوس، إله النوم الإغريقي،
    وتنسى أنه شقيق الموت. تحب النوم... اليقظة المغمى
    عليها كحالك هذا، دون أن تعلم أن نومك هذا قد زاد
    عن حدّه. ودون أن تعلم، هذه المرة، أنك نائم!

    طال نومُك، فانهض وحُلمَك، واروِ لما ما رأيت/
    هل رأيت ملائكةً يعزفون على الناي ألحان موزارت/ ولا
    يسكرون من الخمر؟/

    هل دَلَّلوك وهل أطعموك من العنب السُكَّريّ؟/

    وهل أخذوك إلى نزهة في ضواحي البساتين؟/

    هل كنتَ تشبههم عندما أنزلوك إلى النهر، طفلاً، كما
    كنت أيّام رفقتهم؟/

    من تغيَّر منكم هناك، ومن قال: يا صاحبي في الطفولة؟/

    هل يشبه التينُ تينَ سياجك؟/

    هل يشبه الحلمُ، حلمك، أشياءَ بيضاء، خضراء، زرقاء
    تعرفها؟/

    طال نومك، فانهض وحُلمك، واروِ لنا ما رأيت؟

    "هل الموتُ نومٌ طويلٌ، أم النوم موت قصير؟" تأخرت في
    النوم.. فانهض![/align]

  16. #16
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    [align=center]-13-

    في نومك هذا ذكرى نوم آخر احملها الآن بدلا منك:
    اخترقَ خنجرٌ صدرك، فصرخت: في أيّ قلب أصبتُ؟
    لم تسمع أحداً يذكرك بأن لك قلباً واحداً، فقد أغمي
    عليك في ليل فيينا البارد. وعشتَ، لأن يداً إلهيّةً
    أسعفتك. فلماذا لا تنهض الآن وتسألني: في أيّ قلب
    أصبت! فأكذب عليك: من القلب المحفور على جذع
    كشجرة!


    نومٌ أبيض. نومٌ باهرٌ كان يحملك كريشة على غيوم
    بيضاء.. تخرج من جسدك وتسبح ذرةً على ذرات
    الكون. تخرج من نفسك ولا تدخل في شكل. تسبح
    كلما لو كنت تطير، وتطير كما لو كُنت تسبح.. خفيفاً
    شفيفاً كأنك روحك، خالياً من الماضي وخاوياً من
    الحاضر، مُفْرَغاً من الزمن والعاطفة. فلا أنت شيء ولا
    أنت لا شيء. لكنك ترى كما لم ترَ من قبل. ترى
    الضوءَ أبيضَ والغيمَ أبيضَ والهواءَ أبيضَ. ولا تسأل أين
    أنت. لا أحد حولك ولا تريد أن تعرف إلى أين تطير ولا
    تخاف الطيران. كأنك صِفَةٌ من صتفات المسرّة الكبرى
    منثورٌ على قطن الراحة الأبدية. لا تخشى السقوط من
    عل، ولا تخشى الصعود إلى أعلى، فلا انخفاض ولا علوّ
    في اللامكان الدائريّ هذا. لا تشبه نجمةً خرجت عن
    مسارها وظلّت تدور في المجرّة. ولا تتذكر متى خرجت
    من جسدك لأنك لا تتذكر أنك كنت في جسد. اجتزتَ
    نفقاً ضيّقاً نقطك كقطرة ماء، في الأفق. هكذا خُلِقْتَ
    قبلك في هذا الفضاء الأبيض المنعش. وعدتَ إلى أوَّلك.
    تنام ولا تعلم أنك نائم ولا تحلم، كأن الحلم هو اختراع
    المحرومين من السكنى في مثل هذه السماء. كأنك روحكَ
    وقد أعتقتْ من أسر الزمن والشكل، وهامت وحامت
    وقامت إلى لا مستقرّ.


    ثم صرخت، صرختَ فجأة حين عُدتَ إلى جسد مربوط
    بأسلاكٍ وأجهزة في غرفة رمادية. أين أنا؟ سألتَ، فنهوك
    عن الكلام، وعلمت فيما بعد أن صرخة الألم كانت
    دليل عودتك إلى الحياة التي تبدأ وتنتهي بصرخة.
    وسألت: أين كنتُ إذاً؟ فقيل لك إن الموت قد اختطفك
    لمدة دقيقة ونصف دقيقة، وأن صدمة كهربائية قد
    أعادتك إلى الحياة. وفكرت: هل كان الموت جميلاً
    ومريحاً إلى هذا الحد؟ لا. ليس هذا موتاً. إنه حياة من
    نوع الآخر. إنه نوم مُعافى. نوم كليُّ الهناءة. وأدركت ما
    لم تدرك من قبل: أدركت أن الموت لا يوجع الموتى، بل
    يوجع الأحياء. وفي غرفة العناية الفائقة أذن لنا الأطباء بأن
    نحتفل بعيد ميلادك.


    فاصرُخ، يا صاحبي، لأعرف أنك حيّ. واسألني لأكذب
    عليك: انا حيّ مثلك. ناجٍ من حادثةِ حياة يذكرنا الموت
    بمعناها فنحياها بفرح الذاهبين إلى نزهة.. وينساها الموتُ
    فنحياها كما لو كانت غزواً بلا نهاية. وأنا مثلك على
    هذا البرزخ: أصرخ لأعرف أنك حيّ. لكنك لا تصرخ
    مثلي لأعرف أنك حيّ. طالت خطبتي ولم تنهض. وعليَّ
    أن أنهي خطبتي لألتحق بما يُمليه عليّ الموتُ من واجب
    العزاء بمن ماتوا في هذه الساعات... ولألتحق بما تمليه
    عليّ الحياةُ من واجب التهنئة بمن وُلدوا في هذه
    الساعات. الصرخة هي الصرخة في البابين: باب الدخول،
    وباب الخروج. أما العدم، فإنه يكتفي ببلاغة الوعيد من
    بعيد.


    ومن بعيد تجيء القصائد. أشبهكَ ولا أكونك. وأكونكَ
    ولا أشبهك.


    وفي نومك هذا ذذكرى نوم آخر، أحملها الآن نيابة عنك.
    قال لنا الطبيب: ابدأوا منذ اليوم بإعداد الجنازة. لم
    نصدّق، فلم نسأل: أين؟ لأنك لم تترك وصية. كانت
    باريس وضواحيها في هيجان الربيع. وكان الرذاذ يختلط
    بدموعنا. ألم نحتفل قبل أسبوع هنا بعيد ميلادك، حيث
    قلتَ لنا مازحاً: لعله الأخير؟ ثم دخلت إلى غرفة
    العمليات بحماسة لم نفهمها.


    تهذي. تضرب الهواب والأسلاك الطبية بيديك ورجليك،
    وتهذي؟ قيّدوك وخدروك ونوّموا الثور الهائج فيك،
    وظللت تهذي.


    سردابٌ كقاع بئر مهجورة. تصرخ ولا تسمع صراخك
    تختنق بدخان ينشره خللٌ ما في جهاز التنفي. لكنك
    تراه وتشمه وتختنق. يربطك ممرضان إلى صخرة وينهالان
    عليك ضرباً. ثم تنقلك حافلةٌ بلا سائق إلى زنزانة. تصرخ
    ولا تسمع صراخك. ترى إلى نفسك تمشي عارياً في
    الشارع. تحاول أن تغطي عورتك بيدك فتسقط منك
    يدك. يتناولها أحد الصبية ويرميك بها ضاحكاً: أبي
    رئتيك كالحجر. تنزع أحد الأجهزة الطبية، فيرن جرس
    الإنذار. يأتيك السَّجّانُ بهراوة غليظة. تحاول أن تقول له
    شيئا، فلا يخرج منك صوتك. تشير بأصابعك إلى أنك
    تريد ورقة وقلماً. تكتب: فقدت لغتي!


    حيث تصحو من الهلوسة وتهدأ، تعلم أنك في المستشفى،
    فتسأل: متى يجرون العملية الجراحية؟ يقولون لك إنها
    تمت منذ أسبوع. تواصل قراءة "باب الشمس". يزورك
    مؤلف الرواية وتناقشه في بعض التفاصيل وأنت صافي
    الذهن. وفي نهاية الزيارة تهمس له: بعد قليل، حين يتلهّى
    الحُراس، خذني معك! هَرَّبني من هذا السجن! لا تفهم
    لماذا تدمع عيناه، وما إن يودِّعك ويخرج حتى تسقط ثانية
    في قاع البئر المهجورة، وتصرخ: أخرجوني! فينهال عليك
    السجانون ضرباً إلى أن يُغمى عليك.


    كلما عادك زائر بدوتَ هادئاً في البداية. وفي نهاية الزيارة
    تروي قصة تعذيبك وتطلب منه التواطؤ على عملية
    التهريب. لم تعرف أنك في صراع مع الموت. بل كنت
    تحسب أنك في صراع على الحرية... حتى ظنّت ليلى،
    ملاكك الحارس وأصدقاؤك نبيل وصبحي والياس
    وفاروق، أنك قد أصبت بالجنون، فاتصلتْ بالطبيب في
    ساعة متأخرة من الليل لتسأله إن كنت قد جُننتَ حقاً.
    فطمأنها إلى أنّ ما تراه هو هلوسةٌ ناتجة عن جرعات
    التخدير العالية قائلاً: إن لا وعيه هو الذي يقاوم الموت.
    ولكن استعدّوا لما هو أسوأ! وفكرتَ فيما بعد: أيهما
    أسوأ، أن ينتصر عليك الموت فتطير في رحلة البياض؟ أم
    أن تنتصر على الموت بالجنون فتسير في شوارع الفضيحة؟


    ورأيتَ الفأر الذي امترق من أمامك قبل عام، واختبأ في
    غرفة النوم. بحثتَ عنه في كل زاوية ومعطف وحذاء
    ودُرجٍ ولم تجده، فنمت في غرفة أخرى. وحين فتحتَ
    حقيبة الملابس في مدينة أخرى رأيتهُ يقفز من الحقيبة
    ويختبئ في ما يشبه الهوس، فطلبت من إدارة الفندق
    استبدال الغرفة بغيرها. وحين عُدتَ من السفر وفتحتَ
    الحقيبة رأيتهُ يقفز ساخراً منك ويختبئ في المراوغة. هل
    يطاردك الفأر أم تطارده؟ هل هو فأر أم وسواس؟ هل
    تخافه أم يخافك؟. سرداب كقاع بئر مهجورة. وفأر يقفز
    من هذيان حُرّ إلى هذيان حر. وأنت مشدود إلى صخرة
    كصرخة مُكممة: ليتني كنت هناك، في ذاك الموت
    الأول، غيمة بين الغيوم. ولم يسمعك أحد سواي.


    ورأيتَ الشعراء ينصبون الفخاخ لصيد الحجل.


    ورأيت الشهداء واقفين، كلٌ على نجمته، سعداء بما قدّوا
    للموتى الأحياء من أمل.


    ورأيتَ رأيت رأيت بلاداً يلبسها الشهداء ويرتفعون بها
    أعلى منها/ وحياً وحياً. ويعودون بها خضراءَ وزرقاء/
    وقاسيةً في تربية سلالتهم: موتوا لأعيش!/ فلا يعتذرون
    ولا ينسون وصاياهم لسلاتهم: أنتم غَدُنا، فاحيَوا كي
    نحيا فيكم!/ وأَحِبُّوا زهر الرُمّان/ وزهر الليمون/.
    وصُبُّوا خمرتنا في عيد الحب/! فلم نجد الوقت لنشربها
    معكم/. عفواً! لم نجد الوقت/. فلا تنْسَوا أنتم أن تجدوا
    الوقت لتحتفلوا بالحب/، وتنتقموا بالحب لنا ولكم!/


    تصغي إليهم إصغاء المديح للإيقاع. فتقع الجرّةُ من يد
    الموت وتنكسر. تلمّ الشظايا حرفاً حرفاً وتركّب الاسم
    وتنطق. وتدرك- حين تراهم يحملون أقواس قزح بخفة
    الصاعدين إلى أعلى- أن البطولة أبسط من وصفها. وأن
    ثمة مشاريع وراءهم- أمامك تتحرّق لاشتقاق المعنى من
    العبث. وتدرك، حين تسمعهم يُرتلون ما لا تفهم، أن
    الموت مجاز غامض أمام كثافة الوضوح في هذا الممر
    الطويل. فتنهض من سريرك واثقاً من عافية الروح...
    وتزحف. تزحف على يديك ورجليك إلى الحمام، معتمداً
    على نفسك. وحين تسمع صوت الماء يخرخر في دورة
    المياه تعلم أنك حيّ. وتعيد الكرّة، لتسمع صوت الماء.
    الماء الماء الماء.


    ألا تسمع صوت الماء الآن. أنها تمطر![/align]

  17. #17
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    -14-

    الحنين مسامرة الغائب للغائب، والتفات البعيد إلى البعيد.
    الحنين عطش النبع إلى حاملات الجرار، والعكس أيضا
    صحيح. الحنين يجر المسافة وراءً وراءً، كأن التطلع إلى
    أمام، وقد سُمي أملاً، خاطرةٌ شعرية ومغامرة. فعل
    المضارع حائر متردد، وفعل الماضي الناقص معلقٌ على
    سروةٍ وقفت خلف تلة، على ساقها الراسخة، والتفت
    بأخضرها الداكن، وأرهفت السمع إلى صوت واحد:
    صوت الريح. الحنين هو صوت الريح.


    وكلما توغلتَ في وحدتك، كتلك الشجرة، أخذك الحنين
    برفق أمومي إلى بلده المصنوع من موادّ شفافةٍ هشة،
    فللحنين بلد وعائلة وذوق رفيع في تصنيف الأزهار البرية.
    وله زمن منتقى برعاية إلهية، زمن أسطوريّ هادئ ينضجُ
    فيه التين على مهل، وينام فيه الظبيُ إلى جانب الذئب في
    خيال الولد الذي لم يشاهد مذبحة. ويطوف بك الحنين،
    كدليل جنة سياحي، في أنحاء بلاده، ويصعد بك إلى
    جبل كنت تأوي إليه وتتمرغُ في النباتات البرية، حتى
    تتشرّب مسامُّ جلدك برائحة المريمية. الحنين هو الرائحة.


    وللحنين فصل مدلل هو الشتاء. يولدُ من قطرات الماء
    الأولى على عشب يابس، فيصعِّد زفرات استغانة أنثوية،
    عطشى إلى البلل. وعدٌ بزفاف كونيّ هو المطر. وعدٌ
    بانفتاح المغلق على جوهر، وحلول المطلق في ماهيّات...
    هو المطر.


    كم من سنديانة هناك تشرئب إلى اثنين: أنت وهي،
    تركضان تحت المطر، بلا مظلة وبلا قبعة، سعيدين
    بفضيحةٍ شريفة، سعيدين بنصف عُري. تركضان ولا
    تعرفان إلى أين، متحررين من الطريق ومن الهدف. تلهثان
    معاً من تعب لذيذ السبب. وتندسان في جوف سنديانة
    ضيّق لا يتسع إلا لواحد. فتلتصق بك وتلتصق بها حتى
    تصيرا اثنين في واحد. وتعتصرك وتعتصرها فيسخن الماء
    عليكما وفيكما وتلهثان من الدفء ولا تحتاج الشهوة
    إلى ذريعة المطر الذي أدخلكما إلى مخدع السنديانة
    وانصرف. الحنين هو اختلاط النار في الماء.


    وللحمى صفة أخرى هي الحنين. في كل شتاء يوجعك
    فرح غائب، وتمشي تحت المطر واحدا في اثنين: أنت ومن
    كُنته في شتاء آخر، فتفَتْفتُ إلى نفسك كلاماً لا تفهمه
    لعجز الذاكرة عن استعادة العاطفة السالفة، ولقدرة الحنين
    على إضفاء ما لم يكن على ما كان، كأن تصبح الشجرة
    غابة، والحجر حجلة، وكأن يكون الماضي واقفاً في
    انتظارك غداً ككلب وفيّ. الحنين يكذب ولا يتعب من
    الكذب لأنه يكذب بصدق. كذب الحنين مهنة. والحنين
    شاعر محبط يعيد كتابة القصيدة الواحدة مئات المرات.
    وعجوز ما زال يحبو لأنه نسي حركة الزمن وتحاشى النظر
    في المرآة. الحنين هو التزوير البريء للوثائق لحماية مرجعية
    المنفيّ من الصدأ. وهو الكلسُ الضروري لتلميع البيوت
    المهجورة.


    لكن أحداً لا يحن إلى وجع أو هلع وجنازة. الحنين هو
    اختصاص الذاكرة في تجميل ما احتجب من المشهد،
    وترميم شباك سقط دون أن يصل سقوطه إلى الشارع.
    والحنين قصاصُ المنفى من المنفيّ، وخجل المنفيّ من
    الإعجاب بموسيقى منفى وحدائق... فأن تحنّ يعني أن لا
    تغتبط بشيء، هنا، إلا على استحياء. لو كنتُ هناك-
    تقول- لو كنتُ هناك لكانت ضحكتي أعلى وكلامي
    أوضح. فالحنين هو توق الكلمات إلى حيزها الأول حتى
    لو كانت غامضة وغريبة عن الجماعة. لكني- تقول
    لنفسك- أوثر الاغتراب في المنفى على الاغتراب في
    البيت، ففي المنفى ما يوجب ذلك.


    لذلك تحنُّ في الزحام إلى نفسك، إلى خلوة للكتابة.
    الكتابة اقتراب واغتراب يتبادلان الماضي والحاضر. ظمأ
    الكلمات إلى ماء يلمع في سراب الأسطورة، وانقلاب
    التشبيه على المُشبَّه، وتمويه الواقع بالصورة، بيديْ الحنين
    الحريريتين تروِّض المسافة... إذ تسقف سماءك بكواكب
    مستعارة، وتمضي مع امرأة أخرى، حقيقيّة، إلى غرفة
    دافئة، معافىً من أسباب الحُمى، ومن أنين متقطع لا
    يكتمل. فلصوت المطر على الزجاج هياج الرغبة. ليس
    أكثر من هذا ليبزغ الضوء من ليل الجسد: سريركِ سرُّك/
    ماضيكِ يأتي غدا/ على نجمة لا تصيب الندى/ بأذى.
    تلقي برأسك على ركبتيها لتستمع إلى ما يقول الجسد
    الخالي من الحنين، فقد خُلِقَتْ حوّاء للتو، وللتو ولدت بلا
    ذاكرة. أنتِ غدي وحاضري ولا أمس لي- تقول لها.
    وتقول لك: أنت غدي وحاضري ولا أمس لي. تنامان
    اثنين في واحد، ولا تحلمان بما هو أكثر من هذا. لم يسأل
    أحد منكما الآخر عن معنى الاسم، من شدة ما كان
    مجهولكما الشهي عاكفاً على تأجيج الفتنة. تفتنك
    وتفتنها. وبعد أن تمتلكها وتمتلكك، وتمتلئ بها وتمتلئ
    بك، يناديك ما يناديها من أقاليم البعيد، فتحنّ هي إلى
    ماضيها خلف الباب، وإلى أغنية غير أغنيتك/

    ألحنين إلى البداية، إلى الطريقة التي تمّ بها إيلاج المفتاح
    في قفل الباب. وإخفاء النظرة عن غايتها. واختيار المقعد
    وموسيقى الليل بعفوية متمرسة- هو التمرين العاطفيّ
    على جسّ نبض الكون. وهو، أي ذاك الحنين، استرجاعٌ
    للفصل الأجمل في الحكاية: الفصل الأول المرتجَل
    بكفاءة البديهة.

    هكذا يولدُ الحنين من كل حادثة جميلة، ولا يولدُ من
    جرح. فليس الحنين ذكرى، بل هو ما ينتقى من متحف
    الذاكرة. الحنين انتقائيٌّ كبستاني ماهر، وهو تكرار
    للذكرى وقد صُفِّيتْ من الشوائب. وللحنين أعراضٌ
    جانبية من بينها: إدمانُ الخيال النظرَ إلى الوراء، والحرجُ
    من رفع الكلفة مع الممكن. والإفراط في تحويل الحاضر
    إلى ماض، حتى في الحب: تعالي معي لنصنع الليلة ماضياً
    مشتركاً- يقول المريض بالحنين. سآتي معكَ لنصنع غداً
    مشتركاً- تقول المصابة بالحب. هي لا تحبُّ الماضي
    وتريد نسيان الحرب التي انتهت. وهو يخاف الغد لأن
    الحرب لم تنته، ولأنه لا يريد أن يكبر أكثر.


    الحنين ندبة في القلب، وبصمة بلد على جسد. لكن لا
    أحد يحنُّ إلى جرحه، لا أحد يحن إلى وجع أو كابوس،
    بل يحنُّ إلى ما قبله، إلى زمن لا ألم فيه سوى ألم
    الملذات الأولى التي تذوّب الوقت كقطعة سكر في فنجان
    شاي، إلى زمن فردوسيّ الصورة. والحنين نداء الناي
    للناي لترميم الجهة التي كسرتها حوافرُ الخيل في حملة
    عسكرية. هو المرض المتقطع الذي لا يُعدي ولا يُميت،
    حتى لو اتخذ شكل الوباء الجمعيّ. هو دعوةٌ للسهر مع
    الوحيد، وذريعةُ العجز عن المساواة مع ركاب قطار
    يعرفون عناوينهم جيداً. وهو ما يُجمع الغرباء من
    مواد مصنوعة من شفافية اللاشيء الجميل، ويُحمِّص لهم
    بُنَّ اليقظة.


    ونادراًَ ما يأتي صباحاً. ونادراً ما يتدخل في حديث عابر
    مع سائق تاكسي. ونادراً ما يتطفل على قاعة مؤتمر، أو
    على الموعد الأول بين أنثى وذكر.. هو زائر المساء، حين
    تبحث عن آثارك في ما حولك ولا تجدها، حين يحطّ
    على الشرفة دوريٌّ يبدو لك أنه رسالة من بلد لم تحبّه
    وأنت فيه، كما تحبّه الآن وهو فيك. كان معطىً وشجرة
    وصخرة، وصار عناوين روح وفكرة، وجمرةً في اللغة.
    كان هواء وتراباً وماء، وصار إلى قصيدة.

    ألحنين أنينُ الحق العاجز عن الإتيان بالبرهان على قوة
    الحق أمام حق القوة المتمادية... أنين البيوت المدفونة تحت
    المستعمرات، يورثه الغائب للغائب، والحاضر للغائب، مع
    قطرة الحليب الأولى، في المهاجر والمخيمات. الحنين صوت
    الحرير الصاعد من التوت إلى مَن يحن إليه في أنين
    متبادل. هو اندماج الغريزة بالوعي وباللاوعي.. وشكوى
    الزمن المفقود من ساديَّة الحاضر.

    الحنين وجعٌ لا يحنُّ إلى وجع. هو الوجع الذي يسببه
    الهواء النقي القادمُ من أعالي جبل بعيد، وجع البحث عن
    فرح سابق. لكنه وجع من نوع صحيّ، لأنه يذكرنا بأننا
    مرضى بالأمل... وعاطفيون!

  18. #18
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    -15-

    ألحبُّ كالمعاني على قارعة الطريق. لكنه كالشعر صعب،
    تعوزه الموهبةُ والمكابدةُ والصوغُ الماهر، لكثرة ما فيه من
    مراتب. لا يكفي أن تحبّ- فذلك فعلٌ من أفعال
    الطبيعة السحرية، كهطول المطر واشتعال البرق، يأخذكَ
    منكَ إلى مدار الآخر لتتدبر أمرك بنفسك. لا يكفي أن
    تحبّ، بل عليك أن تعرف كيف تحبّ. فهل عرفت؟ لم
    تستطع الإجابة لأنك لا تستطيع استعادة الرعشات التي
    هزَّتك وبعثرتك على نزوات الليلك، وكهرَبَتكَ وعذبتك
    بمذاق العسل الحارق. ولا تستطيع استرجاع أكثر أطوار
    الموت عذوبة وحياة، حيث غادرتكَ "أنا"ك إلى أنثاك
    لملاقاة نفسك الطازجة فيها كالثمرة الناضجة.


    تلك اللحظات، حين تسترجعها الكلمات، عصيَّةٌ على
    رفع الجسد إلى مقام الروح. من منّا لم يقل لأنثاهُ: "لا
    وجود لي إلا فيك" وكنا صادقين؟ وكنا صادقين أيضاً
    حين وجدنا وجودنا في قول مشابه وفي مكان آخر. فهل
    عرفتَ كيف تحب؟ لم تستطع الإجابة، ربما لأنك لم
    تتبيّن أحوال الحسّ المتنقل في الفوارق بين: الحب والعشق،
    والولع والوله، والهوى والجوى، والشغف والدنف، والهيام
    والغرام، والشبق والنزوة، والصبوة والشهوة، والإعجاب
    والإنجذاب.. وغيرها من التباس الصفات على الرغبات.
    لكلّ مرتبةٍ حالٌ من أحوال الجسد، ولكل حالٍ من أحوال
    الجسد مرتبةٌ بين موت وحياة. فلا تعرف أين كنت
    وكيف كنت.


    لكنك الآن، إذ تشرف على حياتك إشراف البحّار على
    خيبته من أسرار البحر التي لا تدرك، وتسأل: أين مينائي؟
    تحار من عودة قلبك سالماً صلباً كحبّة سفرجل صعبة
    القضم. فلماذا بكيتَ إذا لأن العذراء لم تكن عذراء قرب
    الشجرة التي سبقكَ إليها أحدُ مُروضي الريح؟ ولماذا
    بكيت ثانيةً لأن الثانيةَ لم تفتح لك الباب، وأنت واقف
    في الزمهرير مرتجفاً من الذل، لا من البرد الذي أوقد
    مدفأتك؟ ولماذا بكيتَ مرةً ثالثةً، لأن الثالثة سافرت، دون
    أن تنتبه إلى أنك كنت تعانق وسادة، لا جسداً من حرير
    وريش نعام؟


    لا حبّ- تقول- لأن لا حبَّ يشبه حباً، ولا تعريف
    لقوة الجاذبية التي تخلع الكائن من كيانه، فلا يسأل عن
    ذاته وقد اغتربت، وعن حريّته وقد اقتربت من عبوديّة
    مختارة: أنا لك. بخصلةِ شعرٍ طائشةٍ في الريح تنتقل
    الجبال من أمكنتها. وبشفتين مفتوحتين تنضج بساتينُ
    الكرز في غير أوانها. وبكلمة لا معنى لها يُنصبك التأويلُ
    ملكاً على عرش الهباء.


    وأنت، أنت الممسوس بتيار كهرباء تسير على غير هدى،
    على أثر ما يتساقط من أوراقك، تدور بك العاصفة
    والعاطفة، وتدور بهما، ولا تدري إن كنت حزيناً أم فرحاً
    لأن الالتباس الذي أنت فيه هو الإحساس بخفة الأرض
    وبغلبة القلب على المعرفة. وستدرك فيما بعد أن الحب،
    حُبك، هو أوله. في أول الحب، تكون معدّا، كآلة
    موسيقية، لإطاعة الهواء في ما يملي عليك من تأليف: كل
    نسمة نغمة، وكل سكون صلاة شكر. وتكون مُعداً أيضاً
    لاستطلاع ليليّ لكلّ نأمة تفد إليك من ديار النجمة.
    فأطل هذا الأول، أول الحب، ليمتثل الخيال لك امتثال
    الفرس للفارس، ولتغزوك اللغة وتغزوها كرجل وامرأة
    يتسابقان على استضافة المجهول بكرم الطاعة المتبادلة.


    في أول الحبِّ تنهمرُ عليك المطالعُ، زرقاء زرقاء. وفي أوج
    الحب تحياه، وينساك وتنساه ويُنسيك المطالع. وفي آخر
    الحب تطيل النظر إلى الساعة. وفي الغياب تعثر المطالع
    على المواجع المترسبة في خلوّ الغرفة من كأس النبيذ
    الثانية، ومن شال أزرق، فتمتلئ القصيدة بما ينقصها.
    وحين تكملها بنقصان مفتوح على أخرى، تبرأ من ذكرى
    ومن ندم ولا يصدأ فيك الذهب. كأن الكتابة، كالحب،
    بنتُ السحابة إن أمسكت بها ذابت. وكأن العبارة لا
    تتحفز إلا لتعويض خسارة. فتتجلى صورة الحب هناك:
    في غياب كثيف الحضور.


    وحين تخرج من نفسك، كأنك أنت، وتنظر إليك من
    بعيد كأنك هُوَ: واقفاً تحت المطر، على شارع مزدحم
    بالمارة، وفي يدك باقة ورد أحمر، لا تشعر بالبرد، بل
    بسخريةٍ من وقفتك الزائغة. وتتساءل: هل كان حُبّا أم
    شهوة، هل كان عشقاً أم شبقاً؟ وتنسى شعورك.. تنساه
    ولا تبحث عنه، فلا تتألم ولا تندم، بل تكتفي بالسلام
    عليه، عن بعد، وهو ينتقل إلى ذكرى بعيدة لا تُؤَرّق،
    ذكرى تتحكم بها كما تتحكم بجهاز الفيديو: تضعُ
    النهاية في البداية، أو تثبت الصورة على ضرورات القلب
    المتقلب.


    وتضحك خجلا من كلام تمادى في مديح الشبق حتى
    احترق: يبدأ من القدمين المنحوتتين بقطعة شمس، فإلى
    أعلى يلمع البرق من ساقين مسكوبتين بقلق المهارات،
    فأعلى إلى الركبتين المصَنّفتين كمعجزتين، فإلى أعلى:
    البطن- الموج في حالة جزر، فأعلى: يبدأ الغروب
    تدريجياً بامتصاصك بَنهمٍ نبيلٍ خَفِر، فتُقبل وتُدبِرُ وتعلو
    وتهبد وتعرق وتشهق وتغرق في ليل ساخن العتمة فاتن.
    يداك أو يداها- لا تدري- تلمانك وتحملانك كنسرٍ
    أغمي عليه في فضاء يدلف كواكب.. فتنظر إلى العينين
    نصف المفتوحتين على عينين نصف مغمضتين، ليتأكد
    كل منكما أنه ينبتُ في الآخر.


    لكن أحداً لا يسكن الذروة، تسقطان دفعةً واحدة من
    أعلى سماء إلى نعاسٍ مبلل بالرذاذ. تهمسان بصمت
    واحد، بلا شيءٍ أوضحَ من أي شيء. وتحلمان معاً، وعلى
    حدة، بأن يستمر هذا العناق إلى الأبد، إلى أن يتضح
    لكما أن لهذا الأبد عمراً قصير الأمد، وأن الأبدية لا
    تنصاع إلى أحد، فهي كثيرة التداول والانتقال من لحظة
    إلى أخرى، ومن حالة إلى سواها.


    وأنت الذي لا تعرف الحب إلا عندما تحب، لا تسأل ما
    هو ولا تبحث عنه. لكن امرأة سألتك إن كنت تحب
    الحب ذاته، فتملصت وتخلصت من حيرة الجواب،
    وقلت: أُحبُّكِ أنتِ. فألحت: ألا تحب الحب، فقلت:
    أحبك أنت لذاتك، فانصرفت عنك لأنك لا تؤتمن على
    غيابها. ليس الحبُّ فكرة. إنه عاطفة تسخن وتبرد وتأتي
    وتذهب. عاطفة تتجسد في شكل وقوام، وله خمسُ
    حواس وأكثر. يطلع علينا أحيانا في شكل ملاكٍ ذي
    أجنحة خفيفة قادرة على اقتلاعنا من الأرض. ويجتاحنا
    أحيانا في شكل ثور يطرحنا أرضا وينصرف. ويهبُّ
    أحيانا أخرى في شكل عاصفة نتعرف إليها من آثارها
    المدمرة. وينزل علينا أحياناً في شكل ندى ليليّ حين تحلب
    يدٌ سحريةٌ غيمةً شاردة.


    لكن هذه الأشكال كلها تجتمع في امرأة، حسية مرئية،
    ملموسة محسوسة، لا في فكرة. فنحبّ الشكل الجاذب،
    وينكبُّ الخيال على تفحّص ما فيه من غموض وغرائب.
    أما الأرواح فتتعارف وتتآلف حول الشكل المتلألئ
    بالجوهر. وقد تختلف على تأويل ما يقول الجسد للجسد،
    فتنصرف إلى شفافية أخرى وتحل في أجسادٍ أكثر امتلاءً
    بالماء ولاتناغم والموسيقى. ألحبّ هو المتحولُ المُتَنقلُ
    العصيُّ على الهوية. هو الانخطاف الذي يلتبس فيه
    الشغف مع الإشراق. هو ما لا تعرف وتعرف أنك لا
    تعرف. هو اكتمال المعنى باللامعنى من فرط جنوحه إلى
    المجانية وتبذير الحضور. وهو نقيض التكرار والإلحاح على
    إصلاح الهواء واللون، وإلا صار زواجاً تحلُّ فيه صيانةُ
    الكلام من الزلل محلّ الارتجال الضروريّ لشعرٍ لا يقوم
    الحب إلا عليه، فلا يصلح نثر التدبير المنزلي لإبقاء
    إجاصتين طازجتين على طبق المرمر، ولتحريض المجهول
    على إغلاق الطريق أمام المعلوم. لا بد من سرّ، لا بد من
    سرّ دائم، ليبقى الحب مفاجأة وهدية، فلا تفتح خزانة
    ثيابها الملأى بأسرار طباعها!


    وإن خمد الشغف ابتعد الحب، رويداً رويداً، إلى نهار
    الصداقة. وتقول لها: ما أجمل الصداقة حين نشيخ معاً،
    وأتكئ عليك وتتكئين عليّ، وأرحمك وترحمينني في
    دار العجزة حيث لا نقوى على التذكر. لكني أوثر أن
    أعتمد على عكازي، لا عليك. ولا أريد أن أرى روميو
    وجولييت، ولا قيساً وليلى، أمامي في أرذل العمر. للحبّ
    تاريخ انتهاء، كما للعمر وكما للمعلبات والأدوية. لكني
    أفضل سقوط الحب، بسكتة قلبية، في أوج الشبق
    والشغف، كما يسقط حصان من جبل إلى هاوية.


    سألتكَ: من هيَ، فقلت: لا اعرفها من فرط تعددها في
    واحدة. هي ولا هي. هي وهُنّ إذا اجتمعن في قصيدة
    حب كثيرة المصادر، تتوزعها ضروراتُ البحث عن تحقق
    ما لا يتحقق، وعن نداء يغمرنا دون أن ندرك أنه لم
    يصل، وعن تجدد العطش أمام النبع. هي ولا هي إن
    حضرت وإن غابت، فكأن حضورها غيابي فيها، وكأن
    غيابها حضورُ التفاصيل. لكنها تنتشر بعدة أسماء، فلا
    أدري إن كانت هي هي، أم من نساء مخيلتي ورغباتي
    المتبدلة. لذلك يبدو أنها اختراع، لأني لا أخطئ
    بالأسماء، فلا أنادي غيرها باسمها الذي نسيته من قلة
    الاستعمال.


    وسألتك: لم تعرفْ، إذاً، كيف تحب؟ فأدهشني قولكَ:
    ما الحبُّ؟ كأنني لم أحب إلا عندما كان يخيل لي أنني
    أحب.. كأن تخطفني من نافذة قطار تلويحةُ يد، ربما
    لم تكن مرسلة إليّ، فأولتها وقبّلتُها عن بعد.. وكأن أرى
    على مدخل دار السينما فتاةً تنتظر أحداً، فأتخيل أني ذاك
    الأحد، وأختار مقعدي إلى جوارها، وأراني وأراها على
    الشاشة في مشهد عاطفيّ، لا يعنيني أن أفرح أو
    أحزن من نهاية الفيلم. فأنا أبحث في ما بعد النهاية عنها.
    ولا أجدها إلى جواري منذ أنزلت الستارة.

    وسألتك: هل كنت تمثِّل يا صاحبي؟

    قلتَ لي: كنتُ أخترعُ الحب عند الضرورة/ حين أسير
    وحيداً على ضفة النهر/ أو كلما ارتفعت نسبة الملح في
    جسدي كنت أخترع النهر..

  19. #19
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    -16-


    بين الخروج والدخول زمنٌ مديدٌ يأذن لك بوداع المنفى بما
    يستحقُ من شجن. لكنك لم تفهم لماذا اختبأ الدمعُ تحت
    سطح الكلمات، ثم طفا وطفح، وأنتَ تودّعُ تونس في
    مسرحها البلديّ.. وتودّع الذاهبين إلى ساحة البلاد
    الخلفية.. الخارجين من فضاء الأسطورة إلى وعاء الواقع
    الضيّق. أملٌ ما يرشح من أفقٍ مغرورقٍ ببخار الرطوبة
    الصيفية على ألم لم ينتبهوا إلى آثاره الجانبية. لعلّ الفرح
    بالمغامرة، مغامرة اكتشاف الأرض الموعودة من جديد، هو
    ما أنسى العائدين مديح قرطاج بكلام يليق ببحرها
    وبحسن ضيافتها.


    عائدون، عائدون بلا نشيد عالٍ وبلا راية جسور،
    كمتسللين من ثُقب جدار تارة، وتارةً كمحتفلين بدخول
    بوابة واسعة لسجنٍ حَسَنِ التسمية، وطنيّ الفوضى.
    المهاجرون عائدون والعائدون مهاجرون. وبين الفارق
    والفارق بهجةُ نسيانٍ ضروري للشرط الذي يتحكم
    بالكلمات، كما يحدث حين تنفصل الرموز عن الواقع،
    والتسميات عن المسميات، والألفاظ عن معانيها: عودة،
    استقلال، دولة، سلام، سيادة، سجاد أحمر، وزارة، رئاسة
    - كلمات تشير إلى الشيء عن بعد ولا تعبر عنه ولا
    تشبهه. كأن الهوية العطشى إلى امتلاءٍ ما تمتلئ بأمنية
    ظنّتها محققة.


    سجالٌ مع الذات صامتٌ تُرجِئُه فرحةُ اكتمال الدائرة على
    أمواج البحر، بَحرنا هذه المرة. وفي مخيلة العائد من
    إعجاز جماليات الصور ما يُكَفّر عن خطيئة الخروج،
    الإجباريّ وشبه الإجباري معاً، وما يعوّض عن سِفرِ
    الهجرة. سنرى شمسنا تشرق من شرقنا، لا من جهة
    المنفى. ولفواكهنا تأويلُ الذهني للحسيّ:


    ألتفاحةُ عضُّ الشكل، بلا عقوبة على معرفة./

    الإجاصة نهدٌ مثاليّ التكوين لا يزيد عن راحة اليد ولا
    ينقص/

    ألعنب نداء السُكر: أن اعتصرني في فمك أو في الجرار./

    ألمشمش عودةُ الحنين إلى أصله شاحباً./

    ألبرتقالةُ فكرةٌ تضيء في الليل، وتؤكل في كل حين./

    ألتينُ انفراج الشفتين، بأصبعتين، لتلقّي المعنى الأيروسيّ
    دُفعةً واحدة./

    ألتينُ الشوكيّ دفاعُ العذراء عن كنزها./

    ألكرز اختصار المسافة بين شهوة العينين وصبوة الشفتين./

    ألسفرجلُ مشاكسةُ الأنثى للذكر تترك غصّةً في حلق
    الخائب./

    ألمانجو لعاب يسيل على لذة مرئية./

    ألفراولةُ حبيبات لونٍ ليس أحمرَ وليس غير أحمر تحيل
    على فضيحة الشبه./

    ألتوتُ، سكريّ اللون أو أسود، ذكرى قبلة أولى./

    ألرمانُ اختباءُ الياقوت في التورية./


    وكلما اقترب العائد من العودة صار هو إطارها الذي لا
    يمنع المشاعر من السيولة. بطولةٌ خجولةٌ تترجلّ عن صهوةٍ
    بلا فرس، وتدخل في استقبال العاديّ للعاديّ... ستُقبل
    التراب وتعانق جذوع الشجر، وتقول كلاماً معصوماً من
    بلاغة المنتصر أو الأسير، بلاغة طورها المنفى لتحسين
    شروط الإقامة على جسر، وللتبشير بحماية القلب
    الجماعي من التلف. وكلما اقترب العائد من أرض
    الأحلام الكبرى اغرورقت عيناه، وتلكأت خطاه لئلا يتعثر
    على طريق الرمل... ونظر إلى الخلف مودّعا بطولة أطاع
    طقوسها بانضباط جنديّ.. بطولةً بعيدة عما يجتاحه
    الآن من مشاعر تثيرها فيه، بلا ترتيب، قيلولة مُشتهاةٌ
    تحت دالية عنب.


    هل انتهت الرحلة أم بدأت؟ هل اقترب هو من المكان، أم
    افترق المكان عن صورته في المخيلة؟ العائد كبير السن هو
    المرشح للمقارنة وللحيرة في ترجيح المُتخيل على
    الواقعي. أما المولود في المنفى على أوصاف نقيضه
    الحُسنى، فقد تخذله جنّةٌ صُنعت خصيصا له، من
    مفردات تشرّبها وصنع منها صوراً نمطيّة، لتكون مرشدهُ
    إلى الاختلاف. لقد ورث الذاكرة عن أهلٍ خافوا عليه
    من النسيان/ رهان الآخرين.. وورث الذاكرة من إلحاح
    الأناشيد على تمجيد الفولكلور والبندقية التي صارت
    هوية، منذ ولد الوطن، بعيداً عن أرض الوطن.. ولد
    الوطن في المنفى. ولد الفردوس من جحيم الغياب.


    وأنت، أنتَ لم تكن معهم. فيك من عمر المنفى ما فيك
    من عمرك في الوطن. لم تفهم لماذا بكيت في مسرح
    تونس، وبكى معك جمهور أصيب بعدوى البكاء
    الغامض. فالدمعُ يعدي كالتثاؤب. ألأنك لم تكن معهم،
    أم لأنك من صاغ إعلان الدولة المرجوة، وتعرف أن
    الدولة ما زالت نصاً أدبياً. وتشعر بأن الباب الذي يدلف
    منه العائدون لا يفضي إلى استقلال ودولة. صحيح أن
    الاحتلال قد خرج من غرفة النوم، لكنه يجلس في
    الصالون وفي سائر الغرف. يتحكم بحنفية الماء وزّر
    الكهرباء وزرقة البحر. أليس هذا حسناً بعض الشيء؟
    أليس هذا أفضل من لا شيء؟ تصير إلى اثنين: واحد
    يقول نعم، وواحد يقول كلا! ولكن لِم كُلُّ هذا
    الصخب الاحتفالي الكاذب الذي يخّر العالم بالصور؟


    تسمّرت أمام التلفزيون، واتخذت هيئة المحايد في حضرة
    الحيرة التي أقامت حاجزاً بين العقلُ القلب. العقل يقول:
    إنها مسرحية فاشلة باطلة. والقلب يسأل: كيف أنجو من
    سحر الإخراج؟ ألعشب أخضر، والمناخ ملائم للعيد،
    وسيّد العالم جذاب. يقترب العدوّان اللدودان
    ويتصافحان: أحدهما على مضض، والثاني بثقةٍ مرحة.
    والجمهور المنتقى بعناية باذخة يصفق لانعطافه التاريخ في
    حديقة البيت الأبيض. لكن اللغة التي تسمعها تعيد قلبك
    إلى صوابه: لا، ليست هذه لغتي. فأين بلاغة الضحية
    التي تسترجع ذاكرة عذابها الطويل، أمام شقاء اللحظة
    التي ينظر فيها العدوّ ويشدّ على يده
    بإلحاح؟ أين أصوات القتلى السابقين والجدد الذين
    يطالبون باعتذار لا من القاتل فحسب، بل من التاريخ؟
    أين حيرة المعنى في لقاء الضدّ بالضدّ؟ وأين الصرخة
    الملازمة لعملية جراحية يُبترُ فيها الماضي عن الحاضر في
    مغامرة السير إلى غد ملتبس.. وأين لغتي؟


    ألهذا كان ردك الشخصي هو الدفاع الشعري عن الحبكة
    والذاكرة؟ فكتبت أصداء سيرة شخصية- جماعية،
    وتساءلت: لماذا تركت الحصان وحيداً؟ فماذا يستطيع
    الشاعر أن يفعل أمام جرّافة التاريخ غير أن يحرس شجر
    الطرقات القديمة ونبع الماء، المرئي منه وغير المرئيّ؟ وأن
    يحمي اللغة من ركاكة التراجع عن خصوصيتها المجازية،
    ومن إفراغها من أصوات الضحايا المطالبين بحصتهم من
    ذكرى الغد، على تلك الأرض التي يدور الصراع عليها
    إلى ما هو أبعد من قوة السلاح: قوة الكلمات.


    وانهالت عليك سهام الأسئلة المسمومة: ماذا ستكتب من
    دون منفى؟ وماذا ستكتب من دون احتلال؟ أما المنفى
    فهو الوجود. وأما الاحتلال الموجود فهو ما يعيق فاعلية
    الخيال. سأكتب أفضل. لكن، لماذا لا يوجّه مثلُ هذه
    الأسئلة إلى شعراء شعوب أخرى؟ ألأن شرط الإبداع
    الفلسطيني هو العبودية، أم لأن الحرية لا تليق بإيقاعاتنا؟
    وما معنى أن يكون الفلسطيني شاعراً، وما معنى أن يكون
    الشاعر فلسطينيا؟ الأول: أن يكون نتاجاً لتاريخ، موجوداً
    باللغة؟ والثاني: أن يكون ضحية لتاريخ، منتصرا باللغة.
    لكن الأول والثاني واحد لا ينقسم ولا يلتئم في آن واحد.


    غزة وأريحا أولا. وإذا كنتم أولاداً طيبين، فلن تكون غزة
    وأريحا أخيراً... وأخيرا سافرتَ إلى غزة. لم ترها من
    قبل. كتبتَ لها وعنها كما رسمتْ هي صورتها: قلعة
    محاصرة بالبحر والنخيل والغزاة والجمّيز. قلعة لا تسقط.
    غزة هي العزّة المُعتزّة باسمها المُستفَزة، بلا انقطاع، من
    صمت العالم على حصارها الطويل. وعلى الطريق الطويل
    من القاهرة، على رمال سيناء، على رمال سيناء، لم تفلح في نقل
    أحاسيسك المتأرجحة إلى كلمات واضحة. كان الكلام
    عصيّا على الوصول من القلب إلى اللسان، كحرف اللام
    الروسي الذي يصعد من البطن ويقف عند سقف الحلق.


    سألت السائق: أين معين بسيسو، لماذا لم يأت معي؟
    فذكرك بأنه نام في حفرة رمل في ضاحية من ضواحي
    القاهرة. لم يجدوا له مكاناً في غزة. فتمتمتَ: كُنا نبحث
    عن بيت، وصرنا نبحث عن قبر. آه، لو انتظر قليلاً... لو
    لم يسافر إلى لندن، لو لم يضع على باب غرفته في
    الفندق "الرجاء عدم الإزعاج" لكان مضيفي اليوم في
    غزة. غزة ملكيته الشخصية، ومملكته الشعرية الخاصة. كم
    ستبدو غزة ناقصة!


    كان الغروب في العريش بطيئا. أشعة الشمس تتمهل في
    احتضان سعف النخيل، وتتأمل لون النار الذي يترجّل
    منها، على مهلٍ على مهل، ليُزيّنَ أمواجَ البحر المستسلمة
    إلى غزل أبديّ، فتُحيينا بنسائمِ صيفٍ رطبة، كمروحةٍ في
    يد ملاك متطوع. متى ندخل غزة؟ سألت صديقك
    المشغول بجمرة الأرجيلة، فقال: حين يحلُّ الليل. قلت:
    أريد أن أراها بكل الحواس، فابتسم: الوطن في الليل
    أجمل. تمتَّع الآن بغروب الشمس في بحر العريش، فلن
    ترى البحر هناك كما تراه هنا.. البحر هناك مستوطن.
    وكرر: الوطن في الليل أجمل، فتمهل تمهل! وضعت دفتر
    الملاحظات والتوقعات في حقيبة اليد وأغلقتها على
    عواطفك. بماذا تشعر! سألت ياسر. قلت: لقد استنزف
    الطريق الطويل مشاعري وتوقعاتي... لا أشعر الآن بشيء
    ولا أتوقع شيئا. قال: هذا أفضل.


    في الظلام دخلنا، أو تسللنا إلى غزة. تركتكَ تمشي
    أمامي، وحملتُ عنك خيالك. فلستَ بقادر على صيانته
    من الوقوع على صلابة الواقع. ورأيتك تخفي وجهك عن
    إلحاح الكاميرات المنصوبة لالتقاط نشوة العائد، ولتصوير
    الكلمات المعدّة لهجاء المنفى. قلت: أتيتُ ولم أصل،
    وجئت ولم أعد. لم تكذب على أحد ولا على نفسك،
    فالمناسبة ليست احتفالية. وغزة لم ترمم نفسها بعد. كان
    الدمار الذي تركه الاحتلال يتغلغل في أعماقك.. وإذا لم
    تحلم بما هو أبعد فسيهرب البحر من الصيادين في لغتك.
    في ذلك الليل المقطع بالحواجز والمستوطنات وأبراج
    المراقبة، يحتاج المرء إلى علم جغرافيا جديد ليعرف الحدود
    الفاصلة بين الخطوة والخطوة التالية، وبين الممنوع
    والمسموح، كصعوبة العثور على الغامض والواضح في
    اتفاقيات أوسلو.


    عليك أن تنام في آخر الليل، مستعينا بقرص مهدئ.
    وحين تصحو تحتاج إلى وقت ما لتقتنع بأنك في غزة التي
    سرعان ما نَعتّها بـ"مدينة البؤس والبأس". وفي الضحى
    الحار تذهب مع بعض الأصدقاء من العائدين لزيارة
    المخيمات. تمشون بصعوبة في الأزقة، وتخجل من الماء
    والنظافة. ولا تصدق، كما لم تصدق أبداً، أن أوعية
    البؤس هي الشرط الوحيد لتخليد أو تأكيد حق العودة.
    لكنك تتذكر ما ينبغي لك أن تنساه: ضمير العالم.
    وتشتم نظريات التقدم وقصدية التاريخ التي قد تعيد
    البشرية إلى الكهف. وتحرم نفسك، لتكون واقعياً، من
    مصل التفاؤل والحماسة، وتستعيض عنهُ بحبة دواء ضد
    ارتفاع ضغط الدم. وتقول: إذا فكرتُ بشيء آخر سأرمي
    بضميري إلى القطط.


    تتساءل: أي داهية قانوني أو لغوي يستطيع صوغ معاهدة
    سلام وحسن جوار بين قصر وكوخ، بين حارس وأسير؟
    وتسير في الأزقة خجلاً من كل شيء: من ثيابك المكوية،
    من جماليات الشعر، من تجريدية الموسيقى، ومن جواز
    سفر يتيح لك إمكانية السفر إلى العالم. يصيبك وجع في
    الوعي. وتعود إلى غزة المتعالية على مخيماتها وعلى
    اللاجئين، المتوجسة من العائدين، فلا تعرف في أية غزة
    أنت. وتقول:

    أتيت ولكنني لم أصل.

    وجئتُ، ولكنني لم أَعُدْ!

  20. #20
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    -17-



    على الطريق الساحليّ، يتوثب قلبك للقفز أمامك ككلبِ
    صيد. لم تنم وإن كنت تحلم بالطيران كالحجل على
    ارتفاع منخفض. وتعلم أن لا قمة تبقى على حالها عالية
    عالية. فللوقت فعل النحت في الصخر، وقد تغير الأمكنة
    مواقعها إذا أتيح للشغف أن يهب على هواه، ويحولك
    زغبة كما أنت الآن على الطريق الساحلي المصوّب
    كسهم إلى الشمال. الشمال، هل ما زال في مكانه
    المصنوع من جبل وبحر توأمين؟


    لم تنم جيداً منذ وصلت إلى رام الله من عمان قبل
    يومين، حيث وقفتَ على جسر اللنبي كأسير محترم بين
    جنود ينظرون إليك بفضول ثقيل، وينتظرون أوامر أخرى
    من أجهزة أمنٍ أخرى للتأكد من أنك أنت أنت، لا آخر
    يتقمصك وينتحل اسمك ليجرب هذا الذل، ليكتب شعرا
    عن مراوغة الظل.


    لم يكونوا مخطئين تماما، فعلى هذا الجسر لا يكون المرء
    من كانه منذ قليل: متلهفا إلى موعده مع أرض الحكايات
    الكبرى والصغرى، ملتفاً على ذاته كملفوفة أو بصلة لم
    تقشر. هناك يقشرهُ الجنديّ أو الجندية بلا كياسة. فلهما
    عليه حق الأمر والنهي: اخلع حذاءك. انزع ساعتك. فك
    حزامك. وانزع نظارتك، وادخل في الجهاز. يرن الجهاز
    وتعيد الكرة ويرن الجهاز. فتخضع للتفتيش اليدوي
    ويعثرون على مصدر الرنين: إنه قلم الحبر الفاخر.
    يفككونه ولا يجدون فيه غير الحبر الأسود: في المرة
    القادمة أخرج قلم الحبر من جيبك. فتقول: في المرة
    القادمة لن أحمل قلماً من هذا النوع.


    هناك، على الجسر الذي لا نهر تحته منذ تعرضت مصادر
    مياهه للنهب، يتقشف الحلم، وتشحب صورة البلاد، ولا
    تكون أنت أنتَ. تقترب من أريحا، أريحا الواقعية لا
    الأسطورية. أشجار النخيل على الجانبين، وتبحث عيناك
    عن "وردة أريحا" الشهيرة فلا تجدها، ولا تجد آثار
    الأسطورة التي صارت مملة من فرط ما سردت وشكك
    بها المؤرخون. بيد أن أريحا هنا في أريحا. تصعد إلى
    جبل التجربة، إلى دير صغير منحوت في الصخور. هنا،
    جاء الشيطان إلى المسيح، الذي صار أربعين يوما وأربعين
    ليلة حتى جاع.


    "ثم مضى به إبليس إلى جبل عالٍ جداً وعرض عليه
    جميع ممالك الدنيا ومجدها، وقال له: أعطيك هذا كله
    إن ارتميت ساجداً لي. فقال له يسوع: إليك عني يا
    شيطان، فإنه مكتوب: لله ربك تسجد وإياه وحده وتعبد.
    فتركه إبليس، وإذا بعض الملائكة قد دنوا منه وأخذوا
    يقربون له الطعام".


    تجلس في مقهى قريب، ولا تستطيع احتساء فنجان القهوة
    الذي ينافسك عليه الذباب. ذباب بلا نهاية. ذباب سفيهٌ.
    وتستعير سؤالا قديما: لماذا خلق الله الذباب؟


    حفنة من أرض عشوائية التكوين خلفتها هزة هي غضبة
    إله. تلال رملية نبتت كالفطر على عجل وفوضى. يخيل
    لك أن الأبدية قامت بزيارة خاطفة لتفقد آثار الخوف على
    الراهن المحدق إلى هاوية فرّت منها مدرجات لولبية. هل
    وصلت الحياة إلى هنا هاربة من البحر الميت؟ ها هي تطل
    بتويجاتها الصغيرة من الصخور الرمادية والسوداء، شقائق
    نعمان طالعة من وحشة المكان... قليلٌ من رذاذ وضوء
    يكفي لتتغلب الحياة على العدم. وقليلٌ من الأمل والزمن
    يكفي لتعبر شعاب الأسطورة سالما من مصائر أسلافك.
    فاقتبس من شقائق النعمان جمال الدلالة وقل: لا شأن لي
    - وإن حاصرني الموت- بالعدم./


    وإن سألوك عن قوة الشعر قل: ليس العشبُ هشّاً كما
    نرى. ولا ينكسر منذ أخفى ظله المتواضع في سر الأرض.
    وفي العشب على الصخر إعجاز الكلام النازل من غيب،
    بلا ضجيج وأجراس. العشب نبوءة عفويةٌ لا نبي لها إلا
    لونها المضاد لليباب. ألعشب نجاة المسافر من بشاعة المنظر
    ومن جيش يطوق الطريق إلى الممكن. والعشب شعرُ
    البديهة السلس، الممتنع السهل والسهل الممتنع. ودنو اللغة
    من المعنى واقتران المعنى بضيافة الأمل.


    وإن سألوك: هل تغرف من بحر أم تنحت في صخر؟ قل:
    لا يقطع في الصخر سوى إزميل الماء. وإذا سألوك عن
    المنازلة بين الشعر والموت، فانظر إلى العشب وقل ما لا
    بجانب الحقيقة: لا شعر يهزم الموت في ساعة اللقاء، لكنه
    يرجئه، يرجئه إلى وقت ضروري لاختبار جدوى الغناء في
    حفلة طويلة إلى أن تكتمل الأغنية، ويقع المغني في قبضة
    قنّاصه الواقف خلف الباب، وقد لا ينتبه أحد إلى موت
    المغني، ما دامت الأغنية قد صارت جماعية، يغنيها
    الساهرون. في هذا الإرجاء، يخيّل للمغنين الجدد أن
    الموت نام، فيصحون في غفلة عنه على شقائق النعمان
    المرحبة بهم، كمطالع قصائد كنعانية، لم يكمل كتابتها
    رعاة الغزلان المشغولون بمطاردة الذئاب وبنات آوى.


    وعلى الطريق الساحليّ الراكض نحو الشمال، تُفرغُ قلبك
    من حمولته الزائدة، ليمتلئ بمواهب المكان من شجر
    ورائحة وعندلة وتواشيح وتباريح. ولا تبقى في ذهنك من
    أوصاف الجنة غير التفاتتك الأخيرة، على الدرج الحجري
    إلى نافذة نصف مفتوحة كنت ترى منها البحر والغروب
    وتغرب في العزلة: أنا والشمس صديقان حميمان/
    ومحرومان في الليل من المشي على الشارع/ قد يعجبني
    المعنى/ ولا يعجبني/ لكنني أدمنت إيقاع الأغاني./


    يهبّ عليك هواء الحنين من ناحية البرتقال، على يمينك،
    ومن اليود البحري على يسارك. ومن الشمال يهددك
    الاقتراب من محتويات القلب بضبابٍ يصعب على
    الذاكرة انتقاء الشخصي من العام. تخاف على الحاضر
    من سطوة الماضي، وتخاف على الماضي من عبثية
    الحاضر، فلا تعرف أين تقف من هذا المفترق. هل أنت ما
    كنت أم أنت ما تكون الآن؟ وتخاف نسيان الغد في
    حمأة السؤال: في أيّ زمن أنا؟


    يَصُدّك عما أنت فيه التباسٌ بين فضول السائح وشجن
    الزائر وفرح العائد. إن ثلاثة عقود من غياب الذات عن
    مكانها تجعل المكان ذاتا يتيمة، وتجعل الذات قطعة من
    أرض متنقلة.. قد توسع النشيد، ولكنها تثقب قلب
    المنشد فتزداد أخطاؤه. ومن أخطائه أن يودع ما يرى، ولا
    يرى إلى جمال السراب الواعد بالأمل. فماذا تفعل حين
    تصل إلى الكرمل غير أن تسأل: لماذا نزلتَ عن الكرمل؟
    وفي نفسك الأمّارة بالحيرة جواب مبهم: لكي أتعلم المشيّ
    على طرق لا أعرفها.


    وعلى الطريق الساحليّ الساحر ظلالٌ من ماضيك،
    وجمالٌ متسامح يغفر للغائب ما ارتكب من أخطاء،
    كلوحة لا تبالي بمن غاب عنها وحضر. الصباحُ نظيف
    ربيعي مشمشي سلس التدفق. وفي قلبك استقبالٌ
    لغزو المشهد المتدرج بين اللازورد والأخضر عبر زجاج
    السيارة المسرعة إلى الموعد المنقلب إلى ضده. يا له من
    موعد لا يتسع إلا لمقعد واحد: لك، أو لإميل حبيبي
    الذي استعجلك ليصفيّ حسابه معك، ومع حياة لا تشبه
    الحياة إلا في نجاتها من شرط الأساطير المنصوبة بإحكام
    الصيّاد الماهر، فقاومه بالضحك وبالسخرية من دهاء
    الصيّاد ومن مكر القطاة معا. نحت تعبير "المتشائل" ليعثر
    على حريته الملتبسة بين المنزلتين. لا هو هوَ ولا هو آخرهُ.
    فيه منهما حالة لا يشرحها إلا الضحك. لكنه يدافع عن
    حيرته وشكه بيقين لا ينسجم مع الشك. بين نصه
    الأدبي وضجيجه الإعلامي والسياسي تناقضٌ لا يعالج إلا
    بانحياز القارئ إلى صدق الأدب، وأولوية المتن على
    الهامش. قال ساخرا من نفسه: كانت لي دجاجة تبيض
    ذهباً، فالتهمت الدجاجة. ومن فرط إدراكه قوة السخرية
    كانت تجرحه حين يكون هو هدفها. فالساخر لا يحتمل
    ارتدادها إليه. وكان يغمز من قناتك- كما يقولون-
    كلما اختلفت معه وعنه. لكن، وهو يعد جنازته، ويشرف
    على أرشيف حصته من الخلود، ألحّ عليك، كما لو كان
    يكتب وصية، بأن تلتقيا في حوارٍ سينمائي حيث كنت
    تسكن في شارع عباس.


    حين قلت له: كيف أصل من رام الله، يا أبا سلام، إلى
    حيفا، ودونها كل هذه الدولة المدججة بالممنوعات، قال:
    سأبذل كل جهدي للحصول على تصريح يسمح لك
    بزيارة الجليل يومين. لكن لا تتأخر، فإن الموت لم يترك
    لي من الوقت إلا القليل القليل. في المساء بشروك بأن في
    وسعك السفر إلى حيفا صباح الغد. وفي الليل رأيتَ
    ديكيْن يتبارزان أمام الكاميرا، ورأيت ريشاً يتطاير في
    الهواء. وفي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل أيقظوك
    ليخبروك أن إميل حبيبي لم يتمكن من الانتظار. لقد
    فارق الحياة. وعليك السفر إلى الناصرة لتشارك في الجنازة
    والتأبين. لقد أوصى إميل حبيبي بأن يُكتبَ على شاهدة
    قبره "باقٍ في حيفا".


    وعلى الطريق الساحليّ تساءلت: وماذا لو بقيتُ في حيفا؟
    ماذا لو بقيت في أي مكان؟ ماذا لو كنت؟ ماذا لو لم
    أكن. تتحاشى الوصول إلى الخلاصة: باطل الأباطيل،
    والكل باطل. فجأة يسقط مطر خفيف يبلّل روحك،
    ويبلّل الفراشات. رذاذ وضوء. وفراشات ترفرف على
    ارتفاع منخفض على الطريق الساحليّ. الفراشات خواطرُ
    مبعثرة، ومشاعرُ طائرة في الهواء...

  21. #21
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    -18-



    يتصاعد الخيال مرئيا كالسحاب على تلال تحمل القرى
    على خواصرها متشبثة ببداية التكوين. وأنت تعرف من
    التفاصيل ما يملأ كتاباً مفتوحاً على قراءة ناقصة لا تهدد
    القارئ ولا الكاتب بفصل النهاية. للجليل قصائد يكتبها
    هذيان الصوفيّ، وموتى يتدربون على العودة إلى طفولة
    أنقذتها الفراشات من غزو النسيان. القرى المدفونة تحت
    الآرض ترسل ذكرياتها إلى القرى الناجية، التي يحجّ
    أهلها في الربيع إلى أعشاب تنبت من ماضيهم: هنا ولدنا،
    على حافة هذه البئر كما تولد الخبيزة والهندباء والفيجن.
    وهنا ولدت كما يولد الخيال تدريجيا من كل شيء،
    فكيف تعيد الخيال معافىً وتطير على حصان؟
    لا أثر "للبروة" على يمين الشارع القادم من الناصرة، غير
    صورتها في خيالك المطعون بقرون الثيران التي تمضغ
    وتجترّ علف ذكرياتك. قلت: أمرّ بها عند الغروب لأدخر
    لخيالي غموضاً يعينُ الغريب فيك على ابتكار الصور من
    ثنايا الحجر. وقلت: أمرّ بها في الغروب لئلا يراني أحدٌ
    غيري أبحث عنها في ما انقطع مني، فأعلي للعبث مدائح
    ضرورية لرد الخيال إلى طيش جميل يرتّق ثوب المكان.
    وقلت: أمر بها في الغروب ليتفق الشكل مع المعنى على
    إيوائي، وأناجيها


    هذا أنا، هذا هو

    هذا هو الولد الشقيّ ابن الشقيّ/ ابن الشقيّة، وابن مائِك
    وابن نازك/ جئت منك وجئت من عدم ومن إحدى
    قصائدك القديمة جئت، جئت من الخيال/ لكي أعيد
    لك الخيال وأحفر اسمك/ في الصخور كسائر الشعراء،
    في هذا اليباب/ سألتُ بغلاً عن أبيه، فقال لي:

    خالي حصانٌ، ثم غاب/

    سألت بنتاً عن أبيها، فاستحت مني/ وقالت: ربما هو
    أنت وارتدت الضباب/

    سألتُ قبرةً تناجي أمها عن أمها فدنت، وقالت: ربما هي
    أنت فاحملني/ ونامت في يديّ/

    سألت نفسي: من أنا؟

    ردّ الصدى الليلي حولي: من أنا؟

    هذا أنا. هذا هو

    هذا خيالي كلُه/

    ومضيت إلى بيت أمك المحاذي لأرض الخيال الأولى. لم
    تتعرف على معالم الطريق، فقد اكتظ المكان بالبيوت
    المتلاصقة العشوائية وبأولاد تكاثروا وتصايحوا: هذا عمي.
    هذا خالي. لم تنتبه إلا الآن إلى أنك عمّ وخال، كما لم
    تعلم إلا الآن أن أمك تغني. تطلق الزغاريد والأناشيد التي
    تخاطبك باسمك الكامل، وترى إليك فارساً عائداً من
    رحلة الأسطورة. ترجوها أن تكف عن اختراع المجد على
    وتيرة الحرمان والبُعد. فما أنت إلا ابنها وما هي إلا أمك.
    تضمها وتضمك على مرأى من كاميرات الهواة المُصوبة
    إلى قلبين.


    تقول لك: أكان على صاحبك أن يموت لكي نراك؟ ألا
    طريق إلى عرسنا هذا غير جنازة صاحبك؟ تسألها لتبعد
    المفارقة الجارحة، لماذا كانت تضربك وأنت صغير، فيحمر
    وجهها وتقول: كان الشقاء هو السبب. أمّك هي أمك
    ببياضها وشعرها الطويل ولسانها الذي يجرح المبرد.
    موسوعة التفاصيل، ورواية المقارنات الطويلة بين الماضي
    والحاضر. كل ما كان أفضل مما هو الآن، فمياه الآبار
    أفضل من ماء الحنفية. وقناديل الكاز أفضل من مصابيح
    الكهرباء، والزمن البعيد هو الفردوس المفقود. طَعنتها
    النكبة في القلب وحمّلتها تبعات الزلزال، فقاومت البؤس
    بالكبرياء وبطاقةٍ روحية أمدت جسمها بقوة فرس. لا
    تتعب، أو لا تأذن للتعب بأن ينطق بالشكوى، بل بهجاء
    الزمن الذي نقل أسرتها من مزارعين إلى لاجئين.
    وبالسخرية اللاذعة طوعت الشقاء على الامتناع عن
    الإهانة. كما دربتكَ على تقديس الكرامة، والاعتماد على
    النفس في اللعب وفي الدرس وفي كيّ ثيابك.


    أمك هي أمك وأنت ابنها حين تكونان معاً. أما في
    حضرة الآخرين فإنها تلعب دور الشاهد. تصون مسافة
    تبقيكَ ضيفا خاصاً على أمومتها، وشخصا عاماً لا تدافع
    عن حقها في امتلاكه. كأنها تهجس وتهمس لنفسها: أنا
    ولدتُه في البداية. لكن هو من واصل الولادة. وهي هي،
    المعتمدة على شيخوختها في كل شيء. لا تأذن لأحد من
    أبنائها وبناتها وحفيداتها وأحفادها بأن يفرح بمساعدتها.
    تصحو عند الفجر.. تصليَ، تعد قهوتها، تغسل بيتها.
    تسقي ورودها في الباحة الصغيرة، تنظفُ الهواء من
    الغبار، وتمسح الغبار عن مكتبتك القديمة، ثم تغسل ثيابها
    وتطهو طعامها، وتنتظر ضيوفها، وإذا شكَتْ، فإنها تشكو
    من قلة المستمعين إلى حكاياتها. أَلحّوا عليها لاقتناء جهاز
    تلفزيون يُسليها، فأبتْ لأنها لا تحتمل ثرثرة المذيعات
    والمذيعين، ولا ترضى بأن تكون مستمعة، تريد أن تكون
    هي المذيعة.


    في صباح اليوم التالي، تشرب معها قهوتها ذائعة الصيت،
    بعدما انتشرت رائحتها في الأغنية التي كتبتها قبل أكثر
    من ثلاثة عقود في سجنك الثاني. تسألها: هل تعجبك
    الأغنية؟ فتبتسم بحياء وتكتفي بالقول: الله يرضى عليك.
    وتذكرك بأن عليك أن تذهب الآن، قبل أن يأتي
    الضيوف، لزيارة قبر أبيك. تنظر إلى صورته المعلقة أمامك
    على الجدار. تخفي حسرتك وأساكَ على أيّوب الصبر
    الذي نقلته النكبة من اليسر إلى العسر، وقضى العمر
    يبحث لك ولأخوتك عن خبز وكتاب في الصراع المضني
    مع الصخر. لم يطل التحديق، كأبيه، إلى ماضيه السعيد
    المحدّق إليه من كروم الزيتون وحقول الحنطة كيلا يلتقي
    المغلوب بالمنهوب. وحملَ عبء الحاضر، كما هو،
    كملكٍ مخلوع لا يقوى على النظر إلى عرشه، ليأخذك
    إلى الغد: الغد أمامك يا ابني، فلا تنظر إلى الوراء كثيرا
    إلا عندما يشتد عودك وقصيدك. وعندما اشتد عودك صار
    يبدو لك أنك أبو أبيك، ويبدو لك أن للشعر قدرة على
    إجراء تعديل ما في المصائر، فرحتَ تبني بيوتا خيالية من
    حطامك ومن أسماء النبات والجماد، ليقف المكان مكانه
    وتعود الحياة إلى ما يشبه الحياة!


    وأبوك هو أبوك. كلما جلست إليه تكلمتما على عجل،
    فهو لا يكشف عن جرحه أمام ابنه. وأنت لا تعرف
    كيف تخفي عنه قسوة الشفقة عليه، فورثت عنه الجرح.
    وفي صيف بعيد، على سطح بيت طيني بعيد، تحشرج
    صوت أبيك وهو يقول لكم: لم أعد قادراً على تعليمكم،
    أنتم الثلاثة معا. لقد تعبت. على واحدٍ منكم أن يتطوع
    بترك المدرسة ليعينني، لم يعد ظهري قادرا على حمل
    الصخرة وحدي. فتباريتم في الشهامة. كل واحد قال:
    أنا. فسالت دمعةُ أبيك على مرأى منكم، وبكيتم معه
    وعليه. وفجأة قال: لا. لا أحد. دخل القمر في المحاق
    تلك الليلة، واحتضن كل واحد منكم حلمه الصغير بتؤدة
    ونام.


    على قبر أبيك، النائم في حضن أبيه، قرأت الفاتحة.
    وقلت: جاء الآن دوري. مات أبوك بضربة شمس أثناء
    تأديته فريضة الحج. وأنت تهيئ الآن نفسك للموت بعد
    الحج إلى قبر أبيك. لا بضربة شمس تموت، فالفصل
    ربيع، بل بضربة قمر!


    يقع الخيال من أعلى، يتدحرج كحبة كستناء على الشارع
    المفضي إلى عكا، ويختفي في زحام السيارات. الخيال
    انبثاق الصورة عموديا من لحظة حبلى بمعلوم يسيّره
    اللاوعي إلى مجهول. الخيال قرينُ الكائن السريّ ومعينهُ
    على تصحيح أخطاء طباعية في كتاب الكون. هو عين
    البصيرة التي ترى ولا تُرى، فإذا رأيناه خارج أفعاله علمنا
    أنه مريض. وإذا مرض الخيال مات الشعر. ألهذا أنتَ
    خائف من عكا التي نعتها بأنها "أقدم المدن الجميلة/
    أجمل المدن القديمة؟". عكا مغامرة ضياعك الأولى،
    وبحرك الأول. هي هي، لكن الخيال يتساقط عن جدرانها
    كما يتساقط الكلس. وأنت تمشي خالياً من عمل الخيال
    في دهاليزها المعتمة، كما تمشي على نفسك: أما البحر
    هنا باب يفضي إلى سجنك الأول. وعلى هذا الكورنيش
    تأملت غروب الشمس، وأكواز الذرة الصفراء في أيدي
    فتيات يتهادين ويروين حكايات صغيرة، تمنيتَ لو
    اندسست فيها وكانت لك حكاية بينهن، أو لو كنت
    أنت الحكاية!


    وفي حيفا، تحاشيت اختبار الخيال في الغرفة التي دربّك
    فيها الخيال على طريقة الخروج من ذاتك، واكتفيت بإلقاء
    نظرة الطائر على ريشة علقت بشجرة النارنج.


    سقط الخيال عن الشجرة! فهل لك أن ترفعه قليلا...
    قليلاً إلى أعلى!


    وقلت: "لو لم تكن الأرض كروية لواصلت السير"!

  22. #22
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    -19-

    مسجيّ أمامي بلا ضجيج، هادئا هادئاً، ولا رأي لك في
    ما حولك. فوقنا سماء محايدة. وحولنا جهات تعرّف
    بأنواع أشجارها:

    الشرق نخلةٌ عاقر،

    الغرب أكاليبتوس لطرد البعوض،

    الشمال صفصافة في ملتقى زمنين،

    والجنوب زيتونة...

    وأنا أتلو على مسامع المكان اللاهي عنك وعني مقاطع
    من خطبتك عليك، خطبتك التي شئت أن تكون طويلة
    الظلال، لا لشيء... بل لأن الفراغ المحيط بنا قد يحتاج
    إلى ما يُسليه. ولا أحد معنا، لا أحد يهددنا بالمقاطعة من
    فرط الضجر، لا أحد ينبهني إلى أن الرثاء مديح تأخر عن
    موعده حياةً كاملة.


    وأنت مسجيّ أمامي كفكرة تمتحن صبر صاحبها على
    احتمالها، وكقصيدة تصغي إلى شاعرها وتختبر سلامة
    البصر والبصيرة، فتقول: صدقت أو كذبت عليّ!


    قلت لي: أوصيك بك، فقد خانني الكثيرون ممن أحببت
    .."خانوني كالغدير". وحسدوني على جرحي البليغ،
    لأنه عثر على ما يشبه الوصف البليغ لسطوة الغياب
    الحاضر في كلامي. لذلك أعفيتهم من حرج النفاق، فلن
    تبلغ القلوب الحناجر إن كانت ثقيلة، وأعفيتهم من دموع
    تذرفها رائحة الفلفل.


    وقلت لي: لا حاجة بي إلى الاعتراف، فلا سرّ لي.
    وفضيحتي هي اللاسر، منذ سبق قلبي لساني. أحبُّ
    الشيء وأنقلب عليه لئلا يستبعدني. ولا أكره إلا الكراهية
    لأنها سُمّ في الطاقة المنذورة لحبّ أشياء بسيطة. لذا
    أشفقت على الكارهين من إدمان السير على ظل ظنّوه
    خطاهم، وسجنوا حياتهم في ابتكار وحيد: أخطائي!


    وقلت لي: لم أختلف مع امرأة إلا على تعريف الحب.
    وقلت لي: ما يُعَرّف يُعرَف، وما يُعْرَفُ يُمتلك، وما يُمتَلك
    يُنتهك ويُستهلك ويَهلك.


    وقلت لي: ليس الحبُّ سعادة ولا شقاء، بل هو عثور
    الحواس على اختلاف الشبه وائتلافه في رغبةٍ تتجدد. ولو
    عرفنا من يُحبنا أكثر من معرفتنا من نحب.. لظل الحب
    ملتبساً كما هو دائماً، وظلت السعادة لعبة نرد، ولكان
    على المتكلم أن يستعير عاطفة الغائب... لو عرفنا من
    يحبّنا قبل أن نعرف من نحبّ!


    وقلت لي: إذا متّ قبلك، فادرأ عني الكلمات المُعلبة
    التي انقضت مدة صلاحيتها منذ وقف خطيب على منبر،
    واذرأ الأرض التي أنام قربها لعل عشبة تدلّك على أن
    الموت فلاحة من نوع آخر.


    فماذا أقول لك، يا صاحبي، في حضرة هذا الغياب
    الناصع، وقد أمليتَ عليّ خطبة وداعٍ متقطعة الزمن،
    خالية من الشجن، محكمة الفوضى، ولا دمعة فيها خوفاً
    على الكلام من البلل،


    أجل... أجل، لا وصيّة لك إلا النهي عن إفراط في
    التأويل. أعداؤك كثر، مرئيون وسرّيون. وقلت لي: لا
    تخش إلا الذين لا يعرفون الملل. أما الأحبة، فهم هناك
    منهمكون في التقاط ما تقدمه الحياة من هبات صغيرة
    وتبرعات... كتحية من زهرة عشوائية الضحك، وانتباه
    فتاة إلى كرز ينمو، رويداً رويداً، في أحد أقاليم الجسد،
    سعداء لأن أحدا من أبنائهم لم يمت اليوم، ولأن زلزالاً لم
    يضرب خيامهم المنصوبة على سفح هاوية. ويضجرون من
    الأمل كما يضجر المرء من عشاء متكرر، لكنهم يعودون
    إلى العشاء، وإلى الأمل.


    فاحذر- قلت لي- مَن لا يعرفون الملل ويفرطون في
    التأويل. ففي وسعهم أن يُشَرِّحوا الوردة بحثاً عن التفسُّخ
    في مصدر الرائحة، وأن يَشرَحوا للعاشق أن القبلة هي
    تبادل أوئبة. وفي وسعهم أن يحاكموك على استعارة
    شعرية وعلى حرية خيال، لأن الجمال يُهينهم، ولأنّ
    الشعر الوطني الصحيح هو القبيح، ولأن غيابك هذا قد
    يحرمهم من أسباب الحياة!
    وقلت لي: أعدائي كثر، فلا تحبّني كي لا يزدادوا!


    ما عليك، ما عليك. هنا، حيث لا أعرف قبرك من
    مسقط رأسي، لا يحاكم أحد أحداً، ولا يقودنا هودج
    الكلمات إلى واقع أو خيال. هنا نصفي الحساب مع
    القلب، ونقول للفكر: ابتعد، فقد كانت للموتى حياة ما
    قبل هذا الموت. حياة أقل من حياةٍ، وأكثر من زيارة
    عابرة. هنا ينظر القلب إلى أعلى، فيتجلى ندم تخلف عن
    موعده، ندم على ما لم نفعل: لماذا لم نأخذ الحياة على
    محمل الجد؟ لماذا أسرعنا إلى هذا الحد، ما دامت النهاية
    هي الواضحة والبداية هي الغامضة.


    وقلتَ لي: لم يعطنا صخب البحث عن الحياة، في الحياة،
    فرصة الامتثال الكامل لهدي السليقة، وقلنا: إن الشعر هو
    الشاعر. وكان علينا أن نصدّق الشعر ونكذّب الشاعر.
    فهل لي أن أقرأك من جديد لأدرك كيف تسوس المهارة
    ريح العبارة، لتجعل من كل شجرة أنثى،، ومن كل أنثى
    شجرة، فنكذب على الأنثى وعلى الشجرة معاً؟ أبغير هذا
    يصدق الشعر؟


    وقلتَ لي: إن تطابق الصورة مع الواقع خبر يدفع الخيال
    إلى الحياد. فلتكذب صورة الشيء لنرى ما
    بعد الشيء لنرى في ضوء الرؤيا ما يجنبنا العدم.


    فبأي قلبٍ من قلوبي الكثيرة أناديك: انتظرني مهما
    تأخرتُ. أما عشتَ بدلاً مني، كما مات أحد الموتى بدلاً
    مني دون أن أقول له: شكرا! فما أنا إلا هو دون أن أراه،
    أنا المدين لمصادفة باذخة العبث، في شارع لو أسرعتُ
    قليلا أو أبطأتُ قليلاً لمتُّ نيابة عن سواي، وعاش حياتي
    نيابة عني؟ فما هو إلا أنا دون أن يراني... هو المدين
    لمصادفة باذخة العبث. كما قلنا إن علينا أن نكمل حياة
    الآخرين فينا، لا كما نريدها نحن فحسب، بل كما
    أرادها أصحابها الذين نعيش بدلاً منهم.


    وقلت لي: كُنِّي، ولا تَخُني إلا بقدر ما يقصيك الإيقاع
    عني، وتُرجعك قافيةٌ ضرورية التكرار إليّ.


    وقلتَ لي: لا تفكر بالخلود، فما هو إلا أحد الآثار السلبية
    أو الإيجابية لحادثة الوجود، وخوف الروح، لحظة انعتاقها
    من جسد عرفته وألفته على سكنى لا عهد لها بها، أو
    عودتها إلى ما استعرتُ منه الحياة حين مات نيابةً عني.


    وأنت مُسَجّى أمامي، لا أعرف من هو الميت فيك ومن
    هو الحيّ، ظغلا بقدر ما تملي عليّ من خطبة أردتها طويلةً
    لتدريب الروح على اختبار حريتها أو عبوديتها في ما يتاح
    لها من كائنات ومن كلمات. فإن كنت أنت القائل ما
    أقول لك الآن في صمتك هذا، فلن يكون الموت أكثر
    من وسيلة لاهتداء الروح إلى ما أُعدّ لها من سفر. وإن
    كنتُ أنا القائل ما أقول لك الآن، على هذا الحجر، فإني
    ذريعة الموت القصوى لتعريف الحياة بضدها الغامض،
    ضدها العاجز عن تعريفها بضدها في مكان، في لا مكان
    آخر، أطلق الخائفون من العدم عليه لقب الخلود.


    فنم هادئاً هادئا إذا ما استطعت إلى ذلك سبيلاً/

    ونم هادئاً في كلامكَ
    واحلم بأنك تحلمُ،
    نم هادئاً ما استطعتَ
    سأطرد عنك البعوضَ
    ودمعَ التماسيح
    والأصدقاءِ الذين أحبّوا جروحك
    وانصرفوا عنك حين جعلتَ
    صليبك طاولةً للكتابة
    نم هادئاً قرب نفسك
    نَم هادئاً،
    سوف أحرسُ حُلمكَ،
    وحدي ووحدك في هذه الساعة
    الأرضُ عاليةٌ
    كالخواطر عاليةٌ
    والسماء مجازية كالقصيدةِ
    زرقاءُ، خضراءُ، بيضاءُ،
    بيضاءُ، بيضاءُ، بيضاءُ

  23. #23
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    -20-


    سطراً سطراً، أنثرك أمامي بكفاءةٍ لم أوتها إلا في المطالع.
    وأطيلُ خطبتي كشاعرٍ يحتفظ بالمقطع الأخير، ليطيل
    التأمل في ما مضى من هواياته/


    هواياته هي عدُّ الدرجات التي يراها أمامه، والمشيُ على
    شارع جانبيّ وجمع الأصدافُ.. ومؤانسة الكسل/


    ألكسلُ اجتهادٌ ومهارة. إفراغُ القلب مما يزيد عن حاجته
    إلى الخفقان، وتمييزٌ بين الوقت والزمن. فمن يملك وقتاً
    أكثر يتحرر من خشية الزمن/


    ألزمنُ نهرٌ سلسٌ لمن لا ينتبه إليه، وحشيٌّ شرسٌ لمن
    يحدِّق إليه، فتخطفه الهاوية/


    ألهاويةُ هي إغواء الأعماق وجاذبية المجهول، إذ تصبح
    السماء حفرة واسعة كثيفة الغيوم/


    ألغيومُ تُغطيك، يا صاحبي، بقطنها وتغطيني... في هذا
    المكان الهارب من صفاته إلى ما تُسبلُ عليه الغيومُ من
    خفة الشكل ومادةِ المعنى/


    ألمعنى أيضا يلوّح، من بعيد، بيد سماويةٍ مبتورة الأصابع،
    من شدة الحراثة في أرض غير ذات زرع، ولا سعادة/


    ألسعادة مادةٌ روحيةٌ يختلف على تعريفها من يتفقون على
    أن الحظ موهبة، والموهبة حظٌ، ويختلف على مديحها مَن
    يملكونها ويدخرونها في صندوق مقفل. وما هي إلا رشوة
    من المستحيل/


    ألمستحيل هو الممكن الطموح، يخرج إلى الشارع شاهراً
    مقصّاً لتقليم الأغصان اليابسة والأفكار، وتعليم الحالم
    إدارة النهار على وتيرة ما يرى/


    يرى أن رفرفة أجنحة الفراشة، في مروحة اللون، هي
    أفضل علاج للألم/


    ألألم، إذ لا تفكر فيه، لا تحس به. كأنه يُبجِّل هدوءك
    هذا أمام عدمٍ لا يبدي رأياً فيك ولا تبدي رأياً فيه. لا
    يَرى ولا يُرى. هو اللاشيءُ وقد اكتمل/


    واكتمل القمرُ على خلوتنا في هذا الفراغ. واكتملت
    ذاكرتي/


    ذاكرتي رُمانة. هل أفرطها عليك حبّة حبّة، وأنثرها عليك
    لؤلؤاً أحمر يليق بوداع لا يطلب مني شيئا غير النسيان/


    ألنسيانُ تدريبُ الخيال على احترام الواقع بتعالي اللغة،
    واحتفاظُ الأمل العصاميّ بصورة ناقصةٍ عن الغد/


    ألغدُ، وهو هنا أمامنا الآن يا صاحبي، عارٍ من الزمن،
    مرميّ على حفرة، في انتظار ورقة توت ميتافيزيقية تغطي
    سوءة العابر/


    ألعابر من ليل الضوء إلى ضوء الليل/


    ألليلُ يهبط علينا. وعلينا أن نأبه بشواغل الذين تركونا
    وذهبوا إلى ليلهم الخاص، ينسون أو يتذكرون مقطعاً من
    خطبة الوداع/


    ألوداعُ هو الصمت الفاصل بين الصوت والصدى. أمّا
    الصوت فقد انكسر. وأما الصدى فقد حفظَتهُ وديانٌ
    وكهوفٌ مرهفةُ السمع كآذان كونيّة، وضخمته صدىً
    للصدى/


    ألصدى وصية الزائر للعابر، وقيافة الطائر للطائر، وإلحاح
    النهاية على إطالة الحكاية... الصدى هو نقش الاسم في
    الهواء/


    ألهواء باردً، يا صاحبي، بارد ومُنعش. ولم يبق أحد
    سواي يُسليك ويلهيك عما أنت فيه على مِتريْ هذا
    العدم. ألعدمُ متران محاطان بنبات يستعد لاستنشاق
    الأوكسجين. ألعدمُ محاصرٌ بهواء بارد ومنعش. سأبذر
    بذورَ بنفسج على هذين المترين، وأسكب الماء لينهض
    العدم مهرولاً ويمضي بعيداً/


    بعيداً، لا شأن لأحلامنا بما نفعل. الريحُ تحمل الليل
    وتمضي، ولا هدف/


    ألهدفُ يختلف من درب إلى درب. لكن الدروب كثيرةٌ
    ووعرة، والمؤونة من العمر قليلة/


    وقليلةٌ هي الأغاني/


    ألأغاني، حسبنا منها استراق السمع إلى اعتذار الموت من
    بعض الموتى، واختلاس النظر إلى بحبوحة النثر/


    ألنثر جارُ الشعر ونُزهة الشاعر/


    ألشاعرُ هو الحائر بين النثر والشعر/


    والشعرُ إخفاء الزوال عن الزائل، وجملةٌ اعتراضية بين
    الفعل والفاعل والمفعول به، كأن تقول: تركتِ المرأةُ،
    وهي تخفي دموعها، صاحبها. ففي الجملة الاعتراضية بين
    "تركت" و"صاحبها" وقت يكفي كي يذوب ملح
    الغضب، وتتلألأ النجوم/


    النجومُ تُطِلّ، يا صاحبي، علينا كلمعانِ أزرارٍ ذهبية على
    معطف الأبدية. تُطّلُ علينا من موت بعيد لم يصل إلينا
    بعد. وأنا أتلو عليك خطبتي تندسّ نجمةٌ في كلامي
    وتضيء عتمتي: لعلّ الموت مجازٌ يذكرنا بسرّ في الحياة
    لم ننتبه إليه، فما هو؟/


    ما هو؟ لو عرفناه لتغيّرت مشاريعنا، فما لا نعرف موجود،
    وما نعرف محدود يتغيّر. وعلى قبرك هذا ينبت عشب
    أقوى منك ومني، فلا أعرف هل أحزن أم لا أحزن لأن
    الحياة أرملةٌ لا تكترث إلا بما ينقصها/


    ينقُصُها مديحُ الموتى وعتابهم في آن واحد: لو قلتِ لنا
    من أنتِ، وأن هنالك موتاً أقسى منك، لأحببناكِ
    وقدّسناك، وخففنا من أمتعة الرحلة/


    ألرحلة غاية/

    والغاية إغواء المجهول/

    والمجهول بعيد عنا وقريب منا... يستدرجنا إلى الامتلاء
    بجهل لا حدّ له، فنجتهد لإتقان جهل آخر. لكننا قنعنا
    بالبحث عن معلوم يرشدنا إلى حياة ما في الحياة، فصار
    المعلوم عصيّاً/


    وعصيّا كان كل شيء. في ظلك حشد ظلال، فلا تدري
    من يمشي فيك. وفيك تقاطع طرق ملأى بخطى غزاة
    هبطوا عليك كمظليين مُدربين على استخدام محاريثك.
    وفي اسمك أخطاء سبَّبها حريق هائل في الخارطة. وعلى
    بيتك تُبنى آثارٌ رومانية. أما أنت، فلا صورة لك إلا
    الشبح/


    شبحٌ يمرّن الحارس على السهر. شايٌ وبندقية. فإذا غلب
    النعاسُ الساهر برد الشايُ، ووقعت من يده البندقية،
    وتسلل الهنديّ الأحمر إلى الحكاية/


    ألحكاية هي أنك هندي أحمر/

    أحمر الريش، لا أحمر الدم، وأنك كابوسُ الساهر/


    ألساهر على كَشِّ الغياب، وعلى تدليك عضلات الأبد/

    ألأبد ملكية الحارس. عقار واستثمار. وإذا لزم الأمر فهو
    جنديّ منضبط في حرب لا هدنة فيها. ولا يلوح بعدها
    سلام/


    سلام عليك يوم ولدت، ويوم تبعث حياً في أوراق
    الشجرة/

    الشجرةُ لفظةُ شكرٍ خضراءُ ترفعها الأرض كنجوى إلى
    جارتها السماء/

    والسماء تكافئها بقطرات مطر/

    مطر عليك وعليّ. مطر خفيف ينعشنا في أول هذا الليل.
    أحصيه قطرة قطرة كما أحصي دقات القلب الظامئ إلى
    بلل، فأطيل وقوفي وأطيل خطبتي، لعلك تنهض وتعود
    معي إلى أيّ أين، أو أمضي معك إلى لا أين، كما لو
    نوديَ بي أن انتظرِ الوحي/

    ألوحيُ برهان القلب على ما لا يعرف، على ما هو أعلى/

    أعلى وأبعد. وأرى طائراً يحملني ويحملك، ونحن
    جناحاه، إلى ما وراء الرؤيا، في رحلة لا نهاية لها ولا
    بداية، لا قصد ولا غاية. لا أحدثك ولا تحدثني. ولا
    نسمع إلا موسيقى الصمت/

    ألصمت اطمئنانُ الصاحب للصاحب. وثقةُ الخيال بنفسه
    بين مطرٍ وقوسِ قُزَح/

    قوسُ قُزح هو تحرُّش الوحي بالشاعر، بلا استئذان...
    وافتتان الشاعر بنثر القرآن/

    فبأي آلاء ربكما تكذِّبان/

    وغائبان أنا وأنت، وحاضران أنا وأنت،

    وغائبان/

    فبأيِّ آلاء ربكما تكذِّبان.

  24. #24
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    -20-


    سطراً سطراً، أنثرك أمامي بكفاءةٍ لم أوتها إلا في المطالع.
    وأطيلُ خطبتي كشاعرٍ يحتفظ بالمقطع الأخير، ليطيل
    التأمل في ما مضى من هواياته/


    هواياته هي عدُّ الدرجات التي يراها أمامه، والمشيُ على
    شارع جانبيّ وجمع الأصدافُ.. ومؤانسة الكسل/


    ألكسلُ اجتهادٌ ومهارة. إفراغُ القلب مما يزيد عن حاجته
    إلى الخفقان، وتمييزٌ بين الوقت والزمن. فمن يملك وقتاً
    أكثر يتحرر من خشية الزمن/


    ألزمنُ نهرٌ سلسٌ لمن لا ينتبه إليه، وحشيٌّ شرسٌ لمن
    يحدِّق إليه، فتخطفه الهاوية/


    ألهاويةُ هي إغواء الأعماق وجاذبية المجهول، إذ تصبح
    السماء حفرة واسعة كثيفة الغيوم/


    ألغيومُ تُغطيك، يا صاحبي، بقطنها وتغطيني... في هذا
    المكان الهارب من صفاته إلى ما تُسبلُ عليه الغيومُ من
    خفة الشكل ومادةِ المعنى/


    ألمعنى أيضا يلوّح، من بعيد، بيد سماويةٍ مبتورة الأصابع،
    من شدة الحراثة في أرض غير ذات زرع، ولا سعادة/


    ألسعادة مادةٌ روحيةٌ يختلف على تعريفها من يتفقون على
    أن الحظ موهبة، والموهبة حظٌ، ويختلف على مديحها مَن
    يملكونها ويدخرونها في صندوق مقفل. وما هي إلا رشوة
    من المستحيل/


    ألمستحيل هو الممكن الطموح، يخرج إلى الشارع شاهراً
    مقصّاً لتقليم الأغصان اليابسة والأفكار، وتعليم الحالم
    إدارة النهار على وتيرة ما يرى/


    يرى أن رفرفة أجنحة الفراشة، في مروحة اللون، هي
    أفضل علاج للألم/


    ألألم، إذ لا تفكر فيه، لا تحس به. كأنه يُبجِّل هدوءك
    هذا أمام عدمٍ لا يبدي رأياً فيك ولا تبدي رأياً فيه. لا
    يَرى ولا يُرى. هو اللاشيءُ وقد اكتمل/


    واكتمل القمرُ على خلوتنا في هذا الفراغ. واكتملت
    ذاكرتي/


    ذاكرتي رُمانة. هل أفرطها عليك حبّة حبّة، وأنثرها عليك
    لؤلؤاً أحمر يليق بوداع لا يطلب مني شيئا غير النسيان/


    ألنسيانُ تدريبُ الخيال على احترام الواقع بتعالي اللغة،
    واحتفاظُ الأمل العصاميّ بصورة ناقصةٍ عن الغد/


    ألغدُ، وهو هنا أمامنا الآن يا صاحبي، عارٍ من الزمن،
    مرميّ على حفرة، في انتظار ورقة توت ميتافيزيقية تغطي
    سوءة العابر/


    ألعابر من ليل الضوء إلى ضوء الليل/


    ألليلُ يهبط علينا. وعلينا أن نأبه بشواغل الذين تركونا
    وذهبوا إلى ليلهم الخاص، ينسون أو يتذكرون مقطعاً من
    خطبة الوداع/


    ألوداعُ هو الصمت الفاصل بين الصوت والصدى. أمّا
    الصوت فقد انكسر. وأما الصدى فقد حفظَتهُ وديانٌ
    وكهوفٌ مرهفةُ السمع كآذان كونيّة، وضخمته صدىً
    للصدى/


    ألصدى وصية الزائر للعابر، وقيافة الطائر للطائر، وإلحاح
    النهاية على إطالة الحكاية... الصدى هو نقش الاسم في
    الهواء/


    ألهواء باردً، يا صاحبي، بارد ومُنعش. ولم يبق أحد
    سواي يُسليك ويلهيك عما أنت فيه على مِتريْ هذا
    العدم. ألعدمُ متران محاطان بنبات يستعد لاستنشاق
    الأوكسجين. ألعدمُ محاصرٌ بهواء بارد ومنعش. سأبذر
    بذورَ بنفسج على هذين المترين، وأسكب الماء لينهض
    العدم مهرولاً ويمضي بعيداً/


    بعيداً، لا شأن لأحلامنا بما نفعل. الريحُ تحمل الليل
    وتمضي، ولا هدف/


    ألهدفُ يختلف من درب إلى درب. لكن الدروب كثيرةٌ
    ووعرة، والمؤونة من العمر قليلة/


    وقليلةٌ هي الأغاني/


    ألأغاني، حسبنا منها استراق السمع إلى اعتذار الموت من
    بعض الموتى، واختلاس النظر إلى بحبوحة النثر/


    ألنثر جارُ الشعر ونُزهة الشاعر/


    ألشاعرُ هو الحائر بين النثر والشعر/


    والشعرُ إخفاء الزوال عن الزائل، وجملةٌ اعتراضية بين
    الفعل والفاعل والمفعول به، كأن تقول: تركتِ المرأةُ،
    وهي تخفي دموعها، صاحبها. ففي الجملة الاعتراضية بين
    "تركت" و"صاحبها" وقت يكفي كي يذوب ملح
    الغضب، وتتلألأ النجوم/


    النجومُ تُطِلّ، يا صاحبي، علينا كلمعانِ أزرارٍ ذهبية على
    معطف الأبدية. تُطّلُ علينا من موت بعيد لم يصل إلينا
    بعد. وأنا أتلو عليك خطبتي تندسّ نجمةٌ في كلامي
    وتضيء عتمتي: لعلّ الموت مجازٌ يذكرنا بسرّ في الحياة
    لم ننتبه إليه، فما هو؟/


    ما هو؟ لو عرفناه لتغيّرت مشاريعنا، فما لا نعرف موجود،
    وما نعرف محدود يتغيّر. وعلى قبرك هذا ينبت عشب
    أقوى منك ومني، فلا أعرف هل أحزن أم لا أحزن لأن
    الحياة أرملةٌ لا تكترث إلا بما ينقصها/


    ينقُصُها مديحُ الموتى وعتابهم في آن واحد: لو قلتِ لنا
    من أنتِ، وأن هنالك موتاً أقسى منك، لأحببناكِ
    وقدّسناك، وخففنا من أمتعة الرحلة/


    ألرحلة غاية/

    والغاية إغواء المجهول/

    والمجهول بعيد عنا وقريب منا... يستدرجنا إلى الامتلاء
    بجهل لا حدّ له، فنجتهد لإتقان جهل آخر. لكننا قنعنا
    بالبحث عن معلوم يرشدنا إلى حياة ما في الحياة، فصار
    المعلوم عصيّاً/


    وعصيّا كان كل شيء. في ظلك حشد ظلال، فلا تدري
    من يمشي فيك. وفيك تقاطع طرق ملأى بخطى غزاة
    هبطوا عليك كمظليين مُدربين على استخدام محاريثك.
    وفي اسمك أخطاء سبَّبها حريق هائل في الخارطة. وعلى
    بيتك تُبنى آثارٌ رومانية. أما أنت، فلا صورة لك إلا
    الشبح/


    شبحٌ يمرّن الحارس على السهر. شايٌ وبندقية. فإذا غلب
    النعاسُ الساهر برد الشايُ، ووقعت من يده البندقية،
    وتسلل الهنديّ الأحمر إلى الحكاية/


    ألحكاية هي أنك هندي أحمر/

    أحمر الريش، لا أحمر الدم، وأنك كابوسُ الساهر/


    ألساهر على كَشِّ الغياب، وعلى تدليك عضلات الأبد/

    ألأبد ملكية الحارس. عقار واستثمار. وإذا لزم الأمر فهو
    جنديّ منضبط في حرب لا هدنة فيها. ولا يلوح بعدها
    سلام/


    سلام عليك يوم ولدت، ويوم تبعث حياً في أوراق
    الشجرة/

    الشجرةُ لفظةُ شكرٍ خضراءُ ترفعها الأرض كنجوى إلى
    جارتها السماء/

    والسماء تكافئها بقطرات مطر/

    مطر عليك وعليّ. مطر خفيف ينعشنا في أول هذا الليل.
    أحصيه قطرة قطرة كما أحصي دقات القلب الظامئ إلى
    بلل، فأطيل وقوفي وأطيل خطبتي، لعلك تنهض وتعود
    معي إلى أيّ أين، أو أمضي معك إلى لا أين، كما لو
    نوديَ بي أن انتظرِ الوحي/

    ألوحيُ برهان القلب على ما لا يعرف، على ما هو أعلى/

    أعلى وأبعد. وأرى طائراً يحملني ويحملك، ونحن
    جناحاه، إلى ما وراء الرؤيا، في رحلة لا نهاية لها ولا
    بداية، لا قصد ولا غاية. لا أحدثك ولا تحدثني. ولا
    نسمع إلا موسيقى الصمت/

    ألصمت اطمئنانُ الصاحب للصاحب. وثقةُ الخيال بنفسه
    بين مطرٍ وقوسِ قُزَح/

    قوسُ قُزح هو تحرُّش الوحي بالشاعر، بلا استئذان...
    وافتتان الشاعر بنثر القرآن/

    فبأي آلاء ربكما تكذِّبان/

    وغائبان أنا وأنت، وحاضران أنا وأنت،

    وغائبان/

    فبأيِّ آلاء ربكما تكذِّبان.

  25. #25
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    انتهى

  26. #26
    رفيق سفر
    الصورة الرمزية سوما
    الحالة : سوما غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1012
    تاريخ التسجيل : Jul 2006
    الدولة : فلسطين
    العمل : موظفة
    المشاركات : 9,664
    التقييم : 10
    انتهى

  27. #27
    أبو الأمجد
    الصورة الرمزية شجاع الصفدي
    الحالة : شجاع الصفدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الوطن المحتل
    العمل : أعمال حرّة
    المشاركات : 52,655
    التقييم : 10
    الصديقة الكريمة سوما
    ليس أمامنا إلا أن نشكرك جدا لهذا الجهد الرائع والعظيم جدا ..
    على طباعة نصوص في حضرة الغياب للراحل درويش..
    وبالـتأكيد ستكون هدية جميلة منكِ في حال طال غيابك

    شكرنا الجزيل لكِ وتمنياتنا لكِ بحياة سعيدة وموفقة

  28. #28
    أبو الأمجد
    الصورة الرمزية شجاع الصفدي
    الحالة : شجاع الصفدي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 5
    تاريخ التسجيل : Mar 2004
    الدولة : الوطن المحتل
    العمل : أعمال حرّة
    المشاركات : 52,655
    التقييم : 10
    الصديقة الكريمة سوما
    ليس أمامنا إلا أن نشكرك جدا لهذا الجهد الرائع والعظيم جدا ..
    على طباعة نصوص في حضرة الغياب للراحل درويش..
    وبالـتأكيد ستكون هدية جميلة منكِ في حال طال غيابك

    شكرنا الجزيل لكِ وتمنياتنا لكِ بحياة سعيدة وموفقة

  29. #29
    نبضة قلب
    الحالة : نسمة محمد غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 587
    تاريخ التسجيل : Nov 2005
    المشاركات : 27,523
    التقييم : 10
    جهد مميز وجميل منك سوما
    يعطيك العافية

    هذا الديوان سيذكرنا بك كثيراً

    تمنياتي لك بحياة سعيدة

  30. #30
    نبضة قلب
    الحالة : نسمة محمد غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 587
    تاريخ التسجيل : Nov 2005
    المشاركات : 27,523
    التقييم : 10
    جهد مميز وجميل منك سوما
    يعطيك العافية

    هذا الديوان سيذكرنا بك كثيراً

    تمنياتي لك بحياة سعيدة

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. محمود درويش: حيلة أخيرة «في حضرة الغياب»
    بواسطة انكيدو في المنتدى دارة الشاعر الأسطورة محمود درويش
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 02-08-2009, 08:58 PM
  2. في حضرة الغياب لمحمود درويش - إصدار إلكتروني عن دار الصداقة للنشر
    بواسطة شجاع الصفدي في المنتدى دواوين رقمية للشاعر محمود درويش
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 19-03-2009, 11:27 PM
  3. في حضرة الغياب " لمحمود درويش
    بواسطة روان عقرباوي في المنتدى دارة الشاعر الأسطورة محمود درويش
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 17-08-2008, 03:23 PM
  4. مقتطفات من لوتس الغياب
    بواسطة شجاع الصفدي في المنتدى دارة المختارات الأدبية والكتابات المنقولة
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 07-07-2008, 08:07 PM
  5. قال الحديث عن غريب ابن الغياب
    بواسطة أنور الخطيب في المنتدى أقلام متوّهجة
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 17-05-2005, 11:01 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •