أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة" الشافعي"

 

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

سجل الان وبيع أول منتج لديك مجانا دون أي عمولة أو تكلفة! » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// برنامج حذف وفتح وتعديل الملفات المستعصية Unlocker Tool 1.3.1.0 نسخة محمولة » الكاتب: حمادة بدر » آخر مشاركة: حمادة بدر /// برنامج صيانة الويندوز وتحسين أداء الكمبيوتر Glary Utilities Pro 5.7.0.14 » الكاتب: حمادة بدر » آخر مشاركة: حمادة بدر /// لعبة حرب الملوك » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// معلومات مهمة لجميع المتداولين في السوق #السعودي #الكويتي #البورصة » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// اشهر موقع اخباري عربي » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// "ألعاب طماطم شركة مطورة وناشرة لألعاب عربية » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// موقع سوق الرياض » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// دورة تدريب المدربينtot | دبلوم تدريب المدربين المعتمد دولي » الكاتب: شيماء شكرى » آخر مشاركة: شيماء شكرى /// مشغل الصوتيات الاروع على الاطلاق AIMP 3.60 Build 1421 Beta 1 » الكاتب: حمادة بدر » آخر مشاركة: حمادة بدر ///
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: النحو والدلالة..من أجل مقاربة المعنى من زاوية نحوية

  1. #1
    رفيق زائر
    الحالة : حبيب مونسي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 6582
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    المشاركات : 1
    التقييم : 10

    النحو والدلالة..من أجل مقاربة المعنى من زاوية نحوية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    النحو والدلالة
    من أجل مقاربة المعنى من زاوية نحوية
    أ.د. حبيب مونسي
    كلية الآداب والعلوم الإنسانية
    سيدي بلعباس.
    1-مفهوم الإعراب عند الأوائل:
    لم يكن الإعراب –في فهم الأوائل – ينصرف إلى وضع علامات على أواخر الكلمات، وإنما كان الإعراب هو الإفصاح، والبيان، والكشف عن المقاصد. ومنه قولهم أعرب فلان عن رأيه أو مكنون صدره. وكأن الإعراب هو تلك القدرة على الانفتاح على الآخر وإشراكه –من خلال اللغة-في فيض المعاني والأفكار التي تختلج في صدره. ومن ثم يكون الإعراب أكثر من تواصل لغوي ينتهي عند حدود الصوت. فقد ذكر "ابن منظور" أنه رويّ:« عن النبي  أنه قال : الثيب تعرب عن نفسها أي تفصح، وفي حديث آخر الثيب يعرب عنها لسانها والبكر تستأمر في نفسها... يقال عربت عن القوم إذا تكلمت عنهم واحتججت لهم. وقيل إن أعرب بمعنى عرب. قال الأزهري الإعراب والتعريب معناهما واحد وهو الإبانة. يقال أعرب عنه لسانه وعرب أي أبان وأفصح. وأعرب عن الرجل بين عنه وعرب عنه تكلم بحجته. » ( ) والذي يمكن أن يستفاد من استطرادات "ابن منظور" هو أن الإعراب ليس التحدث بلسان وحسب وإنما تجاوز ذلك إلى شيء من التأثير في الآخر، إما بإعلان عن الموقف كما هو الشأن في خطبة الثيب، وإما بالتقدم عن القوم لتبليغ مرادهم بقول فصيح بيِّن لا لبس فيه. ذلك أن الاحتجاج ضرب من سوق الآخر إلى ما يراه المتحدث صوابا، سوقا يكون فيه من الشدة والإصرار ما يجعل الإعراب ليس مجرد إفصاح وحسب وإنما حمل الآخر على قبول الرأي والموقف.
    وما يعزز هذا الرأي ما ذهب إليه "ابن منظور" أن الإعراب كذلك: «معرفتك بالفرس العربي من الهجين إذا صهل، وخيل عراب ومعربة. قال الكسائي والمعرب من الخيل الذي ليس فيه عرق هجين، والأنثى معربة، وإبل عراب كذلك » ( ) وكأن الأمر في الإعراب يتخطى الآن حدود المنطوق من القول إلى الهيئات التي تفصح من خلال وضعياتها الخاصة عن مراد أو معنى، كما هو الشأن في جنس الخيل والإبل. لأن الناظر إليها سيميز من خلال أصواتها وحركاتها أصالتها . ومن ثم سيكون الإعراب –إضافة إلى القول – هيئة دالة، يستخلص منها المتلقي معنى محددا.
    إن الإعراب أكثر من تواصل لغوي ينتهي عند حدود الصوت، بل هو إشراك ومشاركة، تقتضي من الآخر التهيؤ لقبول المبثوث إليه. إنه التهيؤ الذي يفتح منافذ الذات: من سمع، وبصر، وفؤاد لتكون فاعلة في تشكيل الدلالة وإعطائها أبعادها المرادة لها. فإن قال قائل: (فلان كثير المال) والتقطت هه العبارة كتابة لا صوتا، ضاع من دلالتها القدر الكبير من مقاصد المتكلم. لأنها في هيئتها المكتوبة لا تزيد عن كونها جملة (تخبر عن واقع) فيه كثرة مال. ولكنها تعجز أبد الدهر عن إعطاء فكرة واضحة عن الكثرة التي يقصدها المتكلم. فإذا أضفنا إليها الصوت غدا التشديد على "كثير" استطالة في المد مثلا مدعاة لتوكيد الكثرة الكثيرة. أما إذا شارك البصر إلتقاط التعابير التي ترتسم على قسمات وجه المتكلم ، من اصطناع التعجب مثلا، كانت الكثرة المرادة تميل إلى الثراء الفاحش. وإذا عدنا إلى حديث الثيب والبكر السالف الذكر لوجدنا لمثل هذه الهيئات حضورا أكيدا في مسألة الإعراب.
    ذلك هو حال الأوائل الذين لم يجدوا في الإعراب سوى الإبانة والإفصاح عن المقاصد، بيد أن المتأخرين منهم يرفعون لفظ الإعراب من حقل اللغة العام إلى حقل الاختصاص حين يتدرج معناه من الإفصاح الذي يقابل اللكنة، وكأنه تعبير عن تحرر من عائق لساني. ما دام معنى عرُب بالضم -عندهم-بمعنى لم يلحن :« وعرب لسانه عروبة إذَا كَانَ عَرَبِيًّا فَصِيحًا وَعَرِبَ يَعْرَبُ مِنْ بَابِ تَعِبَ فَصُحَ بَعْدَ لُكْنَةٍ فِي لِسَانِهِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ أَعْرَبَ الْأَعْجَمِيُّ بِالْأَلِفِ وَتَعَرَّبَ وَاسْتَعْرَبَ كُلُّ هَذَا لِلْأَغْتَمِ إذَا فُهِمَ كَلَامُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ. » ( ) فإذا عاينا هذا التعريف تبين لنا أننا أمام وضع إجتماعي/ سياسي عرفته الأمة العربية في أول شأنها حين توافد عليها الأعاجم ورطنوا بالعربية في أصواتهم بما تستهجنه الأذن العربية وتنفر منه السليقة. فإذا حصل لأحد الأعاجم شيئا من الإفصاح بعد مخالطة البدو والعيش فيهم، قيل عنه (عرب لسانه) و(أعرب) فالمصطلح لا يزال في دائرة اللغة العام لم يخرج بعد إلى علم النحو كما أراده المتأخرون.
    وحين نتقدم قليلا في الزمن نجد "ابن جني" يقول عن الإعراب أنه:« الإبانة عن المعاني بالألفاظ ، ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه، وشكر سعيداً أبوه، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجاً واحداً لاستبهم أحدهما من صاحبه. » ( ) فيجعل الإعراب إبانة عن المعاني بواسطة الألفاظ، ويدلل على ذلك بمصطلحات النحاة رفعا ونصبا، وفاعلا ومفعولا. غير أننا نستشعر أن هذه المصطلحات ليست مقصودة لذاتها وإنما مقام الأمر على التبليغ ودفع الإبهام.
    وفي تعبير "ابن جني" بيان عن حقبة اجتماعية/سياسية تتصل باللغة عرفتها الأمة العربية وقد تقعد النحو، وعرفت مباحثه، وظهرت مدارسه. بيد أنها لم تجعل منتهى النحو عند ضبط أواخر الكلم، وتوقف الإعراب عند هذا الحد. لأننا حين نراجع الأوائل نجد الإصرار عينه على المعنى قائما في كل كتاب. وليس أدل على ذلك من قول "عبد القاهر الجرجاني" أن :« الإعراب هو أن يُعرب المتكلم عما في نفسهُ، ويبيّنه، ويوضِّح الغرض، ويكشفَ اللَّبْسَ. والواضعُ كلامه على المجازفة في التقديم والتأخير زائلٌ عن الإعراب، زائغٌ عن الصواب، متعرّض للتلبيس والتعمية، فكيف يكون ذلك كثرةً في الإعراب؟ إنما هو كثرة عناءٍ على من رام أن يردَّه إلى الإعراب، لا كثرة الإعراب، وهذا هو كالاعتراض على طريق شجون الحديث،» ( ) والقراءة المتأنية لنص" عبد القاهر الجرجاني " تكشف عن جملة من الحقائق التي كانت تتصل بالإعراب قديما، قبل أن يتحول إلى عمليات تقنية تهتم بالضبط فقط. لأن " عبد القاهر الجرجاني " يضعنا أمام جهاز تواصلي تمام يقوم فيه المتكلم بجملة من الأدوار قصد التبليغ، يمكننا عزلها على النحو التالي:
    -الإعراب عما في النفس.
    -البيان.
    -التوضيح.
    -كشف اللبس.
    وهي أربع حركات تتجه من الداخل إلى الخارج، من الرغبة في الإفصاح إلى تبليغ المقصد. ذلك أن الرغبة في الإفصاح تحرك النفس وتهيئ أدواتها من أجل إخراج المشاعر في صور لغوية تناسبها وتتسع لها، وتحمل عنها كافة توتراتها. وهي مرحلة داخلية يستشعرها المتكلم قبل الشروع في الكلام، فيتحفز لها أيما تحفز.
    أما البيان فمرحلة تالية يتولى فيها جهاز النطق دور الإعلان عن فحوى الخطاب، يتخير له من الأصوات ما يناسبه ومن الألفاظ ما يليق به ومن التركيب ما يسع له. وذلك مناط البلاغة مسرحها، يتجاوب فيه حسن مخارج الحروف مع رشاقة الألفاظ، وخفة صيغها وبنائها. وتساق فيها المعاني في أساليب وأفانين من القول مختلفة. لأن الكلام والبيان متلازمان : « واعلم أن الكلام هو الذي يُعطي العلومَ منازلها، ويبيّن مراتبها، ويكشفُ عن صُوَرها، ويجني صنوفَ ثَمَرها، ويدلُّ على سرائرها، ويُبْرِزُ مكنون ضمائرها، وبه أبان اللّه تعالى الإنسان من سائر الحيوان، ونبّه فيه على عِظَم الامتنان، فقال عزّ من قائل:الرحمن . علم القرآن . خلق الإنسان. علمه البيان . " " الرحمن1 -4 " فلولاه لم تكن لتتعدَّى فوائدُ العلمِ عالِمَه، ولا صحَّ من العاقل أن يَفْتُق عن أزاهير العقلِ كمائمه، ولتعطَّلَت قُوَى الخواطر والأفكار من معانيها، واستوَتِ القضيّة في مَوْجُودَها وفانيها »( ) فإذا كان الكلام هو الانتقال من الكمون إلى الحركة، ومن الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، فإن البيان خطوة تالية باتجاه الآخر، تريد التأثير فيه، وتغيير مواقفه، لذلك قرن البيان بالسحر: « وَيُحْمَدُ نَحْوُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا } أَيْ إنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ سِحْرٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُوَضِّحُ الشَّيْءَ الْمُشْكِلَ وَيَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِحُسْنِ بَيَانِهِ فَيَسْتَمِيلُ الْقُلُوبَ كَمَا تُسْتَمَالُ بِالسِّحْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمَّا كَانَ فِي الْبَيَانِ مِنْ إبْدَاعِ التَّرْكِيبِ وَغَرَابَةِ التَّأْلِيفِ مَا يَجْذِبُ السَّامِعَ وَيُخْرِجُهُ إلَى حَدٍّ يَكَادُ يَشْغَلُهُ عَنْ غَيْرِهِ شُبِّهَ بِالسِّحْرِ الْحَقِيقِيِّ وَقِيلَ هُوَ السِّحْرُ الْحَلَالُ .» ( ) والشاهد في قول صاحب المصباح هو استمالة القلوب كما تستمال بالسحر، وجذب السامع وشغله عن غيره. وهي حالات تسعى إليها تقنيات التواصل للهيمنة على المتلقين وتوجيههم وتكييف مشاعرهم خدمة لمقاصدها العامة والخاصة. كما أن الشاهد يلتفت –إلى جانب ذلك كله- إلى علاقة البيان بالتركيب وغرابة التأليف. وفي النعتين حضور قوي للنحو تركيبا وللأسلوب تأليفا.
    أما التوضيح فشأنه مختلف قليلا لأنه خادم لامخدوم، ولأنه تابع للبيان يسنده بالحجج والبراهين. فهو رافد يقوم عليه التدليل لتأكيد العبارات وتوثيق القرارات :« واستوضَحْتُ الشيءَ واستشرفْته واستكفَفْتُه » ( ) وأن وجود السين في استوضح واستشرف يعني طلب الزيادة والدليل، وكأن بعض الأمر صار واضحا مكشوفا غير أن المتلقي في حاجة إلى زيادة ليطمئن قلبه.
    أما كشف اللبس فهي خطوة تالية يتهيأ لها المتكلم حينما يتوجس من المخاطب سوء فهم أو خلط، ترتسم آياته على محياه، أو تبدر منه حركات تشي بذلك التوتر الذي لا يهدأ إلا حين يزول اللبس وينكشف المراد : « والبيان لا يحصل إلا بإيضاح العبارة، وإيضاح العبارة لا يتهيأ إلا بمرادفة الألفاظ على المعنى حتى تحيط به إحاطة يؤمن معها من اللبس الإبهام » ( ) وكأن المشتغل بالبيان قديما كان يدرك جيدا حقيقة ترابط السلسلة التواصلية، وأما عناصر التبليغ تفضي إلى بعضها بعض في اتجاه واحد، لا يجوز الاستهانة بحلقة من حلقاته. ف"القلقشندي" يدرك بأن البيان مرهون بالعبارة، وأن العبارة لا قوام لها إلا بالألفاظ، وأن المعنى قد يتخون من هذه الثغرة إذا أدت الألفاظ مرادا غير المراد المنوط بها. ساعتها يحدث اللبس ويخيم الإبهام. غير أن دوران المتكلم حول مقصده وتحويطه إياه إيضاحا واستكشافا يدفع عن كلامه مغبة السقوط في الإيجاز المخل والتطويل الممل لأن: « الكلام الوجيز لا يؤمن وقوع الإشكال فيه، ومن ثم لم يحصل على معانيه إلا خواص أهل اللغة العارفين بدلالات الألفاظ، بخلاف الكلام المشبع الشافي فإنه سالم من الالتباس لتساوي الخاص والعام في جهته» ( )
    2-الإعراب عند المتأخرين:
    لم يكن انتقال المصطلح من مجال اللغة العام إلى النحو، انتقالا فجائيا، وإنما التبست الدلالات القديمة بالتحديد النحوي الجديد، على الرغم من بقاء المادة الأولى مهيمنة لفترات زمنية متطاولة، قبل أن يتنهي الاصطلاح إلى الحركات الإعرابية على أواخر الكلمات. لأن إدراك اللغة عند هؤلاء وأولئك ظل في إطار المنطوق من الكلام دون المكتوب منه. يقول صاحب المزهر: « أنَّ أول ما اختل من كلام العرب وأحوج إلى التعلم الإعرابُ، لأن اللَّحْنَ ظهر في كلام الموالي والمتعربين من عهد النبي، فقد روينا أن رجلاً لحن بحضرته فقال: أرْشِدُوا أخاكم فقد ضلّ.» ( ) والضلال هنا يقابل عدم الاهتداء إلى الصيغة السليمة للتعبير عن مراده. فاللحن الذي يشير إليه الشاهد من قبيل : « قولهم: لَحَنَ في كلامه يريدون ضدَّ الإعراب فكأنه مال بكلامه عن جهة الصواب والرَّجل لاحنٌ ولَحّان، إذا لحن في كلامه فصرفه عن جهته كالإلغاز.» ( ) لأن الخروج بالكلمة من الرفع إلى النصب يشكل على المتلقي إدراك الدلالة. غير أن الوعي هنا ليس موقوفا على اللحن باعتباره خطأ قواعديا، وإنما اللحن انصراف من هيئة إلى أخرى. لذلك قالوا في تعريف النحو:« نَحَوْتُ نَحْوَ الشَّيْءِ ... قَصَدْتُ. فَالنَّحْوُ الْقَصْدُ وَمِنْهُ النَّحْوُ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَنْحُو بِهِ مِنْهَاجَ كَلَامِ الْعَرَبِ إفْرَادًا وَتَرْكِيبًا .» ( ) ومعنى ذلك أننا لازلنا في إطار اللغة العام، ولم نلج بعد النحو باعتباره جملة من القواعد الصورية التي تحكم بناء أواخر الكلمات.
    إن إصرار القوم على اعتبار النحو نشاطا متعلقا بالدلالة، يمتح قوته من التقسيم الذي طرح سبويه أولا لسلامة القول وخطله في "باب الاستقامة من الكلام والإحالة" حين يقول عن الكلام: « فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب » ( ) والمستقيم الحسن هو السمت الذي جرت عليه أقوال العرب ويرضاه العقل ولا تنفر منه الطبيعة. وحين نراجع الأمثلة التي ساقها "سيبويه" ندرك حقيقة ما يريد:
    «فأما المستقيم الحسن، فقولك: أتيتك أمس. وسآتيك غدا.
    وأما المحال فأن تنقض اول كلامك بآخره، فتقول: أتيتك غدا، وسآتيك أمس.
    وأما المستقيم الكذب، فقولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر ونحوه.
    وأما المستقيم القبيح، فأن تضع اللفظ في غير موضعه، نحو قولك: قد زيدا رأيت، وكي زيد يأتيك. وأشباه هذا
    وأما المحال الكذب، فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس.» ( )
    وإذا أردنا أن نخرج بتصور واضح للرؤية التي يقدمها "سبويه" للكلام حولنا عباراته إلى التصنيف التالي:
    الكلام "الجمل"

    مستقيم محال

    مستقيم مستقيم مستقيم محال محال كذب
    حسن قبيح كذب
    إن المقصود من " الكلام المستقيم" بناء على تمثيل "سيبويه" وتعريفه "للمستقيم القبيح" هو: « الكلام المستقيم استقامة نحوية ودلالية، فالكلام المستقيم نحويا تتوزع استقامته على ثلاثة أنواع هي: المستقيم الحسن، والمستقيم الكذب، والمستقيم القبيح. فكل جملة مستقيمة نحويا تعد جملة مستقيمة، ولكن الحكم على الاستقامة بالحسن أو بالكذب يتعلق بالمعنى الذي تفيده عناصر الجملة عندما تترابط نحويا.» ( ) فلا يشفع للجملة أن تكون مستقيمة نحويا أو قواعديا لتسم في أداء المعنى وإصابة الدلالة، بل المعول قبل ذلك على الاستقامة الدلالية التي تناسب شروط التبليغ الحسن.
    إن صرف النحو والإعراب إلى غاية تقنية تتابع أواخر الكلمات ضيق من حدود هذا العلم، وكبل انطلاقته الأولى، وظل ذلك الوهم قائما إلى غاية زماننا حين نجد من يقول دون مواربة أن النحو : « ومنه الصرف، يرشدنا إلى بناء الكلمات اللغوية وتصريفها وبيان علاقاتها معا في الجمل والعبارات، ثم يعيننا كذلك في تكوين التراكيب الصحيحة والفقر المترابطة الأجزاء، وبذلك تنتهي مهمته ما دام قد حقق لنا صحة العبارة في ذاتها بصرف النظر عن صلتها بالقراء أو السامعين.» ( ) فالنحو إذا صار يتعامل مع لغة مكتوبة صامتة، همه فيها أن تكون مستقيمة قواعديا وحسب، أما شأن السامعين فغير مهم، أو هو مرجأ إلى فن آخر نخاله عند "أحمد الشايب" هو فن الأسلوب. وبذلك نشهد إزاحة النحو عن طريق تخصص جديد يريد له صاحبه أن يستقل ذاته وأن تكون له ريادة المعنى.
    ومن المؤسف حقا أن يجد علماء اللغة في تبضيعها على هذا النحو، وقد كان السلف الأول ينظرون إليها نظرة واحدة، ويرون في دورها دورا واحدا. غير أن التالين الذين أولعوا بالحواشي وحواشي الحواشي، ومن تابعهم في غي التخصص، قد فوتوا على الدارسين كثيرا من المسائل التي لا يستقيم النحو من دونها. بل تردد مع باحث قوله: « هناك موضوعات نحوية كثيرة، لا تقل أهمية عن كل ما بحثه النحاة، بل قد تفوق كثيرا منها، لاتزال دون بحث، ولم يتناولها العلماء بالدرس ولم يولوها النظر. وقد أبدو مغاليا في هذا الزعم، ولكن هذا الزعم حقيقة. إننا نعجز عن فهم كثير من التعبيرات النحوية، أو تفسيرها،ولا نستطيع التمييز بين معانيها،فمن ذلك على سبيل المثال:ما الفرق في المعنى بين قولك:لا رجل (بالفتح) في الدار،و ما من رجل في الدار. مع أن كلتا العبارتين لنفي الجنس على سبيل الاستغراق ؟» ( ) فإذا كانت الجمل مستقيمة نحويا استقامة حسن على حد تصنيف "سيبويه" إلا أن النحو يعجز بمعطياته التي انتهى إليها عن بيان الفروق الدلالية بين هذا الاستخدام وذاك. وما المعنى المراد من وراء النفي ب"لا" والنفي ب"ما" وما الفرق بين أن تقول المرأة لجارتها:
    «عندي سوار ذهب-بالإضافة.
    وعندي سوار ذهبا.
    وعندي سوار ذهب- بالإتباع.
    وعندي سوار من ذهب.
    وعندي سوار من الذهب. » ( )
    ولا نخال أن مراد المرأة واحد في العبارات كلها، بل لابد لها من دلالة تبثها في كل جملة تختارها، ولا بد للتواصل أن يمتح من تركيب العبارة وعناصرها مادة المعنى الذي تريد المرأة تفعيله من خلال اختار الصيغة التي تريد. إننا حين نوقف النحو عند حد الاستقامة فإننا نقتل نشاطا لغويا جليلا، ونتلف جزء ركينا من روح العربية. وأننا لا نفهم اللغة العربية كما ينبغي لنا أن نفهما. إننا في حاجة إلى: « فقه للنحو يصل إلى درجة الضرورة.» ( )
    3-الأوهام التي تعترض النحو:
    1-وهم التخصص: إن أكبر الأخطار التي تتهدد المعرفة هي عزلها عن في تخصصات منفصلة عن بعضها بعض، وعدم السماح بتداخل مباحثها: بلاغة ونحوا وصرفا. كل ذلك داخل الحقل المعرفي الواحد.
    2-وهم التحقيق القواعدي: لإن الإعراب ليس ضبطا لأواخر الكلمات وحسب، وإنما كان أهل اللغة الأوائل يدركون أ، الضبط يراد منه سلامة المعنى، ولكن المتأخرين رأوا فيه تحقيقا للقاعدة.
    3-وهم التأصيل الصوري: إن الاستعمال سيد اللغة، وهي ذات الفكرة التي انطلق منها الأوائل. ولكن المتأخرين جعلوا القاعدة الصورية أرفع شأنا من الحاجة التواصلية، ومن ثم قدموا التقعيد على التبليغ.
    4-وهم التحديث: إن التجديد لا يتمثل في إتلاف جزء كبير من المباحث النحوية كما يريد البعض طلبا لتسهيل النحو، وإنما التجديد في إعادة صياغة ذلك الجزء ضمن الاشتغال النصي، أي: ضمن رغبة فهم النصوص.
    5-وهم الثبات: إن أستاذ النحو يعيش في غير عصره، ويشتغل على لغة محنطة تسمى الشواهد. لا يرى فيها جمالها الدلالي، وإنما يوقف بصره عند الحركة الإعرابية التي ترتسم على أواخر الكلمات.
    الخروج من الوهم: إن أفضل الطرق وأسلمها للخروج من الأوهام المذكورة، أن يكون النحو متصلا بالنصوص منها ينطلق وإليها ينتهي. وأن يترك للنص الذي تستكشف دلالته أن يدلنا على القضايا النحوية والصرفية والبلاغية التي تقيم صلبه وترفع عموده إبداعا بين أصناف الكلام الأخرى.

  2. #2
    المشرف العام
    الصورة الرمزية د.ليلى ديبي
    الحالة : د.ليلى ديبي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1620
    تاريخ التسجيل : Jun 2007
    الدولة : في قارورة دواء
    العمل : صيدلانية
    المشاركات : 26,549
    التقييم : 10

    رد: النحو والدلالة..من أجل مقاربة المعنى من زاوية نحوية

    شكرا أستاذ حبيب مونسي على هذه المقاربة التي قرأتها بحذافيرها ..

    وفعلا لو فتحنا المعجم اللغوي لوجدنا النحو في اللغة هو القصد في الشيء .. وهو المطلوب فعلياً من أصل الكلمة


    اهلا ومرحبا بك في ملتقى الصداقة الثقافي .. وشكرا لك مرة أخرى على هذه المقاربة

  3. #3
    الهيئة التأسيسية
    الصورة الرمزية رشا محمد
    الحالة : رشا محمد غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 108
    تاريخ التسجيل : Jul 2004
    الدولة : حيثُ يكون ..أكون
    المشاركات : 42,103
    التقييم : 10

    رد: النحو والدلالة..من أجل مقاربة المعنى من زاوية نحوية

    مقاربه مفيدة جدا
    شكرا لك استاذ حبيب مونسي
    واهلا بك

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. زاوية خاصة في النحو والصرف
    بواسطة شيرين في المنتدى دارة علوم اللغة العربية
    مشاركات: 39
    آخر مشاركة: 20-12-2011, 12:45 PM
  2. الاسم المقصور في النحو والصرف وأحكامه
    بواسطة رشا محمد في المنتدى دارة علوم اللغة العربية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 19-01-2010, 01:22 AM
  3. الأصول في النحو
    بواسطة شيرين في المنتدى دارة علوم اللغة العربية
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 29-03-2009, 06:04 PM
  4. مائة قاعدة تعين على ضبط النحو ومعرفة الإعراب
    بواسطة رشا محمد في المنتدى دارة علوم اللغة العربية
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 21-02-2007, 12:04 PM
  5. مقاربة جديدة في علاج الربو
    بواسطة Dreaming Poet في المنتدى عيادة الصداقة
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 16-01-2007, 02:08 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •