من يكتب للناس؟؟ من يكتب لهم بحق عن هذه المدينة؟؟ من يمكنه الكتابة ولايدعى فيها..من يمكنه حفظ ذكرياتها وقيمها المعيارية..قال فى نفسه : هم قلة من يفعلون ذلك..لكن الكثرة يتصدون لهذه المهمة الصعبة..مهمة الذاكرة والصدق..كان الحاج صالح يقول لنفسه : متى ياتى الخجل؟؟ فكلما قرا او سمع من بعض الذين يتحدثون عن ذكرياتهم فى مدينة بنغازى..تذكر بائعة الفحم فى البركة..الحاجة مسعودة التى كانت تردد ( ما تكذبى نين ايموتوا اكبار الحارة) وكان والده يضحك كثيرا عندما يسمعها..كان يقول : الحاجة مسعودة احكم الحكماء فى هذا الزمن المجنون !! .
فى احد السنوات وفى شهر رمضان المبارك يتذكر الحاج صالح..ايام لن تعود..ومن احد الايام يوم ربيعى يلوذ به الصمت المتحفز!! الحاج صالح كان صائما بكل معنى الكلمة فى ذلك اليوم..صائم جدى ومهتم !!عيناه غائرتان لاتكاد تراهما من فرط شبه الاغماضة الرمضانية التى تلوذ بهما وهو يشق طريقه من زقاق البورى فى البركة عابرا واثقا من شارع بن شتوان متجها صوب الفندق..فذلك اليوم كان يوم راحة عمل ، فهو يعمل يوم كامل ويرتاح ليومين تاليين يقضيهما فى فراغ يقوده احيانا الى زوايا( السيزة) قرب الملجأ القديم..او كما فعل فى ذلك اليوم التوجه بقفته الى الفندق..مسرعاً تارة..يمشى الهوينا تارات اخرى..يرد تحيات صباحية احيانا واحايين اخرى يرمق من يحييه بنظرة لامعنى لها ..يعرفه الناس ويعرفون مزاجه..لذلك يقابلون سلبيته احيانا بابتسامات ساخرة..والتحية بالنسبة لصالح ليست امرا ذى بال..فالناس تعرف مشاكله المفتعلة..ولذلك هو يعتبر التحية الصباحية احيانا نوع من الاستفزاز الرمضانى ليس الا..فيغمز عينه لاحدهم ويقول له ( عارف..عارف)..بمعنى انه يعرف خبثهم!!..المهم ان صالح يسير راجلا هذه المسافة الطويلة..تقف عليه حافلات الركوبة..واحيانا الكارو بالحصان..يشير اليهم بكلتا يداه( لاا ريد الركوب)!! فاولى له ان يهين رجلاه من ان يهين قرشه...ذات مرة سمع هذه الحكمة من احد المصريين الوافدين( هين نفسك ولاتهين قرشك)..يا له من مثل..يقول الحاج صالح..فجأة عندما قادته رجلاه الى سيدى حسين امام محل جزارة اوقفه لسان البقرة متحديا من وراء الشاش الذى يغطيه..معلق على نحو عمودى يغرى الناظرين ( خاصة اذا كانوا صياما)..تسمر فى مكانه..وحرن كما يحرن الحصان..تعلم كلمة حرن الحصان من جارهم الحاج عمران صاحب الكارو بالحصان قال له ذات مرة( احيانا يزعجنى هذا الحصان فيحرن..يتوقف عن السير ولايعبأ بلسعات السوط التى تحرقه..احس بالاحراج امام الركاب الذين يهبطون واحدا تلو الآخر بحثا عن كارو اخر وحصان لايحرن..وعندما يذهب الركاب يحلو للحصان ان يستمر!!) هو ايضا حرن امام دكان الجزار..وتغيرت وجهته من الفندق الى العودة الى البركة!!..تلصص القصاب من وراء الباب يرقب هذا الحائر..ثم بخبث واضح مسد بيده على اللسان وقال له من الداخل( طاجين سمح يا حاج صالح)ثم خرج عليه فعاجله الحاج صالح ( لف لى هذا اللسان اللعين!!)..فجأة يدخل رجل اخر طالبا جميع الألسنة لدى الجزار..ولمعت عينا الجزار..ولاحظ الحاج صالح الشروع فى مؤامرة حرمانه من اللسان...فبدأ يوم طويل له ما بعده..اصر صالح على شراء لسانه واصر الزبون الوافد على الا يشترى الالسنة كلها الا اذا كان لسان الحاج صالح من بينها!!تجمع الناس ..توقف المارة لمشاهدة هذا الحدث ..لكن الزبون اكتشف انه كان احمقا فتنازل لصالح عن لسانه اخيرا!!
عند الافطار كانت الحاجة سليمة قد وضعت اللسان فى قلب المائدة وتحيط به عشرات الاصناف!! لكن صالح ارغى وازبد لحظة ذروة الافطار..ارغم زوجته على اخلاء المائدة الا من اللسان ، لانه اعتبر كل الاضافات الاخرى عبارة عن تمويه لحرمانه من اكلة لذيذة!!مع ذلك لم يقوى صالح الا على تناول قطعة واحدة من لسان البقرة..ثم ابعد السفرة وازاحها بيده واتكأ فى انتظار كوب الشاى..سليمة لم تجرؤ على الاحتجاج ولم تنطق بكلمة واحدة بينما اللسان يخرج نفسه للحاج صالح متحديا شهواته المضحكة...