أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة" الشافعي"

 

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الدرغوثي والتأسيس الجديد للسرد المهجن /حسام حسين عبدالعزيز

  1. #1
    قاص , مترجم
    الصورة الرمزية ابراهيم درغوثي
    الحالة : ابراهيم درغوثي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1784
    تاريخ التسجيل : Jul 2007
    المشاركات : 903
    التقييم : 10

    الدرغوثي والتأسيس الجديد للسرد المهجن /حسام حسين عبدالعزيز

    الدرغوثي والتأسيس الجديد للسرد المهجن
    حسام حسين عبد العزيز

    ليس من الحكمة في شيء أن نتجاوز سمة بارزة في الخطاب السردي عند الروائي التونسي إبراهيم درغوثي، تأخذ وضعية الخلفية أو الظلال، كما لو أن الماضي بجل تفاصيله قد أصبح خشبة مسرح لمجموعة من أبطال عرض مقصود في ذاته، يُلح على قريحة المبدع كي يقوم بإسقاط الآن على هذا الماضي أو العكس، من خلال رغبة عارمة في استجلاء شيء ما... هؤلاء الأبطال يمثلون هذا الحاضر تمثيلا معبرا، ليس فقط كتفاعل درامي يشكل اللبنة الأساسية لأي نسق روائي، بل كأداة للتعبير عن الخيط الفكري والشعوري الذي يريده الكاتب في لحظة مخاض روايته، وعلى الدرجة نفسها يريد من خلال هذا التمازج تسديد سهام الفكرة النهائية التي تتخذ طريقها للهدف( دوائر التلقي المعنية بالرواية ككيان أدبي و كنسق فكري).
    في حقيقة الأمر لا نستطيع الإجابة عن سؤال لطالما صادفنا ونحن نطالع هذه النوعية من الكتابات... لماذا ينجح التاريخ أو التراث أو الموروث مهما اختلفت روافده في ملء فراغات الآن؟ هل هو دفء الماضي أو الأسطورة قياسا على جليدية اللحظة الراهنة؟ أم هو الماضي الملاذ الذي يكتسب قيمته من خلال حاضر مفعم بالتجهم والإحباط وكل تداعيات الحيرة؟؟
    إن الرواية كنسق بنائي، مهما حاولت حركة التطوير التي تنزع إلى تماهي الأزمنة وتداخلها، ربما لم تنجح بالكلية في أن تلغي سيولة النهر السردي الذي يتنامى من الماضي المنبع مهما اختلفت المناطق السردية التي انبثقت منه، مرورا بمجرى الحاضر وتفاصيله، ووصولا إلى ما يمكن اعتباره استشرافا للمستقبل أو تمثيله من منطلق نبوءة.
    التاريخ كنسق معلوماتي قد تم في زمن سابق يأخذ سمت القداسة في عقيدة المحبين له، ولا يعنيني هنا دارسوه، لا عن تجاهل في حقيقة الأمر، لكن لكوننا نتكلم تحديدا عن إبداع ينفلت حتما من كل مسميات أحكام القيمة. ومن هنا نجد أن التاريخ يأخذ إلى حد كبير قيمة الأعراف السائدة بغض النظر عن مفاهيم القداسة التي كثيرا ما تغلف شكل تعاطينا للتاريخ وللعُرف على الدرجة نفسها. فنحن في كثير من الأحيان لا نمتلك جرأة تصحيح التاريخ، ولا يأخذنا التفاؤل في مراجعة عرف قد صار مع الزمن في حلة القانون. من هنا نستطيع أن نقول في حسم:
    إن التاريخ قد يحمل تراثا فكريا من الممكن أن يظهر جليا في ثنايا تفاصيله والعكس ليس صحيحا دائما، بمعنى أن التراث الفكري الذي تواتر عبر الزمن في رحلة الوصول إلى مرافئ التجليات الإنسانية المتفاعلة معه على هامش الآن، ليس بالضرورة تاريخا، على اعتبار أن التراث الفكري ينمو تلقائيا من خلال حركة الزمن من جهة، والتفاعلات الإنسانية من جهة أخرى، وهو قد يصوب ذاته تلقائيا، بينما يظل التاريخ على الدوام حقيقة مرجعية قابلة للنظر واستلهام العبر والدروس من خلال قيمتها الواضحة كوثيقة أو مستند يحمل بين طياته علامات مضيئة فارقة تأخذ شكل المصوب والكاشف والمحلل لحركة الإنسان على محك اللحظة الراهنة والتي قد تعاني من الضبابية والانغلاق.
    التاريخ غالبا ما يرتبط بحدث قد تم الانتهاء منه بالفعل، أي أنه بالضرورة ماض تبلورت مواقف شخوصه وتداعيات أحداثه، وإن لم تتبلور نتائجه بشكل حاسم في كثير من الأحيان، بل أن حاضر الشعوب قد يتشكل من خلال منعطفات تاريخية سابقة، كان لها من التأثير الذي لا يمكن الانفلات منه بأي حال من الأحوال على واقع اللحظة الراهنة.
    التاريخ على محك البنية التحتية في ثقافة أي شعب ليس مجرد كتاب أصفرت أوراقه، ويحمل من رائحة الماضي تلك الرائحة المميزة لكل قديم تقع عليه أيدينا، بل هو على الدوام ومهما اختلف المحتوى، يحمل من السحر و الدفء الكثير، حتى وإن انطوت بعض صفحاته على مآسي مُبكية، لذا فهو يتمثل سمت المعلم ومُصدر جلال العبرة والعظة باقتدار كما أنه ليس سيلا من أحداث وتجارب بشرية بقدر ما هو رصد بهي لصورة من تفاعلات البشر مع السلطة الزمكانية التي أفرزت الكثير من الدروس والمواقف. وهذا المعطى تحديدا ركيزة لا يمكن الانفلات منها ونحن بصدد قراءة مبدعنا إبراهيم درغوثي في حقيقة الأمر.
    مما لا شك فيه أن الرجل يدرك يقينا أن الزمن معنى هلامي إلى درجة، وهنا أقصد الزمن على محك الرواية المتطورة تحديدا، لأن ارتفاع طبقات الصدأ في صلب الأمم هو ذاته الذي يعمق النظرة إلى تاريخ هذه الأمة في محاولة التوصل إلى رصد ما مرت به من منعطفات جديرة بالتأمل، وهنا تقترب الوشائج التي تجعل من التاريخ كونه تاريخا قد سُجل وأخذ سمت التراث الإنساني الذي تنامى في رحلة البحث عن هوية في ظلال متأرجحة من واقع آني تغلب عليه كل آيات الضبابية والسيولة، ربما من ضحالة التفكير الآن، أو من خلال سوء التأويل لنتائج الحدث التاريخي في شكل تماسه مع واقع حياة الشعوب على تداعيات قانون اللحظة. في هذه المسافة المقطوعة بين الماضي والآن، من الممكن أن نعتبر أن الرجل قد حل ضيفا على هذا الماضي أو يحمل رسالة منه، أو أنه يحمل وظيفة سفير لهذا (الآن) والذي يريد بدوره أن يوقع أوراق اعتماده للحظة ما على قدر من الدفء .
    إن الرواية عموما - وقد أتحمل في سبيل إبداء هذا الرأي انتقادا عارما- جزء من التاريخ، دون أن يكون التاريخ بمعناه الأكاديمي مادة أساسية لها، اللهم إلا إذا أراد الروائي هذا أثناء عملية الخلق الفني لها. ربما هنا من الجدير بنا أن نقول: إن فعل الكتابة ذاته جزء لا يتجزأ من تاريخ مبدعها، وكذلك الرواية في جل تفاصيلها نموذج مصغر لتاريخ يتضمن أحداثها بالجملة. فلغة الخطاب السردي سواء كانت على محك الوصف أو الرصد أو التحليل تتحرك طوليا شاء الروائي أم أبى، فالفعل حركة، والحركة بنت الزمن ولاشك، وطالما تم إنجاز هذا السرد في الزمن مهما بدا هلاميا أو متشظيا، تبقى ظلاله موجودة بالقوة والفعل.
    من هنا نعترف للسيد (درغوثي) أنه لم يشأ وهو يستلهم هذا التاريخ والتراث بعينه أن يقدح في الحاضر، رغم أحقية الحاضر بذلك، بل إننا على محك سرد يجوز اعتباره إعادة الغائب، ويخص مبدعنا هنا بشكل شديد الخصوصية، ربما لا نكاد نشعر بهذا الحاضر من فرط تمثيل الماضي ذاته سواء كان تاريخا أو موروثا، بل قد نصل مع التعمق في القراءة إلى أن نتهم مبدعنا تهمة حميدة إلى درجة أن نعتبر ما يقوم بسرده هو عصرنة هذا الماضي في جدلية تقترب من كونها مدافعة لهذا الحاضر، صراع جبابرة إذا جاز التعبير، كي نصل لثمرة تعيد لهذا التبعثر بعضا من اتزان، وربما قد نجد ما يمكن اعتباره الحاضر الممتد رجوعا لجذوره، ومن ثم إعادة ترتيب بيت المرجعية.

    في البدء كانت الثقة:

    في حقيقة الأمر، على ظلال رواية {الدراويش يعودون إلى المنفى}، نستطيع بكل ثقة أن نعترف لمبدعها بمساحة كبيرة من القدرة على صناعة رواية تشبه إلى حد كبير ملحمة مصغرة، وهذا الرأي ليس وليد وجهة نظر قد تبدو انطباعية، ولكن من خلال عملية تفتيت للنص الروائي سنجد أن هذا التوصيف لم يكن مبالغا فيه.
    بيد أن الشيء الكبير الذي تصدره لي الرواية كنسق سردي في الأساس يتمثل في جلال الثقة وهيبة الطرح، وبالمكانة نفسها درجة التماس الفاعل مع التاريخ سواء مع شخوصه أو تفاصيل أحداثه. لا يوجد ما يبرهن على صدق ما نلمسه هنا أصدق من تلك المقدمة الرائعة والمثيرة التي تتأرجح بين العديد من المضامين، يقين الكاتب أن القادم من تفاصيل سرده يؤسس لمشروع كتابة أسطورية أو خيالية إذا جاز التعبير إلى درجة، والتي لم ينكرها من خلال تلك المقدمة الشيقة بالفعل، بل ويعترف يقينا إنه حتما يكتب ما يُملى عليه من قبل درويش عائد، يهدده إن لم يفعل بأنه من القدرة على أن يعيده للقرن الرابع الهجري ويدعي عليه أنه من القرامطة ويستحق القتل، وإمعانا في تشجعيه، فقد رشح له بعض الكتب التي تعينه على أن يبدأ تلك الرواية التي يُراد كتابتها من قبل هذا الدرويش وألا .

    وبالوقوف عند عناوين الكتب التي تم ترشيحها{ ألف ليلة وليلة- وفيات الأعيان- تاريخ الإسلام- وغيرها} نستطيع أن نلتمس شكل السرد القادم لا محالة، وتقنيات العرض التي ستكتسب قيمتها من قيمة الذات المبدعة يقينا، لأن رواية بهذا المنحى التي اتخذته لنفسها، ودون أدنى مبالغة تعبير جدا صادق عن ثقة يجوز اعتبارها خارقة لدرجة أن تتواصل مع طرح روائي على هذه الشاكلة، لكن وتلك آية أخرى، وجدنا أن الرواية تحتفي احتفاء غريبا بالحاضر أو على أقل بتقدير الماضي القريب، في جرأة غريبة على إحداث تمازج تكمن عبقريته في أنه لم يشعرنا بغرابة السرد رغم ما يتخلله من أمور غرائبية إلى درجة كبيرة، وجدنا في حقيقة الأمر كرنفالا من واقع مؤسطر، وخيال مُوَّقع، خرافة، مرويات وتراث، نهضت جميعا كمفردات خالقة لسرد محرض على الانتباه لهذا الكم العارم من الوثوب والانحرافات السردية التي لن تحتفل بالزمن في مجراه الطبيعي.

    إن من يسعى إلى تأصيل مفهوم السرد المُهجن عليه أن ينظر لهذه الرواية بعين الاعتبار، فالسرد لم ينبثق فقط من مجرد تقنيات حديثة على الدوام، بل طاف بنا السارد على كل ما هو متاح من فنون السرد القديمة، دون أن يمكث مع هذه الفنون... فقط هي مصافحة عابرة ومن ثم رحل إلى أدواته الخاصة التي تستمد وقودها من تقنيات سرد متطور يليق بالرواية الحديثة، فوجدنا التداعي، والتذكر، الرموز والسخرية، متانة البناء اللغوي المعبر والدال، تفاعل الشخصيات واستبيان حركة المؤثرات التي تغلف سلوكهم الظاهر والمخفي.

    في حقيقة الأمر وقبل ولوج فضاء هذا النص الروائي، أجد نفسي عائدا إلى الغلاف، لأقف مجددا عند عتبة العنوان الذي اختاره الرجل لروايته كنقطة انطلاق لهذه الملحمة السردية إذا جاز التعبير.
    في البدء نعترف بحقيقتين مهمتين:
    الأولى: إن صعوبة مهمة الروائي تتمثل في رهانه دائما على مستوى معين من الافتراضات: افتراض وصول الخطاب الروائي إلى مرافئ تلق تستطيع استجلاء قيمة النص... وعلى صعيد آخر، الافتراض الأساسي أن النص كله كحالة منتمية إلى ساردها قد أنجز ما يتمناه. تلك مجموعة افتراضات وعلاقات متشابكة لا يمكن حسمها بأمر بات، لكن تبقى رواية بهذا الشكل الواقع بين أيدينا حتما كتابة القلب الشجاع.

    الثانية: اليقين الحاسم أن الرواية الآن كنسق أدبي صارت تحتفل بجماليات خاصة، تسعى إلى تدعيم عناصر الكتابة الحداثية ولتأسيس نص يمثل وعي صاحبه تمثيلا صريحا، نص ليس محكوما بالأنساق ولا الشخصيات ولكن بإيقاع الإنشاء، بل وعلى صعيد آخر نرى إيمانا عميقا لا يتراجع عن بسط معطيات سرد هي في حقيقتها تهكم واضح وسخرية من الشكل التقليدي للإبداع الروائي. تتجلى الرواية وكأنها لعبة محببة تسمح بأريحية التحكم في إيقاعها، كما تتيح التبديل والحذف... رواية على حد تعبير (بارت) تلعب اللغة فيها دورها المعجمي متقدمة على عناصر معينة في بنية النص الروائي.

    من هنا جاء العنوان كمحاولة مبدئية لتحديد الإطار العام لاستراتيجية النص الروائي كعمل متكامل، عنوان يحمل قيمة إعلامية تصوب خصوصيته لضرب هدفين لم ينفك السارد عن مطاردتهما: تحقيق الاتصال الاجتماعي كهدف من جهة، وفي ذات اللحظة تحقيق اتصال اجتماعي جمالي من جهة أخرى، بمعنى تحقيق هدف برجماتي يرتكز على دعم وشائج الإبداع والدائرة الاجتماعية المعنية بالنص في تداخل منتج وهادف، وهذا لا يتحقق من خلال أسلوبية القص ولغته وتشكيلاته وحسب، بل من خلال إعلام هذه التشكيلات اللغوية وكأنها حلقة دمج تتوسط بين جملة هذه الأسلوبيات والدائرة الاجتماعية في زمن مخاض النص السردي.
    بإعادة النظر إلى هذا العنوان نرى أن مبدعنا قد ابتعد منذ اللحظة الأولى عن عنوان يحمل بعضا من الشاعرية المراوغة أو الإيهام، بل نراه قد قرر واستنادا إلى شكل المقدمة التي سبقت الرواية أن يفجر من خلال عتبة العنوان معنى الخبر.
    { الدراويش/ يعودون/ إلى المنفى}..
    سأعود إلى الوراء، وسأفترض أن معلم اللغة العربية في تعليمي الأولي قد طلب منّي أعراب هذه الجملة ولكن ليس على محك النحو وحده.
    الدراويش: مبتدأ المأساة وغرائبية الأحداث، وجدلية الطرح الأيدلوجي والطرح المضاد.
    يعــــودون: مضارع مشفوع بالهزيمة وثبوت الانتكاسة والانسحاب، مع الإقرار بأن هناك ثمة أمل حتى ولو بدا بعيدا.
    إلى المنفى: ظرف المكان المناسب والقادر على احتواء دهشة غير القادرين على استيعاب ذلك التشابك والتداخل الحادث بين مفردات الحضارة والناس عبر الزمن الهلامي المتخبط.

    أشهد لهذا الأعراب بأنه مضحك إلى درجة ومدعاة للسخرية، لكن ربما يغفر لي السارد هذا الهذيان الذي فرضته على ذائقتي فرضا تلك الأجواء التي تسللت عبر الرواية طولا وعرضا لتعيث في أجوائها السخرية والغرائبية والتي اشتملت عليها الأحداث بالكلية، فحسبي أن أرى "رونالد ريجان" إمبراطورا على عملة ذهبية ضُربت في عهد الخليفة الناصر لدين الله في يد هذا الدرويش.

    أعترف أن المعضلة الأساسية في هذه الرواية أنها جعلتنا، ونحن في طريقنا بصدد التعامل مع أطروحتها، لا نقدر على رؤية التاريخ في لحظات ضباب مقصودة، كما أننا على الدرجة نفسها لم نعد نرى الواقع من فرط تمثله في مسوخ هي إن لم تكن تخص الشخصيات على وجه التحديد، فإنها تتعلق بالأفكار والمعتقدات وشكل الرؤية. والغريب حدوث ذلك رغم حرص السارد اللامتناهي على أن يعطينا صورة مظفرة لهذا التمازج بين التاريخ والواقع، مضافا إلى ذلك تصدير أجواء خاصة من اغتراب الواقع بمفرداته، وهنا أقصد الواقع العربي في مختلف مناحيه الثقافية والاجتماعية والسياسية، وليس واقع هذه القرية على وجه الخصوص، فالزمن لم يعد زمنا بالمعنى، والسرد يمارس طوافا غير مستقيم، طوافا منحرفا اكتسب مشروعيته من عدم استقامة الأوضاع في جملتها (الصراع الاجتماعي بين القيم). وفي زعمي أن أبرز ما يمكن أن تقدمه هذه الرواية هو صراع سكون العقل وانغلاقه على ما سبق وأن آمن به أمام مفردات الضجيج والهوس الذي يُمارس من حضارات قادمة.

    التأسيس المعكوس للبطل الإشكالي:

    من الضروري أن نمر مبدئيا على {جورج لوكاش} حين قرر أن الانتقال من مرحلة البطل الملحمي إلى البطل الروائي قد بدأت مع صعود البرجوازية الأوربية، بعد أن مات إكلينيكيا البطل الأسطوري في أخريات القرون الوسطى. لكن من الأكيد أن البطل تحول بالفعل بعد الثورة الصناعية إلى بطل مأزوم، يسير خلف القيم المختبئة، ويعاني من وقائع عالم منحط.
    دارت عجلة الزمن ولم يعد الأدب ممارسة جمالية وحسب، إذ صار يمثل دعوة صريحة لإعادة اكتشاف الحلول الممكنة لمشكلات لا يمكن إنكارها، أفرزها واقع بالغ التعقيد. بل هو ذهب أبعد من ذلك مع تيارات الفكر الوجودي ساعيا لاكتشاف الإنسان ذاته، وإنقاذه من مفاسد الحضارة ونفض غبار وركام التخلف والتغييب.

    بينما يظل البطل الإشكالي هو ذلك المثقف الذي استطاع هضم منتج الثقافة الغربية وحاول بدوره تطويع هذه الثقافة في خدمة مجتمعه، ولكنه واجه العديد من الصعوبات من خلال سلطة المجتمع التقليدية ومن بيدهم السلطة الزمنية في مجابهة طرحه النهضوي، راح يدون معاناته معرضا بعالم يفتقر لأي قيمة جديرة بالتقديس.
    مما لا شك فيه أن هذا البطل الإشكالي قد ذاق هزيمة لا يمكن الانفلات من عمق تأثيرها المُحطِم فعلا، لكنه على كل الأحوال لم يفتر عزمه، ولم يفقد للحظة احترامه لحلمه في تأسيس العالم المثالي كما يرى ويؤمن. هو ربما هزمته تفاصيل ذاك المارد العاتي ( المجتمع المتجمد) ولكنه استمر في احترام حلمه في التغيير.

    من هنا يمكن أن نسجل إرهاصة تمنحنا إياها هذه الرواية الاستثنائية بالفعل، فالدرويش هنا لم يكن ممن أحسنوا هضم عناصر الثقافة الغربية وأراد إعادة تأسيس واقعه بمقتضاها. ولكنه مُحمل بتراث فكره الخاص المستمد من جذوره هو. حمله في يقينه كسيف وكدرع، وحاول أن يصنع لأهل هذه القرية العتاد المشابه لعدته. إنه لم يستفز المجتمع بجملة أفكار يريد تأسيسها على واقع الأرض وحسب، بل أعاد التنظير للفكر المقاوم. إن عناصر إشكاليته لم تكن تهدف إلى تدمير البنية التحتية لثقافة هذه القرية، ولم تكن على الدرجة نفسها حديث المثقف النخبوي صاحب الاتجاهات المؤدلجة. هو ارتدى طواعية ثوب الدرويش بما له من دلالات المواجيد والرؤى التي تستطيع الانسلال لما هو أبعد من مدركات الآخرين الذين تبهرهم ظواهر الأشياء. ولكنه ظل يمارس سعيه الإصلاحي بممارسات طقوسية تنأى بنفسها عن ذاك الضمير الجمعي، وتبث أحاديث التغيير في صورة خطاب مجذوب. من هنا، بدا الدرغوثي وكأنه يحكم عليه مبدئيا بالزوال، بل كان يريد التثوير قبل التأسيس، إحداث اليقظة بديلا عن الاستسلام لهذا الــ فرنسوا مارتال. ولكن تظل معطياته غير متسقة مع ما يريده على واقع الأرض.

    ولأن مرجعية الرواية ترتكز على هذا المعنى بالقوة والفعل، كانت جدلية البطل الإشكالي في صورة معكوسة بجلاء مؤجج، ثائر ومضطرب، هو بالضرورة- الدرويش- لم يستحضر الحضارة وعناصرها، بل ناب عنه من حملها طوعا في جعبته وهو يحل على هذه القرية. إن ذلك الفرنسي على محك الصدام قد اختزل رحلة طويلة كان من المفترض أن يقطعها الدرويش كبطل إشكالي في بلاد الفرنسي، يغترف من مضامين ثقافته ومن ثم يُعيد الدرويش تصديرها لقومه حين عودته. بل ظهر الدرويش كالقدر، والفرنسي كذلك بدا قدرا محتوما، عليه أن يواجه هذا المنفي المغترب، والقادم بلغة أخرى تستنفر همم المتقاعسين المنتظرين خلاصا غير معلوم المصدر حتى آخر لحظة.

    وقع(فرانسوا مارتال) في غرام القرية وأحبها، ولكنه يستنكف أن يبقى غريبا. لابد من أن يعيد صياغة الجغرافيا بما يملكه من تاريخ وتراث فكري مفعم بالعناصر والأيدلوجيات التي تخصه. ربما لم يكن يرى من فعل مقاوم لمشروعه؛ فالقرية في ثبات والكل مهيأ لأن يتلقى/ يستقبل. لكن بزوغ الصراع رغم غرائبية تفاصيله مع درويش الغريب، كان بالفعل صراعا قدريا. ومن ثم تطور صراع البطل الإشكالي في ممارسة صراع متعدد الجبهات: مقاومة التغريب، سطوة حضارة تريد أن تبتلع كل شيء، تأليب أهل القرية على زمرة المواليين للفرنسي وطبقة البرجوازيين من تجار وسياسيين... لم يكن الدرويش هو "دونكيشوت" هذه القرية في الحقيقة رغم امتعاضي عموما من قيمة "دونكيشوت" كما وصلت للثقافة العربية باعتباره شخصا مخبولا يصارع طواحين الهواء. بل يمكن القول أن درويش (إبراهيم درغوثي) كان مختلفا عن درويش "سيرفانتس"، إذ حتى عندما اختفى (مارتال) وانتحر لم يمنحنا السارد يقين انسحابه، ولم نصطدم بكتلة سردية أو حتى عبارة قد تغرينا بأنه قد أصابه التعب فقرر أن يُهادن. إن أصحاب النفوس العظيمة حتى وإن بدوا لنا في ثوب دراويش أو مجاذيب ضعفاء، يكون اختفاؤهم عادة من أجل تطوير آليات نضالهم لكل الصور السلبية التي تؤرقهم عموما. ولكن، وتلك آية أخرى، أراد الدرغوثي موتا تدميريا على أمل أن يكون هذا التدمير مدعاة لبناء جديد.

    لم يكن الصدام عقائديا في كل مراحله، لكن آليات ترجمته كفعل مقاوم هي المحك حتى وهو يمارس حالة الانسحاب إلى الكهف معاقبا الأهالي على ما كان منهم من ضعف وتراجع. كان السرد ومعطياته العقلية، ومن خلال وعي حاضر بقوة، يعطي بارقة أمل.

    { و يضم درويش الأطفال إلى صدره ثم يصلي و إياهم صلاة "الوداع".
    و رأيت المطر يهطل مدرارا، فيغسل رجلي درويش، و تخمد نار جهنم المشتعلة فيهما منذ الأزل.
    و يقوم.
    يتكئ على عصاه، و يفتح الطريق.
    و الأطفال يسيرون وراءه.
    كان يقول لهم:
    " لا تلتفتوا أبدا إلى الخلف يا أولادي حتى لا تتحولوا إلى قردة أو تتخطفكم الشياطين و تمسخكم تماثيل من الحجر}.

    ربما من الجدير بنا أن نعترف للسيد درغوثي بحقيقة تؤيد أن الرجل كمرجعية فكرية رغم تلك الأجواء العابثة والسرد الملتف حول سيولة الأوضاع والضجيج والتخبط، وتردي شكل الاستقبال لكل ما هو غربي وسلبي في آن عند الكثيرين من أهل هذه القرية، لكنه كان يوجه أبصارنا لضوء ما في نهاية النفق السردي. الأمر الذي انعكس بدوره على شخصية بطله الإشكالي وأكسبه سمات ربما لا تنطوي عليها سمة البطل الإشكالي في صورته المعتادة. كان بطله، بالضرورة، يعاني من أجل تثبيت الناس وتحفيزهم على المقاومة، ولكنه لم يصبح مثلهم. لم نرَه ينكسر بوضوح من أطروحته والأطروحات المضادة. كانوا قاب قوسين أو أدنى من أن يجعلوا الجميع رغم عظيم حيلهم يتساوون في الدنس، لكن من الغريب أن يظل رهان البطل الإشكالي مستندا على أمله في صغار القرية وليس في ثوابت المرجعية، فالمناخ لم يكن يغري باختبار مرجعيات في الحقيقة نظرا لسطوة العبث الكائن... الرهان على الفطرة المستقيمة الطاهرة أكثر الأنماط الإنسانية تشبثا بالدرويش... الصغار الذين لم يكن العروج عليهم من منطلق تماس يعكس غرائبية الدرويش، فلقد كانت كل طقوسه غريبة على الجميع، ولكنهم كانوا يحبونه ويستجيبون لطائراته الورقية الملونة. هم بالضرورة آخر ما تبقى له من أمل يحفظ له الاستمرارية حتى لو انقلب منفيا من حظيرة كل الأنماط السلبية التي حدت به إلى أن يدفنهم معه في ذاك الكهف.

    في حقيقة الأمر، وجود البطل الإشكالي في سرد انطوى على هذا الكم من المفارقات والسخرية، والتضمينات التراثية، والأحداث الملتبسة، والأزمنة المتشظية، وعدم التورط في تفجير المكان بشكل محدد بالأحداث المسرودة، كل ذلك جعل من هذا البطل يحمل في يمينه دورقا بالماء المثلج بقصد إحداث يقظة طال أمد انتظارها، وفي يده الأخرى إدانة مريرة لسطوة البرجوازية والاستغلال، ووحشية الممارسات التي تتجه للإنسان بالشكل الذي يؤيد إحساسه العارم بالضياع والغربة.

    الوعي الروائي المتطرف

    من أبرز القيم الجمالية في هذه الرواية من حيث بنائها الكلي، أننا نستطيع الإمساك بالعديد من لحظات الوعي الذي يجوز توصيفه بالمتطرف، وليس أدل على ذلك من تلك التراتبية العجيبة للغة النص وتنوعها، الأمر الذي خلق تعددية لسانية بمستويات مختلفة...

    والتنور يفور
    وصافرات السفينة تعوي
    ودرويش ينادي
    يا أولاد الكلب
    " من كل زوجين اثنين"


    من هنا ندرك يقينا تحطم نوايا الكاتب عبر جميع مستويات اللغة التي ينطوي عليها فعل السرد، ولا نستطيع أن نربط بين ذات السارد وتفاصيل لغته المسرودة. وكأن الكاتب لا يمتلك لغة خاصة يمكن الوقوف عليها، ولكنه في كل الأحوال يحكم قبضته على مستويات أسلوبيته التي انبثق منها السرد.

    ليس سهلا أن ندرك منذ الوهلة الأولى مقدرة السارد ولكنها تعبر عن نفسها تعبيرا جدا واضحا من خلال هذه القطيعة الحادة بين لغة السرد كما يريدها، وبين بعض أنماط اللغة ذات الأبعاد الاجتماعية والأيدلوجية. نحن نراه قد آمن منذ اللحظة الأولى بأن سردا بهذا الشكل يقوم برصد واقع ملتبس يحتوي على كل أشكال التغريب والتشتت والضياع والغموض والنفعية، لا يمكن أن يحتفل بلغة قد تبدو تنظيرية، بل من الطبيعي أن تظل لغة بهذا الشكل تحمل في داخلها بذور انهيارها أمام واقع وتفاصيل هذا السرد.

    في منعطف مفصلي في هذه الرواية ..

    " لمست بأصابعي كتل الظلام اللزجة، وتذوقتها بلساني
    كانت الرائحة كريهة رغم عطر الزهور الفائح في كل مكان
    وكنت وحيدا
    صاحب الشرطة اكتفى بسماع أقوال المقتول (فرنسوا مارتال المنتحر) ولم يسألني رأيي
    لماذا لم يشك لحظة واحدة بأنني قد أكون القاتل"

    من المؤكد أنه لولا دراسة الفلسفة، لما استوقفني هذا السياق السردي الغريب بالفعل، ولاسيما أن الضد الحاسم الذي يشكل اللبنة الأساسية لصراع أبطال هذه الرواية هو صراع لم يكن من السهل التنبؤ بنهايته التي أسفر عنها سرد مبدعنا: التوثب للموت في ذاك الكهف الذي اختاره الدرويش وحشد له الناس، انتحار فرانسوا مارتال ذاك الفرنسي الذي ناصب الدرويش العداء.
    مما لاشك فيه أن هذا الصراع في حقيقته كان أيدلوجيا في الكثير من تفاصيله، حتى وإن تم تغليفه بهذا التكنيك السردي الغرائبي والمُهجن. لكن مرور الرواية دون أن تعطينا ملمحا أو عدة ملامح لعقيدة هذه العبقرية الروائية الكامنة خلف السرد لم يكن سهلا، فرغم كل ما اشتملت عليه هذه الرواية، أزعم أن هذا المنعطف تحديدا هو أكثر منعطفات الرواية تفجيرا للسؤال... لماذا انتهى بطلا الصراع على هذا النحو؟
    هذا السؤال يحفز بشكل كبير تناسل الأسئلة تباعا. لماذا الانسحاب أو الاختفاء ولماذا الانتحار؟ لماذا لم ينجح الدرويش في حسم معركته وقتل ذلك الفرنسي؟
    بغض النظر عن النتائج التي سأحصل عليها من خلال محاولة الإجابة على ذاك السؤال الذي فرضه فرضا هذا السياق والذي لا أدري إن كان سيتطابق مع أطروحة الرجل، حسبي أن أشهد من خلال ثنايا هذه المحاولة بعبقرية التحريض التي بثها في ذلك السرد وما انطوى عليه من دلالات.

    أعترف بشعور غريب فعلا انتابني وأنا أقرأ هذا المقطع السردي. ربما للمرة الثانية أو الثالثة، أجدني أحس بأنني أراني أقف أمام سطوة العقل الروائي إذا جاز التعبير. وجدت الكاتب قد بدأ بالانسلال إلى صلب الفكرة المراد طرحها، وما كان السابق لهذا المنعطف سوى تقدمة لحالة سرد استطاع الكاتب فيها تحقيق ذاته ووجهة نظره داخل خطابه ولغته. انطلق بجرأة للتماس الفاعل مع تفاصيل ما يرويه، واشتقاق ظلال نظرية تكمن خلف سرد يريد واقعيا أن يبلور ولو النزر القليل من مأساة تضغطه بشدة لحظة مخاض إبداعه، ولكنه وبحرفية شديدة سرعان ما يعود إلى نفسه في كل لحظة كي لا ينفصل عن حقيقته كسارد واع بحقيقة الفرق الجوهري بين كينونة الكاتب كمظلة مرجعية والقائم بالسرد والخاضع طوعا لمتطلبات الحكي، في إشارة لا يمكن الانفلات من عظيم معناها لرجل يدرك بالضرورة أن لحظة السرد تتجه عموما لمخاطبة مستويات الغيري الدلالي والتعبيري، وجدنا السارد في حكيه ووجدنا ما أصطلح على تسميته الكاتب المفترض والذي ينطلق على ظلال اللغة الأدبية، وفي كل لحظة من السرد تكون مرتبطة مرة بروح السارد، ومرة بروح ذاك الكاتب المفترض، طرح ضد طرح؛ وجهة نظر ووجهة نظر مضادة.
    إن هذا الاتصال الحواري بين لغتين داخل بناء السرد كان علامة فارقة داخل الرواية كبناء كلي يدل الدلالة الحاسمة على وعي الدرغوثي بأيدولوجيا الطرح الروائي برمته. منه استطاع تجهيز المناخ الملائم للنية الأساسية التي تعتمل في دواخله ومنتهى الهدف من الرواية ككل، فتحقق له التميز والمفارقة في كل لحظة. لم نشعر أنه موجود بالكلية داخل لغة السارد، ولا داخل اللغة الأدبية، لكنه تعاطى اللغتين بحيادية منقطعة النظير، وبشكل لم يمنحنا يقينا إلى أي اتجاه يميل الرجل. وظل، وتلك آية أخرى على الصعيد اللساني، طرفا جديدا لا يشترك في الخصومة والمجابهة. وبدا وكأنه متحرر من لغة وحيدة تصبغ النص بجمود لا يشكل هدفا لمبدعنا داخل بنائه السردي. ولكننا لم ننفلت للحظة من لغة ممتعضة هي تلك اللغة الوصفية للقرية على محك الممارسات والأخلاقيات المنهارة.

    إن مجرد الالتفاف حول النص الروائي لاكتشاف السؤال ليس عبثا صبيانيا من دوائر التلقي. إن هو إلا سعي جاد إلى رصد إشارة أو إيماءة أنتجها النص. من منطلق وجهة نظري الخاصة، أحسب أن العالم الروائي الذي صاغه "درغوثي" في هذا الجزء وربما في أجزاء أخرى داخل المتن الروائي قد يبدو محرضا لأهم ما يشغل السارد. ربما وجدنا السؤال كحقيقة ملموسة، ولكننا ضمنيا نشارك الروائي نفس الحالة من الحيرة النبيلة، ليس فقط على منحى الوصول إلى إجابة، بل على مستوى الإحساس العارم بالتبعثر والافتقاد للاتزان الحادث بين متجابهين، كل منهما مؤمن بما يعتقده إيمانا يجوز اعتباره متطرفا. لكن إذا افترضنا –جدلا- أن النهاية المرسومة روائيا لصراع الدرويش/ مارتال تمثل سؤالا قد أخذ سمت الحجر المُلقى في بحيرة راكدة، من شأنه صناعة دوائر تتسع بداية من مركزها، فإننا سندرك أن هذه الكتابة في حقيقتها لم تعترف للحظة بسكون التاريخ لأن الشخصيتين المتصارعتين رمزان، وليسا شخصيتين تنموان دراميا لخدمة هدف أبعد من القيم الدلالية لوجودهما كرمز. ربما استطاعت تقنيات السرد رصد وتحليل مفردات التبعثر الحادث ولكنها لم تتجاوز قيمة الفعل الإرادي من أجل التغيير، حتى وإن اعترضته معوقات الجمود والسلوكيات الشاذة والنفعية والمنحرفة، فشواهد الانتكاسة المجلوبة من التراث التاريخي لم تكن لتبرير الآن المنتكس، وشواهد الازدهار على الدرجة نفسها لم تكن للتسرية، إنما وُجدت كضامن مبدئي على عدم الشك من قبل السارد في زوال هذه الصور السلبية التي تعترض أحداثه المروية والتي تعكس حالة من حالات الرجوع والاستسلام والتأخر.
    لا أحمل في يميني صكوك المصادرة على نية الراوي، لكن ظني أن الراوي هو ظل هذا الدرويش، أو الامتداد الطبيعي له إلا أنه مازال مقيما على هامش التغريبة. كتب أطروحته الروائية لأنه لا يريد في الحقيقة أن يذهب إلى الكهف وينتظر موته.

    إن الضامن لمشروعية السؤال هو ذاته الضامن لحقيقة الدرويش وفرانسوا مارتال كرمزين في مجابهة. رمزان على درجة عالية من الثبات والرسوخ، لا يتحقق لهما الفناء، نظرا لما يحملانه من دلالات معنوية تشكل اتجاهاتهما الفكرية، ولكنهما قد يختفيان أو يندثران، ويظل الأتباع على الدرب سائرين.
    إن الدرويش كنمط إنساني، بعيدا عن آليات الرمز الذي انطوى عليها الخطاب الروائي، هو المعادل الموضوعي للطبقة العظمى المسحوقة في أي مجتمع. هو الفقير المعدم والتجسيد الحي للمنفي داخل حظيرة وطنه، لكن غربته تأمل، والبقاء على الهامش عنده إما من أجل بلورة رؤية تأتي في كثير من الأحيان مغايرة (حلول عبقرية جاهزة لواقع متردي)، أو رغبة في التسامي عن الانزلاق إلى عبثية المجموعة.
    إن الانسحاب والانتظار للموت داخل هذا الكهف حل رمزي هو الآخر للخروج من تيه طال أمده. ولكنه في حقيقته يحمل في باطنه معنى الاحتجاج الشريف. كشفت عنه تفاصيل سرد غرائبي يعكس بجلاء غربة صاحبه التمرد والامتعاض والمجابهة. سرد من الجائز أن نعترف بأنه قد خلق نفقا هلاميا مظلما، ولكنه لم يصادر على وميض من نور في نهاية هذا النفق، يعكس أملا أو رغبة مخلصة في إدراكه، أو أن يدركه غيره من القادمين بعده.

    إن إشكالية موت الرمز إشكالية ملتبسة في الحقيقة، فقيمة الرمز على محك التفاعل تتناسب طرديا مع كم ما يحمله الرمز من دلالات. فإن اتسمت بالثراء كان التفاعل شديدا ومنتجا، وإن كان فقيرا في دلالاته فلا شك في أنه سيخلق تفاعلا فاترا. بيد أنه في كل الأحوال لا يمكن الحسم بيقينية موت الرمز الذي قد يعلوه الصدأ والركام، أو يختفي في رحلة البحث عن هوية وجذور جديرة بالتقديس، لكنه يظل على الدوام ذلك الوميض السحري الذي يراود مخيلة البعض في أزمنة التبعثر والضبابية.

    لم أسع في هذا المنعطف لاستبطان مفكرة الرجل كسارد مقتدر، لكن زعمي أن جدلية الحل الروائي التي اختارت انسحاب الدرويش ومن ثم الولوج للكهف وتدشين الناس لانتظار موتها لا تدفعنا إلى اليقينية بموت الرمز وما يحمله من دلالات. إن اختيار الموت لم يكن انسحابا سلبيا من معترك المجابهة على الراجح؛ بل هي في حقيقتها إرهاصة التنظير من قبل الدرويش ذاته لمسألة الحياة والموت. تنظير تأسست أبعاده على دعائم تكتسب خصوصيتها من خصوصية مرجعياته كرجل ذي مواجيد صوفية. فالموت قرار قد اتخذته هذه القرية عندما تنازلت طوعا أو كرها من أجل حسابات نفعية ودنيوية متدنية، وأن تضمين رغبته مع رغباتهم كي ينتظروا موتهم داخل الكهف هي بالفعل فكرة صوفية تنشد خلاصه هو في الأساس، استجابة لعاطفة دينية على درجة من الثبات واليقين، وإيمان ضمني أن روحه أبدية، وأن موته المتوقع ليس موتا لما آمن به وحاول بثه في يقين الناس. دوره مستمر لأنه دور يحمل في ذاته مشروعية نجاحه، شريطة أن ينسحب أهل هذه القرية الذين لا يستحقون الحياة على منحى كونها مكافأة. يموتون كي لا يشكلوا إعاقة للنور المأمول. من هنا نكتشف أن الولوج للكهف من أجل الموت حل رمزي هو الآخر، يعكس دلالات الاستجداء من قبل الدرويش لطوفان لا يختلف كثيرا عن طوفان نوح. يموت كل معسكر الكفر الذي عاث في الأرض فسادا واستسلاما من أجل مجتمع مؤمن مضيء. يموت معهم ذاك الدرويش طواعية من فرط ثقته بأن هذه القرية بعد موتهم ستكون مهيأة لأن تستقر فيها سفينة الذين يستحقون الحياة فعلا.

    لكن الرمز المضاد قد انتحر حسبما أراد خالق الحالة الروائية، فهل فرانسوا مارتال عصيٌ على القتل كرمز؟ ولماذا اُختير له هذا المصير؟
    بلا شك أن ثراء الدلالة هو اليقين الذي يعبر بوضوح عن عميق رؤية قد يجوز اعتبارها استثنائية بالفعل. ويقين المرجعية الفكرية التي اختارت له هذه النهاية يقين إحاطة بكل تداعيات اللحظة. موت الرمز في شخصية فرانسوا مارتال ذاك الرجل الذي ولج هذه القرية كي يفرض أجندته الفكرية والذي سعى لتصدير كل ألوان المفاسد التي من شأنها تضليل وتدمير هذه القرية لن يموت سوى موت مجاني ربما، موت قدري يثير الدهشة أكثر مما يثير الشفقة التي لا مجال لها في يقين النورانيين الذين مازالت كلمات الدرويش وأفكاره تراود ذاكرتهم. إن المناخ العام على واقع الأرض في هذه القرية لا يستطيع أن يدخل في صراع تتحقق في الغلبة على حساب واحد من المتصارعين. انتصار حاسم يأتي فوق جثة الآخر، ربما سيتحقق ذات يوم، لكن على المدى المنظور لا يوجد ما يؤيد نهاية بهذا الشكل الدموي، فالغرب الذي يحمله الفرنسي على كاهله، رمز لصولجان حضارة عاتية، تمتلك الأيدولوجيا المصحوبة بكل أدوات التنكيل والدمار، لذا لن تموت بفعل زوالها النهائي من خلال مجابهتها من قبل حضارة أخرى تناصبها الضدية لمعظم ما تطرحه من مرجعيات، لكن يظل الأغرب أن يختار لهذا الرمز نهاية الانتحار في إشارة ضمنية إلى التورط في حالة إحباط واسعة تكشف رغم النجاحات الظاهرية عن فشل عارم في بسط معطيات أجندتها، وحين أقول إحباط أعنيها ولاشك، لأن فعل الانتحار في واحدة من معطياته يعود لإحباط ويأس قد أحاط بشخصية المنتحر، أو ربما أفرزت قريحة السارد إشكالية الخطأ التاريخي الذي يمارسه الغرب، ودائما ما يقع فيه عندما تسول له نفسه استفزاز هذه الحضارة في أرضها، والتي تأتي غالبا شواهد التاريخ لتؤكد أن هذه المحاولات هي في حقيقتها انتحار غير مبرر في أرض العرب، أو هو ذاك اليقين من قبل السارد في أطروحة (سارتر) الذي أسس على ضوئها فلسفته الوجودية حين أشار إلى أن الحضارة الأوروبية لن تزول لمجرد أنها تعرضت لمن يسعى لتدميرها وإنما الحضارة في حال اكتمالها على حساب المعنى الإنساني ستبدأ في الزوال لأنها حتما في هذه اللحظة تحمل في داخلها بذور انهيارها، فيما يمكن وصفه انتحارا للمعنى الحضاري الذي فشل في أن يستمر.

    الثالوث ليس مقدسا دائما :

    لكم أتعب مثلث (الزمان- المكان- الشخصيات) نقاد الرواية الآن، ومؤكد على ظلال "الدراويش يعودون إلى المنفى"، يجب أن نعترف بالكثير من آيات التعب، ولكنه ليس تعبا بقدر ما هو انعكاس لتعب السارد الذي أراد أن يمنحنا كل آيات التبعثر الحادث على حيز هذه القرية.
    إن ما قرأناه في فضاء الرواية وما أشتمل عليه من أدوات وأسلوبية هي ولاشك كتابة أزمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فالنص الروائي الآن على محك الإبداع لن يستطيع بأي حال من الأحوال أن ينفصل كليا عن وقائع أزمة موجودة، بل سيبقى من معايير نجاح الرواية درجة تماسها مع رصد هذا الواقع المأزوم وما ينطوي عليها من تفاصيل، والتعبير – مهما اختلفت درجاته- عن أزمة الإنسان.

    قبل الولوج للحديث عن هذا المثلث، نشهد بأن هذه الرواية تحمل من عناصر إبداعها مظاهرة احتفالية بالتفاصيل والأشياء والكثير من مفردات الحياة التي يتعاطاها الناس على ظلال هذه القرية. هي تفاصيل بالفعل ولكنها تعبر عن فاعلية غريبة توضح حركة هذه الأشياء وبيان تأثيرها على الناس داخل بناء النص. لكن الملفت هو التأكيد الصريح على كاريزما هذه التفاصيل والأشياء وبشكل مقصود في الحقيقة ليتحقق معنى الزوال الإنساني والانسحاق كي تبدو شخوص النص وكأنها أشباح فارغة من أي محتوى. رغبة موجودة لدى الراوي والواقع القائم عليه السرد يبرر وجودها، وليست افتئاتا على شخوص النص، فهم كمرجعية مهمشون وضائعون أمام سطوة هذه الأشياء وما تحيله من دلالات رمزية تعكس حالة التفسخ العارم الذي يعيشون فيه.

    {وجوه الرجال كالحة.
    و الدكاكين ملأى بالسلع.
    أشرطة مسجلة لمادونا و هيام يونس و مرسال خليفة و الشيخ إمام والشيخ العفريت و عبد الباسط عبد الصمد.
    و " كاساتات " فيديو : كرة قدم و فخذا سعاد حسني و " كاراتي " و صدر ليلى علوي و مذابح الهنود الحمر..
    و علب كوكا كولا تزين الواجهات ..
    و تلفزيونات ملونة تبث برامج قنوات فرنسية و أمريكية.}

    إن الاهتمام المبالغ فيه من قبل الراوي بهذه التفاصيل لم يكن بقصدية التأكيد على عنصري المجتمع الروائي: الناس والبيئة المحيطة، البشر والتفاصيل كحركة من حركات التفاعل التي يكشف عنها نسيج الحكي، بل كانت تعبر عن مدلول الزوال البشري أمام عناصر حضارة وأشياء تعرض بضاعتها بشكل فج، ولكنها على صعيد البناء الروائي خلقت معنيين على درجة كبيرة من الأهمية: أصابت دوائر التلقي بالامتعاض من الوضع العام التي تعيشه القرية، وفي ذات الوقت كشفت عن ضبابية وتعقيدات تغلف شكل علاقة الناس بمفردات عالمها.
    من أكثر المفردات دوارانا على ميزان الإحصاء ( قِدر/ مسدس/ محفظة جلد/ السوق/ الحشيش/ الخمر/ الكؤوس/ الإبريق/ كوكاكولا/ الفرش.
    لاحظنا اختفاء كل الذوات في مقابل سطوة الأشياء والتفاصيل التي لم تعد هامشية في حياة البشر بقدر ما أصبحت دليلا على سيطرة ماديات ابتلعت البشر وأعاقت كل لحظات التفكير من أجل تغيير هذا الواقع المتردي.

    إن لعبة الزمن في هذه الرواية إذا جاز لنا أن نسميها لعبة، انطوت على معالجة تجريدية إلى حد كبير، فمن الصعب بمكان أن نحدد بدقة في أي زمن يُصب فعل السرد بما انطوى عليه من تفاصيل غرائبية، وما أشتمل عليه من تمازج جدا فاعل في مستويات البنية الدلالية للتراكيب التراثية والحديثة، والتي عبرت بجلاء على تداخل الأزمنة وسيولتها، وعدم القدرة على ربط الكتلة السردية بإطار زمني يحدد مشروعية وجودها داخل بناء النص.

    إن محاولة تجريد الزمن والسعي إلى إبراز جموده، هو بالضرورة نوع من الثورة على مفهوم التتابع والحركة، والطعن في مقولة المنطق التي من شأنها تغليف الحدث الروائي بشيء من الانتظامية، وهذا لم يحدث في الحقيقة، نظرا للجو العام الذي سيطر على تفاصيل السرد، فالمناخ العام سيطرت عليه كل آيات الغرابة، وطبائع القصص المؤسطرة والخرافية و المُطعمة بالخيال، وكأننا أمام رغبة مقصودة من السارد تتيح لنا قراءة رواية هي في حقيقتها قصة شفاهية قديمة، جملة هذه الحكايات بأحداثها وشخوصها ورموزها تضافرت مع الحكاية المتخيلة، وكأن الرجل يشحذ همم الذاكرة الجمعية لتعيد تشكيل الحكاية الماضية وحسن إسقاطها على الواقع المعيش. ومن خلال هذا القصد يتم شحن الحكاية المتخيلة بقوة ضغط تمكنها من الانسلال داخل هذه الحياة فنعتقد معه أنها واقعية أو تكاد. وربما ذاك الذي يفسر سطوة الراوي وحضور التفاصيل والوصف والاسترسال، والانحرافات السردية.

    الغريب، وجدنا ما يُلمح إلى أن الماضي ذاته الذي استقى منه شواهده التاريخية كي تحضر للسرد على محك اللحظة الآنية، قد بدا وكأنه هو الآخر ماض ملتبس، تفاصيله هي الأخرى لم تخضع لمحاكمة منصفة. وعلى الجانب الآخر من النهر وجدنا الحاضر ذاته حافلا بكل مظاهر الفوضى والضجيج والالتباس والافتقار العارم لأي منطقية. حاضر تبدو مفرداته أكبر من أن توضع في إطار زمني محدد به بعض من نظام هو في الأساس غير متحقق واقعيا.

    لكن ورغم كل هذا يظل الزمن التي انبثقت منه الأحداث، زمن على درجة من التحديد الدلالي الذي انبثق منه فعل السرد في المطلق، تاريخ حرب الخليج الثانية تحديدا، وكأن هذا التاريخ بعينه هو وقود السرد برمته كحدث يشكل منعطف هام في تاريخ الواقع الأممي بالكلية وليس واقع هذه القرية التي هي مرآة تعكس الأزمة بتفاصيلها المعقدة.
    إننا إذا اعتبرنا هذا الحدث بعينه الخيط الأول للإمساك بالزمن في الرواية، لكنا بمثابة من يريد اختزال النص الروائي في نص دعائي يشبه إلى حد كبير بيان إخباري وتوضيح تداعياته. بل من الجدير بنا أن نعتبر هذا الخيط هو اختزال للزمن العربي كله أو في الكثير من منعطفاته، في تاريخ قريب الأثر بالواقع الحالي.
    إن مرجعية الزمن في هذه الرواية بحق وكأنها إعادة تفجير لزمن راكد وجامد، فإن كان التاريخ قد يصاب بطبقات الصدأ والركام فإن الوقوف عند هذا الحدث كقوة دفع منتجة لهذا النص تبدو لي وكأنها تفجير لدلالات أنتجتها أحداث تاريخية متكررة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون العيب في ضعف الذاكرة الجمعية التي لا تستطيع الربط بين حركات التاريخ المتتابعة في دائرة لا تنتهي، وما كانت كيمياء هذا السرد الكاره الممتعض لتفاصيل هذا القرية النائمة إلا تعبير عن سأم في حقيقة الأمر. من هنا نكتشف أن هذا الزمن المرجعي نفسه هو في حد ذاته زمن رمزي يختزل ما حدث في الماضي البعيد أو القريب على السواء، وكأن الناس تتحرك في ثنايا هذا الزمن بلا حركة، ومن فرط التكرار، حدث ما يشبه ثبات عناصر هذا الزمن، وثبات شكل التعاطي مع مفرداته. إن أهمية ما يمكن الوقوف عليه في آلية بنفس هذا الشكل هي الاعتراف الصريح بجمود الماضي والحاضر. ليس جمودا منطلقا من ذاته بقدر ما هو جمود العناصر البشرية التي لا تتفاعل معه بالشكل الذي من شأنه خلق إرادة الفعل الساعي للتغير.

    إن إشكالية الزمن كإطار مرجعي استند على حرب الخليج لم يكن في حقيقته سوى حيلة فنية من السارد –رغم أهمية هذا التاريخ- تدعوه إلى تثبيت أركان المأساة التي يحيلها حدث كهذا لزمن على درجة من الوضوح، ولكنه في ذات الوقت قد اتخذ من دلالاته مسرحا لزمن مراد لذاته لم يتحقق بعد داخل المتن الروائي. بمعنى أن هذا الحدث ظل بطلا ثانويا في عرض مسرحي ليس ثمة فيه بطل محوري، يعطي للأحداث المسرودة إطارا منطقيا. إن هذا الحدث نفسه قد بدا كحدث متواتر يحدث كل يوم على واقع الأرض، ولا يختلف كثيرا عن تلك الأحداث القادمة من رحم التاريخ في جملة ما يحمله من دلالات مماثلة لبشاعة الحدث الذي قد يبدو كعتبة انطلق منها السرد. إننا لو سألنا أنفسنا عن تلك المساحة التي شغلها هذا الحدث داخل السرد لوجدنا أنه وميض فسفوري لم يكن ليعلن عن نفسه كحدث ولكنه حدث كسائر الأحداث التي ينفتح عليها النص من الزمن الماضي سواء البعيد منه أو القريب، ولكنه يختلف عن هذه الأحداث في وجوده كعلامة دالة على مناخ التحريض الذي خلق النص من جهة، وأعطى الإحساس العام بدائرية حركة الزمن ذاته.

    لعلني أمارس ضربا من مبالغة إذا قلت: إن السارد هو الممثل الحقيقي للزمن في معناه، هو المتحدث الرسمي نيابة عنه في معناه الهلامي المتشظي ومن خلال هيمنته كسارد مقتدر، فهو موجود على الدوام يصف ويسترسل ويعلق وأحيانا كثيرة يوقف مجرى السرد من أجل المرور على حادث لا يبدو في كثير من الأحيان مقحما ولكنه على منحى البناء الكلي مفعم بالدلالة. والأشد من هذا أثرا أنه وحده الذي ينتخب الزمن الذي يريد التماس مع أحداثه.
    حتى عند الرصد التفصيلي السارد لثنائية الليل والنهار التي تعيشها هذه القرية وجدناها ثنائية محترقة إذا جاز التعبير. ظرفان على درجة كبيرة من العبثية فالنهار كائن أصم لا يتحقق ضجيجه وحركته إلا من خلال السارد الذي يندفع لتوصيف ما بها من ممارسات غير ممنطقة. والدرويش الفرد العائش على هامش التغريبة يمارس تفاصيله الغرائبية والطقوسية ويعرضها على أناس يقبعون في اللازمن أصلا.

    إن ضبابية الزمن أو نفيه أو عدم التورط في تحديده بإطار مرجعي بدا لي وكأنه، في حقيقة الأمر، لا يعدو أن يكون رغبة السارد في الانتقام من أهل هذه القرية التي استباحت لنفسها أن تنفي حقيقتها في ظل هذا الوضع المنهار. كما أنها وبدم بارد قامت بنفي هذا الدرويش من تلك الحياة التي حسب نفسه قادرا على تغييرها بما يملكه من يقين مقاوم، بينما ظل الليل مرتعا لآلام هذا الدرويش من جهة، ومسرحا مفعما بكل ألوان الصخب والمجون والمؤامرات.
    إن جلال الثقة وهيبة الطرح عند الدرغوثي تغريني بالقول: إن تغييب أي حدث من الممكن اعتباره مركزيا في متن الرواية مع الحرص على تماهي الأزمنة وتداخلها بهذا الشكل الذي تحقق من منطلق انحرافات سردية متكررة كانت بدورها طموحا مشروعا للحديث عن أزمة تتسم بالشمولية لواقع الإنسان العربي. هي ربما سعت لتغييب الزمن حقا، لكنها لم تتوقف لحظة عن تعريته وفضحه، واستجلاء مثالبه. زمن بلا يقين واضح مترع بالاستكانة والإذعان، يغلف الغموض والعشوائية وانعدام التفاعل والغياب أفعاله، زمن بلا أسماء( رجل/ امرأة/ تاجر) من هنا نجزم بزوال الحركة وبالتالي انعدام الزمنية، وتآكل حاد للذاكرة، تحول فيه الدرويش لحالة عارضة، نتوء في جسد متهاو، يستثير الشك والدهشة والتفسيرات الساذجة. لذا لم يكن بدعا أن يتراجع الزمن الحدثي الذي من شأنه أن يساعدنا على أي رصد للفعل ورد الفعل داخل إطار الزمن.

    مسرحة المكان :

    إن التحدث عن المكان الروائي عند" درغوثي" ورغم ما سبق وأن قلناه عن الأزمنة المتداخلة، يستدعي أن تبقى الخلفية الفنية لآليات الدوران حول مفهوم المكان الروائي حاضرة بقوة.
    مما لاشك فيه أن مسألة المكان (آثر السارد أن يرتكز على هذه القرية) مسألة قد تبدو في كثير من الأحيان إشكالية فعلا، وهذا لم يكن محض عبث بقدر ما كانت رغبة حاضرة للتخديم على الفكرة الرئيسية التي تتجه للطعن في هذا المكان من جهة، والعمل على خلق مناخ يساعد السرد الغرائبي المُطعم بالخيال والأسطورة والإيهام بالواقعية من جهة أخرى.

    إن القرية في حقيقتها هي التي حققت ما يمكن تسميته بمركزية الأحداث. باتت كالمسرح الذي ينطلق منه النص بالقوة والفعل. في إشارة إلى كون القادم من أحداث حتى وإن أتصف بالعبثية والغرائبية، فإنه يستند على أرضية من واقع؛ أنا لو حاولت أن استنطق مبدعنا حول هذا المعنى لقال:
    إنما اختزلت تلك الرقعة الممتدة من المحيط إلى الخليج في هذه القرية. أنا لو تورطت في توصيفها جغرافيا لكنت كمن يقوم بتحليل رموز هي في حقيقتها واضحة وضوح اليقين الذي أبحث عنه، والذي ضاع في لحظة من لحظات غريبة لتاريخ غلف الرمز برمته. بل أنا أقوم بتوصيف حفنة من المتغيرات التي أحالت ذاك الإقليم، المتناهي المحدودية كجغرافيا ولكنه عظيم المساحة، إلى مرموز دال على شمولية الكارثة التي تحولت إلى كابوس.

    ورغم يقين السارد في رمزية المكان، وتلك الرغبة في اختزاله داخل حدود هذه القرية، وجدنا أن السرد في الكثير من منعطفاته يقوم برصد واع لتلك التأثيرات الإنسانية وغيرها سواء بالسلب أو الإيجاب وبطريقة أعطت معنى الصياغة والتشكيل لهذا المكان، بغض النظر عن فحوى هذا التشكيل والذي جاء في معظمه مدمرا ونافيا للانتظامية ومؤكدا لكل آيات الحيرة والضبابية والالتباس. وكأن السارد يعيد بعض الاعتبار للفعل الإنساني( السلبي والمشوه غالبا) كونه ليس محايدا. وفي ذات الوقت ضرب بمقولة حيادية المكان كثابت متجمد إلى درجة عرض الحائط، من فرط التشويه الذي يمارس على ظلاله.
    ربما أعلنت تقنيات السرد، في جرأة لها ما يبررها، الطعن- مؤقتا ولعلة خاصة به- في مقولة أبدية الزمان ولاسيما في هذه الرواية التي نحن بصددها، على اعتبار أن الأمكنة لا أبدية لها، الزمن يتحرك بينما المكان ثابت على الدوام نظرا لمحدوديته، لكن ذلك لا يغرينا بأن نندفع وراء تصور أن المكان في هذه الرواية كان متحركا بالكلية بينما الزمن ثابت ودائري. على اعتبار أن السرد ومضامينه التي تفجرها الحكايات الواردة داخل أنساق السرد تعلن في امتعاض : ما أشبه الليلة بالبارحة. بل يمكن لنا أن نقولها غير هيابين: إن المكان كان العنصر الوحيد داخل بناء الرواية الذي لم يكن سهلا الانفلات من الإحساس بتغيراته المستمرة على محك السرد الكاشف: تغيرات قد تبدو محدودة إذا ما قورنت بتغير الأنماط السلوكية للبشر في جنباته، والتي انطلقت بوعي مدروس للتفاصيل داخل المكان في كليته والمكان داخل عناصره المنتخبة بعناية داخل الفعل السردي، لكنها كانت تصف كرغبة روائية، وتعري ذاك التشويه الذي طرأ على المكان وبفعل الزمن في نهاية الأمر.

    إننا لو قمنا بتطبيق مبدأ روائي يكتسب قيمته من قيمة حركة لاعب الترابيز الذي ينتقل بمهارة بين حبل الصورة السردية التي تتجه إلى عرض الأشياء في حال حركتها، وحبل الصورة الوصفية التي تعرض الأشياء في حال الثبات، لوجدنا هذا المكان الذي يرتكز عليه فعل السرد قد أعطانا مشهدا كليا ثلاثي الأبعاد. والذي جاء تعاطي الروائي له بنفس ذات النظرة الثلاثية.
    ربما يكتنف الحديث بعض من غموض، لكن من الممكن أن نبدأ من عتبة الخبرة التي تقف كمرجعية روائية تصبغ عنصري الوصف والسرد بقيمة الفعل المستبطن لما ورائيات المكان، وهي تقف بدورها كحقيقة مجابهة، لا تتحدث عن نفسها من منطلق حركة شخوصها، بل من خلال السارد ذاته.
    إن خلخلة الواقع المعيش بالقصص التاريخية والخيالية والوقائع الغريبة في حد ذاتها قد خلقت مكانا ظاهريا على بساط الرواية يبدو كمسرح يمكن عرض الخطوط العريضة لمضامين السرد وما أنطوى عليه من رموز ودلالات(بعد أول).

    من الضروري أن أتوقف، إذ من المؤكد أن دعاة الاقتصاد في الوصف( كي لا نصادر على خيال المتلقي) سيقفون موقفا مضادا للدرغوثي، لكن أستطيع الدفاع عن هذا الاسترسال في الوصف{ الليل/ المجون/ جلسات الكيف/ الجنس/ اللواط/ الخمر/ الانبهار/ حركة الاستهلاك}تفاصيل جاءت كمحاولة لعمل ما يمكن اعتباره(zoom in) لهذا الواقع المتفسخ والضبابي والذي يقف منكسرا مستسلما لمفردات حضارة مدمرة ابتلعت جماليات هذه القرية.

    إن هذا البعد كان مسرحا لواقع مغيب وعبثي، وطالما كان كذلك فمن الضروري أن ينبثق منه بعد ثان يمثل كواليس هذا المسرح الذي يمكن توصيفه بالواقع السفلي لحياة شخوص هذا العرض، وبقصدية تكثيف البشاعة والضياع والحيرة. هو واقع ذو صفة ضاغطة بكل مفرداته، منفر، يمثله معسكر يناصب الدرويش العداء لمجرد جهله بحقيقة مراده منهم. البعدان ظلا بطول الرواية وعرضها يتبادلان المواقع كي يعبرا عن حياة الناس وما فيها من تناقض وغرابة وابتذال.
    إننا لو أمعنا النظر في هذين البعدين لوجدنا أن البعد الأول أكثر جمودا من البعد الثاني، ولعلة واضحة في نفس السارد. فالأول يغيب فيه التفاعل الإيجابي بشكل حاسم، بينما الثاني يمور بالتغيرات الجذرية، وبهبوط حاد متسارع لكل القيم والأخلاقيات.

    {والجمال يربت على الفخذين الشقراوين ..
    ويمارس العادة السرية جهارا فيسيل لعابه على الرمل .
    والسنام يعلو و يهبط .
    والسراب يحول الصحراء إلى سرير كبير .
    وتقطر اللذة من عيني السائحة الأمريكية.
    ويربت الرجل على فخذيها بحنان ، فلا تخجل .}

    لا أريد التورط في سفسطات فلسفية، لكن حسبي ثراء النص الذي يدفعني لها شئت أم أبيت، فزعمي أن التماس الوصفي الذي ذكر الجبل والنخل والأحجار لم يكن عبثا، بل جاء تأكيدا لمقولة المكان المعياري الذي يستنكف الراوي من أن يجعل منه عرضة للعبث مثلما حدث لباقي مكونات القرية. لكن تظل المفارقة في جعل هذه المفردات ترميزا لحقائق هي بذاتها يقينية، وكأن الإشارة لهذه الجمادات بالثبات والرسوخ كانت في يقين شخوص هذا الواقع مسألة تحتاج لتأكيد، في دلالة مرعبة عن مدى التخبط.
    من هنا نصل للبعد الثالث الذي ينحسر في رمزية الارتفاع على محك المكان والمكانة، زاوية الجيلاني المستوية فوق تل، وبيت "مارتال" المستوي فوق هضبة.

    هل يمكن أن يكون ارتفاع الزاوية والبيت ارتفاعا جدليا كنقطتين يشرفان على القرية؟
    إن تجسيد مقولة الارتفاع التي اختارت للزاوية تلا وللبيت هضبة، هي في حقيقتها قدح في شكل تعاطي الناس لمفهوم المكان والمكانة معا، ففي حسابات الجغرافيا ربما لا يوجد ثمة فرق واضح بين التل والهضبة، فالاثنان ليسا بالغي الارتفاع، لكن ربما علينا أن نسأل يقين الناس في هذا الجو المضطرب عن رأيهم.
    إن تفاصيل الممارسات الصوفية والمواجيد والذكر تراجعت في نظر هؤلاء. وإن ظل مرتفعا في يقين المؤمنين به وهم قلة، فبقاء الزاوية على (تل) ليس سقوطا إلا في عقيدة هؤلاء الضائعين. وبقاء بيت"مارتال" على الهضبة ليس سوى ارتفاع لقيم التراجع والابتذال والذي يستمد فوقيته من إيمان الناس وتكالبهم على هذا الكم من الموبقات.

    إن وعي الراوي يدرك تداعيات أزمنة الهزيمة التي تنحسر فيها الرؤية اليقينية حتى تكاد أن تزول. تنهار القيم والبناء الاجتماعي ومعهما المعايير الجمالية. يختفي الإبداع وينتشر التقليد الأعمى، وتهتز الشخصية من جذورها، ويتجسد معنى الضياع والحيرة في أبشع صورهما، يفقد الناس كل معنى يحقق لهم صلة متزنة بعالمهم، في إرهاصة تشي بعدم القدرة على أي بناء من شأنه تعمير خرائب الأرض والضمائر. إن معسكر الضلال المحيط بالدرويش والذي تراجع لحساب (مارتال) القادم بصولجان حضارته، دعاه غروره وخضوع البشر واستسلامهم إلى أن يبني بيته في مجابهة زاوية للدراويش. منه، ينطلق لصناعة تغريبة هؤلاء الناس واستعبادهم. خلق لهم فيه مناخا منحطا ومقززا، مما دعا القابضين على جمر يقينهم إلى أن يستوي بهم المقام في كهف فوق جبل، لا لكي يعصمهم، ولا فرارا بدينهم، ولكن من أجل موت سيأتي بمستقبل جديد يعيد لهذه الخرائب بعضا من العمران.

    {و صار منزل الفرنسي محجا للأهالي، يطوفون حوله، و يتبركون بأحجاره. حتى الكبار : شيوخ القبائل، و قادة الجند، و كبار التجار جرتهم رائحة " الكيف " إلى هناك، فجاءوا زرافات، وحطوا الرحال داخل حديقة القصر.}

    ربما أنا بصدد ممارسة جنوني المعتاد، لكن الصدق يحتم عليَّ أن أعترف بشيء قد يوحي بدلالة بإمكانها أن تساعدنا في بلورة فكرة عقلانية إلى درجة لتفسير هذا المكان كمنطلق للحدث الروائي، وكرمز محمل بالدلالات في آن، فملفوظ (قرية) استوقفني فعلا، هو مجلوب ولا شك من ذاكرة تراثية يدركها مبدعنا بشكل كبير. القرآن أفرد لهذا اللفظ دلالات أنتجتها السياقات التي ورد فيها. هذه السياقات هي أبعد ما تكون عن تحديد مفهوم القرية وبيان خصوصيتها، وهي التي من شأنها استخلاص معنى حقيقتها كمساحة جغرافية يقطنها جمع من الناس؛ أذكر منها( أو كالذي مر على قرية) و( لو أن أهل القرى آمنوا) و( وضرب الله مثلا قرية) و( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها).
    بالضرورة، لن أتحدث عن (قرية) من منطلق المعالجة المعجمية، والتي تسير معظم مترادفاتها في طريق الاستقرار، والإحسان.
    أزعم أن الوقوف عند مصطلح قرية، سيخلق سؤالا لماذا لم تكن مدينة؟
    في حقيقة الأمر، أرى أن اختيار الـ "قرية" تحديدا يرتكز على ثلاثة محاور.
    الأول: إن حقيقة القرية كمساحة تتسم بالمحدودية، ويسكنها عدد محدود من الناس. العلاقات الاجتماعية تكون فيها على درجة كبيرة من الاتصال والحميمية، إذا ما قورنت بتفاصيل السرد الذي جاء على لسان الراوي والذي من شأنه أن يخلق حالة من حالات الصدمة لدوائر التلقي والتي قد تسأل في لحظة ما... ما أبشع الذي نسمع! أفي هذه المساحة الصغيرة تكمن كل هذه الألوان العبثية والحيرة والانحلال؟!
    آلية مقصودة من الراوي أضفت قتاما قد يبدو أكبر بكثير من أن تتحمله قرية بهذا الحجم؛ يتجه للتأكيد على خطورة الوضع بوجه عام.

    الثاني: إن عبقرية الشعور الإنساني بمعنى القرية ولاسيما للذين نشؤوا فيها، تجعل منها معنى قريبا جدا من وجدانهم، يحملونه في ضمائرهم كمرادف لمعنى الفطرة والبراءة، ومؤكد أن إقامة سرد مفعم بهذه التفاصيل هو بدوره إقرار بأن الفطرة ذاتها تعاني انتكاسة عظيمة الخطر.

    الثالث: إن تفسخ مجتمع المدينة لما تشتمل عليه من زحام وضجيج وعلاقات اجتماعية متوترة، مبنية على علاقات نفعية في الأساس تحكمها المصلحة، قد يبدو مبررا في أحايين كثيرة، لكن القرية تظل في مدلولها تحمل سمت الضد الحاسم لواقع المدينة، البراءة والبكارة والهدوء، الإخاء والتعاون، الروابط الاجتماعية المتينة والمتزنة، الضمير الجمعي الذي يُشعرك بأن الناس في ظلها قد اجتمعت على قلب رجل واحد، لكن مع آليات سرد كالذي رأيناه فمن المؤكد أن معنى الضدية مع ما هو كائن في واقع المدينة قد انتفى كليا، بل والأشد قسوة هو طرح سؤال من قبيل: إن كان كل هذا يحدث على ظلال قرية... فما بالنا بما يحدث في المدينة؟ في إشارة جدا واضحة لحالة عارمة من ضياع، على مستوى كل الأقاليم، لا يمكن تحديده.

    ربما قد طال هذياني في هذا المنعطف، لكن المقام يغريني بأن أقول: إن مرجعية لفظة قرية كمكان، جاءت منطلقة من دلالات قرآنية في الكثير من مضامين الدلالة التي تتجه لأحقية هذه القرية بالعذاب الذي ينتظرها جزاء وفاقا، فلفظة قرية في كثير من السياقات القرآنية مقرونة بالخواء على عروشها، أو بالتعرض للويل والثبور نتيجة أفعالها التي جاءت ضد الطبيعة والنواميس. وما كان سرد الدرغوثي هنا وفي كثير من منعطفاته إلا للحديث عن ضلال وفسق مترفيها، وما كان الولوج للكهف انتظارا للموت سوى استجداء لطوفان جديد يطهر الأرض ويفتح الباب للأمل المتمثل في معنى الطفولة، ومن يطعن- جدلا- في هذا فليسأل الرواية.

    الدكتاتور يشاهد كرنفال القشور من منصة السرد:

    في البدء اعتذر عن هذا العنوان وما سيأتي لاحقا للتعبير عن الإحالات التي فجرها لديَّ، وأنا أطالع الدراويش يعودون إلى المنفى، فالإبداع من وجهة نظري الخاصة ممارسة ديكتاتورية إلى درجة كبيرة، ولكنها في لحظة توقفه عندما يعتقد المبدع أنه قد أنجز الهدف أو يكاد، يفسح لنا الطريق إلى مضامين النص الروائي كي نمارس ديمقراطية كنا ننشدها.
    من الصدق بمكان أن نعترف بهيمنة الدرغوثي كسارد إشكالي في الحقيقة، وما كان طوافه في أركان روايته إلا لتأكيد العديد من المعاني، الظاهر منها والمخفي والذي يبدو على محك السرد آية من آيات العمق، يدرك يقينا أن الصدمات الكهربائية التي تضمنت الكثير من تفاصيله حتى وإن بدت قاسية، إلا أنها ضرب من علاج، لذا بدا صوته هو الأعلى على الإطلاق، وإن كان قد سمح ببعض من نفحات الرحمة أن يوكل أمر بعض المناطق السردية إلى أصوات أخرى تنوب عنه.

    من المؤكد أن السارد هنا لم يكن سوى حقيقة لا تختلف كثيرا عن حقائق واقعه التي قام عليها بفعل السرد، فهو في حد ذاته آية من آيات التشظي والحيرة، لذا بدا لي في الكثير من مفاصل الرواية وكأنه مرتبك، يرثي بدموع يكتمها برباطة جأش، يقدح في تجريح قاسي، يائس إلى درجة، ويستجدي حلما مغايرا يكسر هذا الجمود. السارد هو كل هذا الجمع، مارس سطوته بالتحدث نيابة عنهم في طعن واضح وإشارة لعجزهم حتى عن إبداء مواطن ضعفهم وترديهم.

    إن مركزية الصوت السردي الواحد في أغلبه، ومن ثم السماح لدرويش أو "مارتال" أن يعربا عن صوتيهما، لم يكونا بدعة أو افتئاتا على الحقيقة. فالزمن احتفالية بالهذيان والاستسلام وتبدل القيم وبالتالي يتراجع الفعل ورد الفعل. ينزوي الإنسان ولا يبقى سوى العبث والتراجع؛ تستحيل الشخصيات إلى كتل متحركة فارغة من معناها، تتحرك بلا انتظام، تثرثر وتعلن عن جهلها بدهشة، تدخل طواعية في زمرة الأشياء التي تتحرك قدريا وليس بفعل إرادة عاقلة وقادرة على مجابهة متغيرات واقعها.

    أشهد للراوي هنا أنه من الذكاء المتطرف الذي أستطاع به أن يصوغ خدعة فنية إذا جاز التعبير، تتمثل في تغطية الجمود بمرونة فعل السرد. فرغم هذا الزخم الشديد من سرد مُطعم بالأسطورة والمتخيل والواقعي، كان الواقع الباطني لشخوص النص واقعا متجمدا إلى درجة، يتأرجح بين جمود المرجعية، أو الجمود من فرط الفشل في هزيمة الأجندة المضادة. بالفعل، عندما أصف ذكاء الراوي بالمتطرف فأنا أعني هذا يقينا. فإن سلمنا جدلا بأن فرنسوا مارتال هو علة هذا التراجع، وشكلت استجابة الناس عاملا مساعدا، فأني قد أرصد جائزة لمن يستطيع أن يضع أيدينا على مبدأ السببية والحتمية الذي يغلف أحداث هذه الرواية في جملتها. لم يكن سهلا أن يتورط الدرغوثي في بسط معطيات سرده على مبدأين لا يمكن تحققها بوضوح في واقع قام بتوصيف تفاصيله بهذا الشكل، لأن زوال السببية والحتمية هو المعبر بجلاء عن غياب الفعل الإرادي، بالإضافة إلى زوال المعيارية أو القانون الذي من شأنه ضبط حياة الناس على واقع هذه الأرض، وهذا في حد ذاته هدف يؤكده السارد بضراوة، لكن قد يكون كهف الموت هو الحتمية الوحيدة.

    أحذر من يقف عند هذا الرأي ويحاول أن يربط بين هذه الرغبة والأطروحة الماركسية التي تؤمن بالجدلية التاريخية، والتي تصف حركة التاريخ بالحتمية والصرامة وتغييب فعل الإرادة التي من شأنها تغييره أو حتى التحكم في إيقاع حركته، حتى لو انتخبنا من النص شواهد دالة على ذلك؛ فلو لم نر كتلة سردية تحمل سمت السبب، وكتلة سردية لاحقة تأتي كنتيجة لها، أو اعتمدنا على اهتزاز النظرة الواثقة من قبل السارد في وجود من يملك على مسرح الحاضر المعيش من يستطيع التغيير، فليس هذا مدعاة لأن نربط هذا بالأطروحة الماركسية. وأزعم أن هذا، في حد ذاته، اختزال لقيمة أكبر من قيمة الطرح الماركسي ذاته، ترتكز على يقين أكبر يرى أن فعل التغيير يرتبط بمعطيات هي بالضرورة ليست متحققة. وإذا عولنا على( درويش/ مارتال) فهما في الأساس شخصيتان طقوسيتان في الحقيقة؛ لا يمكن تحديد أيدلوجياتهما ومستويات فعليّهما الإرادي إلا من خلال ممارسات، إما مبتورة، أو تواجه إعاقة من مصدر ما، الأمر الذي يجعلنا نشعر دون أن نظلمهما كرمزين أنهما متعادلان تقريبا.

    إن الاقتصاد الواضح في ذكر أسماء شخصيات الرواية كان إشارة واضحة إلى أن الكل متشابهون{ الخلق/ الرجال/ النساء / الأطفال/ السياح} وأن الثلاثي المحوري الذين يرتكز عليهم سير الأحداث وهم على الترتيب( درويش/ فرانسوا مارتال/ نمرة) هم الذين يحققون للسرد هيكلية الحكاية، أما باقي الشخوص، سواء كانوا زمرة الفقراء المواليين للدرويش، أو طبقة الكبار والتجار حاشية الفرنسي مارتال، فهم لا يعدون أن يكونوا صورا متحركة تنتفي عنها أي ظلال يمكن رصدها اللهم إلا جملة ما تتأثر به، كلٌ حسب ما يسير خلفه من مرجعيات وإن اجتمعوا جميعا على كيمياء العجز والانبهار السلبي.

    من أبرز المعاني التي قد نصل لها مع قراءة هذه الرواية، أن منظومة سلوك شخصيات الرواية كلها سلوكيات ظاهرية وخاضعة للرصد، انبرى فعل السرد لكشفها جملة وتفصيلا، لذا كان من الطبيعي جدا ألا نرى كتابة ترتكز على مخبوء، مما يخدم آليات سرد يتجه للفضح والتعرية. ولم نجد على الدرجة نفسها سردا يتكأ على لاوعي الشخصيات. فلم نر كتلة سردية بعينها انطلقت لتوصيف المنحى السيكولوجي لشخصية ما أو تحليلها( اللهم إلا في خوف وتوجس مارتال من درويش) في إشارة جدا واضحة لإبراز سطحيتها، فلا يوجد مسافة مقطوعة بين التفكير في الفعل وتنفيذه. مما يعطي دلالات قوية على الانحطاط والرعونة وقصر النظر وانسحاق الحياء، وغياب المرجعية الأخلاقية، سلوك منحرف لا يكترث بالنتائج.

    عندي إيمان أن مبدعنا سيسامحني حتما إذا قلت: إن التماس مع شخصيات هذه الرواية في حقيقته حديث ينطوي على أطروحة فلسفية، لأننا إذا وضعنا شخصيات النص الروائي في مواجهة ذاتها من جهة، ومواجهة عالمها من جهة أخرى لوجدنا أننا بالفعل أمام سارد قد آل على نفسه أن يبقى للنهاية قاضيا عادلا، يستنكف من أن يحاكم شخوص نصه محاكمة غير منصفة، لا يهدف إلى العدل ظاهريا بقدر ما يسعى إلى تنظير حلم ينتمي لشخوص غير ذات الشخوص، لأن تأسيس شخصيات الرواية على النحو الذي وجدناه، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون تأسيسا عبثيا، ولاسيما أن الشخصيات، كتجسيد للحركة في المكان، كانت موظفة كرمز كثيف في معناه ومضامينه وتأويله، لذا فعندما نقول إن الحديث عن الشخصيات المحورية تحديدا أطروحة فلسفية قام السارد بالتخديم عليها ببراعة، فهذا بلا شك حق يجب أن نرده لمبدعنا.
    في حقيقة الأمر طبيعة التفكير الفلسفي مجهدة فعلا. هي ترتكز على تأملات عقلية عميقة تنتقل من مفردات جزئية وصولا لحكم كلي عام. وطالما شهدنا بأن تأسيس شخصيات النص استمد وقوده من رمز. فلابد لهذا الرمز أن يكون منبثقا من رؤية تحدد الإطار العام لهذه الشخصيات. ترصد حركتها في المكان، ومن ثم نستطيع تقييم وجودها التقييم المنصف وبالتالي تمنحنا اليقين الحاسم الذي نستطيع من خلاله محاكمتها بشكل منصف.
    فلو بحثنا في كيمياء التأسيس وجمعنا معطياتنا، لوجدنا أن المعطى الأول يرتكز على مقولة الثنائيات:
    ثنائية الصوت ( الحدة/ الخفوت)
    ثنائية الوجود( الحضور/ الغياب)
    ثنائية التأثير( الإيجابي / السلبي)

    إن تقدمة هذه الرواية قد منحتنا يقينا مفاده أن صاحب الصوت الأعلى هو السارد في الحقيقة، وبداية فصلها الأول والذي استند على استهلال معروف في فن المقامة بــ "حدثني"، كان إشارة مُبطنة بهيمنته على السرد حتى وإن بدا بعيدا عن الإشكالية المتضمنة فيه كرجل يروي ما يُملى عليه من قبل درويش عائد.
    لذا حمل في يمينه صيحة التعرية والفضح والامتعاض والسخرية، وحمل في يسراه صكوك البراءة؛ وكأنه يسرد دون أن يتهم بالمسئولية عما يسرده. ها هي الأحداث كما رويت لي وإنما أنا ناقلها إليكم، وإن أردتم ربطها بواقعكم واستقام الأمر فهذا جُل ما أتمناه.
    لكن ظلت حرفية الكتابة تتداخل حتما مع قيمته كسارد، فهو بالضرورة يكتب من منطلق صرخة رافضة وممتعضة، إذن لمن تمنح هذه الصرخة إن أراد أن يجعل غيره يطلقها؟

    مما لاشك فيه أن طبيعة السارد ذاتها قد بدت لي كقيمة ملتبسة هي الأخرى، فهل إذا اعتبرنا السارد نفسه رمزا نجافي الحقيقة في شيء؟
    إن تتبع هذا المعنى لا يستند على الفراغ، وإنما يستمد مشروعية وجوده من قيمة فعل السرد نفسه الذي تغلَّف بالعديد من الرموز. فالسارد في أبسط دلالاته مواطن عربي يحيا التغريبة بكل تفاصيلها، فإن أرتفع صوته، فالواقع الضاغط هو الدافع الذي حدا بالرجل أن يخرج عن صمته أمام هذا الكم من التداعيات المؤسفة التي تحدث على مظلة الواقع الأممي( قيمة الأدب الأبرز) لكن على الراجح بدا لي أن تدافع الأصوات على مستويات الحدة والصراخ ما كانت قادرة على أن تجعلها مسموعة. لذا بدا الخفوت وكأنه ضرورة. حتى الرمز الوحيد الذي يستند على يقين وحق يسمحان له بأن يطلقها مدوية( درويش) لم يكن صوته سوى خفوت يقترب من الهمس، وحتى عندما أرتفع الصوت كان من أجل تدشين سفينة الهرب. معنى الانسحاق والزوال كان يستدعي ذلك فعلا، فضجيج الناس وصراعهم وتكالبهم على ماديات ومنافع استهلاكية غير أخلاقية غالبا، كان بدوره أداة لقمع صوت الدرويش حتى وإن كان مرتفعا، فرغم ملحمية الأحداث لكنه لم يكن بطلا ملحميا يجسد معنى البطل القاهر.
    لم يكن السارد محتاجا لأن يطبق على روايته مقولة تكلم يا هذا حتى أراك لأن المأساة مكررة وواضحة ولها من الجذور ما يجعلها في قيمة اليقين بالنسبة له؛ إنما هو يصرخ في وجه ضجيج السلبيات التي أتت أعنف وأكثر وأبشع وما كان خفوت صوت الدرويش سوى ضعف، وما كان خفوت صوت (مارتال) سوى خفوت متآمر، وسوسة إذا جاز التعبير، تكشف عن عمق المؤامرة التي تحاك ضد هذا الواقع الذي يسعى السارد لأن يوقظه بصرخته. ربما لست محتاجا لأن أتحدث عن صوت الناس، فلقد بدا لي ضجيجا، مفرداته متداخلة ولكنها تصب في اتجاه واحد، جعلها غير واضحة وخافتة... عبث وتخبط وحيرة... صورة الناس في هذا الواقع مؤلمة وفاجعة، وممارساتهم اغتالت ما يصدرون من أصوات... إيقاع أفعالهم إيقاع متسارع للزوال، تكالب محموم عبرت عنه جمل سردية بعينها وكأنها تلهث مثلهم على ماديات متدنية، ورغم ذاك الضجيج بدا الجمود، بدت أطياف من جو خانق يغلف مستويات الحركة في المكان والتي كانت دائرية في تعبير عن سرمدية المأساة أو تكاد.

    إننا لو عدنا لما سبق وأن قلناه عن مسرحة هذا الواقع الذي تم عليه فعل السرد، لأدركنا أن ثنائية الحضور والغياب كانت إرهاصة الفعل الإرادي الذي ينتمي بالكلية للدرغوثي، فخيوط اللعبة السردية ضربت هدفين:
    الأول: هدف قريب يرتكز على تغييب متعمد لقدرات العنصر البشري على التغيير، لأن المقام مقام رصد لحالة روائية تنطوي على كارثة تصريحا وتلميحا، مكمن الخروج منها جاء في صورة رؤية استشرافية يكسوها التفاؤل والأمل، تتمثل في مستقبل الطفولة القادمة من بعد حالة السرد وما انطوى عليه من تفاصيل، وهي قد توقفت عند حدود هذا الأمل .

    الثاني: هدف بعيد، يرتكز على أهم ما تصبو إليه روح الروائي في بلورة معنى حاسم، يعكس لدوائر التلقي الحقيقة المرعبة التي تقول: إن ما تمنيت أن يصل لكم عبر روايتي الوصف المنصف لهذا الواقع الذي بدا لكم في حكايتي. إننا غائبون غائبون غائبون، وإن الحضور الوحيد المتحقق في هذا السرد هو حضور تراجعكم.
    ليست مبالغة إذا اندفعنا وراء الإقرار بغياب الجميع إلا راوي المأساة، وأن مسرح هذا الواقع بلا أبطال في الحقيقة. حتى من يمتلك اليقين تحطم حلمه على صخرة هذا الغياب، فاستحق أن يندثر.
    وحضور الفرنسي نفسه كمرموز دال، لم يكن حضورا بقدر ما كان انعكاسا لحضور حضارته التي يحملها في يقينه، وحضور المأساة ممثلة في ذاك الجمع الذي استجاب له، فجعل الحياة في ظل هذا التراجع قميئة ولا تستحق.

    أتوقع أن يكون هذا التحليل طعنا في درويش الحكاية، على اعتبار حضوره المكثف بطول الرواية وعرضها. نعم، لكن عن أي حضور نتحدث والرجل يتنفس الفقر. أتى من منفاه ليحيا في منفى أشد قسوة مما كان يظن. يتحرك بمضامين الغرائبية والخرافة، والعجائب، ومع هذا لم يقنع. يحمل بطبيعته آليات الرفض لكل ما يحيط به من تفاصيل. خرج على الناس بثقافته الخاصة فبدا خارجا بعملة ورقية قد تم إلغاؤها من زمن قديم قدم مأساته. إن التماس الفاعل مع الدرويش كمرموز هو بالضرورة انعكاس حقيقي لمدلول أزمة المثقف عموما.

    في ظل أجواء على هذه الشاكلة، هل من الممكن استجلاء قيمة الثنائية التي ترتكز على مقولة التأثير. السلبي أو الإيجابي؟
    أزعم أن الرواية بكاملها، ودون التورط في نعت مبدعها بشيء من القتام أو امتطاء صهوة جواد الانسحاب الذي جاءت الرواية لتبرره- لا مطلقا- ولكنها رواية ولاشك تمثل احتفالية بكل العناصر السلبية. حسبي إعلانها الصريح عن انكسارنا أمام مفردات طوفان الحضارة الوافدة، بل واستسلامنا لها، وفشل دعاة التغيير إلى حين.

    سيكون من نافلة القول ربما إذا سعينا إلى تحليل إشكالية القيمة المعيارية لأدوار الشخصيات داخل متن الرواية، والتي يمكن اختزالها على ثنائية النجاح/ الفشل، وكي نكون مدركين من الوهلة الأولى لقيمة هذه المسألة، قد نحتاج إلى استنطاق الرواية كحقيقة ملموسة تجلس بين أيدينا، وبالشكل الذي يساعدنا إلى حد كبير على معرفة معدل الدرجات التي وضعها الدرغوثي لشخوص روايته والتي جاءت على هامش امتحان كان عسيرا وصعبا.
    لكن واسمحوا لي على سبيل الدعابة أن أسأل. هل كان الامتحان تحريريا أم شفويا؟
    ربما سيسأل أحدكم وما جدوى الفرق؟ سأقول : إن الرواية كمعنى وكمبنى قد نجحت تحريريا وشفويا في أن تبث من خلال رموزها مجتمعة مأساة العربي نجاحا قد يبدو لي محرضا على الغثيان، وحققت شعورا مؤلما ولاسيما إذا صادفت قارئا استثنائيا وأعني المثقف تحديدا. النجاح يخص بالكلية خالق الحالة الروائية الذي نجح في بث تفاصيل المأساة بهذا الشكل، فكل القصص المجلوبة من التراث التاريخي لهذه الأمة تحركت على مستويات النجاح والفشل وإن بدت المآسي أكثر. وعلى منحى الأسلوبية التي غلفت السرد وجدنا لغة جدا معبرة عن شخوص وأحداث الحكاية. ورغم تماسها مع مضامين سلبية في الحكي ولكنها لم تنزلق لمنحى المبتذل.

    إننا لو ذهبنا إلى الوقوف في منطقة البين بين، وهنا أقصد الكاتب والسارد، لوجدنا أن جوهر الامتحان كان متجها لصياغة سؤال جدلي إلى درجة. إذا كانت القضية تتمثل في صراع إرادة يرتكز على يقين الرمزين المتجابهين ( درويش/ مارتال)، فهنا يكمن السؤال.. من المنتصر في نهاية المطاف؟
    ربما الآن أستطيع أن أجيب على سؤال ما الفرق بين كون الامتحان تحريريا أو شفويا؟
    في معرض الإجابة عن هذا السؤال مؤكد سأفقد الكثير من موضوعيتي إذا قلت: كيف لروائي أن يكون محملا بقضية هي ولاشك قضية مصير، ويستطيع أن يصمم رواية تعرض تفاصيل في غاية الالتباس والشك والغربة والهزيمة، وأن ينسج صراعا، مسألة حسمه ليست بيد أبطاله؟
    من الضروري بمكان أن نعترف إننا نقف أمام روائي عبقري، يدرك أن الرواية الآن ليس منوطا بعهدتها أن تمنحنا نهايات مقبولة، بقدر ما تقدم التحريض على أن نعيد اكتشاف عالمنا. وأننا لو أعدنا تنظير وقوفه كمرجعية فكرية بين روحه ككاتب وشغفه بالسرد على هذا النحو الذي رأيناه، لأدركنا من الوهلة الأولى أن قيمة الفعل الروائي كانت تسعى لشيء ربما أبعد من تفجير الرموز واستنطاق دلالتها فيما يخدم النتاج الكلي للنص. إن الامتحان التحريري وهنا أقصد بنيات وتمفصلات النص الروائي كأدوات للتعبير عن فواجع هذه الأمة وما يحدث فيها من تداعيات، مع الاعتراف بكونها رموزا لم تكن بالضرورة رموزا عصية على الفهم والتحليل ومن ثم استنطاق قيمها الدلالية، بل يجوز لنا أن نربط بين تفاصيل السرد وكأنه إلى حد كبير تقرير إخباري تعرضه أحدى الفضائيات، أشتد ساعد الرواي في صياغته رمزا حرصا على أصحاب القلوب الضعيفة، الذين يشاهدون تفاصيل مذبحتهم بأمهات عيونهم يوميا.
    بينما ظل الاختبار الشفوي ابنا شرعيا للخرس، خرس الوقائع وخرس الدهشة التي تتابع تفاصيل ما يحدث وهنا سنقف أمام الرواية ولاسيما الفصلين الأخيرين منها، لنتأكد من أن الاتكاء على الرمز لم يغتل العفوية التي بدت في قمة البهاء كما أنه استطاع بث أزمة كارثية بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

    إن ثنائية الصراع إذا ظلت للنهاية تتمحور على( درويش/ مارتال) لما تمكنا من استكشاف قيمة الكاتب كروائي استثنائي يريد أن يضفي بعدا جديدا لمأساة قد تبدو مكررة، دار بها التاريخ الأممي، ولم ينفك من عظيم أثرها في كل مراحله.
    إن الثلث الأخير، بل ربما الثلث إلا قليلا، هو ذاته الذي أنطلق منه لتوصيف الدرغوثي كعبقرية روائية، لأننا في هذا الجزء تحديدا سنجد تنظيرا جديدا لفعل الحكي، يخص هذه النوعية من الكتابات، بل وسنجد أعادة نظر جديدة لمفهوم الأداء اللساني داخل لغة السرد، كي تتحقق ذاتيته الخاصة بعيدا عن الخطابات السردية القادمة من التاريخ أو المُطعمة ببعضه والتي بدأ منها نصه.

    إن الرواية في بدايتها كانت لتجريب الرمز المستغلق نسبيا( درويش يمد رجليه تحت قدر والنار تحرق قدميه) وظل هذا الرمز للنهاية يواجهنا كحقيقة تريد الخلاص، مرة على محك الدلالة، ومرة على محك وجوده كحقيقة سردية قالها النص، وامتدت عبر الأحداث إلى حين.
    كان منطق تفجير الرموز فيما بعد محايدا ورحيما، ولم نشعر بالجهد أو المعاناة في التعرف على المعنى والمضامين واكتشاف حجمها التأثيري. بل كانت ميكانيزمات السرد التي أُنتج فيها هي الضامن على مشروعية ما نصل إليه من دلالات. إنتاج ينأى بنفسه عن عشوائية التحليل، بل أزعم إننا لم نمارس حدوسا استثنائية كي ندرك مضامين الرموز ودلالتها.
    وحين بدأ الصراع بين الرمزين( درويش/ مارتال) أدرك الدرغوثي بروح روائي محترف أن النص ربما سينزلق في مهاوي الاعتيادية، وعلى الدرجة نفسها لم يشأ أن يتجاوزه لأن هذا بدوره ربما سيساعد في اغتيال الحكاية ذاتها، وهو لا يريد أن يلغي حقيقته الأبرز كراو للأحداث، من هنا اضطرت سفينة السرد أن ترسو عند مرفأ الرمزين كطبائع وظيفية تمارس أدوارا تبلور أصل الحكاية( نهار فيه الدرويش يتلمس فعل الإيقاظ للقرية) و( ليل مارتال حيث المؤامرات والمجون). من هنا أدعو من قرأ أو يقرأ هذه الرواية أن يتلمس تلك المظاهرة السميائية التي ارتكزت أبعادها على محاور أربعة.
    * جمل سردية وصفية لا تتطلب مجهودا لاستنباط دلالاتها.
    * جمل سردية إخبارية لنتائج باب السؤال عن أسبابها موصد، ليس بسبب وجود تعتيم مقصود ولكن لكونها تأصيلا عاما لظواهر اجتماعية أفرزها النص كحقائق مجردة.
    * غياب المرجعية وسطوة نسق السرد في إطار القشور لواقع تتبدى مظاهر ثقافته فيما يظهر من أفعال البشر كانعكاس لطرح (مارتال) وليس من منطلق ثقافة تخصه.
    *اختفاء فرضية التوقف القدري أو الإرادي لأحداث الأنساق المسرودة أو مجرد التفكير فيه، والذي عبر عنه بجلاء سطوة غير عادية للفعل المضارع الدال على الاستمرار، رغم أن السرد معظمه من الخارج.

    استنادا إلى هذه المحاور سنجد أن الدرغوثي كان واعيا لحقيقة سميائية مفادها: إن وعيه كان يرى أن ثمة فرقا واضحا بين الممارسات اللسانية والكلام ذاته. بمعنى أن الضرورة الروائية كانت تستوجب الطواف بالسرد من منطلق أنساق للغة أفرزها اللسان، وليس من خلال تأليف إرادي لأحداث الرواية، على اعتبار أن الممارسات اللسانية في حقيقتها تنتمي لمنظومة اجتماعية على درجة من الثبات( سمة متحققة واقعيا داخل المتن الروائي) بينما يبقى فعل التأليف فعلا إراديا متحررا من سطوة النسق ولو حاولنا تطبيق هذه المقولة على منحى مستويات الوصف ذاتها والتي تحمل الجملة الروائية مسئوليتها، لرأينا أنها بالتبعية مستندة على حقائق لسانية، فلقد أنجزت الجملة على هذا المحك قيمتها الدلالية والصوتية.

    {وجمال مذبوحة.
    وجمال مذبوحة.
    ويفوح الشواء ..
    شواء لحم الرجال.
    عذرا مرة أخرى ... جعلني الوزن أغلط .
    أقصد : فاح شواء لحم الجمال}


    ولكنها نجحت باقتدار في أن تفصم عرى الصداقة مع بنيات السرد المُهجن أو الشواهد التاريخية داخل السياق المسرود.
    إننا لو أوقفنا أنفسنا أمام هذا المدخل لأدركنا حقيقة رؤية الراوي للقيمة الوظيفية لأحداث التاريخ داخل البناء الروائي، فلم يكن التاريخ حاضرا كمجرد شواهد تبرر حاضر الفعل الروائي وما ينطوي عليه من أحداث، ولم يكن لإنعاش ذاكرة التلقي، رغم أحقية التاريخ بهذا الدور، وإنما وروده داخل هذه السياقات هو ولاشك قدح لسطحية النظرة للموروث التاريخي ذاته، في إشارة جدا معبرة عن عجزنا عن تبرير التاريخ أو محاكمته، وبالتالي الإشارة إلى عجز آخر يتجه إلى تأكيد يقين الراوي في عدم جاهزية الناس لأن تستخلص منه العبرة. لذا لم نجد سياقا تاريخيا وفي أعقابه سياق يحمل وجهة نظر فيه. بل وجدنا أن السياق التاريخي نفسه قد بدا وكأنه ممارسة لسانية هو الآخر، وليس نسقا تأليفيا يعرض الحدث ومفاصله وتعليقا من الراوي عليه.
    ربما من سيقرأ هذه الحديث سيتخذ منه تكأة لأن ينعت الراوي بأنه قد راح في سرده مدعوما بيقين الممارسة اللسانية- إذا صحت رؤيتي- نائيا بنفسه عن الكلام كنسق تأليفي منتم له. وهذا للحق مردود عليه.
    وسنضطر قبل الطعن في هذا الظن أن نجيب على سؤال البعد الشفوي في اختبار الرواية. لقد قلت منذ قليل: إن الحالة الروائية قد نجحت تحريريا في بسط الفكرة الرئيسية التي تعتمل في وجدان خالقها. ولكنها على المنحى الشفوي ورغم سيطرة الأداء اللساني على سياقاتها السردية ولكنها نجحت نجاحا بطعم الفشل، والسبب قالته (نمرة) في باب كامل بتوقيعها. فكل ما قيل على مستويات المعالجة اللسانية لأنساق السرد، جاءت هي في هذا الفصل لتدلل على مشروعية وجودها كرمز للأرض العربية التي تبحث عن مخلص، لتثبت من خلاله أن كل السابق لهذا المونولوج البديع الذي جاء في خواتيم الرواية وكأنه رد عملي على ديماجوجية كل منطق تحدث عن نفسه، سواء(مارتال) أو حتى( درويش) الذي فشل بدوره في إقناعها بأحقيته فيها، كمحب يريد استخلاصها لنفسه. فمازال في يقينها هو ذلك العربي الذي لم يراجع معطيات التغيير، ولم يستطع أن يجابه هذه الحضارة الوافدة التي تريد ابتلاعه. جاء بآليات ومرجعيات إن لم تكن بالية فهي على الأقل غير متسقة مع وقائع الحياة الراهنة.

    أنا الجميلة دوما.
    العاشقة دوما.
    المعشوقة دوما.
    أنا الحبلي بكل ما تشتهي الأنفس و تلذ الأعين.
    أنا التي تعطي و لا تمنن.
    أنا التي تجوع و لا تشتكي.
    أنا التي...( عفوا لن أقول كل شيء ).


    ولا يفوتنا أن نذكر في هذا المنعطف أن القطيعة بين الكاتب والراوي في سياق هذا المونولوج لم تكن حادة، بل على العكس، فقد اقتربت فيه الوشائج بشكل مخيف، لم يكن درغوثي من خلالها سوى المعبر الحقيقي عن أزمته التي هي أزمة كل المثقفين... يحاكمهم ويحاكم نفسه معهم.
    لذا سأرد على من يطعن في لغة السرد التي سارت على لسانيات العوام فأقول:
    إن التمركز على هذا المستوى لم يكن إيهاما بالواقعية كما يظن مبدئيا البعض، ولم تكن للتدليل على الخط الأساسي لرجل يسرد ما يُملى عليه. إن هذين التفسيرين ظالمين لو نتخذهما مدخلا لمعرفة السبب، بل أقولها متحملا في هذا أي انتقاد وحتى لو كان الدرغوثي- جدلا- لم يكن يقصده. إن استخدام لغة سردية تستند على تأليف لم تكن هدفا يسعى إليه السارد، فلا التاريخ كحقيقة مرجعية يتحمل أن يُمارس فيه نسق تأليفي يعطي دلالات إضافية لأحداثه( حتى الآن على الأقل) ولا الواقع القائم عليه السرد يمنح الراوي صلاحيات التأليف عليه من فرط تبعثره وتشظيه، ومناخ الحيرة الذي يغلف حركته. وحتى لو قمنا بمحاكمة شخوصه سميائيا لأن اللغة قد أنجزت دورها على هذا المنحى، فإننا سنجد أن هؤلاء الشخوص إذا سلمنا بأنهم ذوات ممكنة تم خلقها في إطار موضوع، لكنها بالضرورة لم تكن ذوات محققة لأهدافها داخل البناء السردي. شخوص لم توكل لها أية مهمة( على الأقل في هذا النص) بل إننا على مستوى سميائية الأسلوب يمكننا الإقرار بإرهاصة الراوي الذي فطن لهذا فجعل من السمة اللسانية تأكيدا جدا حاسما لمفهوم التعادلية في متن الرواية. الأمر الذي بدا ظاهرا لغياب ذلك التضافر بين عناصر التفاعل بين الشخصيات والمهام. غياب مبرر نظرا لمرجعية الحالة التي تسيطر على خالق النص. لذا تراجع نسق التأليف لحساب الممارسات اللسانية( حكي أو وصف مسرد) في تأكيد لغياب أي ظواهر عميقة تستحق الرصد والتحليل.

    ومضات

    مما لاشك فيه أن هذه النوعية من الروايات تبقى اللغة فيها صولجان السارد. فالحركة الروائية رغم دائريتها، والتفاعل المحدود والمحتوم بين العناصر يحتاج بالفعل إلى لغة تبني أنساق سردية ذات طبيعة دلالية تجسد المعنى وتضفي المزيد من السخرية والتهكم والغرائبية.
    اللعب بإيقاع الجملة السردية ذاته، والذي بدا كتجسيد للحركة البطيئة نسبيا، سرعان ما بدأ في اللهاث من أجل تكثيف معنى الانهيار والنهاية وكذلك الدوران حول المزج الواضح بين الأساليب الحديثة والمستجلبة من التراث مع التصرف في بعض أجزائها بنية إحداث صدمة من نوع ما للذاكرة لخلق شعور معين بالقلق الصادم.

    لست أدري تحديدا إلى أي اتجاه من الممكن أن يُنسب أسلوب الدرغوثي على محك القيم الجمالية الأسلوبية التي يندرج تحتها نسق السرد. فالرجل على زعمي لديه حساسية خاصة في التعامل مع النسق الاستعاري، بل هو يبدو زاهدا فيه. ربما في هذه الرواية تحديدا رأى أن اختزال قيم اللغة المسرودة في المشابهة والتجاور والمماثلة ليس مكانها سرد بهذا الطابع، لكنه في كل الأحوال لم ينفك عن تعاطي المعالجة الكنائية التي تأتي بالمعاني المستخلصة مع إقامة الدليل عليها.

    في حقيقة الأمر، نجحت الرواية باقتدار في أن تعبر عن نفسها وعن صاحبها كتجسيد لحالة نضج رؤيوي وتقني في صياغة أطروحتها بقدر كبير من التفرد. بلورت في صدق لم يكن مجانيا أبدا حقيقة الصراع بين المثقف ومجتمعه المتجمد. هي ربما تنازلت عن منطق الحبكة بمفهومه التقليدي، ولكنها نفذت درامية الصراع في حدود المخطط لها سلفا من الكاتب. بل يمكن القول إن آليات التعامل مع منطق الحبكة كانت بالضرورة متوترة تعكس توتر الحالة برمتها: الدرويش ومنظومة انفعالاته المصحوب دوما بالغضب والامتعاض، و(مرتال) المتوجس والخائف والمتوثب.

    اللافت للنظر في هذا النص الروائي ما يمكن تسميته هندسة النص. فطبيعة الحكاية رغم ضيق الأفق المكاني القائم عليه فعل السرد، كان يُفتح بقرار في الغالب، ومن زوايا رؤية أفقية تستوعب الحالة المراد وصفها سرديا. وفي صورة كادرات مشهدية، تم باحترافية عمل المونتاج لها، حتى على مستوى الانتقال من الماضي البعيد أو القريب إلى حاضر اللحظة، لم يكن سوى بحركة إصبع كالتي يلجأ لها عازف البيانو الماهر، فلا نشعر من فرط التمكن أنه قد قام بتحويل المقام.

    قمت بعمل تلخيص محتمل لهذه الرواية، وملأت بعض الفراغات بتوضيح مضامين الرموز كي تكتمل الصورة وعرضتها على صديق أثق في ذائقته، وسألته سؤالا محددا.. تُرى ماذا سيكون شكل هذه الرواية بدون الدرويش ومارتال الفرنسي؟
    جاءت إجابته صادمة نوعا، وقال: إن الاثنين هما عصب الحدوتة، لكن كان من الممكن أن يتحايل بـ "تكنيك" مختلف. هو ربما راهن على سلبية القارئ في التعامل مع مضمون الحكاية بدونهما، فجاءت على هذا النحو.
    بالفعل تعاطفت مع شطر الإجابة الأول، لكنني ربما أبديت الكثير من التحفظ على فكرة التحايل بتقنية مختلفة أو الرهان على سلبية القارئ وعدم فهمه. فمن المؤكد أن عمق المأساة هو الذي فرض هذه الصياغة أو ربما السياق التاريخي الذي كان في زمن مخاض الرواية هو الذي استدعى أن تكون هيكلة الرواية على رمزين واضحين وحاضرين لطعن الذاكرة الجمعية المعنية بالنص الروائي، وتأجج مفهوم صراع الحضارات التي تزامن مع حرب الخليج الثانية.

    لهذه الرواية موقف غريب، فلقد كنت أظنها معي في حقيبتي. وحين هممت بإخراجها كي استهلك معها بعض الوقت في ركن المدخنين في مطار قرطاج. وجدتها رواية أخرى، وانتابني شعور غصة أني نسيتها وخصوصا أنني كتبت مقدمة عنها بالفعل. لكن حين وجدتها على الإنترنت فرحت جدا. وأدركت أن لهذه الرواية غواية من نوع خاص.

    اعترف بالصدق كله، وحسبي إنني أقرأ هذه الرواية وأنا خارج حظيرة هذا الإبداع، أن كل ما كتبته هو ولاشك انطباعي إلى حد كبير. ذائقتي حدثتني به فكتبته. لذا سأكرر ما قلته مرارا : للنقد رجال، أنا لستُ واحدا منهم، وليس تواضعا ورب الكعبة. لذا سأشعر بغصة إذا لم تكن هذه الكلمات دعوة لقراءات ممكنة لروايات وروائي يستحقان بالفعل، تكون أكثر تركيزا ونضجا مما حاولت هنا. وفي كل الأحوال ورغم كم المرارات التي شعرت بها وأنا أتابع هذا النص سطرا سطرا، أنا على يقين من أنني استمتعت فعلا بروائي، القراءة له مضمونة الربح.














    مقاربة سيميائية لرواية : " القيامة... الآن "
    لابراهيم الدرغوثي
    صلح عيلوس



    مقدمة
    في الحقيقة تتعدد المفاهيم و التعريفات حول موضوع السيمولوجيا والسيمياء، المصطلح مجمل في ذاته بعض الغموض الذي قد لا يمنح له تعريفا محددا إن ما يهمنا في هذا الإطار تحديد أهداف هذا العلم، حتى نتمكن من الوصول إلى نتائج سليمة أقرب إلى الصواب فعلم السيمياء يهدف إلى دراسة المعاني الخفية لكل نظام علاماتي فهو يدرس لغة الإنسان و الحيوان و غيرها من العلامات الغير لسانية باعتبارها نسقا من العلاقات و يدخل في هذا الإطار علامات المرور و أساليب العرض و اللوحات الإشهارية.........الخ.
    إن اللجوء إلى المقاربة السيميائية يعتبر خطوة هامة في مسار الاتصال والتواصل إذ انه ينتج المجال لتحديد القيم الدلالية و العلامات و من ثم فتح قنوات الاتصال و نحن إذا أردنا إتباع هذه المنهجية فإننا سنكون في حاجة ماسة إلى معارف كثيرة لإدراك كل الإيحاءات التي يثيرها نص ما.
    إن المستوى الأول من القراءة مرتبط بادراك ما تحمله النصوص بكل أبعادها وهو تعامل ظاهري مع النص قد لا يسهم في فتح أبواب كثيرة عليه أما المستوى الثاني فهو ذلك المستوى حيث نقوم بالتأويل والتدليل.
    إن أهمية علم الدلالة تكمن بوجه خاص في الكشف عن حركية الدلالة وإبراز مستوياتها ومن ثم إعادة بنائها بهدف تعيين الوحدات الدالة وتنظيمها وفق سلم تراتبي( 2)إذن فالعمل التحليلي السيميائي مبني على إتباع المعنى ومطاردته بين متاهات الكلمات. إن تأويلنا للنص يختلف باختلاف تجاربنا ومعارفنا لكن الأكيد أننا بحاجة إلى أدوات إجرائية تسهم في إنارة دروب التحليل إذ تستهدف استقراء النظام الدلالي, لذلك فالتطبيق يتطلب نوعا من الإلمام بالمفاهيم التنظيرية لكن تتبع هذا الجانب قد يجعلنا نغوص فيه فنبتعد عن عملنا التطبيقي إذ أن الدراسات التي تناولت السيميولوجيا كثيرة الاتجاهات والتفرعات لذلك فلقد فضلت ذكر تعريفين لهذا العلم ق****ا اثنان من أساطين الدراسات السيميائية أولهما هو لدي سوسير الذي يعرف السيميولوجيا بأنها العلم الذي يعرف السيميولوجيا بأنه العلم الذي يدرس حياة العلامات في كنف الحياة الاجتماعية من خلال عدم الفصل بين مادة التعبير ومعنى التعبير وهي تقترب من المحتويات وتحاول الابتعاد شيئا فشيئ عن الدلالات...(1).
    وهكذا فان السيميولوجيا تهتم بإيجاد العلاقة بين العلامة والحياة الاجتماعية متطرقة بذلك إلى نقطة مهمة هي المحتوى أما التعريف الثاني فهو لرولان بارت الذي يرى بأن السيميولوجيا هي ذلك العمل الذي يصفي اللسان ويطهر اللسانيات وينفي الخطأ مما بعلق به أي الرغبات والمخاوف والإغراءات والعواطف والاحتجاجات والاعتذارات وكل ما تنطوي عليه اللغة الحية.(2)
    ياله من تعريف غريب يكاد يضفي على السيمولوجيا صفة القدسية لكنه تعريف يحاول تحرير النص من السلطة وجعله يسير وفق الدلالة المتعددة بحيث تكون العلاقة بين الدال والمدلول علاقة تطهير ترفعه عن كل ما قد يشوبه من الخارج
    إن الغرض الذي يحمله كل محلل لنص ما هو إلا محاولة لفهم النص وتفسيره من خلال مكوناته بالدخول إلى عالم النص وإضاءة جوانبه المظلمة وكشف أسراره اللغوية بحيث نبني فرضية حول نظام البناء فيه وطريقة ترتيب مكوناته وإدراك العلاقة التي تربط بينها.
    إن العمل الأدبي أيا كان نوعه هو نتاج رمزي قد يكون بسيطا يسهل القبض على معانيه وقد يكون معقد التركيب ذو وجود متميز متعدد المستويات والدلالات والأبعاد مما يجعل التأويل متعددا والقراءة شاسعة المجال و هكذا فإن الدراسة السيميولوجية تحاول تحديد البناء الدلالي للنصوص هذا البناء الذي قد يتخذ في أغلب الأحيان من المنطق الصوري وسيلة تحيل إلى الدلالة من خلال العلامات التي تؤدي إلى مجموعة من الإحالات التي لا تنتهي، لذلك علينا أن نتجاوز ما تدل عليه الألفاظ ويحدد "روبرت شولتز" ذلك بقوله "و كمسؤولين سيميائيين لسنا أحرارا في وضع المعنى بل أحرار في العثور عليه بإتباع الطرق الدلالية والنحوية والتداولية المختلفة التي تخرجنا من نطاق كلمات النص أي أننا لا نستطيع أن نضفي عليه كل المعاني التي قد نستطيع ربطها بالنص عن طريق الشفرة التأويلية1

    تمهــيد

    " رواية القيامة....الآن " رواية تنقلنا إلى عوالم ما اعتدنا أن نفكر فيها إلا في إطار معرفتنا الدينية بها إنها عوالم ذات حيثيات مختلفة تحمل الكثير إنها رواية تنتمي إلى ما يسمى بالرواية الجديدة التي انتشرت في تونس منذ 1983 بصدور رواية "ن" لهشام القروي " و"النفير والقيامة " لفرج الحوار 1985...الخ إن هذه الروايات تحمل صفة الجدة إذ أنها تخرج عن إطار خصائص الآثار الروائية عل صعيد السرد العربي وقد اعتبرت تيارا عاما جمع بعض الروائيين الذين نهلوا من الثقافة العربية والغربية وكان لهذا النوع أثر في بناء موطن لحوار ثقافي متعدد الأطراف
    إن الرحلة بين صفحات الرواية تجعل القارئ يتساءل هل يمكن إطلاق تسمية الرواية على هذا العمل ؟ إنه لا يملك أي من مقومات الرواية المتعارف عليها فهيكله مختلف تماما هل هذا العمل مجرد لوحات عبثية أفلتت من عقال الكبت السياسي والإرهاب الفكري الذي مورس على العالم العربي لعقود طويلة ؟ إن قراءة الرواية تصيبنا بالارتباك فالرواية مدعمة بآيات و أحديث واردة عن النبي صلي الله عليه و سلم في أخبار القيامة لكن توظيف هذه النصوص كان توظيفا غريبا فيه جرأة غير معتادة. رواية
    الدر غوثي و إن لم تكن مثل الروايات المألوفة إلا أنها كانت ذات أصوات متعددة و فضاءات متشعبة إنها تمثل مستوي من الوعي إذ أنها تجسد تفاعلا بين الأزمنة الثلاث نقرأ الرواية فيمتلكنا شعور غريب حولها قد يكون مصدره الأول هذه المرجعية المقدسة.
    هذه الرواية بقدر ثرائها و دلالتها المتعددة و رموزها و معانيها و ثوبها الفضفاض الذي استوعب الزمن بكل أبعاده، الزمن الأسطورة، زمن الواقع، زمن الخيال، زمن الممكن ولا ممكن لقد اكتست حلة من الغموض ارتأينا أن نعيد أسبابه إلى ما يلي:
    1- اختفاء البنية التقليدية للرواية بكل جزئياتها.
    2- تعدد السياقات النصية.
    3- حضور النص الديني بقوة مما يربك الدلالة.
    4- الأجواء التي تدور فيها الرواية أجواء تزرع الشك حول الدلالة التي قد نتوصل إليها.
    و لكي تكون الدراسة ذات نتائج جديدة ارتأيت أن أركز في جانب كبير منها على البنية الدلالية و حددت موضوع الدراسة بعنوان مقاربة سميائية لرواية «القيامة.....الان" لإبراهيم الدر غوثي و قد قسمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث و تمهيد وخاتمة.
    مبحث أول تطرقت فيه إلى الرؤيا والتوظيف حاولت فيه أن اكتشف الرؤيا الكامنة خلف الرواية و طرق توظيف المعاني و قسمت هذا المبحث إلى عنصرين هما....
    قراءة سيميائية للعنوان: حاولت فيه أن القي الضوء على العنوان و مدى تفاعله مع نص الرواية ثم انتقلت في العنصر الثاني إلى الكلام عن الرؤيا و التوظيف أنه عنصر حاولت فيه أن أدرس البنية المنطقية التي تحكم النص و الأطراف التي تتجاذبه ثم انتقلت إلى مبحث ثاني حاولت فيه دراسة الإحالة المرجعية للنص و عنونته بـ" النص سيميائية المرجع و الفرار من الواقع" و قسمته إلى ثلاثة عناصر تحدثت فيه عن الإحالات الدينية و الثقافية والإيديولوجية حيث أفردت لكل إحالة عنصر مستقلا أما المبحث الثالث فهو يدرس العلاقة بين اللغة والصورة و عنونته بـ" اللغة و سيمياء الصورة" حاولت فيه أن استكشف طريقة بناء المعنى و تضافر عناصره لإعطاء دلالة كبرى و قسمته إلى العناصر التالية: عنصر أول تحدثت فيه عن الألفاظ و علاقتها ببناء المعنى ثم انتقلت إلى عنصر ثاني حاولت فيه تحديد معالم بناء السيميوزيس ثم انتقلت إلى الحديث عن الزمان و المكان حيث أردت تسليط الأضواء على المكان و الزمان في هذه الرواية ثم أنهيت هذه الدراسة بخاتمة لخصت فيها ما توصلت إليه من خلال قراءتي المتواضعة لهذا النص.
    القيامة…الآن: منطقية الرواية و سريالية التوظيف.
    1- العنوان: قراءة سميائية.
    العنوان: قراءة سيميائية:
    عنوان الرواية " القيامة.....الآن " غريبا يصعب فك ثغراته واستقراءه وفهم أجزاءه يستوجب أن نحاول تفكيكه إلى عناصر بسيطة قد توحي بالمعنى الكامن إن العنوان مكون من كلمتين تفصل بينهما مجموعة من النقاط. لفظة القيامة تحملنا مباشرة إلى التفكير في نهاية العالم لكنها بداية لحياة أخرى إنها بداية الحساب.... بداية الثواب والعقاب تغير يلحق كل شيء....إنها انقطاع للحياة الدنيوية الفانية واتصال بالحياة الأخروية الدائمة...إنها المستقبل الكائن منذ البداية.. زمنها غير محدد لكنه آت لا محالة...هي مرتبطة بالمستقبل لكن هذه اللفظة المرتبطة بمستقبل معين ترتبط في بنية لفظية بظرف زماني يفيد الحاضر " الآن" الدالة على الوجود, على الحضور إن هذه البنية غير المتجانسة بنية عميقة الدلالة فالروائي لا يسير ضمن حدود الزمن ولا يعترف بها... إنه يرفض الماضي والحاضر ويستشرف المستقبل يلعب على الزمن محدثا نزعا من القطيعة مع الحاضر والماضي...إن القيامة هي الآن نظرا لما يحدث في العالم...القيامة تمارس السلطة على الآن " إن الحاضر أقرب إلى القيامة فالوضع العام متأزم ملتهب غير متوافق مع المنطق وهكذا فإنه أولى أن يرتبط بالقيامة الحاضر المظلم هو بكل ما فيه من تناقضات ومفارقات لا يفسر إلا إذا قرأناه من منطلق أن القيامة قامت.
    2- الرؤيا والتوظيف
    الواقع أن الموقف الذي يكتف الذات هو المؤطر الأول للمشاهد التي احتضنتها دلالات الرواية إن الأفكار توجه والأحاسيس تثور وتنقل الحاضر إلى الماضي ومن ثم إلى المستقبل من الحياة اليومية إلى الحياة البرزخية الماورائية خارج حدود الزمان والمكان تتمخض الرؤية المغلفة بالرمز لتجد لها مكانا وزمانا مختلفين، هذه الرؤية التي تقوم بين الواقع ولا واقع بين الموجود و المغيب تمسك بالماضي المخزي والواقع المعيب ونرى الخلاص في المستقبل الغائب رؤية قلقة يكتنفها الغموض تجعل الذات مذبذبة بين الوافد إليها من الخارج ماضيا و حاضرا سياسة و دينا واشتراكية و إمبريالية و بين الصاعد من الداخل شعور بالاغتراب و الانشطار...رفض للماضي و الحاضر و انتصار للمستقبل إن هذا النص مبني على ثنائيات متعددة تملك سيرورة خاصة ضمن النص كما أنه مبني على الغموض، إنه غموض يخلق موقفا، خروج عن المألوف يحمل القارئ على الولوج إلى خبايا النص كي نفهم الموقف أو المواقف التي يحملها .أقنعة النص التي تحمل تعارضا و اختلافا ليس إلا مرافئ حط بها الروائي ليقرأ الأحداث، كما أن الاقتباسات الفنية و الدينية والأدبية تجسد نوعا من التعالي عن الواقع و الغربة و الانفصال عنه... هذا النص يجسد تلك الجزئية في العالم العربي حيث رجعية الفكر و سلطة السياسة و التحكم في المصير الإنساني آدم بن الآدمي (هو الشخصية الأساسية في الرواية إن صح إطلاق هذه التسمية عليه، إنه يمثل الإنسان الضائع المغرب بكل ما يعتوره من تغيرات قوى تسعى للتحكم به وبمصيره و نحن هنا نجد أنفسنا أمام ثنائية الغالب و المغلوب حيث أن الشعوب العربية مغلوبة على أمرها أما الغالب فهو متعدد فمرة هو المسيح الدجال ومرة هو القيصر يوليوس ثم ها هي ثنائية الموت و الحياة، الموت هي هذه الرواية أفضل بكثير من الحياة إنه يمنح الذات المنشطرة سكونا وراحة في حياة أبدية تتمكن من خلالها من إشفاء غليلها من كل من ظلموها أو ظلموا غيرها الرواية تتراوح بين حياة عاشها آدم في مستشفى المجانين حيث فضل البقاء و بين الموت الذي يختزل المسافات ويمنح ذلك الشعور بالسكينة و هاهنا ثنائية أخرى تتمثل في ثنائية العدو و الظلم إن آدم يتعرض للظلم و الاستبداد هو وعادل الخالدي ومحمد علي الحافي و فرحات حشاد... و لا تتحقق العدالة إلا بعد أن تقوم العدالة ويعاقب الظالم ويحترق الشهيري و سالم العطيوي في نار جهنم زبانية الحكومة ممن تلذذوا بتعذيب السجناء بل حتى باستيراد وسائل التعذيب و التفنن في طرقه أما الشعب فهو يتأرجح بين الصحو والغفلة إنه يصفق و يهلل لكل جديد، نفاق إعلامي وسياسي وحتى شعبي.
    إن المنطقية تخلق علاقة أخرى بين الديمقراطية و الدكتاتورية، الحاضر هو عالم الدكتاتورية وبالتالي فالآخرة تفتح بابا للديمقراطية في اختيار المصائر و التحليق بعيدا عن عالم مشوه ثم هناك ثنائية الروح والجسد.... الجسد مقيد لا يملك الحرية بينما الروح في عالم القيامة تملك مطلق الحرية في الانتقال بين السماوات و الأرض و هكذا يتصارع عالمان: عالم مادي قاس ظالم تتغير فيه موازين القوى و عالم ما ورائي يصبح حقيقة وتسيير الأمور فيه وفق منطقية مقبولة و هكذا يبني "الدر غوثي" روايته على مجموعة من الثنائيات يصل بها في النهاية إلى بناء واحد يتمثل في أن الواقع اقرب إلى علامات القيامة وهذه الحياة التي فيها كل هذه الأمور الفظيعة و محاولة الإمبريالية تحذير الشعوب و إغوائها هي حياة غير منطقية لا مبرر لها إلا في إطار القيامة...هذه الدنيا ضاقت على آدم بن الآدمي و خنقته فهي ليست الدنيا التي يفترض أن تكون و الآخرة بالمقابل أفضل و أكثر منطقية لكي نستطيع فهم الأحداث كما هي.







































    مقاربة سيميائيّة للتـّشخيص في خطاب روائيّ
    "الدراويش يعودون إلى المنفى" و " مجرّد لعبة حظّ " لابراهيم درغوثي أنموذجا.
    د.نجوى الرياحي القسنطيني
    جامعة تونس

    مدخل
    لاقت سيميائيّة السّرد (Sémiotique narrative ) حظوة كبرى في الوطن العربي حفزت على دراسة أشكال التـّعبير اللـّغويّة وغير اللـّغويّة في ضوئها. وأفاد منها بصورة خاصّة النص الأدبي .
    ولمّا كان أ.ج. غريماس(A .J.Greimas) هو من وضّح معالم سيميائيّة السّرد، فقد مثلت نظريّته في علم الدّلالة محورا في دراسة النـّصوص الأدبيّة النثريّة. وكان أن تجسّد ذلك في معالجة الباحثين العرب بنية النـّصوص الحكائيّة على منوال النـّموذج العاملي (modèle Actantiel) الذي اقترحه غريماس.
    ولئن نبّه ذلك إلى أهميّة الوظائف والأدوار الفاعليّة في تكوين البنية النصّية ومجراها الحكائي في نصّ روائي، فقد وجّه الباحثين إلى العناية بكيفيّة إنتاج النـّص وصياغته أكثر من العناية بكيفيّة قراءته. وهو ما يُفسّر قلـّة اهتمام الدّراسات السيميائيّة السّردية بالتـّواصل متجسّدا في المستويات الخطابيّة والأصوات المتحدّثة عبرها وما للمتلقـّي من دور تأويلي .
    وترتـّب عن ذلك أن سيطرت على قراءة النص الأدبي سيميائيّا، طبيعة سرديّة تتبع شفراته وتترجمها إلى نسق حكائي تـُسند فيه الأفعال إلى فواعل وفق ترتيب زمنيّ متعاقب. وصار عمل الباحث يقتصر أو يكاد على فهم المتواليات الزمنيّة وإقامة الرّوابط السببيّة.
    وقد كرّست مثل هذه القراءة السّيميا – حكائيّة أولويّة السّرد الحكائي بمعنى تتالي الأحداث في صياغة النص القصصيّ واعتـُبرت مكوّنات خطابيّة أخرى مثل الملفوظ التـّشخيصي (énoncé représentatif ) أقلّ قدرة على تجسيم الفعل السّيميائي بصورة عامّة وكما اقترحه غريماس في نموذجه العاملي بصورة خاصّة.
    ولمّا كان نموذج غريماس لا يدعم هذا الرّأي ، ولما كان التـشخيص كذلك يتجاوز مجرّد تمثيل الواقع ونقله إلى توليد الدّلالة عبر طرق في الصّياغة والمناورة، وجب البحث فيه من منظور سيميائي خاصّ. هذا المنظور الذي سنعتمده في مقالنا يقودنا إلى مساءلة التشخيص في خطاب روائيّ من حيث هو علامة أدبيّة من سماتها الإنشاء والإيحاء. لذلك اخترنا مدوّنة لبحثنا روايتي الدراويش يعودون إلى المنفى و مجرّد لعبة حظّ للكاتب التونسي ابراهيم درغوثي (1955) .
    وسنعمد بعد التـّعريف بالسّيميائيّة في وجهيها العامّ والسّردي الخاصّ إلى البحث في مدى استجابة الخطاب الرّوائي لشروط العلامة ثم ننظر فيه باعتباره بنية نصّية ذات قيمة تواصليّة لا تخلو صياغتها من تأثير متلقّ مفترض. كما نركّز بعد ذلك على البحث في عتبات الرّوايتين باعتبار أنّ موقعها المركزي في الخطاب الإبلاغي الرّوائي يجعلها تـُؤسّس أنظمة النـّص الدّلاليّة وتكشف عن مساره التأويلي وطريقته في تشخيص العالم تصريحا بالمعنى أو دفعا إلى تخمينه وتوقـّعه.
    I- السّيميائيّة منهجا في قراءة التـّشخيص.
    1- السّيميائيّة والنصّ الأدبي.
    والأصل في السّيميائيّة عبارة سيميا ويُقال سيما. والمقصود بها العلامة المقابلة في اليونانيّة لـSemeion. أضيفت إليها اللاّحقة " ئيّة" فصارت في هيئة اشتقاقيّة دالـّة على إطار نظريّ عامّ يندرج فيه العلم الباحث في الأنساق اللفظيّة وغير اللفظيّة باعتبارها علامات دالـّة يبثـّها مرسِلٌ ويتلقاها مرسَل إليه وفق مرجعيات مشتركة.
    ولئن حصل الاتفاق حول اختصاص السّيميائيّة بأنظمة التـّواصل وآليّة إنتاج الدّلالة عبرها، فقد اختلفت تسمياتها. فسمّيت علم العلامات والعلاميّة وعلم الدلالة والدّلاليّة. ورادف كثيرون – وهو الأغلب – بينها وبين السّيميولوجيا (Sémiologie). يقول صاحبا المعجم الموسوعي في علوم اللغة " السّيميائيّة (أو السّيميولوجيا) هي علم العلامات" .
    وما يُفسّر هذا التعدّد في تسميات السّيميائيّة وكذلك في منطلقات أصحابها النظريّة والتـّطبيقيّة، هو امتداد الفكر السّيميولوجي من العصور الوسطى إلى عصرنا ونـُقلته بين مختلف حقول المعرفة فلسفيّة ولسانيّة وسرديّة . وهو أمر يبرّره كون العلامة ومختلف وسائطها مثـّلت هاجسا شغلت الإنسان دائما كيفيّة تشكيلها وتحصيل الدّلالة عبرها.
    وقد نشأت السّيميائيّة نشأة مزدوجة حتى حين اتـّخذت شكل المشروع العلمي مع الألسني السويسري فردينان دي سوسير(Ferdinand de Saussure) (1857- 1913) والفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس ( Charles Senders Peirce)( 1839- 1914).
    أما سوسير ، فقد درس اللغة باعتبارها علامة ثنائية أوّلها صورة صوتيّة تمثل الدّال(Signifiant) وثانيها صورة ذهنيّة تمثل المدلول(Signifié) . واعتبر العلامة اللغويّة جزءا من علم أكبر سمّاه السّيميولوجيا مهمّته دراسة الدّلائل في الحياة الاجتماعيّة كلّها. ومن ثمّة اعتبر سوسير اللسانيّات من مشاغل السّيميولوجيا واعتبر السيميولوجيا على اتـّساعها لغير المشغل اللغوي مستعينة بمبادئ اللسانيّات ومفاهيمها.
    وكان شارل ساندرس بيرس بالتـّوازي تقريبا مع سوسير يوسّع نطاق السّيميائيّة فيجعلها مستقلـّة عن النظريّة العامّة في اللغة ويعتبرها إطارا مرجعيّا أشمل يضمّ كلّ المباحث والعلوم الطبيعيّة والإنسانيّة. يقول " لم يكن في استطاعتي أبدا أن أدرس شيئا إلاّ باعتباره مبحثا سيميائيّا سواء أكان ذلك رياضيّات أم علم أخلاق أم ميتافيزيقا أم جاذبيّة أم ديناميكا أم علم بصريّات أم كيميا أم علم تشريح مقارني أم علم فلك أم علم نفس..." .
    ولما كان بيرس اعتبر أنّ كلّ التـّجربة الإنسانيّة منتظمة وفق مستويات ثلاثة تـُدرك في كلّ عمل، فقد فهم العلامة المتكوّنة عنده من عناصر ثلاثة باعتبارها علاقة ثلاثيّة شكلها :
    الإشارة
    (Signe ou représentamen)



    الموضوع المفسِّر أو المؤوِّل
    (Objet) (interprétant)
    وهذه العلاقة متسلسلة في نظر بيرس لأنّ المؤوِّل أو المفسِّر بمفهوم عامّ ، دلالة للإشارة. وهو بمفهوم ضيّق، علاقة نموذجيّة بين إشارة وأخرى. بل إنّ المؤوِّل أو المفسِّر يصبح بدوره إشارة يرتبط بها مؤوّل آخر... وهكذا دواليك.
    وقد أصبح مجال السّيميائيّة بذلك متشعّبا متـّسعا لكلّ أنظمة الدلالة بمختلف تجلّياتها: علم الأصوات وأنواع الخطاب والصّور والألوان والموسيقى واللّباس وإشارات المرور والرّوائح والمسرح والرّقص... إلى غير ذلك من الوقائع والمعطيات القابلة كلّها من منظور سيميائي لأن تـُحلّل باعتبارها علامات فتـُرصَد حركيّة الدّلالة فيها وتـُوصف القوانين المتحكِّمة في إنتاجها بدقـّة.
    وكانت هذه الممارسة السيميائيّة بمثابة الحافز على تغيير النـّظرة إلى مفهوم النـّص بأنواعه، وإلى وضع آليّة جديدة في مقاربته وتأويله . وهو ما أسهم في تبلور ما سُميّ بالسّيميائيات السرديّة(Sémiotiques narratives) التي تـُعدّ الأشكال الأدبيّة جزءا منها.
    وتبدو السيميائيّة السرديّة الأكثر انتشارا وتطوّرا من بين أصناف السّيميائيّة وفروعها. عرّفها غريماس أبرز أعلامها بأنّها " المجال السّيميائي الذي عرف في السّنوات الأخيرة التطوّرات الأبرز أو على الأقلّ الأبحاث النظريّة والتـّطبيقات الأكثر عددا" .
    وقد نشأت السيميائيّة السّرديّة في إطار انفصلت فيه مقاربة النـّصوص عن الدراسة البلاغيّة المقتصرة على أوجه البيان وعن الدراسة المضمونيّة الباحثة في المعنى عبر المفردات معزولة عن أسيقتها. وكان ذلك بتأثير من نظريّة الروسي فلاديمير بروب (Vladimir Propp) في الأبنية السّرديّة وخواصّها الوظائفيّة.
    وقد عمد بروب في كتابه مورفولوجيّة الخرافة ( Morphologie du conte) إلى تحليل مائة خرافة روسيّة عجائبيّة فانتهى إلى جملة من المقولات والاستنتاجات أبرزها في الفصول : الثالث والسّادس والسّابع أنّ العناصر الأساسيّة المكوّنة للقصّة هي الوظائف (Fonctions). وهي أعمال ثابتة ومؤثـّرة في مجرى الحبكة القصصيّة. واعتبر برووپ أنّ الشخصيّة غير مهمّة إلاّ من حيث الفعل الذي تنجزه. ولذلك هي لاتوجد في القصّة إلاّ ضمن ما يسمّيه بروپ دوائر فعل (Sphères d’action ) كل دائرة منها مرتبطة بجملة من الوظائف . وقد استنتج بروپ من ذلك أن كلّ قصّة بنية سرديّة متعالقة وفق نظام تراتبي دال ومستقلّ بذاته ، بحيث لا تّدرَك الوحدة في القصّة بمعزل عن بقيّة الوحدات ولا تُفهَم خارج ما يسمّيه بروپ " نظاما من العلامات التركيبية والبنيويّة " وهذا وغيره ممّا كشفت عنه دراسة بروپ للخرافة ، أبرز أنّه وإن لم تكن من غاية بروپ إنتاج سيميائيّة سرديّة ، فقد كان له الدّور الأكبر في توجيه الباحثين في مجال السرديّات إليها. يقول غريماس وهو أحد الذين صاغوا نظرياتهم في ضوء عمل بروپ " لا تكمن قيمة المنوال البروپي كما أعتقد في عمق التحاليل المسندة إليه ولا في دقـّة قواعده بل في قوّته على الإثارة وقدرته على ابتعاث الفرضيّات" . وقد وسّع ذلك من دوائر التحليل السّيميائي للنـّصوص وهيَّأ منظومة بحث في السّرديّات تجاوزت بنية الحكاية الشعبيّة وعناصرها الثابتة كما تجلّت عند بروپ إلى بنية السّرد عموما وعناصرها اللسانيّة وغير اللسانيّة. وكان منطلق ذلك أنّ السّرد إبلاغ عن خبر حقيقي أو خيالي يتوسّل باللغة أو بغيرها. فالرّقص والقصّ والتاريخ والحركات ولغة الصمّ... كلـّها نصوص سرديّة مرتبطة في تماسكها واتساقها بكفاءة المرسِل في تركيب الدّلالة وتوصيلها وكفاءة المرسَل إليه في تفكيكها وتأويل بياناتها الدلاليّة.
    ولما كان يُذكر لغريماس دوره في الكشف عن معالم السّيميائيّة السّرديّة وبلورة مبادئها، وجب التـّعريف بنموذجه العاملي في السّرد .
    هذا النـّموذج يختزل سعي الشخصيّة إلى الحصول على موضوع رغبتها. وتـُصنـّف الشخصيّة حسبه إلى عوامل ستـّة وفق علاقتها بموضوع الرّغبة وموقعها من مسار الحكاية وما تنجز من فعل. فعامل المرسِل ( Destinateur) يُقنع بالفعل وأهمّيته. ويقابله عامل المرسَل إليه ( Destinataire). وعامل الذات (sujet) يضطلع بذلك الفعل باعتبار حيازته كفاءة تعدّه لإنجازه. وعامل الموضوع (objet) محور الرّغبة والدّافع إلى سَعي في طلبها ييسّره عامل المساعد (Adjuvant) ويعوقه عامل المعارض(opposant). وقد بلور غريماس ذلك في نموذج عاملي مشخـّص بوصفه موضوعا للتـّواصل بين مرسِل ومرسَل إليه على النـّحو التالي:
    المرسِل ـــــــــــــــــــــــــــ الموضوع ـــــــــــــــــــــــــــ المرسَل إليه
    المساعد ـــــــــــــــــــــــــــ الذات ــــــــــــــــــــــــــــ المعارض
    وقد اعتبر غريماس في ضوء نموذجه العاملي هذا أنّ تحليل البرنامج السّردي سيميائيّا يقتضي التـّمييز فيه بين عوامل ثلاثة تركيبية هي :
    + ملفوظات الحالة (énoncés d’états) تمنح الذات وجودها سيميائيّا وتكشف علاقات انفصالها أو اتـّصالها بموضوعات رغبتها.
    + ملفوظات الفعل (énoncés de faire) الكاشفة عن التحولات في حالات الاتصال والانفصال.
    + التركيبة العاملية (syntaxe actantielle) وهي وحدات سردية قاعدتها أن يُولّد الفعلُ الحالةَ.
    وقد لاحظ غريماس قابليّة ملفوظات الفعل وملفوظات الحالة لأن تـُغيّر مواقعها وأدوارها ضمن البرنامج السّردي واستنتج من ذلك إمكان تطبيق البرنامج السّردي على كلّ أصناف الخطاب وإمكان جعله متشعبا ومركبّا بفعل ازدياد الاختبارات (Epreuves) التي تخوضها الذات في سعيها أو بفعل ازدياد في مواضيع القيمة أو تفرّع في البرامج السرديّة نفسها إلى خطط أصليّة وخطط فرعيّة.
    ويبرز بالنظر في سيميائيّة غريماس للسّرد أنّ النص يصبح بتأثير من النموذج العاملي، شبَكة من العوامل تتشكل عبر العلاقات بينها آليّة مولِّدة للمعنى في النّص السّردي. وقد مثل هذا التصوّر للنص وخصوصيّة تولّد المعنى فيه، أساس مشروع منهجيّ في قراءة النّصوص الأدبية وتحليلها في ضوء مبادئ أساسيّة أبرزها أنّ النص الأدبي نسيج لغويّ تُشكّله العلاقات بين علامات حاملة للمعنى. وأنّه لا يمكننا إدراك تلك العلامات إلاّ باعتبارها نسقا وبنية تنتظمهما قوانين وقواعد. ولا يمكننا إدراك المعنى إلاّ باعتباره عنصرا نسقيّا داخليا لا يظهر على سطح النص ولا يكون أبدا من وجوه انعكاسه المرجعي الاجتماعي أو النّفسي أو التاريخي.
    ويمكن بالنّظر في مقاربات تحليليّة كثيرة للنّص الأدبي، إدراك أثر السّيميائيّة فيها عامّة والسّيميائيّات السّردية خاصّة. فقد سعى باحثون إلى قراءة النـّص الأدبي في ضوء سيميائيّة غريماس السّرديّة ومنظوره العاملي أساسا. فعمدوا إلى التركيز على بنية النّص الحكائيّة بمعناها الضيّق. واعتبروا أنّ الخاصّية الوظيفيّة في النّص رهينة تتابع أحداثه. ذلك أنّ الأحداث مجال تتحدّد عبره، كما في ترسيمة غريماس، حركة الشخصيّة بحثا عن موضوعها وفق مدار تداوليّ مخصوص.
    ولم تقف إفادة الدّارسين من السّيميائيّة عند ذلك الحدّ فتلوّنت واتـّسعت خاصّة. وكان الانطلاق في دراسات كثيرة من كون النـّص القصصي متنا تنكشف الأحداث عبره ومبنى يرسم كيفيّة ظهورها، صادرا عن فكرة أنّ النص كلام يتبادله اثنان وأنّ فيه علامات دالّة على ذلك. والانطلاق كذلك من أنّ المتكلّم في النّص القصصي ليس الرّوائي حقيقة، حفـّز على تعميق النّظر في عناصر كثيرة متـّصلة بأنساق النـّص الدّاخليّة من قبيل عنصري الصّوت والرّؤية... إلى غير ذلك من الدّراسات التي استضاء أصحابها بالسّيميائيّة من دون ذكرها صراحة أو داخلوا بينها وبين مناهج أخرى في قراءة النّص وتأويله بشكل جعل أثر المنظور السيميائي وفعله في النص الأدبي غير متـّضحين تماما.
    2- التـّشخيص حدثا سيميائيّا .
    لما كان التـّشخيص تصوّرا وممارسة فنّية قد رافق الإبداع الرّوائي في رحلة تحوّله من حقبة إلى أخرى، كان له وجهان. في الأوّل ارتبط التـّشخيص بمحاكاة للواقع أساسها التزام السّارد بما يسم الموجودات على وجه الحقيقة محاولة في تجسيدها وحرصا على أن تصحّ المطابقة بينها وبين الصّور المنقولة عنها. ثمّ تحوّل التـّشخيص عن هذا الوجه إلى آخر نفى أن يكون مطابقة حرفيّة للواقع وإن أقرّ بما بين الموجودات وتسمياتها من علاقة تناسب وتقارب. وصار التـّشخيص هنا فعلا تخييليّا أساسه قدرة السّارد على التصوّر وبالتـّالي على ترجمة صور الأشياء المرتسمة في ذهنه إلى إشارات نصّية ينكشف عبرها انفعاله بالأشياء.وهو ما يُتيح للتـّشخيص أن يتجاوز حدود التـّوضيح والإبانة إلى ضرب من التـّبديل في صور الأشياء واختراع صور لها أخرى. فما قام من خطاب أدبيّ على التـّشخيص بصورته هذه، تعلـّق به أمران : أوّلهما اندراج الكلام ضمن سياق سيميائي تحضر فيه المظاهر اللغوية والشكلية والفنّية بصفتها إشارات إلى صور الشخصيات والأحداث والأشياء. وهي الإشارات ذاتها التي يحوّلها القارئ إلى بنى دالّة فيفهم الخطابَ الأدبي ويدرك مقاصده. وثانيهما انبناء العبارة والتراكيب بحيث تـُولـّد في الذهن دلالات معيّنة يقود السّاردُ القارئ إليها صراحة أو ضمنا.
    ويصبح للتـّشخيص إذ يتعلق في الخطاب الأدبي بالطريقة في إخراج المعنى وتركيب الدّلالة وجه جماليّ ووجه إخباريّ وإقناعيّ يتوسّل السّارد لأدائهما بجملة من الإجراءات منها اختيار خاصّيات الواقعة موضوع التـّشخيص وهيآتها ، ومنها حسن التـّأليف بين مايُفهمُ ويُفحم نسجا على سبل معهودة ومسالك مألوفة في ذلك أو إبداعا وإغرابا... وغير ذلك ممّا يُحدّد نواحيه ودرجاته القصدُ من التـّشخيص : إثارة الصّورة لدى القارئ وإحداث الوهم في ذهنه أو إثارة انفعاله وحمله على موقف مّا شعوريّ أو سلوكيّ.
    وهو ما يسمح بالحديث عن سلوك تشخيصي لا علاقة له بتمثيل الواقع وحسن محاكاته. بل بفاعليّة في توليد المعاني وتنظيمها موصولة في نصّ أدبي بتجربة السّارد الانفعاليّة والإدراكيّة واختياراته التـّعبيريّة والتشكيليّة وأغراضه القصديّة. وهو ما يصلنا بمسألة الإبلاغ والتـّوصيل في الخطاب الأدبي ويُتيح اعتباره ملتقى علامات متشابكة يتحوّل السّرد التـّشخيصيّ بها إلى فضاء علاميّ مقروء محوره الأساس المعرفة المتجسِّدة في أشكال ووجوه مختلفة.
    ويكون النص الروائي بناء على ذلك وحدة تلفظيّة كبرى عناصرها المرسِل وموضوع الإرسال الممنوح للمعرفة والمرسَل إليه. وهي أقطاب في ترسيمة هيّأها ر. جاكبسون(R. Jakobson) لعمليّة التـّواصل وكان لها هذا الشكل :
    السّياق

    المرسِل ـــــــــــــــــــــــ الرّسالة ـــــــــــــــــــــــ المرسَل إليه
    (موضوع المعرفة)

    قناة الاتّصال
    فالمرسِل حائز على المعرفة بموضوع الإرسال مدعوّ إلى صياغتها وتنسيقها ووظيفته بناءً على ذلك إخباريّة وتثقيفيّة.
    والمعرفة موضوع الرّسالة صنفان : معرفة عامّة محورها العالم الذي يصدر عنه المرسِل ومعرفة خاصّة متـّصلة بسياق النص الروائي وما ورد فيه عن الشخصيات والفضاءات والأحداث.
    والمرسَل إليه يتلقـّى المعرفة عبر شبكات لغويّة ودلاليّة هو مدعوّ إلى أن يستخلص بياناتها ويفهم إشاراتها ليدرك المعرفة موضوع الإرسال. ولما كانت لا تقوم مبادلةٌ في معرفة من دون شراكة، قام بين طرفي الإرسال عقد ضمنيّ مفاده أنّ المرسِل مانحَ المعرفة هو الأكثرُ اطلاعا والأكثر قدرة على صياغة المعلومات وتوجيه ذهن القارئ إليها، وأنّ المرسَل إليه يطلب العلم بالشيء وصفاته حفزا على الحدث المعرفيّ وضمانا لتحقـّقه.
    ويمكن أن نستدلّ على ذلك كلـّه بهذا المثال من رواية مجرّد لعبة حظّ (ص 9) " أنا بثينة زوجة فائز الرّابحي. أنا امرأة مصنوعة من نار البراكين ونور الشـّمس . امرأة عصريّة جدّا تلبس التـّايور والميني جيب والدّجين الكابس على الرّدفين والمضغوط على الفخذين. ولا تخجل من النظرات التي تعرّي لحمها كلـّما هبطت من سيّارتها لقضاء شأن من شؤون الحياة. أنا امرأة تصرخ في وجه العالم ولا يطرف لها جفن".
    إنّ البثّ في هذه الوحدة النصّية الأولى التي تـُفتتح بها الرّواية، من قبيل الإخبارمن جهة، والمكاشفة بدواخل النّفس والفكر من جهة أخرى. فالكلام تعريف بصورة امرأة وتعريف بمشهد لباسها وحركاتها وتعريف بماهية أشياء متعلـّقة بتلك المرأة كما أنّه تعريف بشيء من سماتها النفسية والفكريّة. وموضوع الكلام بناء على ذلك، واقع موقع الكشف والإظهار باعتبار أنّ الباث يعرضه في شكل حقيقة غير محتملة. والموضوع من هذه الزّاوية جدير بأن يكون محور معرفة ومجال تواصل بين المرسِل والمرسَل إليه. بل إنّ ما في الكلام من إشارات إلى السّياق الثقافي (اللباس والسلوك والعلاقات) وأحكام تقييميّة دليل على أنّ الموضوع ذو قيمة هي كما يذكر غريماس مبعث مواجهات حادّة أو هادئة بين طرفين هما المرسِل والمرسَل إليه . وهو ما يعكسه المثال المذكور فعلا على ضبابيّة حضور المرسَل إليه فيه خلافا لحضور المرسِل.
    والمرسِل في المثال امرأة تُصرّح بهويّتها باعتبارها ناقلة للخبر وموضوعا له " أنا بثينة زوجة فائز الرّابحي... امرأة عصريّة... ولا تخجل". فلا فاصل بين الذّات المضطلِعة بالكلام المخبِرة عن المعرفة أو عن شيء من عالم النصّ التخييلي من جهة، والمعرّفة بنفسها من جهة أخرى. وهذا مظهر يتـّحد فيه المرسِل وموضوع إرساله تماما كما يكون في السّرد ذي الطابع السّيري خاصّة. وهو ما جعل المرأة المرسِلة أعرف بموضوع إرسالها ما خصّ منه الملبس (التـّايور والميني جيب والدّجين) والحالة والهيئة ( الكبس على الرّدفين والضـّغط على الفخذين) والهويّة (أنا بثينة زوجة...) والمشاعر( لاتخجل... نظرات تعرّي لحمها) والطـّبع والمزاج ( مصنوعة من نار البراكين ونور الشمس) والموقف والسّلوك ( تصرخ... ولا يَطرف لها جفن). وهذه كلّها تـُعادل في منطق التـّشخيص فعل تسمية للشيء موضوع الحديث يـُوهم الساردُ المتلقي بوجوده على صورة معيّنة ويحفزه على أن يتمثـّله. وتكون المرأة المرسِلة هنا بمنطق السّيميائيّين حائزة على كفاءة معرفيّة ولسانيّة مكّنتها من إعادة إنتاج متصوّر، له في ثقافتنا نظير والسّعي إلى الإخبار والإقناع به.
    ولم تكن الباثـّة كما يدلّ على ذلك المثال النصّي مقتصرة على الإخبار بمعرفة، إنّما كان لها مقصد آخر لعلّه يكون سابقا لموضوع بثـّها أو يكون منبثقا عنه ومتـّصلا في الحالتين بوجود المتلقّي أو افتراض وجوده. هذا المقصد هو الإقناع والمحاجّة. ذلك أنّ موضوع الخبر واحد وهو المرأة والصّور عنها أربع صيغت وفق مستويات متدرّجة يُسلم الواحد منها إلى الآخر:
    فالخبر في المستوى الأوّل محايد لا لبس فيه عُرّفت فيه المرأة بصفتها زوجة. فهُويّتها من انتسابها إلى زوج.
    أمّا المستوى الثاني فأُدرجت فيه المرأة بصفتها امرأة لا زوجة، ضمن فئة من البشر موسومة بسمات خاصّة يصعب مع ذلك حصرها وتحديدها، منها الجرأة والحدّة والعنفوان والشـّبق (نار البراكين) ومنها الجمال والأنوثة والرقّة ( نور الشمس).
    وبدا المستوى الثالث أشبه مقارنة بسابقه بما يُبنى على الاستنتاج ذلك أنّ ملبس المرأة وسلوكها (امرأة عصريّة جدّا ... تلبس... ولا تخجل...) مناسبان لطبعها ومزاجها.
    و بُني كذلك المستوى الرّابع على الاستنتاج فكان أقرب وهو يرسم جرأة المرأة، إلى أن يكون نتيجة للمستويين الثاني والثالث.
    والخبر المبثوث هنا بناء مخصوص لصيغ الكلام بحيث يتـّضح لاحقـُه بسابقه فيتشكل من الجمع بينهما المعنى ويكون مبرّرا معللا في سياق الخطاب نفسه مؤثرا في المتلقي يُوجّهه إلى فهم مّا أو موقف مّا.
    فلئن لم تـُبن صياغةُ الخبر في المثال النصّي على شاكلة النصوص الحجاجيّة في قياس العنصر بعنصر آخر استنادا إلى حجّة جامعة، فقد انتظمتها مقاربة في الإقناع دالّة على أنّ الباثة المرأة توجّه كلامها إلى متلقّ مّا.
    وإنّ هذا المتلقـّي لينكشف في ثنايا مستويات المعرفة المقدّمة عن المرأة في موقع مفتـَرض بين المستويين الثالث والرّابع.
    ولئن لم يكشف عن حضور المتلقـّي دالٌّ لغويٌّ ونصّيٌ فإنّه فاعل في الكلام موجّه له. ذلك أنّ ما أحوج الباثـّة بعد الإخبار عن عصرّيتها وملبسها المثير وعدم خجلها، إلى إضافة أنّها تتحدّى العالم، هو افتراض صوت غيريّ يعارضها الرّأي. وهو ما يًُفسِّر نبرة التحدّي والإصرار في إضافتها تلك " أنا امرأة تصرخ في وجه العالم ولا يطرف لها جفن". فهذا الصّوت الغيريّ صورة لوعي آخر مواجه لم تحرص الباثة على طمسه، ممّا يُعدّ بمنظور سيميائي علامي سمة دلاليّة على علاقة بآليّة في توليد الدلالة صورتها مواجهة الصّوت للصّوت. وهو ما يُفسّر أنّ الخطاب في نصّ روائي ، يرتبط في معجمه وكيفيّة صياغته بنوعيّة استجابة المتلقي القيميّة والجماليّة سواء أكان كان هذا المتلقي حاضرا في خطاب السّرد أو مفترضا كما ظهر من المثال النصّي. ومن دون ذلك لا يُمثـّل النّص الأدبي والسّرد التـّشخيصي ضمنه حدثا اتـّصاليا منتجا تـُبنى عبره الدّلالة مهما اتـّسع الخطاب وتشعّبت مسالكه.
    وتـُبرز قراءة المثال النصي المذكور سالفا من هذا المنظور، استقلاله سيميائيّا من حيث توفّره على بعد تشكيليّ دلاليّ يُنزّهه عن مجرّد محاكاة الواقع. فثمّة في ذلك المثال دلالة غير جاهزة أو معطاة في الخطاب. وهي دلالة كلـية ليست المعاني المنثورة على سطح الكلام سوى إشارات تنبّه إليها ذهن المؤوِّل،ممّا يعني أنّ البنية الدلالية الكامنة في خطاب روائي مّا مهما بلغت من البساطة تتشكل عبر مستويات تراتبيّة تحكمها مقاصد المرسِل الواعية. وهي طريقة في توليد المعنى في نصّ روائي لا يمنع طوله من تحقـّقها. بل هي تكون فيه من البواعث على التنويع في علامات الدلالة ووسائطها: لغة تـُبلغ وتـُقنع وهيآت وإشارات وحركات وألوان... تـُوصف فتكون من تمام البيان والتواصل .
    وإنّ ذلك من مناحي الرّواية الرمزيّة وحتى الواقعيّة. ذلك أنّ الأولى تنكر على التـّشخيص البعدَ الإشاري إلى العالم وتستبدله بمعادلات له رمزية. والثانية وإن أوهمت بالواقع فإنّها تستند في تصويره إلى حركة البثّ وطرقها وإلى تقلّبات المتكلّم الفكريّة والشعوريّة. بحيث يُدرَك المعنى رمزيّا كان أو واقعيا في خطاب الأدب عبر العلامة التي تنهض على مبدإ المشابهة، وعبر العلامة التي تنهض على نسق من المناورة والمرواغة في إنتاج الدلالة. وإنّ في عتبات روايتي درغوثي الدراويش... ومجرّد لعبة... نماذج من ذلك.

    II- عتبات النص الروائي: فاعليّة في التـّشكيل والتـّأويل.
    لمّا كان النّص، كما أبرزت سيميائيّات السّرد، بنية خطابية كبرى للتواصل في إنتاجها الدّور الأكبر، فقد مثلت العلاقة التـّفاعلية بين مرسِل ومرسَل إليه، فاعلا أساسيا في صياغة ذلك النّص، وكانت كتابته وقراءته مرتهنة الواحدة بالأخرى في إطار تداوليّ يقضي بأن يضمّن المرسِل لغته ما يُقال صراحة وما لا يُقال. ويجتهد المتلقي في فهم آليّة تركيب ذلك وإدراك دلالته على المعنى صريحا ومضمرا.
    وقد لاحظنا أنّ هذه الآليّة في بناء الخطاب وانكشاف الدلالة عبر ضرب من الحوار المتجدّد بين الباث والمتلقي، تبدو أوضح في نصّ أدبيّ منها في نصوص أخرى . ذلك أنّ صاحب الخطاب في النصّ الأدبي يحيط نصّه بنصوص بقدر ما تفضح ممارسته فعل الكتابة، تفضح استنفاره في المتلقي فعل القراءة. والكتابة والقراءة إذ تقومان في نصّ مكتوب مقام بثّ الكلام واستقباله في نصّ منطوق، تـُعلنان عن بدء النّشاط السّيميائي من قبل أن يبدأ الخطابُ التخييليّ موضوعُ الإبداع أصلا. فالنصوص الأولى المسمّاة في مدوّنة النّقد العربي عتبات أو نصوص موازية أو خطاب مقدّماتي، تحمل أنظمة علاميّة ثلاثة يتشكّل وفقها النّصُ ويشتمل عليها وهي:
    - نظام في تحويل التجربة المحكيّة إلى سياق جمالي مفترض يُتيح استكشاف الواقع ولا ينقله.
    - نظام في افتراض وجود القارئ ثنايا النّص فاعلا في التقاط الإشارات الدالّة وتفكيك الرّموز.
    - نظام في بلورة استراتيجيّة النّص وفق إشارات ورموز بقدر ما تقترح رؤية كلّية للنّص، تـُتيح للقارئ أن يتوقـّع رؤية له أخرى مماثلة أو مخالفة.
    هذه الأنظمة الثلاثة تدعونا إلى اعتبار النّصوص الأولى، أولى الملفوظات التي يصوغ عبرها المتكلم الأوّل بنية النّص الدلاليّة المحتملة. فيدعو قارئه إلى التواصل بمعنى تأويل الرموز والعلامات وافتراض الممكن وتخمين المحتمل.
    1- الصّوت الأوّل في النصّ الروائيّ.
    لما كانت الرواية كما بينّا بنية علاميّة كبرى، فقد جاء النّص فيها من أوّل كلمة فيه إلى آخر كلمة خطابا ممتدّا يتبادله متكلّم أوّل مع القارئ. ويحتوي هذا الخطاب بدوره على خطابات صغرى تتنوّع محكيّاتها وتظلّ مع ذلك موضوع تبادل بين باثّ هو السّارد أو غيره من الشخصيات المتناوبة على الكلام، ومرسَل إليه.
    ونجد عندما نقارب بين خطاب المتكلّم الأوّل وخطاب غيره من السّردة والشخصيّات داخل النّص الرّوائي، أنّ الأوّل مثـّل مثار جدل والتباس. فلمّا لم يُشخّص المتكلّم الأوّل على مستوى الخطاب ولم تتجسّد علاقته بالقارئ، التبس أمره بشخصيّة المؤلف الواقعيّ. وهو أمر رفضته السّيميائيّة النصّية باعتبارأن النّص يقوم عندها بمعزل عن مقاصد المؤلّف وتتداخل الأصوات فيه وتتفاعل وفق سنن كثيرة من بينها سنن الكتابة.
    والحقيقة أنّ ذلك وغيره ممّا حفز على تغييب صوت الرّوائي وتقليص سلطته على نصّه، لا ينفي وجودَ المتكلم الأوّل باعتبار أن النص قائم مقام خطاب تعلـّته الكتابة فلا بدّ له من فاعل ينجزه.

    هذا الفاعل هو المتكلّم الذي يختلف شكلُ حضوره من نصّ سيريّ إلى نصّ تخييليّ. فإن كان في النّص الأوّل يُحيل إلى شخصيّة المؤلّف الحقيقيّة، فإنه لا يحيل في النص الثاني إلاّ إلى مخاطِب افتراضيّ يتحدّد وجودُه في فضاء النّص التخييليّ وتتعيّن مواقعه وفق درجات من الكشف أو السّتر. وهو ما يعني أنّ المتكلم الأوّل كائن نصّي لا أهمّية للجزم بوجود نظير له خارج حدود النّص.
    ويفترض ذلك أنّ غياب الصّيغ الصّريحة الدّالة على وجود هذا المتكلّم في نصّ أدبيّ لا ينفي حضوره وأهميّة دوره. وهو ما ينبّه إلى أنّ علاقته بالنّص تتحدّد في ضوء علاقته بالمتلقّي وأشكال توجّهه إليه.
    هذا أمر. الأمر الآخر صورته أنّ المتكلم بوصفه من مقتضيات النّص، تحوّل بدوره إلى علامة بالمفهوم السّيميائي. فلما كان المتكلم وما يصدر عنه من وضع الكاتب، صحّ اعتباره عنصرا من ضمن عناصر استراتيجيّة أخرى يُعوِّل عليها الكاتبُ في بناء النّص وتشكيل دلالته. وهو ما يُفسِّر تعلّق جملة من الأدوار الإنشائيّة والدلالية بالمتكلّم الأوّل.
    وهي أدوار لئن قيّدتها مقتضياتُ الحكي ودعمتها ذاكرة نصّية معطاة، تـُثبت للمتكلّم الأوّل السّلطة الأولى الجماليّة والمعرفيّة في النّص.
    وإذا نظرنا في رواية الدراويش ، لاحظنا أنّ المتكلم الأوّل أبرزُ في الفاتحة منه في أواسط الرّواية. ولذلك تفسيران، الأوّل أنّ التوغّل في النّص وسّع دائرة المتكلمين وداخل بين ضمائرهم. فالسّارد وشخصيّات كثيرة منها درويش والرّجال والأهالي والشيخ... تداولوا على اللفظ فامتدت بهم بنيات التواصل وتشابكت . والثاني أنّ محتوى الفاتحة الرّوائيّة وهي من صنف ميتاروائي يدلّ على أنّ آليّة تشكّل الرّواية وتأسيس أنظمتها الدّالة يقومان في جانب كبير منهما على فاعليّة المتلقي. لذلك كان الحديث موجّها إليه صراحة وموهِما بدوره في نشأة النص. يقول الصّوت الأوّل: " مارأيك صديقي القارئ؟ ... وستكون الشاهد " (ص 15-16) .
    ولمّا كان حضور المتلقي موازيا لحضور الباث، وُجدت في الافتتاحيّة دلالات واضحة على وجود المتكلـّم الأوّل. نذكر من ذلك تزامن حدثي الكتابة أو سرد الحكاية ووقوع الأحداث. وهو شكل من أشكال إعلان المتكلم مسؤوليّته في ما يروي وصحّته خاصّة. وصورة ذلك أنّ المتكلم يأتيه درويش أكثر من مرّة يلحّ عليه في أن يكتب الرّواية. وحين يقبل طلبه بعد معاناة، يوهمنا أنّ الرّواية ستبدأ بعد الافتتاحية مباشرة في حين أنّها بدأت منها ومعها تخصيصا . بدأت منذ دخل درويش على المتكلم غرفة نومه فحدّثه ورغـّبه ورهّبه. وسنرى حين نُحلل افتتاحية الرّواية كيف احتوت من العناصر التخييلية ما يخوّل استقلالها بنيويّا ودلاليّا. أضف إلى ذلك أنّ المتكلـّم الأوّل إذ يسرد هذا الذي حدث له مع درويش يجمع إليه انشغاله بهاجس الكتابة. وفي النص قرائن تبرز تزامن الحكاية وكتابتها في ضرب من الآليّة الكاشفة عن حضور المتكلم الأوّل صاحب الحكاية الكاتب لها والشاهد على انبثاقها . نذكر من تلك القرائن: بالطبع وكما توقعتُ، وكما في الحكايات الأخرى، كان الطارق درويشا (ص 16)-لقد شتتت أفكارنا هذه الشخصيات الغريبة، ولم ندر أين نضعها، في الميثولوجيا أم في الواقع الأغرب من الميثولوجيا(ص24) – ولكنني أقول لكم يا أحبّائي إنّ كلّ ما في هذه الرّواية هو حقيقة الحقيقة (ص 24).
    وقد كان للمتكلم الأوّل بصفته شخصيّة تعيش الحدث وترويه، صنفان من المتلقين. واحد من عالمه التـّخييلي وهو درويش " ياصاحبي أنا لستُ رجل علم " (ص 19) والآخر من غير عالمه التـّخييلي . وقد خاطبه المتكلم الأوّل مباشرة: يوضّح له أمرا ويعلمه به ( سامحوني لم أقل لكم منذ البداية أن درويش هو بطل هذه الرّواية) (ص 15) أو يعترف ويعتذر له ( أريد أن تعذروني ... وها أنا أعترف لكم الآن) (ص25) أو يُشركه في نسيج الحكاية ويُورّطه في صناعتها ( ما رأيك صديقي القارئ؟) (ص 15) أو يتوقـّع احتجاجه فيردّ عليه (قد يقول بعضكم هذا وأكثر، ولكنّني أقول لكم...) (ص24). وهكذا تـُوازي الإشاراتُ النصّية بين دلالتها على المتلقي ودلالتها على المتكلم. وقد رأينا أنّه مثلما أنشأ الكاتبُ المتكلّمَ الأوّل، أنشأ المتكلّم الأوّل متلقـّيا من خارج فضاء السّرد التخييلي. ودلّ ذلك على أنّ افتتاحيّة الدراويش ... وحتى متن النّص بعدها مشدودان إلى عمليّة الإبلاغ وتفاعلها بين مرسِل ومرسَل إليه.
    2- العناوين أصليّة وفرعيّة وملحقاتها الأجناسيّة.
    يُعتبر العنوان من أبرز ما يُفتتح به النّص الرّوائي. فهو العبارة الأولى في ما يُسمّيه جيرار جنيت "نظاما افتراضيّا العنصر الأوّل منه فحسب ضروريّ في ثقافتنا الرّاهنة" .
    والحقيقة أنّ جنيت إذ يتحدّث عن عنوان النصّ ويُقرّ بأهميّته، يُدرجه ضمن " جهاز تعيينيّ "(appareil titulaire ) يضمّ العنوان(Titre) والعنوان الفرعي (sous-titre) والتـّحديد الأجناسي (indication générique). وقد ظهر في نصوص كثيرة أنّ العنصرين الأخيرين يًُمكن مقارنة بالعنوان، أن لا يُثبتا على غلاف الأثر ويمكن أن يكونا من وضع النـّاشر لا الكاتب. وهو ما يقلـّص من علاقتهما بالنـّص ويحُدّ من بعديهما التـّأويلي أو يجعل مأتاه الظنّ والتـّرجيح. هذا إضافة إلى أنّ العنوان بحكم تصدّره أوّل الأثر وإحالته إلى محتواه غالبا يكون في معقد الصّلة مع المتلقّي. وهي صلة من صنفين:
    الأولى تنبّه المتلقي إلى العنوان ذاته باعتباره حاملا لرسالة أو موحيا بها. فتركيب اللفظ في عنوان مّا يكشف عن معنى فيه وعن معنى آخر يخمّنه القارئ فيه. والعنوان هنا أشبه بخطاب يمنح نفسه للقراءة والتـّأويل.
    الصلة الثانية تنبّه المتلقي إلى محتوى الأثر وموضوعه فإذا قرأ العنوان تجمّع في ذهنه ما ورد مبعثرا في متن النـّص وساعده ذلك على القراءة والفهم.
    والعنوان بصلتيه هاتين مع المتلقي، بقدر ما يقترح وعدا بدلالات ، يفتح على أكثر من أفق في التأويل. وهو ما يُفسّر اعتبار جنيت أنّ العلاقة بين العنوان ومحتوى النّص الإجمالي" متقلّبة للغاية... وتتوقف دائما على مشاركة المتلقي التـّأويليّة" .
    والملاحظ بالنظر في عناوين النّصوص الروائيّة، خلوّها من الثوابت في وظائفها وعلاقاتها الدلاليّة بالنـّص. ذلك أنّ العنوان يمكن أن يدلّ على النـّص بوضوح ويمكن أن يُوهم بالوضوح وهو يوحي ويغمض .
    وإذا نظرنا في عنواني درغوثي الدّراويش يعودون إلى المنفى ومجرّد لعبة حظّ ، وجدنا أنّهما أشبه بالعناوين التقليديّة وضوحا في اللغة واكتمالا في المضمون. فالدراويش يعودون إلى المنفى، جملة كاملة لا تتعلّق دلالتها ببلاغة في القول أو التصوير ويتحقـّق فيها المعنى عبر عوامل ثلاثة هي:
    عامل الفاعل ( الدراويش) وهو محور يرتبط الحكي به .
    عامل الحدث( العودة) وهو مؤشّر على الحركة والتحوّل.
    عامل المكان وهو فضاء محدّد بالصّفة (النفي) حاضر باعتبار احتضانه للحدث.
    وهذه العوامل تتصل بموضوع الرّواية وتوجّه من ثمّة فعل قراءتها من دون أن تفرضه.
    ولم يَكن مجرّد لعبة حظّ عنوانا بمثل اتـّساع العنوان في الدراويش من حيث العناصر والمكوّنات. فقد ورد في شكل جملة اسميّة حُذف أحد عناصرها ( المبتدأ في هي مجرّد لعبة حظّ أو الخبر في مجرّد لعبة حظ هي) وذلك بغاية اختصار العنوان أساسا وليس لخلق ما يشبه النـّشاز في تركيب الكلام وإسناده يحفز القارئ على اقتناص الدّلالة البعيدة. بل إنّ اللغة في مجرّد لعبة من الصّنف المتداول وتـُسندها مثلما هو الأمر في الدراويش، خلفيّة ثقافيّة تَقضي بأن يكون المتلقي ممتلكا معرفة معيّنة تتيح له فهم المقصود بلعبة الحظ ومعرفة من هم الدّراويش. وذلك حتى يتيسّر له فهم ما يتعلـّق بهما في متن النّص . وهو ما يدلّ على أنّ العناوين تُصاغ في ضوء رؤية إجماليّة للنّص ويحكُم عمليّة وضعها قصد إلى استثارة معارف وتخييلات في ذهن المتلقي. وهو أمر لا يمنع إمكان أن يتوسّع المتلقي في التـّأويل وتخمين الدّلالة. فلئن لم يتوجّه درغوثي في صياغة عناوينه توجّها بلاغيّا، فإنّ المعنى فيها يتولّد عبر سياقين حاضر وغائب متقاطعين. ولئن أشار العنوانان وهما وحدتان نصّيتان إلى النصّين الروائيين واختزلا بعض معانيهما، فإنّهما لم يستوفيا المحتوى ولا حتّى المعنى الكلّي. ولذلك نجد أنفسنا أمام مجرّد لعبة... عاجزين عن إدراجها في سياق تخييلي محدّد خاصّة وهي إذ ترسم صورة لا اعتبار فيها لشخصيّة ولا لواقعة، تثير السّؤال وتفتح الباب لدلالات متعدّدة يعسر معها الجزم بموضوع الرّواية ومحتواها. وذاك في اعتقادنا من الأدلّة على أنّ العناوين مهما بلغت من الوضوح، ومهما أشارت إلى النّص موضوعها، تظلّ بمثابة شبكة لسانيّة تُبنى عبرها الدّلالة وفق طرق عديدة. فحين نبحث في جملة الدّراويش يعودون إلى المنفى عن سمات نركّز عليها الذهن لنقتنص الدّلالة، تنفتح أمامنا إمكانات دلاليّة منها أنّ عامل الفاعل الدرويش معرّف وله في ثقافتنا صورة جاهزة إلاّ أنّه يُوضع في سياق غامض غير معرّف (يعود إلى المنفى). ومنها أنّ الدّرويش استنادا إلى المرجع الواقعي والثقافي إنسان ذكر وراشد ومتديّن فسياق وصفه إنساني واجتماعي لا علاقة له حتميّة بسياق النصّ التـّخييلي.
    ويُمكن بالنّظر إلى ما تقدّم اعتبار أنّ العودة إلى المنفى هي السّمة المميّزة في العنوان وهي الأجدر بأن تُؤوَّل وتُعيّن دلالتها. وقد بدت هذه السّمة في العنوان أشبه بالومضة واحتضنتها الفاتحة فكشفت بعض وجوهها ممّا ينفتح به المعنى ولا ينغلق: درويش يقتحم مختارا (يعود) على السارد بيته الذي انقطع فيه عن العالم (المنفى).
    وإنّ ازدحام العنوان بالدلالة وانكشاف بعضها في الفاتحة يدلّ على أنّ النّصوص الموازية لا تتفاعل مع النص الأصلي فحسب بل تتفاعل أيضا مع بعضها البعض. وهو ما يجعل المعنى يقود إلى المعنى الذي يقود بدوره إلى معنى آخر: فمن العنوان إلى الفاتحة إلى النّص، كلّ إشارة كما يقول الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس تجد قيمتها في كونها إشارة إلى غيرها وهو ما يتكرّر في العناوين الدّاخلية المدرجة داخل روايتي درغوثي.
    والعناوين الدّاخلية ( intertitre ou titres intérieurs) تثير في نظر جنيت الملاحظات نفسها التي تثيرها العناوين الأصليّة وإن كان بعضها على خلاف هذه لا يحمل معنى إلاّ بالنسبة إلى قارئ تورّط في قراءة النـّص. وهو ما يُبرز أنّ العنوان الدّاخلي أكثر تمثيليّة للمعنى الكلّي في النّص من العنوان الأصلي.
    ولا يعني ذلك أنّ العناوين الدّاخليّة تبسيطيّة يُكتَفى فيها بتلخيص مضامين الفصول واستباق أحداثها ذلك أنّها هي الأخرى من البنيات النصّية الفاتحة التي تُستثمَر بحكم مواقعها في إثارة مخيّلة المتلقّي وحفزه على إدراك معان وتوقـّع أخرى قد لا تُصادق عليها الفصول بعد ذلك.
    ولمثل ذلك بدت عناوين فصول رواية الدراويش بعيدة عن المعنى الأوّلي الذي اقترحه العنوان الأصلي عودة الدّراويش إلى المنفى. بل إنّ واحدا منها هو: درويش يعود من المنفى، يخلق مفارقة مع عنوان الرّواية فيكسر بذلك هيمنته ويردّه عن وجهته ويردّنا بالتالي عن وجهتنا في تأويله. وقد شرّعت النـّزعة البلاغيّة في بعض العناوين الدّاخلية لأفق حكائيّ واضح: درويش يشتري قدر حاتم الطّائي – بدع الخليفة – الثـّعابين – صاحبة الكهف – النـّجوم التي انكدرت... وأبرزَ ذلك أنّ الدّلالة قائمة في نسق داع إلى استحضار المعاني الغائبة وأنّه يُعوّل فيها على جعل المتلقي يُخمِّن المعنى ويصنعه. وهو أمر على غاية الأهميّة من منظور سيميائي ربط النّص باحتمالات التـّأويل وأنساق المعرفة الممكنة والمفترضة. وفي رواية مجرّد لعبة حظّ صورة لعناوين داخليّة تـُوهم بالبساطة والوضوح وهي خلومنهما. فقد تداول على رواية أحداثها الشـّخصان الرّئيسيّان في النّص: بثينة تكلّفت برواية خمسة عشر فصلا تكرّر فيها العنوان: أنا بثينة، وفائز تكلّف برواية خمسة عشر فصلا كذلك تكرّر فيها العنوان: أنا فائز الرّابحي.
    ودلّ توزيع الفصول ومحتوياتها أنّ العناوين الموضوعة لها تؤدّي وظيفتين: وظيفة تنظيميّة وصفيّة تـُعلن عن آليّة تكوين النّص وما اختصّ به الجزءُ من دون الآخر. وقد نحت العناوين هنا بمادّة الرّواية منحى أوتوبيوغرافيّا إذ أنّ الشخصيّة التي يُعنون بها الفصل تتحدّث عن نفسها وما أحاط بها.
    وظيفة سرديّة تتعلّق كما يقول جنيت:" ببنية الأثر وتطوّره" بحيث يتبعُ التحوّلَ من سارد إلى سارد، تحوّلٌ في أطوار الحكاية وتعكس النـّقلةُ في الأصوات منطقـَها. ويمكن ملاحظة أنّ هاتين الوظيفتين الواسمتين للعناوين تتـّخذان في أعمال روائيّة أخرى شكلَ التلاخيص الكاشفة عن محتوى الفصول، اما في رواية مجرّد لعبة فقد جاءت أقرب إلى وسائط تخمين واستكشاف تـُقترح على القارئ فتورّطه في مغامرة بحث عن المعنى. ولذلك فإنّنا نقرأ العناوين الداخلية في هذه الرواية وتنشدّ عيوننا إلى تجلّيها الخطّي موزّعا بين هي \بثينة... وهو \فائز فيخطر على أذهاننا أنّ علاقة جامعة بين الطّرفين ستجد تجسيدها في مجريات الأحداث والأشياء.
    وإن لم تنف مضامين الفصول هذه العلاقة، فإنّها لا توافق بالضّرورة ما يذهب إليه كلّ قارئ في تأويلها. وهو ما يعني أنّ العناوين الدّاخلية في مجرّد لعبة حظّ حتى حين يُخاطب واضعُها المتلقي استنادا إلى مشترك مرجعي بينهما، تظلّ أشبه بنصّ صامت على كثافته، ينطلق القارئ منه لتصوّر حكاية يتوقـّع أنّ الرّواية ستدور حولها أو يريدها أن تدور حولها. وذاك ممّا يُبرز أنّ العناوين الدّاخليّة على اتـّصالها أكثر من الأصليّة بمجريات النـّص، ملفوظات استراتيجيّة تـُغري قارئها بالدّلالة ولا تمنحه إيّاها.
    وربّما صحّ في هذا الإطار اعتبار المحدّد الأجناسي المرفق بعنوان مجرّد لعبة من المغريات بوضوح الوجهة في نوع الحكاية وأسلوب صياغتها وطريقة قراءتها. فإثبات عبارة" رواية تاريخيّة من التراث . صياغة إبراهيم درغوثي"، ذات بعد وظيفي أساسا غايته كما ذكر جنيت" التـّعريف بالوضع الأجناسي القصدي في الأثر" .
    والقصد واضح جليّ من موقعة التحديد الأجناسي على صفحة الغلاف الأولى. إلاّ أنّ ذلك يحمل إلى المتلقي أكثر من وعد صريح. يحمل إليه:
    - وعدا بحكاية واقعيّة. فالتحديد الأجناسي هنا يقترح رؤية عن العمل كلّه يُتوقـّع معها أن تكون الشخصيات والأحداث وسجلاّت اللغة ومصادرها واقعيّة وتراثيّة.
    - وعدا بأسلوب مخصوص في التشخيص سيكون فيه الواقع مذكورا على وجه الحقيقة المعدول بها عن المشابهة والمطابقة إلى ضرب من الصّياغة التخييليّة.
    وما يحصل إذ يوعَد المتلقي بهذين الوعدين، أنّ ذاكرتين اثنتين تنشطان في ذهنه: واحدة معرفيّة تهيّئه لأن يستعيد أجواء مخصوصة والثانية نصّية تهيّئه لأن يتقبَّل النّص ويفهمه في ضوء نصوص تاريخيّة قرأها ومقاييس في تقييمها عرفها.
    ويبدو من ذلك طبعا كأنّما التحديد الأجناسي المفتتح لرواية مجرّد لعبة حدّد أفق قراءتها وهيأ لها القارئ كذلك. وهو أمر ينبني على خيبة جزئيّة أو كليّة. ذلك أنّ المتلقي يمكن أن لا ينساق إلى أفق في القراءة مقترح عليه رفضا له أو عجزا عن إدراكه. فإن فعل ووفـّق في ذلك، وجد أنّ الرّواية وقد أعادت شخصيّات بثينة وجميل وعمر أبي ربيعة وهند من أعماق التّاريخ ، ألبستها لباسا عصريّا وجالت بها من المعهد إلى المستشفى إلى فرنسا إلى المرقص في الحمّامات... وجعل ذلك الرّواية الزّاعمة أنّها " تاريخيّة من التـّراث " مشدودة إلى العصر بأواصر متينة.
    ولا يعني ذلك أنّ الرّواية عجزت بصفتها إنجازا عن تمثيل متصوّر الجنس الأدبي المعلن عنه. وإنّما يعني أنّها تـُعوّل في التعامل مع المتلقي وفي بناء الدّلالة وتوليد المعنى على إشاعة الاحتمال والتوقع. وهو أمر يُدرج المعنى في سيرورة ديناميّة يتـّسع معها المعنى في فواتح النّص من بنية خطابيّة إلى أخرى.
    3- الفاتحة في النصّ الرّوائيّ.
    الفاتحة (incipit) ويُقال لها التمهيد أو المطلع أو الاستهلال... تندرج ضمن ما سمّي بالفرنسيّة (paratexte) . وهي النّصوص التي ترد في شكل عناوين وحواش وفهارس ومقدّمات وخواتم... فتحيط بمتن النّص تـُقدّم له وتوجّه قراءته.
    وقد بدت فاتحة النّص من بين تلك النّصوص الموازية أو المصاحبة للنّص الأصل، على درجة كبرى من الأهمّية في الدراسات اللسانيّة والسّيميائيّة خاصّة . وذكر باحثون في شأنها اضطلاع صاحبها بالكشف عن جوانب ملتبسة في نصّه وتوضيحه رؤيته فيه وطريقته في إنشائه... وغير ذلك ممّا يَكشف عن أهميّة الفاتحة في النّص بقدر ما يُثبت كونها علامة إبلاغيّة تواصليّة. ذلك أنّ الفاتحة تصل من جهة ما بين المرسِل واقعيّا أو متخيّلا، والمتلقي. وتصل من جهة أخرى ما بين المتلقي واقعيّا أو متخيّلا، والنّص.
    ويتخذ الإبلاغ المتحقق في الفاتحة بناء على ذلك، شكل نسق سيميائيّ من وجهين متلازمين:
    الأوّل مفاده انّ الفاتحة لمّا كانت بعبارة أ.د. لانقو (A.Del Lungo) نقطة عبور " استراتيجيّة" "إلى النّص وإلى التّخييل" ، فإنّها تـُعلن عن تحوّل الوجود الواقعي إلى نسيج لغويّ وجماليّ يُعتبر علامة دالـّة على ذلك الواقع.
    الثاني أنّ الفاتحة لمّا كانت تقديما لنصّ يقترح صورة افتراضيّة للواقع، فإنّها تـُعلن عن التحوّل بالمتلقي من عالم الأعيان إلى عالم الألفاظ والصّور والخيالات.
    وتصبح الفاتحة إذ تضطلع بهذين النّسقين الفاتحين على النّص ومرجعه، بنية نصّية أوّليّة عميقة قائمة على آلية داخليّة ومنتظمة وفق طرق مخصوصة في تشكيل المعنى وتوليد الدّلالة. وهو مجال يتّضح فيه الجهد الإبداعيّ الأوّل الذي يُنجزه صاحب النّص.
    وربّما كان هذا الجهد وما يصحبه من معاناة ما دعا الباحث د. لنقو إلى اعتبار أنّ الكلمات الأولى في النّص " كلمات محتشمة ومتهيّبة: فهم يعلمون جيّدا [يقصد الكتـّاب] أنّهم سيُقيَّمون عبرها " .
    وإذا تجاوزنا انشغال الكاتب بما تثيره الفاتحة في نصّه من رضى أو نفور، لفت انتباهنا ما يجده من عسر في صياغة خطاب مقدّماتي يجمع بين تقديم الرّؤية عن كليّة النّص من جهة، وإثارة السّؤال حول ذلك النّص من جهة أخرى. وهما عملان داعيان إلى أن يجمع الكاتب في خطاب واحد هو خطاب الفاتحة بين وظائف عديدة منها استدراج المتلقي وإخباره وتنبيهه ومنها التـّوضيح والتّفسير واختزال المتن أو بعضه وإثارة المتلقي وتشويقه ومناورته ومراوغته وتوجيه عمليّة القراءة والإرشاد إلى مسالكها ... وغير ذلك ممّا يدلّ على أنّ الفاتحة خطاب قصديّ يوليه الكاتب أهميّة ويشتغل ضمنه باللغة وبالمعنى وبمتن النّص وبالفاتحة ذاتها. لذلك نعتبر الفاتحة مقارنة بالعنوان وبالتحديد الأجناسي الملحق به، صورة تبادل معرفيّ فعليّ بين المرسِل والمرسَل إليه. وهو تبادل قائم على مستويات ومستند إلى وسائط من ضربين: وسائط معجميّة مشتركة بين الباثّ والمتلقي ووسائط جماليّة تتجلّى عبرها قدرة الباث بصفته مبدعا على تضمين الفاتحة دعوة إلى المتلقي، دعوته إلى أن ينشط ذهنه فيقتنص بؤرة الدلالة ويلتقط رموزها اللغويّة وإشاراتها النصّية ويهتدي إلى مكامن توليدها مهما تعدّدت مسالك المناورة والمغالطة.
    وقد بدا ونحن نقرأ رواية الدراويش. أنّ فاتحتها من الصّنف الذي يعتدّ فيه الخطاب بذاته بنيويّا ودلاليّا فكأنّه خارج عن النّص وهو فيه. فقد جاءت الفاتحة مستقلة بمساحة نصّية مبرزة تمتدّ إلى حدود الفصل وتستقلّ بعنوان خاصّ هو " قبل البداية" دالّة بذلك على أنّ الكاتب يقصد تمييزها عن متن النّص بصفتها فاتحة.
    وهذه الفاتحة تـُحقق المفارقة من جهة اتصالها بالنّص وانفصالها عنه في الوقت نفسه. فساردها هو سارد الرواية ويرد على لسانه حديث عن شخصيّات ووقائع ستـُذكَر في متن النّص وتتعلّق بها أحداثه . نذكر منها: نمرة وطائرات الورق وفرنسوا مارتال وآبار النّفط ودرويش خاصّة الذي سيكون موضوع المحكيّ الرّئيس. والفاتحة بذلك أقرب إلى أن تكون بعبارة جنيت في تعريفه للخطاب المقدّماتي " خطابا حول نصّ يليه أو يسبقه" .
    ولئن جعل ذلك فاتحة الدراويش ... من النصوص الموازية للنّص المخبرة عنه المقدِّمة له، فإنّه لم ينف عنها خاصّية "الاستقلال" حتى كأنّها حكاية في الحكاية. فسارد هذه الفاتحة – والسّارد في نظر جنيت المحدّد الرّئيسي للفروق بين المقدّمات - خياليّ يروي حكاية ذات طابع درامي لاصلة لها بالمحكي في النّص الرّوائي. فباستثناء ذكره أسماء بعض الشخصيات والوقائع، لا نجد علاقة حميميّة بالنّص تنبّه القارئ إلى القصّة أو تسهّل عليه فهمها وإدراك معطياتها أو غير ذلك ممّا يمكن بناء عليه اعتبار الفاتحة على صلة عضويّة بسياق الرواية التـّخييلي . بحيث يمكننا أن نقتطع الفاتحة ونفردها وحدها بالقراءة فلا نشعر مع ذلك بنقص فيها أو خلل.
    وذلك في نظرنا من وجوه الطّرافة في الدّراويش باعتبار أنّ الفاتحة فيها إذ تقوم بموازاة المتن، تنطلق مثله من زاوية مخصوصة في توليد الدّلالة وتوريط القارئ. ومعنى ذلك أنّ الفاتحة لازالت وهي تستبق نصّ الرّواية، على صلة به كما سنبرز ذلك، إلاّ أنّها تبادر قبله وتخوض بالقارئ غمار التـّخييل. لهذا وجدنا أنّ فاتحة الدراويش ممّا يُقرَأ بذهنيّة نقديّة تنظر في نسقها التـّوليفي السّيميائي أساسا وفي علاقتها بالنّص الرّوائي عبر ذلك.
    والنّاظر في ما حدّث عنه السّارد من أحداث وأوضاع في الفاتحة ، يدرِك أنّ وضوح بنيتها الدّلاليّة لا يمنع خصوصيّة بعدها التـّكويني . فهذا البعد تتوزّعه علاقات متناقضة يُشكّل تفاعلها مجرى الخطاب في الفاتحة. وتلك من أبرز سمات القصص من منظور سيميائيّ .
    فقد اعتبرت السّيميائية أنّ القصّة مهما كان نوعها، سعي إلى غاية أو رغبة تطلب تلبية. ويمكننا باعتبار طبيعة الفاتحة في الدراويش أن نعتمد تصوّر السّيميائيين هذا للعمل القصصي. فنصوغ لها مخطّطا يُعرّفنا بآليّة تكوينها وتكوين المعنى فيها. ويكون ذلك على النّحو التالي:
    المرسِل ــــــــــــــــــــــــــــ الموضوع ـــــــــــــــــــــــــــ المرسَل إليه
    (درويش) (الرواية وكتابتها) ( المتلقـّي)

    المساعد ـــــــــــــــــــــــــ الذات ــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعارض
    (درويش من دون (السّارد (أطراف تعادي
    أن يتحول عن البطل) الكتابة والإبداع)
    صورته الأولى)
    ويناسب هذا المخطّط في فاتحة الدراويش مسارا اتـّصاليّا انفصاليا في الآن نفسه، انتظمت عبره مواقع الشخصيات وعلاقاتها وأعمالها صريحة ومضمرة. فبين درويش والسّارد علاقة مدّ وجزر موضوعها الرّواية : يتجاوران ويتحاكيان ويتـّفقان مرّة ويتعارضان ويتنافران مرّة أخرى. كلّ ذلك حسب علاقتهما بالرّغبة في كتابة الرّواية اتصالا وانفصالا.
    ويُسوّغ اختلافـُهما ذاك موقعا وموقفا وعلاقة، الحديثَ عن العوامل المحدّدة في المخطّط المرسوم آنفا باعتبارها عناصر قطبيّة:
    ● فدرويش يحتلّ موقع المرسِل لكونه اختار السّارد فاقتحم عليه غرفة نومه وكلّفه بمهمّة كتابة رواية"قال: إن لم تكتب هذه الرّواية سأقتلك شرّ قتلة" (ص13).
    ودرويش وإن كان طلبه موصولا بحاجة يُضمرها، فإنّ لإلحاحه على السّارد في تحقيقها سببين: أوّلهما اعتقاده في كفاءة السّارد وقدرته على إنجاز المهمّة من دون غيره " لهذا اخترتك... أنا في حاجة إلى واحد من أمثالك مازال في بداية الطّريق. أكيِّفه حسب إرادتي "(ص19).
    وثانيهما معرفة درويش بالرّواية وبأهمّيتها. وهو ما يُفسّر مراوحته في دفع السّارد إلى كتابتها بين القوّة والتهديد مرّة والإغراء واللّطف مرّة أخرى.
    ● والسّارد يحتل موقع الذات المدعوّة إلى إنجاز مشروع كتابة الرّواية. وقد قطع منذ التقى بدرويش وكلّفه بالمهمّة مراحل ثلاثا هيّأته للفعل وكان قبلها غير قادر عليه:
    في المرحلة الأولى فـُرضت عليه المهمّة فرضا وكان في ما ذكره عن نفسه غير ممتلك لآليات إنجازها " قلتُ ياصاحبي أنا لست رجل علم ولا أدب. كلّ ما في الأمر أنّني كاتب هاو" (ص19) . فرفض المهمّة وحاول الإفلات من درويش فلم ينجح.
    المرحلة الثانية سمتـُها النّزاع بين درويش والسّارد. وقد سام الأوّل الثاني من العذاب ما غيّر موقفه وعدّل من رأيه وكأنّه بذلك يجتاز من التجارب والاختبارات ما يمنحه كفاءة لم تكن له.
    وبالفعل تحوّل السّارد إلى مرحلة ثالثة هي مرحلة الفعل والمبادرة.
    وثمّة أطراف أخرى متـّصلة بالعاملين السّابقين ( مرسل، ذات) أو بمسار المشروع ومدى تحققه.
    ●أوّلها المتلقي في موقع المرسل إليه وهو كما ذكرنا سابقا صنفان. واحد حاضر في مستوى الخطاب خاطبه السّارد وكنا استخرجنا العلامات الدالة على ذلك وسيلي ما يُبرز أثره في صياغة الفاتحة. والثاني لم يحضر في مستوى النص فهو القارئ وقد خاطبه درويش افتراضا باعتبار أنّ درويش صاحب مشروع الرّواية والحريص على كتابتها. وهو في هذه الحالة يستعين لتحقيق المشروع بالسّارد بحيث يمكن اعتبار أنّ هدف المرسِل (درويش) ليس الذات (السّارد) بل المرسَل إليه (المتلقي) وأنّ الموضوع (كتابة الرواية) هو موضع الاتصال والإبلاغ بينهما كما يعكسه هذا الرّسم:
    المرسِل الموضوع المرسَل إليه
    (درويش) (الرّواية) ( المتلقي)

    المساعد
    (السّارد البطل)
    والطرفان اللذان لهما التـّأثير الأكبر في ما بين المرسِل (درويش) والذات (السّارد) من انسجام أو تنافر وفي مدى نجاح مشروع كتابة الرّواية أو فشله هما عاملا المعارض للذات المعيق لمسيرتها والمساعد لها في مهمّتها.وقد كانت لكلّ عامل منهما وجوه في فاتحة الدراويش.
    ●عامل المعارض بدا أشدّ وهدّد بحضوره تحقـّق مشروع الرّواية ونشأة النّص. وقد كان له مصدران داخلي وخارجيّ .
    أمّا المصدر الدّاخلي للمعارضة فهو السّارد نفسه وقد حوّله عجزه عن الكتابة (ص19) وخوفه ( أنا بطبعي رجل جبان) (ص 20) إلى ذات سلبيّة مضادّة لنفسها تقرّها على القعود وتصدّها عن الكتابة. وقد كان السّارد إلى ذلك يتناول "حبّات دواء" يخاف معها " الإدمان". وكان درويش يأتيه ليلا إذا كان نائما فيحدّثه ويأتي من الأفعال ما لايعلم السّارد إن كانت من حلمه أم من يقظته، كأن يَطرق الباب ويُسمع له صوت ويشرب ويجرح السّارد في عنقه ويمسح بيديه على عينيه فيجد نفسه في مدينة سامرّاء. وذلك بقدر ما يُثير السّؤال حول صحّة مدارك السّارد المدعوّ إلى إنجاز المهمّة، فإنّه يشكّك في وجود درويش وبالتالي في مشروع كتابة الرّواية وإمكان تحقـّقه ووجودها أصلا.
    وأمّا المصدر الخارجي للمعارضة الذي منع السّارد من أن يُقبل على مشروع درويش ويكتب الرّواية، فصورته أنّ درويش يطلب من السّارد أن يُنجز فعلا – هو الكتابة – خبر خيبة أصحابه منذ عصور خلت وعلم ما أُلحق بهم من اتهام بالزّندقة والكفر وما حلّ بهم من ويل وعقاب (ص13). وهذا وغيره ممّا اختزنته ذاكرة السّارد، صار عندها بمثابة الرّادع عن فعل الكتابة المهدِّد لتحقق مشروع الرّواية.
    ●أمّا عامل المساعد على تحقق مشروع الكتابة فقد كان مصدره واحدا هو درويش ومع ذلك تعدّدت أنواعه ووسائله بحسب المراحل التي قطعها السّارد في إدباره عن مشروع الكتابة أو إقباله عليه. ففي الأوّل والسّارد رافض للمشروع عمد درويش إلى التهديد والوعيد والعقاب: هدّده بالقتل والحرق والدّفن حيّا والسّجن (صص 13، 15) وأراه مشاهد المعذبين والمقطوعة رؤوسهم (صص17،18) وجرحه في عنقه (ص18). وحين قبل السّارد بمشروع الكتابة تغيّر سلوك درويش فاقترح عليه مساعدة من نمطين واحدة معقولة صورتها أنّ السّارد لن يتعب في اقتناص فكرة أو عبارة لأنّ درويش سيُملي عليه الرّواية (ص19) ويمدّه بكتب كثيرة تساعده إذا قرأها على الكتابة (ص 20).
    والثانية سحريّة غير معقولة يقوم بها درويش مقام الواهب (Donateur) الذي يمنح البطل في برنامج بروپ السّردي، شيئا سحريّا يساعده على إتمام مهمّته والنجاح فيها . ذلك أنّ درويش يهب السّارد القدرة على قراءة "رزم الكتب" ومجلّداتها في أقصر وقت " كنت أمرّ على السّطور بسرعة عجيبة أدهشتني " (ص22) . فيكتسب من ذلك كفاءة معرفيّة تحفزه على القبول بمشروع الكتابة والإقدام عليه.
    ●وتكون كتابة الرّواية بهذا، في موقع الموضوع المنشود في خطاب الفاتحة باعتباره موضوع رغبة وذا قيمة. وتحقيق هذه الرّغبة تمّ وفق شروط فرضها وضع طارئ غيّر في محاور الإرسال فتحوّلت عما رسمناه لها في المخططين السّابقين ضمن هذا البحث. ذلك أن ّ الذات المحيلة إلى السّارد انتقلت من وضع الذات المدفوعة إلى الفعل والمضادّة لنفسها خوفا وعجزا إلى وضع الذات الفاعلة تبنّيا لمشروع الكتابة ودفاعا عنه. وقد صارت للسّارد هنا كفاءة معرفيّة ولفظيّة كذلك تحوّلت على إثرها منزلته التلفظيّة فأصبح بدلا من درويش، مرسِلا يتوجّه بالحديث إلى المتلقي حول موضوع الرّواية. وأصبح درويش في موقع المساعد، وهو ما يمكن رسمه على النـّحو التـّالي:
    المرسِل الموضوع المرسَل إليه
    (السّارد البطل) (الرّواية) (المتلقـّي)

    المساعد
    (درويش )
    ومثل هذا التحوّل في أقطاب الإرسال وعوامل القصّ في فاتحة الدراويش يعبثان بتوقعات القارئ ويُنشئان ضربا من التـّضاد بين ما ظهر (درويش (مرسِل) يدفع بالسّارد (الذات) إلى الفعل (كتابة الرّواية) والمتلقي (مرسَل إليه) يتلقى الخبر من درويش ) وما انكشف (السّارد هو المرسِل والمتلقي يتلقى الخبر منه ودرويش يساعد على ذلك لا غير).
    ومهما تبدّلت العوامل وتغيّرت فواعلها، يظلّ تحقـّق الرّواية بصفتها موضوعا، مشروطا بمدى التغلـّب على عوامل المعارضة وتظل قيمة الرّواية وأهميّة إنجازها بقدر شدّة تلك العوامل وبأسها . لذلك نجد السّارد بمجرّد تخطـّيه العراقيل الذاتية والخارجيّة وقبوله مشروع الرّواية يقول" هذه الرّواية العجيبة والغريبة والتي لو كتبت بالإبر على مآقي البصر لكانت عبرة لمن يعتبر" (ص 15).
    ونجد عندما ننظر في مشروع كتابة الرّواية باعتباره ذا قيمة في الفاتحة، أنّ تحققه عند السّارد مرتبط بمواجهة سلط ثلاث كما يلي بيانه :
    ●مواجهة سلطة الإرهاب.ولئن احتلـّت سلطة الإرهاب موقع العامل المؤثـّر في بنية الفاتحة القصصيّة، فقد تجاوزت أبعادها العلاقة ما بين السّارد وأطراف تعوق فعل الكتابة. فإذا بالإرهاب الذي يحيط بالسّارد حضورا وذكرى يمتدّ من عصور قديمة إلى أواخر القرن العشرين (ص 13) ويتخذ صورة سلطة متنفـّذة تتلوّن وجوهها بين علميّة وسياسيّة ودينيّة والفعل واحد . فـ" علماء الأزهر " حارقو كتاب ألف ليلة وليلة و" الرّعاع حارقو كتب ابن رشد وأمير المؤمنين "القاهر لمعارضيه" (ص15)... كلّهم صورة للبطش بفئات تناضل بالفكرة والكلمة : ابن رشد ، مدوّنو كتاب ألف ليلة وليلة والمعارضون القرامطة وصاحب الشامة أحد قوّادهم والشاعر طرفة بن العبد ومعين بسيسو وبابلو نيرودا، والسّارد ذاته وقد تشرّبت نفسه ذلك فانتكست" لم أكن أريد قبل هذا اليوم كتابة هذه الروايّة لأنّه وكما تعلمون ومنذ أن أحرق... وأنا أخاف القلم والقرطاس" (ص13).
    وليس جعل السّارد مسار تحقق مشروع الكتابة على إيقاع ألف ليلة وليلة عديم الدّلالة " في الليلة الثانية عاود التهديد... وجاءت الليلة الثالثة... وفي الليلة الرّابعة... في الليلة التي تلت... ليلة واحدة !ثلاث ليال! سبع ليل! ...". فالإبداع صنو الحياة والسّارد يُسمّي شهرزاد فعلا (ص 15) ويحتل مكانها. فقد كانت تروي لتنقذ حياتها وهو مدعوّ إلى أن يفعل فعلها لينقذ كذلك حياته بحيث تتماثل ظروف القهر ووجوه القمع من شهريار إلى بعض علماء الإسلام وخلفائه وساسته. وتـُصرّ فاتحة الدراويش إذ تـُعلِّق سيرورة الأحداث بتحقق مشروع الكتابة، على أنّ الإبداع مشروع نقيض للإرهاب.
    ●مواجهة سلطة درويش يتحوّل معها السّارد من سعي إلى تلبية رغبة درويش إلى تمرّد عليه. وكانت لذلك مظاهر في نصّ الفاتحة منها أنّ السّارد انخرط في مشروع الرّواية من قبل أن يُمليها عليه درويش أصلا. فذكر من صفات درويش وشخصيات أخرى غيره ما يُعدّ من قبيل الاستباق لمتن النّص. بل لقد أقحم السّارد وهو المكلف بكتابة حياة درويش، قصّته الخاصّة فعرّف بطبعه ومهنته وما علم من مصير المبدعين. وحين قبل مشروع الرّواية وكان من قبلها خائفا متردّدا، استبعد درويش وتكلف من دونه بتوضيح ما يتـّصل بكيفيّة نشأة نصّ الرّواية ( ص13) ومصاردها النصّية والتاريخيّة" القرآن، التوراة، ألف ليلة وليلة... " (ص 21) وبنيتها التركيبية "أوراق رتبها فصولا وأبوابا" (ص 23) وموضوعها ومحتواها ممّا عاشه السّارد أو اطّلع عليه في المجلّدات (ص 24) أو قصّه عليه درويش.
    ● مواجهة سلطة القارئ ذلك أنّ السّارد وقد صار يستلهم من ذاته وليس من درويش مشروعيّة كتابة الرّواية ، صار يتوجّه إلى المتلقي مباشرة بالحديث. واتخذ ذلك في الفاتحة صورة حوار أشبه بتبادل السّؤال والجواب بين المتكلم وهو السّارد والقارئ المفترض. وكان السّارد في كلامه يجمع بين تأسيس أنظمة لمتخيّله الرّوائي وفتح باب الأسئلة عليه وذلك عبر ضربين من العلاقة بالمتلقي:
    العلاقة الأولى سمتها التجانس والـتـّعاضد ومبدؤها كيفيّة مساعدة المتلقـّي على إدراك المتخيّل الرّوائي وكيفيّة توريطه في فعل القراءة وحفزه على التأويل . وقد عمد السّارد لتحقيق ذلك إلى طرق منها دفع المتلقي إلى تمثل صور الشخصيات والأحداث " لكم أن تتصوّروا...تأمّلوا... انظروا... تخيّلوا معي" (ص 14). ومنها منح القارئ بعض الوسائط لفهم مضمون النص ورموزه مثل أن تـُذكر له بطولة درويش في الرّواية ومنها لفت انتباه المتلقي وإثارة حيرته إزاء النّص عبر إشارات وإيحاءات من قبيل ذكر السّارد ما سيعتمد عليه في صياغته من كتب مختلفة الأغراض والمشارب وذكره عددا من الشخصيات والمعطيات لا يتـّضح سبب الجمع بينها " قطر النّدى وآدم والبراق وملك الحيرة وآبار النفط والسيّاح الأمريكان... " (ص 24) .
    أما العلاقة الثانية التي جمعت بين السّارد والمتلقي فقد تغيّرت فيها صورتاهما وانعطفت الفاتحة بفعل ذلك من نصّ كُتب قبل نهاية الرّواية إلى نصّ كتب بعدها فحمل استفسارات المتلقي واحتجاجاته على هذا النحو :


    تنبيه المتلقي السّاردَ إلى غموض شخصية درويش وإقراره بالعجز عن فهمها (ص 24) سؤاله مستنكرا عن طبيعة الشخصيّة وخصوصيّتها " ودرويش صنيعة الكاتب؟ ... أم هو نوع جديد من الدّراويش ؟" (ص24) اتهام المتلقي السّاردَ بـ" الخبط ذات اليمين وذات الشمال" (ص24) ووصفه الرّواية بأنّها تشتت الفكر (ص24) تكذيبه ما فيها " يحكيها حشاش " (ص24).
    وبدا من قول السّارد في ردّه على المتلقي "إن كلّ ما في الرّواية هو حقيقة الحقيقة" (ص24) أنّ الفاتحة كما صاغتها رواية الدراويش خطاب يهدف صاحبه إلى إقناع المتلقـّي وحمله على التصديق. وذاك من جملة الأدوار الفكريّة والانفعاليّة التي يؤدّيها الباثّ في نصّه فتـُسهم في جعله واقعة سيميائيّة متسعة.

    لقد لاحظنا أنّ فاتحة الدراويش ذات طابع قصصيّ دراميّ تتعدّد فيه العلاقات وأوجه تفاعلها. ووجدنا أن لهذه العلاقات تأثيرافي عملية الإرسال بين متكلم ومتلق. فعمدنا إلى المخطط العواملي السّيميولوجي لإبراز كيف يمكن أن يتشكل المعنى وتتولّد الدلالة في الفاتحة. واتضح لنا أنّ ذلك توقـّف على اختلاف مواقع شخصيّات (درويش والمتلقّي والسّارد ومن يعاونه ومن يعارضه) باعتبارها عوامل فاعلة وعلى العلاقات الجامعة بينها وعلى أهميّة موضوع كتابة الرواية وقد مثل مشروع إنجازها محور الفاتحة.
    وبرز من ذلك كلّه أنّ الفاتحة باعتبارها الوجه الأوّل من النّص الروائي انبنت في ضوء البعد الاتصالي بين باثّ ومتلقّ وانبنى تركيب المعنى فيها على منطق في التـّوالد لئن لم يقطع أواصر الفاتحة بكليّة النّص، فقد أثبت قدرتها على إثارة ذهن المتلقي ودفعه إلى تخمين المعنى وافتراض الدّلالة.



    خاتمة عامّة
    مثلت النظريّة العامليّة التي أرستها سيميائيّات غريماس محورا أساسا في دراسات أدبية عربيّة أفادت منها في تأويل العلامات ودلالاتها الصّريحة والخفيّة.
    وقد بدا لنا أنّ بعض من اهتمّ في تلك الدّراسات بالنّصوص الروائيّة ، أولى الحكائيّة باعتبارها مخطط أفعال الأهميّة القصوى . وهو أمر وإن ناسب خصوصيّة النّص الرّوائي التـّخييليّة، قام على طمس عناصر أخرى جديرة بالاهتمام من منظور حداثي وسيميائيّ . فالنّص الرّوائي الحديث بلغ من ضروب التطوّر والتنويع ما ينفي اعتبار مجرى الحكاية وأحداثها، البنية التـّكوينية الأَوْلى من غيرها بالأهمّية. هذا علاوة على أنّ غريماس نفسه لم يُهمل عناصر فنّية أخرى تؤدي إلى جانب الأفعال دورا فاعلا في النّص نعني بذلك ما سمّاه ملفوظات الحالة (énoncés d’état) وكنا أبرزنا اتـّصالها في نظامه العاملي بمحوري العلاقات بين العوامل وتحوّلاتها. وقد استنرنا بهذا وغيره ممّا ذكره غريماس وسيميائيّون آخرون أمثال ج. جنيت ورولان بارت(Rolands Barthes) وجوليا كريستيفا (Julia Kristeva) ... فبينّا اعتمادا على روايتي ابراهيم درغوثي أنّ السّرد التشخيصي يشكل في النّص الروائي نسقا خطابيا تواصليّا بين مرسِل ومرسَل إليه وأنّه يحمل بسبب ذلك جملة من الإرساليّات والعلامات والإشارات الدالّة على الموجودات دلالة للإيحاء والمناورة والمراوغة فيها دور كبير.
    وقد اعتبرنا العتبات النصية المجال الأبرز الذي يتضح فيه الفعل السّيميائي فركّزنا عليها البحث باعتبارها الخطاب الأوّل في نصّ روائي وباعتبارها علامة سيميائيّة من جهتين:
    - جهة أنّ العتبات علامة على نسق سيميائي أكبر هو النّص الذي يليها مباشرة والنّص الذي يختزنه ذهن القارئ من حيث نوعيهما الأجناسيّين ومعاييرهما ومصادرهما التخييليّة. وقد أبرزنا هنا كيف أشارت العتبات إلى متني روايتي درغوثي ووافقت معرفة المتلقي بالنّصوص وثقافته مرّة وخرقتهما أخرى.
    - من جهة أنّ العتبات علامة سيميائيّة على ذاتها أصلا بحيث يحتوي العنصر منها إشارة مشفـّرة تحيل إلى العنصر الآخر إحالة إثبات أو نقض كأن يُبشـّر العنوان أو المحدّد الأجناسي بصنف من الكتابة فتنقضه الفاتحة. وذلك وغيره برهنت عليه فعلا روايتا درغوثي ودعمته فاتحة الدراويش بالأخصّ بسبب قابليّتها لأن تستقل بنائيّا ودلاليّا.
    وقد حفزنا ذلك على تحليل هذه الفاتحة في ضوء بنية غريماس العامليّة فرصدنا مسارها السّردي ووقفنا فيها خاصّة على ضروب من التنويع والمخاتلة في توليد المعنى وتركيب الدلالة حفزا للقارئ على إعمال المخيّلة والتوقـّع والتـّخمين.





    قائمة المصادر والمراجع
    I – المصادر
    - ابراهيم درغوثي: - الدّراويش يعودون إلى المنفى. رياض الريّس للكتب والنشر . لندن – قبرص. 1992.
    - مجرّد لعبة حظّ. المدينة للنشر . تونس . 2003.
    II – المراجع
    العربيّة
    - الدّاهي (محمد): سيميائيّة الكلام الرّوائي. شركة النشر والتوزيع. المدارس. الدّار البيضاء. 2006.
    - سويدان (سامي): "مقاربة سيميائيّة قصصيّة" اللّص والكلاب لنجيب محفوظ." الفكر العربي المعاصر .ع 18 ، 19 . شباط 1982.
    - مرتاض (عبد الملك): تحليل الخطاب السّردي – معالجة تفكيكية سيميائيّة مركـّبة لرواية " زقاق المدق". ديوان المطبوعات الجامعيّة. الجزائر 1995.
    - يوسف ( أحمد): السّيميائيّات الواصفة. المنطق السّيميائي وجبر العلامات. الدار العربية للعلوم... بيروت 2005.
    الأجنبية
    - Del lungo (Andrea) : « pour une poétique de l’incipit » Poétique n° 94. 1993.
    - Ducrot (Oswald) – Todorov (Tzvetan) : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. Seuil 1972.
    - Genette (Gérard) : Seuils. Seuil 1987.
    - Greimas( Algirdas Julien) :
    ٭Dusens. Essais sémiotique. Seuil. Paris 1970.
    ٭ « les acquis et les projets » Préface in : J.Courtes : introduction à la sémiotique narrative et discursive. Hachette. 1976.
    ٭Sémantique structurale . Recherche de méthode. P.U.F. Paris 1986.
    - Hamon (Philippe) : Introduction à l’analyse du descriptif. Hachette 1981.
    - Jakobson (Roman) : essais de linguistique générale. Ed minuit. 1963.
    - Propp (Vladimir) : morphologie du conte. Seuil. 1970.
    - Raymond (Jean) : « ouvertures, phrases, seuils » critique n° 288. 1971.



























    جماليات السراب في رواية وراء السراب قليلا لابراهيم درغوثي
    توفيق قاجا
    toufikkaja



    يعد المنجز النصي الروائي عند إبراهيم در غوثي من الخطابات التي تفرض على الدارس رؤية في قراءة الآثار الروائية موضوعية، ومنهجا في التحليل مخصوصا، وذلك بالاستئناس بمناهج النقد الأدبي الحديث في محاورته لأجناس تراثية قديمة، وسمته أبحاث البنيويين بالتطريس مرة و بالتناص أخرى، حتى لكأن "تماس الحداثات" يغدو منبع الجدة والطرافة وعنوان الأصالة والانفتاح في آن.

    - بنية السراب من خلال:

    المحرم السياسي:

    إن الولوج إلى حرم النص الروائي، هذا المصنوع الذي قده صاحبه وهو يعي أنه يصنع تشكيلا لغويا لم يسبقه إليه غيره، من منظور سياسي يرتد بنا إلى لحظة من لحضات الزمن الموضوعي ننطلق منها لنرود آفاقا إبداعية أرحب تحرر النص من قيود التأريخ و التسجيل المباشر لوقائع تاريخية صرف. ولعل من أهم المشاهد التي يستوقفنا فيها خطاب السلطة صداحا تلك التي ينفتح فيها على صور القتل والتمثيل والتعذيب في زمن البايات والباشوات باسم الدين، وقد مثل السارد حلقة وصل بين المشاهد السردية في تعالقها مع الواقع السياسي المتردي من حقبة الحكم العثماني إلى حقبة الاحتلال الفرنسي وبين المتقبل، على أن جدل الواقع صنو لصراع الخطابات ؛ إذ التجلي السياسي في تفاعل مستمر مع خطابي الجنس والدين، ولا يمكن فصل هذا الثالوث المحرم إلا على سبيل الفصل المنهجي إذ الرواية منذ فاتحتها إلى خاتمتها مشرعة شبابيكها على خطاب السياسة وبين البدء والعود تماس بين المحرمات الثلاثة يؤسس لـ"حداثة التماسات".
    إن النص الناسخ الذي نباشر بالتحليل يلتقط مادته من ذاكرة الماضي، فكأن النصوص المؤسسة والنصوص المصادر مهاد الكاتب في التشكيل السردي والتأليف الإبداعي، والمعنى السياسي يكاد يتردد صداه في أعمال أخرى روائية لإبراهيم در غوثي 1 .
    يغوص الراوي في ذاكرة الماضي ليستحضر مرحلة من مراحل التاريخ السياسي عاشها المجتمع التونسي حافلة بالقمع والاستبداد، ويشكل المحرم السياسي مسارا سرديا يقوم على تقنية الاسترجاع كما ذكرنا، وهذا الفلاش ينفتح على جملة من التقنيات السردية التي تؤسس لهذا المحرم، منها مستويات التبئير في تنوعها، فلئن بدا السارد أشبه ما يكون بخيط خفي رابط بين مجموع الأحوال والأقوال فإن مواضع تزاحم الأصوات القصصية في رواية "وراء السراب ...قليلا" أكثر من أن نستدل عليها، ويمكن أن نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر تذمر عمال المناجم من ضيق الحال في محاولة عمال "فسفاط قفصة " شن أول إضراب:

    "صاح رجل من ركن البيت :

    - صار ثمن الخبزة فرنكا.

    وجاوبه صوت آخر:

    - وثمن كيلو الشاي ستة عشر فرنكا.

    فتأوه إسماعيل:

    - وكيلو السميد بفرنك ونصف.

    فقال علي بن عامر البويحيي:

    - ولتر الزيت بأربعة فرنكات.

    وأضاف حميدان :

    - ورطل القهوة بستة فرنكات وكيلو اللحم بخمسة.

    فهمهم الحاج مرابط :

    - والمرتب لايفوق أربعة فرنكات في اليوم ! "2

    والملاحظ أن قصة العمال لا يستثنى منها الراوي وتجاربهم في التصدي لضيم الحكام وظلم ذوي السلطان تبدو مشتركة يسلم الواحد منهم الكلمة إلى غيره فيتحول المسرود عنه إلى سارد مباشر، لذلك بدا إيقاع المنظور السردي متباين الزوايا متعدد الرؤى. فيتصادى النص الناسخ مع نصوص مصادر يروم من خلالها السارد التشهير برموز الطغاة والجبابرة رفضا أو احتجاجا منه على واقع مرير يطفح بألوان التعذيب وصنوف الإذلال، لذلك " تحول الماضي المهيمن إلى مرجع يؤثث حياة السارد الذي يرى حاضره عقيما جديبا فيحتج عليه، لكن بهدوء من وعى أن طرائق الاحتجاج متعددة وأن بعضها عن بعض يختلف"3
    ولذلك غدا الاعتبار الفني الذي قام عليه المحرم السياسي تضافرا نصيا بين النص الناسخ والواقعية النصية في سبيل الكشف عن غايات السارد القصية في الاحتجاج والرفض حينا والتطاول والتعريض حينا آخر، وهي مرام مبثوثة في تضاعيف :

    المحرم الديني:

    يندرج المحرم الديني في سياق التطاول على المعنى الأصلي للمقدس في النصوص المصادر، وتجليات هذا المحرم مبثوثة في تضاعيف النص الظاهــــر
    ( Phénotexte ) أو النص المولد أوزاعا وأشتاتا يظفر به الدارس في مواضع للروائية مختلفة . والحق أن ثنائية النص المولِّد ( Phénotexte ) والنص المولَّد ( génotexte ) سليلة الابحاث النقدية المعاصرة ضمن مجهودات أبرز أعلام مدارس الغرب الحديثة كحوارية باختين(dialogisme) والعبورية النصية لجيرار جينات ( transtextualité ) وإنتاجية كريستيفا (productivité ) التي يتنزل في سياقها النصالظاهر والنص الباطن في انتاج النص، وكلها جهود تشرع لظاهرة التناص ( intertextualité ) أو ما وسمه جينات بالتطريس ( les palimpsestes ) . والطرس في اللغة العربية قريب في معناه من المدلول الفرنسي ، إذ تكاد تجمع أمهات الكتب اللغوية على دلالة مشتركة للطرس بما هواللّوح الذي يكتب عليه مرّات متتالية، إلاّ أنّ آثار المكتوب لا تمحى كلّياو إنّما تظلّ عالقة كالوشم في ظاهر اليد، فالمحو و إعادة الكتابة في تنوق و اختيار جعل جينات يَسم أحد تآليفه الكثيرة4بـ "الأدب من الدّرجة الثانية" ( La littérature du 2ème degré) و هو العنوان الفرعي، أمّا الرئيسي فعنوانه: الطروس ( Les palimpsestes ) .
    و إذا كان هذا الاهتمام بجدل القديم و الحديث من النصوص و هجرتها إلى أجناس أخرى تكيّفه مقولة التناص أو العبور النصّي، و يتنزّل بالتّالي في سياق أعمّ ممّا نحن منه بسبيل، فإنّ المحرّم الديني يجسّد هذه المقولة في ما يستحضره الرّاوي من ترسبات أعلق بالدّين و مجال حضوره متعدّد فمنه النصّ القرآني و الأحاديث النبوية ( ص 33) و النّصوص المفسّرة و ينقل الرّاوي النصّ التأسيسي في الرواية نقلا أمينا مرّة محرّفا مرّات ؛ إذ الاستشهاد بالآيات القرآنية في فاتحة النصّ الروائي يوهم بوفاء للمقدّس وفاء تامّا ( الرّواية ص ص : 12 – 13 –14 – 19 – 27 ) ، و لكنّه وفاء يخفت صداه و تبهت ملامحه فما أن نتقدّم أشواطا في قراءة المنجز النصّي الروائي حتّى يضحي كالسّراب أو هو " وراء السراب...قليلا " ، فلكأنّ "جمالية الألفة"5 التي نظرت
    لها المدوّنة النقديّة و الفنيّة عند العرب قديما و رفدها الدّرس النقدي الحديث بإيضاح شرائطها و الإبانة عن مسالكها تغدو جمالية اغتراب أو هيجمالية سراب، فالتحريف الذي لحق المقدس في رواية درغوثي أوضح من أن نستدلّ عليه و التطاول على المحرّم الدّيني أظهر من أن نقيم له الحجّة و البرهان، و إلاّ كيف تتحقق "المساواة بين بني البشر و أنه لا فرق بين أبيض و أسود إلاّ بما كسبت النفس الأمّارة بالسّوء؟" ( الرواية ص31) و كيف" يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون"؟ (الرّواية ص 143).و إذا كانت المرجعية الدينية – على اختلاف مصادرها – قد أكدت على أهميّة العلم و العمل وعلى أنّ الإنسان متأرجح بين التّسيير و التخيير وهي مسائل كلامية كانت محلّ جدل بين الفرق الإسلامية، فإنّ للمقدّس حرمته وللقرآن إعجازه و لو اجتمع الإنس و الجنّ على الإتيان بمثله ما استطاعـوا استنادا إلى رؤية الثقافة العربيّة الإسلامية في دعوتها إلى التــــوحيد و اعتبارها القـــرآن "جنسا فريدا خارجا عن دائرة النثر المعروف"6.
    إنّ التجاور بين النصوص المصادر و النصّ الناسخ له مواضع للكلم أخرى يعكس تجاورا نستجلي صداه في التقريب بين النصوص الدنيوية والنصوص المقدّسة كتشبيه رؤوس رجال القرية بقرون الخرفان حسب الوجاهة و المنزلة الاجتماعية "فمنهم من كان أقرن كالكبش الذي أنزله الربّ على سيّدنا إبراهيم الخليل فداء لجدّنا إسماعيل، و منهم من كان له قرنان صغيران كقرني الحمل، وبين هذا و ذاك عامّة الرّجال الذين حملوا قرونا كقرون الخرفان و الجديان و التيوس"(الرواية ص 30). و هي صورة ترشح سخرية و تهجّما على رموز الوعي السياسي و هرمية العلاقة القائمة بين الآمر والمأمور و بين الأسياد و العبيد في فترة حكم البايات، و من وراء ذلك تطاولا على النصوص المصادر يعمل الراوي على مداراته قدر استطاعته، فيلجأ إلى بث الموتيفات الدينية في أحناء نصّه الجامع، فيطالعنا حضور الرقم " سبعة" لافتا للانتباه، و تبدهنا مكوّنات الطقس الدّيني منذ فاتحة نصّ إبراهيم درغوثي الرّوائي في نوم أصحاب الكهف و صلاة الصبح و ماء زمزم... و اختتاما بالتكايا والزوايا و الأولياء الصالحين و يوم القيامة...مرورا بتيمات معجم الخوارق و الغيبيّات كالهواتف وآذان بلال في الجنّة و الحمائم ذوات الوجوه الآدمية... و كأنّما الجرأة في انتهاك حرمة المقدّس تضارعها جرأة في إدانة رموز الحكم و أعلام السياسة و رفض صارخ لمظاهر القمع الاجتماعي واحتجاج على زيف الشعارات المرفوعة باسم الدين و هو منها براء.
    إن الاختيارات الفنيّة التي عمد راوي "وراء السراب... قليلا " إلى انتقائها في مجال المحرّم الدّيني تؤكّد ما ذهب إليه الدّرس النقدي القديم من أنّاختيار المرء قطعة من عقله، قصد من ورائها إلى تبليغ مضامين نقدية انتقادية بأسلوب رمزي و بصياغة مكثّفة تراوحت مراميها بين الظهور والضمور في سبيل الكشف عن مقاصد قصيّة ارتأى السارد أن يميط عنها اللّثام في وحي و إيحاء.
    و الملاحظ أن الرموز الدّينية و الدلالات الحافة (Connotation) للنّصوص التأسيسية ترد في النصّ الناسخ فتمنحه نفسا سرديّا هو أدعى للإبداع إذ التكثيف الأسلوبي و الدّلالي يشحن النصّ الرّوائي بطاقة تخييلية تزيدها القصص الدينية و الحكايا الشعبية امتدادا فتتعقد الأحداث و تتشعّب المرجعيات، و يختلط الواقعي اليومي بالعجيب الغريب، و يُرى سحر الماورائيات انفلاتا من قبضة الحدود الزمانية و الضوابط المكانية حتّى لكأنّ التوسل بالمتصوّر الديني يغدو توقا إلى التحرّر من قيود الواقع و مكبلاته، و حتّى لكأنّ استدعاء صوت الدّين إلى حرم المنجز النصّي لإبراهيم درغوثي في رواية " وراء السراب...قليلا" بحث مستمر عن لحظة الخلاص من محن الوجود، و ما العبث بالمحرّم الدّيني إلاّ محاولة جادّة لبعث مفهوم صحيحللمعتقدات و تشبث بمبادئها الصحيحة و إرساء أرضية صلبة لتأكيد ذاتية الإنسان و تدعيم كيانه في عالم مليء بزيف الشعارات و مشحون بتسلط الطغاة ، ولعلّ جدلية الشرق و الغرب خير دليل على الصّراع بين قوى غير متكافئة، فهل المحرّم الجنسي يحقق التكافؤ الذي يرنو السارد إلى تجسيده أم يظلّ هو الآخر كالسّراب أو " وراء السراب...قليلا" ؟


    المحرم الجنسي:

    تتوزّع تجليات هذا المحرم في مواضع للنصّ الرّوائي مختلفة، إذ الفصل بين هذه الممنوعات يظل – كما أشرنا آنفا – فصلا منهجيا، فقد تستقلّ تيمة "الجنس" بفصل محدّد أو باب مخصوص و لكنّ التجاور بين الثالوث المحرّم يؤسس للعلاقة الحواريّة بينها، فكأنّ الروائي بهذه الخطّة قد "رسم لنفسه
    استراتيجية قاعدتها هذه المحرّمات / الممنوعات : الدّين و الجنس و السياسة. و آفاقها تجريب أساليب في السّرد متعدّدة، تتراوح هي أيضا بين سرد تتابع فيه الأحداث و تترابط ترابطا سببيا و سرد متقطع تجاور فيه الأزمنة بعضها و لا تتلاحق..."7.
    إن التّركيز على أبرز حضور هذا التجلّي ( المحرّم الجنسي) في روايته"وراء السراب...قليلا" في إطار ما وسمه عمر حفيظ بـ " التجريب في كتاباتإبراهيم درغوثي القصصيّة و الروائية" يشدّنا إليه البابين الرابع و الخامس أساسا؛ ففي المشهد الأوّل ينفتح خطاب الجنس على هرب "ريحانة" والدة السارد عزيز إلى قصر الوالي و زواجها منه، و يقوى حضور المحرّم الجنسي في المشهد الثاني حيث تتعقّد مغامرات البطل مع بنات الوالي في حضن أمّه أو في بيت زوجـــة أبيــه عنــد سفره إلى صفاقس و إقامته فيها لمدّة "سنة قمرية" استنفد خلالها جميع ما ورثه عن أبيه. و الملاحظ أن نفس الجنس يعبق به النصّ الرّوائي أوزاعا و أشتاتا، فمنه ما يرد عناوين لفصول كالإشارات الضوئية تشدّ إليها القارئ شدّا كالفصل الرّابع الموسوم بـ بغايالعموم شركة "فسفاط قفصة" ( الرواية ص 103) و الفصل الخامس و عنوانه "حكاية "الرّومي" الذي عشق مسلمة " ( الرواية ص 121). و منه ما يعمد الدّارس إلى استشفافه استشفافا لتماس الممنوعات الثلاثة مرّة و لدلالاته الرمزية مرّة أخرى.
    إننا متى يممنا البحث شطر تفاعل النصوص مع بعضها البعض أو ما وسمه التقليد الغربي "بالتطريس"، ألفينا النصية الناسخة في المحرمين الديني والسياسي أوفر ممّا هي في المحرّم الجنسي الذي يُرى في "الشبابيك" بكثافة فكأنما الراوي قد استعاض عن ضمور تيمات الدين والسياسة بحضور الجنس، والعكس نراه في "السراب". و قد خلص أحمد السماوي في بحثه المسألة إلى " أنّ النصّ الرّوائي لا تؤسسه واقعيّة واحدة، بل واقعيات، و إذا ما رجحت كفّة إحداها في نصّ خفت وجوبا في نصّ آخر"8.
    و اللافت للإنتباه أن التجرّأ على هذا المحرّم قلّ حضوره أم كثر غالبا ما يأتي في إطار من الإباحيّة الصارخة و هي طريقة في كتابات إبراهيم درغوثي و سمتها شادية شقروش بـ "صدمات كهربائية"9 .ولكنّها الصدمات الهادفة إلى تحقيق هدف منشود أسمى ممّا هو موجود، فشخصيات "السّراب" ترحل إلى عوالم اللّذة و المتعة متملّصة من ضوابط التقاليد متحرّرة مــــن الأعـــــراف الاجتماعية و الأخلاقية : فريحانة تتوق إلى حياة المادّة المحققة للسّعادة فترى قصر الوالي فضاء أمثل للهروب من وصاية الجميع "بعد أن أعدّت الصفقة في الخفاء " (الرواية ص 37). ولم يقتصر الأمر عند هذا الحدّ و إنّما تسعى "الأمّ" إلى ارتكاب جرائم "الفجور" و المنكــــرات؛ فتنشئ عــلاقات الحرام بين بنات الوالي و ابنها عزيز و تتكفل هي بإتمام المهمّة بدا السارد – رغم تورطه في انتهاك حرمة المقدّس باعتباره ضحيّة – محتجّا مطلقا صرخة الرفض لمظاهر الفساد و القرف و البذيء في دوي يتصادى مع نواح الحمائم ذات الوجوه الآدمية على الشرفات ليلا، يقول: "و انهمكت أمّي في دفن الملائكة التي صنعتها في أرحام بناته [ الوالي] كما علمتها زوجة أبي. تحفر حفرة في التراب تواري فيها اللحم الطريّ، و تسقيها بالماء الطهور، فتخرج منها بعد أيّام حمائم ذات وجوه رائعة الجمالشبيهة بوجهي، تطير عاليا في السّماء ثمّ تحطّ على البيوت. تهزج و تهدل في النّهار و تنوح ليلا على الشرفات العالية" ( الرواية ص ص 50-51) .
    و الشاهد المتقدّم مهمّ لا لأنّه يدين مدارا من مدارات المقرف و البذيء من خلال المحرّم الجنسي فحسب و إنّما أيضا لأنّ الرّاوي حضر في الحكايةبضمير المتكلّم و بدا مشاركا في أحداثها، و هو ما وسمته أبحاث المهتمّين بفن القصص و لا سيما الغــــربيّة منها بالرّاوي الحاضــــر في الحكايــــــــــة
    ( Un narrateur homodiégétique) ، و هو فضلا عن ذلك بطل في الحكايـــــة التي يحكيها، ولذلك فهــــو يعتبر راويا لحكايـــــة ذاتيـــــة 10( un narrateur autodiégétique) ،و هي ذاتية قد تلبست في هذا الشاهد بأصداء أصوات الآخرين و لا سيما الكاتب في تحاور يذكر بحوارية باختين ( Le dialogisme) فكأنّما صوت الرّاوي الذي يسري صداه في أحناء النصّ الروائي تنبعث من ورائه أصداء صوت الكاتب، هذا الكائن المادّي الذي يتشكّل في الزمان و المكان و يصدر عن رؤية للأشياء نقديّة آنا انتقادية آونة أخرى ،و كأنّما أضحت مقولة موت الكاتب في الدّراساتالبنيوية واللسانية الحديثة، لما آلت إليه الأبحاث النقدية في مجال تحليل النّصوص السرديّة و القصصية من ضرورة الاشتغال على النصوص باعتبارها وحدة نصيّة لسانيّة مغلقة، مــــــــن المقولات التي تعهدها البحث بالمراجعة و التعديل وهو ما أدّى إلى تنويع الرؤية للمواقع السريــــة وزوايا النظر للسارد من وجهين على الأقل : الراوي و الرائي11
    و إذا كان الشاهد المتقدّم ممّا انتخبناه للاستدلال به على أن الواقعية النصيّة في "السراب" و إن خفت ايقاعها قياسا إلى رواية "الشبابيك" مثلا، قد مثلت "صدمة كهربائية" يفيق القارئ فيها على صوت الرّاوي و من ورائه الكاتب المتهكّم السّاخر، فإنّ انتشار المحرّم الجنسي كان له حضور في مواضع للكلم أخرى، متلبسا بغايات ايديولوجية لعلها إشارة إلى ضرورة انتهاج سبيل التوسط والفهم الصحيح للممنوعات الثلاثة و إن بدت في نصّ درغوثي الرّوائي "كالسراب" أو هي "وراء السراب ...قليلا"؛ ذلك أنّ "التلاعب بالقيم الدينيّة في تلابيب اللغة هو البحث عن روح الدّين الضائعة و التلاعب بالأخلاق و الجنس هو البحث عن روح الجنس الضائع، و التلاعب بالتّاريخ و السياسة هو البحث عن التاريخ النقيّ و السياسة النقيّة، هوالبحث إذن عن المدينة الفاضلة التي تحمل في تلاوينها الاعتدال"12 .
    و خلاصة القول فإن ولوج حرم المسكوت عنه أو المحرم دينا كان أم سياسة أم جنسا من خلال النصّ الناسخ يضعنا إزاء أسئلة مصيريّة كبرى تتعلق بالمنظومة الفكرية و الدينيّة و السياسية، و بالمثل تضعنا أمام ضرورة اختيار موقف إيجابي إزاء التحوّلات الحضارية التي تجدّ في خضمّ التاريخ، لذلك مثل صوت الأديب صوت من وعي تناقضات العصر فانبرى يهدم قدسيّة المكان و الزّمان والقيم لكن بهدوء من وعي أن طرائق الاحتجاج متعددة و أن طريق الإبداع مـــن بين طرائـــــــق التوصيل و إيصال نبرات الرفض لمظاهر الزيف و التحريف فكان نصّه الناسخ كشكولا من المتعاليات النصيّة حتّى لكأنّ نصّ "وراء السراب...قليلا" نصّ جامع يقطع صلته مع الواقعيّة في الفنّ و مع مبدإ المشاكلة ( La vraisemblance) ؛فتتهاوى الحدود بين التاريخي و العجيب و الواقعي، و تتماس أصوات الشعر و النثر و الرواية و الحكاية... و لعلنا نزيد قضية التصنيف الأجناس للنصّ الروائي لإبراهيم درغوثي تفصيلا من خلال:


    - تماس الحداثات: كتابة بلا ضفاف:

    يعد مبحث التناصّ من المباحث التي يعسر لملمة أشتاتها و الإحاطة بكلّ تفاصيلها و دقائقها لأنّ متصوّر الجنس الأدبي، كما يقرّر الباحثون المختصّون في الأبحاث النصانية ،من أدقّ المسائل الخاصّة باللحوق النصّي أو "التطريسات"13.
    إننا نلج العالم الرّوائي لإبراهيم درغوثي في روايته "وراء السراب...قليلا" من خلال مفهوم السّراب ذاته، إذ يمعن الرّاوي في التخفّي و يضحي موقع الرؤية السردية غائما يؤسس لـ "جمالية التيه"14، إذ الرواية أبواب و فصول مشرعة على عناوين تتأرجح بين الإجمال حينا و التفصيل حينا آخر، و يحكم اللاّتوازي عدد الأبواب بين الفصل و الآخر و قد بلغ عدد الفصول ستة، و يجعل الرّوائي لكل فصل عددا من الأبواب لا يجري على رسم مسكوك؛ فقد غلب الرقم اثنان على مجموع الفصول( 2– 3– 5 – 6 ) و حوى الفصل الأوّل ستة أبواب، و شمل الفصل الرابع بابا واحدا.
    و من الواضح أن هذا التوزيع الكمّي لعناوين الأبواب و الفصول و إن لم يجر على خطة واضحة المعالم، فإنّ المضامين التي يرنو الرّوائي إلى إيصالها لمتقبله على غاية من الشفافية و إن تشابهت المسالك و تعدّدت الطرق، و لعلّ اللاّتوازي الذي يحكم هيكل النصّ يعكس طبيعة الخطاب الرّوائي ذاته في انفتاحه على النّصوص المصادر و الواقعيّة النصيّة و التراشح بين النصّ الناسخ و النصّ الأصل، فللرواية – كما خلص إلى ذلك الباحث أحمد السماوي في دراسته لأشكال التطــــريس في قصص إبراهيم درغوثي أنموذجا - "بحكم طبيعتها الهجينة - استعداد لصهر مختلف الخطابات واستيعاب متباين الأجناس والفنون"15.
    و فضلا عن ذلك فإنّ المتناص في رواية السّراب بين النصّ من الدرجة الأولى و النصّ من الدرجة الثانية أو الثالثة تعلّله سنة التجريب التي أجرى عليها المؤلّف كتاباته الرّوائية و القصصية، ودأبت عليها الكتابات السّردية الإبداعية، و هو لا يمسّ الأشكال و البنى فحسب و إنّما يطال المضامين و الرؤى أيضا. ذلك أنّ الرّوائي ينوء تحت كلكل همّ حضاري متنوّع الأوجه يعمل غاية جهده على إيجاد قنوات توصيل يسمع من خلالها صوته للمتقبل و يكون التفاعل بين الكاتب والقارئ و عيا بـ "واقع فقد التميّز و اختلطت فيه البدائل و الخيارات و استحال متاهة ملغزة تنهمر فيها المعوّقات الحادّة تجهض المسعى و تحاصر الفعل و تنخر الأسس و الدّعائم"16 و من ثمّة إسهاما في بناء نصّ روائي
    وحتّى يكتسي تحليلنا قدرا من الوفاق بين النظر و التحقيق، نروم النظر في آثار النّصوص الغائبة في النصّ الحاضر أو النصّ الناسخ "وراء السراب...قليلا" ، وقد نضد على سمت نحا فيه صاحبه طريقة التكثيف الروائي و الرمز الايحائي نستشفه من خلال استدعاء التراث على اختلاف تصانيفه منظوما تارة منثورا طورا عالم حينا شعبي حينا آخر شفوي مرة مكتوب أخرى، و كأنما الأديب يسارع إلى اجتثاث النصوص من منابعها و استئصالها من منابتها في
    نصّ واحد هو "النص ّ الجامع" رغبة منه في تحيينها لراهن القضايا و مشاكلتها لحاضر المشاغل، فيعمــد إلى الجمـــع بيــن الملــــح والغرائب والطرائف و الأعاجيب في سطر واحد ( الباب الثالث، الرواية ص 27 و الباب الثالث عشر ص 131) و استحضار أفانين القصّ القديمة كالخبر و و الخرافة و الحكاية و القصّة ترد أوزاعا في أحناء نصّه الرّوائي، و يمعن الرّاوي في توسيع المنظومة الأجناسية في النصّ المولَّد ( Génotexte)كالحوادث والماجريات و العبر و الحديث ( الباب الحادي عشر و الباب الرّابع و الباب الثامن) حتّى لكأننا إزاء "صنافة " (typologie) لأجناس الأدب قديمه وحديثه، و تفصيل لأنماط الخطاب طارفه و تليده فهل المسارات التي يتشكل فيها النسيج السردي لنصوص إبراهيم درغوثي- و نص "وراء السراب...قليلا" من بينها- تنبئ عن سلاسة مقولة التصنيف الأجناسي و يسرها، أم الأمر يتعدّى ذلك إلى استراتيجية الكاتب في كتاباته و قد امتدّت أعناق نصوصه إلى تخوم قصيّة أين النّصوص القديمة تجاورها لتحاورها و تتفاعل معها؟
    إننا إلى الفرضية الثانية أميل فما من شكّ في أنّ التصوّر الأجناسي صعب المرتقى ، و ما الجدل الدائر في التنظير الغربي و محاولات الباحثين المحدثين العرب حول هذا الموضوع إلاّ دليل على أنّ القضيّة شائكة على غاية من الضبط و الصرامة تتراءى فيها الحدود الاصطلاحية غائمة، حتّى و إن وضحت فهي رجراجة تنوس بين التجلّي حينا و التخفّي أحيانا في أبعادها الدياكرونية و السانكرونية.
    لقد حضرت أصوات عديدة و أجناس أدبيّة مختلفة في المنجز النصّي الرّوائي لإبراهيم درغوثي، تهاوت الحدود فيه بين المقدّس و المدّنس: أدبا وتاريخا و فلسفة و تراثا و تماست الحدود بين الأنماط الخطابيّة كالنثر و الشعر و الحكي و القصّ...، و تهشّم الزمن ،و ارتدّ المكان على أعقابه فلا عاد يستبين منه إلاّ الكهوف و المغارات على درجة من الوضوح و الجلاء. و كأننا بالرّواي ينبش في ذاكرة النّصوص أنّى تعدّدت مراجعها و يحفر طبقات النّصوص الغائبة علّه يجد هوية الذات العربية المأمولة، و يظفر بمعنى للكائن الإنساني أمثل. لذلك بدا صوت السارد هو الرّابط بين هذه الحلقات المفقودة، وشكل وعيه بضرورة تأسيس وجود منشود بوابة مشرعة لولوج حرم المنجز النصي في بنيته السّراب علّه يفتح نفقا لما وراء السّراب قليلا.
    و الدّارس لرواية "وراء السّراب...قليلا" ينتقش في ذاكرته عدد من التسميات الأجناسية لافت ، نحاول – فيما يلي – الوقوف عند بعضها باعتبارها تشكل مرجعيّة الكاتب في ما يكتب و مدارا أساسيا من مدارات النّسيج السّردي للمنجز الرّوائي و من بينها الحكاية، العجيب و الغريب، الأخبار و التاريخ أي تداخل الواقعي باللاّواقعي، و المألوف بالخارق، حتّى لكأنّ الاطلاق الزماني و المكاني الذي يرنو الأديب إلى معانقته من خلال الخرافات و الكرامات و الأعاجيب و الأساطير تنهض الإحالات التاريخية و الإيهام بالصّدق الفنّي بشدّ الرّواية من رسنها إلى الواقعية في الفنّ(Vraisemblable) .
    و تجدل هذه الضروب الأجناسية علائق التفاعل و التحاور لتنتج نصّا روائيا يستحدث سنّة في الإبداع مخصوصة قوامها التجاذب المستمرّ بين قطبين نقيضين هما الأعاجيب و التاريخ .و متى رمنا رصد بعض مظاهر حضور هذا القطب في الرواية ألفناه مبثوثا في المنجز النصّي أوزاعا و أشتاتا؛ إذ الأعاجيب تستدعي من الكلمات ما يجانسها كالخرافة و الحكاية و القصّة و الغرائب و الملح والطرائف...و هي أفانين ذكرها الرّواي بإجمال في مفتتح الفصول و الأبواب دونما تعيين لما يميّز بعضها عن البعض الآخر و كأنّه يرمي إلى حشد ذاكرة المتلقّي بما يجانس و يوحد بينها لا بما يميّز ويفرّق اعتبارا لما يجمع بين هذه الدّوال من مدلولات.
    و يطالعنا ولع الكاتب بالأعاجيب لافتا للانتباه، فقد ذكرت الكلمة – دون اعتبار مرادفاتها – في ملخص الأبواب خمس مرّات، و تلتها الغرائب بتكرارها أربع مرّات.
    و الحق أن ثنائية العجيب و الغريب من الثنائيات الأثيرة في التراث العربي، و حضورها جليّ لدى جامعي الأخبار و مصنّفات الأدب و كتب الرّحلات والجغرافيا الوصفية ،وقد اشتهر زوج عجيب / غريب بالاقتران لارتباط جزئه الأوّل بعدم الإلف و الحيرة، و دلالة الثاني على البعد والغموض 18 و من هذه الجهة يمثل العجيب و الغريب إطارا أمثل ينصهر في بوتقة الخارق و اللاوقعي كالأساطير و الخرافات و الحكايات و الأقاصيص.
    و إذا نحن يممّنا وجوهنا شطر البحث عن مواضع حضور النصّ الخارق في رواية "وراء السّراب... قليلا" شدّتنا إليه الفصول الثلاثة الأولى خصوصا وإن كنّا لا نعدم انتشاره في بعض مواضع الباب الثالث من الفصل الخامس في نزول مائدة الطعام من السماء، و الباب الرّابع عشر من الفصل السادس في خروج الحمائم ذات الوجوه الآدمية من فاطمة كلّ صباح.
    و من الواضح أنّ محاولة رصد مظاهر العجيب في المنجز الرّوائي أشبه ما تكون بصورة القابض على الماء؛ إذ هي مبثوثة في تضاعيف الرّواية، يعسر فيها على الدّارس لملمة أشتاتها و النفاذ إلى لبابها لما تبطنه من المعاني المتعدّدة حدّ التناقض و ما تحمله من وجود القراءات و التأويل حدّ التعارض، فلا نكاد نستقرّ من ذلك على رأي إلاّ ما يميّز الخطاب القصصي في مستوى العجيب من مكر و مخاتلة إزاء تناقضات الواقع و تحديات العصر الصارخة، يراوغ في شافية مطلقة، ويهدم قدسيّة الأشكال و المضامين المهترئة في هدوء إشارة آنا عبارة آونة أخرى.
    و من المفيد الإشارة إلى أنّ جدلية التاريخ / العجيب لا نعثر فيها على إيقاع متوازي الحضور متصادي الأبعاد، فالطرف الثاني من الجدلية يمحّض النصّ الروائي لميسم الفنيّة و يجعلها أدخل في الإبداع الذي يتنكّب عن التأريخ و ينأى عن الواقعية في الفن و مبدإ المشاكلة (la vraissemblance) لتفاصيل اليومي و حيثيات المعيش إلاّ بما هي نقطة انطلاق يرود بعدها الأديب آفاقا إبداعيّة أرحب تضيء لديه مسالك الكتابة و تنير عنده سبيل الخيال الخلاّق و تفتح أبواب التأويل على مصراعيها فيظلّ نصّه أبدا بكرا أو هو كالبكر، حيّا فينا ينبض بالحياة و الجدّة محرّكا سواكننا و دواخلنا و منبّها إيّانا إلى مكامن الدّاء تلميحا لا تصريحا، فتتلوّن المواقع السردية للرّواي، و يتكسّر الخط الزمني في حوار بين الأحياء و الأموات فيبنية حدثية متشعبة منفتحة على منافذ متعدّدة حتّى لكأن لا رابط بينها، و تبرز خارطة المكان ضبابيّة تلوح فيها التسميات علامات ضوئية باهتة كان للسارد اليد الطولى في العبث بها و بتوجيه وجهتها من الإحالة المكانية الضيّقة إلى الدّلالات الكونيّة و الأبعاد الإنسانية العامّة.
    و بالقدر نفسه تنهض الكتابة بلا ضفاف في نصّ إبراهيم درغوثي الرّوائي بذات الدّور، فهي مشحونة بدلالات تكاد تثبت، فالمنظومة القيميّة الكامنة وراء السطور تعلن في صمت أنّ السارد المبدع لدائرة أجناسية متّسعة ينطق بلسان كائن مادّي يعيش التاريخ في مختلف أبعاده و عنه يصدر في تشكيل نسيجه السردي، لذلك كان المنظوم ينافس المنثور بمنكب ضخم وصار الواقعي يحاور العجائبي، و أضحى التحاور بين أنماط الكتابة ممّا تقتضيه طبيعة الرّواية في جدل متواصل و تنقّل مستمرّ بين الأجناس و الرّؤى "يستفزّ في القارئ رغبة في تدجين هذا النصّ النفور و الوقوف على كنهه أهو نثر أم شعر، رواية أم تاريخ واقعي أم عجيب؟ فلا يكاد يستقرّ من ذلك على رأي".19 .
    و يبدو هذا التماس بين الخطابات في استدعاء طبقات نصّيه غائبة ظلت مترسبة في لاوعي السارد، و ظلّ حضورها متجاوزا للإطار الزّماني كالشعر – مثلا – و قد تقاطع مع النصّ الناسخ في مستوى وظيفي باعتباره قناة من قنوات التوصيل و تسريب المغزى إلى الأذهان بعد مروره عبر الوجدان، فما من شكّ في أنّ الشعر يسائل الشعور، و يسهم في بعث الذاكرة الماضوية إلى تخوم اللحظة الحاضرة لاستشراف المستقبل نحو الأفضل من خلال ترسيخ قيمة من قيم الفرد المثلى.
    و لئن اصطبغ الشعر الشعبي بأصباغ المحليّة في مثل قول السّارد في مطلع الفصل الثالث:
    "يا لاَلَا يايمّا المشينهْ

    بعْدَ لْمشِتْ ولّْتْ دَارَتْ

    بَطْلنَا و النّفحهْ طارتْ " ( الرّواية، ص 79)


    أو في قوله في الباب الخامس:

    "سَبْعة صْبَايَا

    في قَصْبَايَا

    اِنْسمِّنْهُمْ

    و انطمنّهُمْ

    و اعْقَابْ الليل

    نَاكلْهُمْ" ( الرّواية، ص 45)
    فإنّه بالكونية أعلق و في المعاني الإنسانية أدخل؛ ذلك أنّ الشاهد الشعري الأوّل شأن الشاهد الشعري الثاني شعر شعبي من بلاد الجريد مشرعة أبوابه على عالم العجيب في مستويات متعدّدة كالمعاني الحافة (Connotation) و الألفاظ المستخدمة . فالمشينة "هي القطار في لهجة الجنوب الغربي التونسي"20، ولكنّه يكتسي بعدا تخيّليا فيه الذائقة الجماعيّة البدويّة، و يتلبس بلبوس العجائبي المرتبط بالجنّ و القوى الخفيّة التي تبعث على الخوف و الرّهبة، فقد وسمه السارد ( القطار) بــ: "الوحش الذي يحمل في بطنه الرّجال و الدّواب يطوي بهم المسافات البعيدة و لا يتعب(...) واقترب الوحش الذي كان يدبّ على خطّين من الحديد منّي حتّى كاد يلامسني ثمّ توقف فجأة أمامي و نفث دخانا أسود و همدت حركته.رأيت شيطانا يخرج من جوفه و يقترب منّي قفزا ثمّ يحملني بين يديه ز يرفعني عاليا حتّى كدّت ألامس السماء ثمّ يضعني على الأرض بعيدا عن سكّة الحديد.
    التفتُّ يمينا و شمالا فلم أجد أحدا في الساحة. تفرّق الخلق المذعور في كلّ الاتّجاهات فرّ النّاس من أمام وحش الحديد و امتلأ المكان بالرّهبة... " (الرّواية ص ص 40-41).
    و إذا كان هذا الشاهد الشّعري موصول بالسّحر و القوى الغيبيّة الخارقة كالجنّ و الرقي و الهاتف والشياطين و الكائنات الخرافية فإنّ صلة الشاهدالشعري الثاني بالعجيب أوثق و له بخرافة "الغول والبنات السبعة" و شائج نسب، فما من شك في أنّ حكاية الحيوان – و الغول من بينها – من الحكايات المأثورة في المخيّلة الشعبية و لاسيما هذا الكائن الخرافي الذي يربض في لاوعي الإنسانية منذ القديم، و يشكل أحد أهم توجساتها خيفة و ريبة.
    و المنجز الرّوائي لإبراهيم درغوثي في السّراب يحفل بالغريب و العجيب في مستويات مختلفة بدءا بعجيب التمثال و اختتاما بعجائب المبغى مرورا بالعجيب الجنسي و عجائبية الأرواح و الأشباح وعجائب الأولياء و الفسفاط و السكك الحديثة.21
    و تجدر الإشارة إلى أن حضور الشواهد الشعرية في السّراب و هجرتها إلى تخوم الذاكرة الماضوية عبر منعرجاتها و منعطفاتها الأشد بروزا تمتح من القديم و الحديث، و تخلط بين الماضي و الآن في جدل مستمرّ لا يني، فتنبعث أصوات الموتى من وراء القبور لتحاور الأحياء، و يُجاور العجائبي الواقعي، و تجدل حركة الشعر الحديث خرافات القدامى و معتقداتهم الشعبية، فيفتتح الكاتب روايته بنصّ شعري لمحمود درويش من ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدا" في وحي و إيحاء يكثّف من شعريّة المنجز النصّي للسّراب في تعالقه مع معنى الكتابة حتّى لكأنهما صنوان، حيث يمعن السّراب في الهروب كلّما كان الاقتراب منه، و بالقدر نفسه تمعن الكتابة في التخفّي و التستّر كلّما كانت محاولة هتك حجب الإلغاز و الغموض ،فلا تجيز للدّارس دلالة مقبوضة "و هو ضرب من الكتابة السّرديّة التي تكسر كلّ الحدود لتأصيل نمط جديد من الكتابة له مسار مخصوص من خلال تشكيل المادّة الحكائية التي تخرج عن المألوف فتقدّم عالما عجيبا و غريبا تمحى فيه الفواصل بين الحياة و الموت و بين الإنسان و الحيوان . و تزول فيه الحدودبين الخيالي و الواقعي و قد تعالقت نصوص المادّة الحكائية من مصادر مختلفة، فكسر السارد بين الأزمنة و خلط بينها في النصّ الرّوائي ثمّ كيّفتها الذات الساردة لتحتج بها أو لتحتج عليها ."22
    و من المفيد الإشارة إلى أنّ أنفاق الحداثة التي فتحها السارد من خلال تماس الخطابات تكشف عن ثراء مكتبة السارد و التنقير عن الإبداع من مظانه، و في هذا الصّدد تحضرنا الأنماط الخطابيّة الحديثة – فضلا عن شعر درويش – مناورة لقديم الأدب و تالده كالتأثّر بمنحى جبران خليل جبران الرّومنطيقي في مستوى الدّلالات و الإيقاع الهادئ الحزين و التشكيل البصري على الصفحة، و من أمثلة ذلك مخاطبة السارد لأحد عمال المناجم بقوله:

    "...ما أشقاك يا ابن أمّي

    بين أهلك

    أو في بلاد الغربة" (الرّواية ص 147)
    أو في مثل قوله مناجيا ذاته:

    "آه يا "عائشة" لن أتركك تضيعين منّي ضياع الماء بين الأصابع.

    أنا الذي رأيتك تكبرين بين طلوع الشمس و غروبها.

    بين تفتح الزّهور و ذبول الأمل.

    بين انفتاح شبابيك قلبي و هبوط الليل على هذا النّجع في هذه الصحراء.

    سمعت روحي تهتف لروحك قبل خلقنا و قبل أن تعرفي أننّي ابن عمّك الذي كتب عليك أن ترتبطي به لحظة الصّرخة الأولى.

    ما أقسى قلبك.

    أيتها....


    أيتها...

    أيتها الفاجعة.

    فليحاكمك الأهل

    لا يهمّني أن تبرئي.

    أمّا أنا فسأرمي بلحمك لذئاب الليل النابت على أكتاف هذا الجبل

    إنّني أطالب بحقّي فيك.

    و لن أتراجع أبدا". ( الرواية :ص ص 141-142)
    و كلّها علامات دالّة على ارتحال الذّاكرة الإبداعية إلى تخوم الأدب تختبر جودته و تعلن في صمت عن رموزه، فتشرك القارئ في استنطاق دلالاته و تحيينه لراهن القضايا و المستجدّات تلويحا و تلميحا يدلاّن على أنّ سلطة الأدب تعلو و لا يعلى عليها.
    و إجمالا فإنّ نظرة ثاقبة للمنظومة الأجناسية التي قدّ منها المصنوع النصّي توقفنا على عمق مسألة التناصّ و اتّساع مبحث الجنس الأدبي، لذلك بدتالرّواية كشكولا من الأجناس و الرّؤى والمتناصات، فتعدّدت مراجع السارد النصيّة و تعقّدت مصادره الأصلية و تشابكت حدّ الهجنة، وبدا الأخذ من كل شيء بطرف استفزازا للقارئ و زعزعة ما استقرّ لديه من زائف الاطمئنان وواهم الاعتقاد بأصالة التشكيل اللغوي و توحّده و من خلاله خلخلة المنظومة القيمية السائدة، حتّى لكأنّ السّراب ساكن في كلّ شيء، ووراء السّراب قليلا يمثل الجوهر الباقي و الإبداع الخالد في مسالكه المتعدّدة و مناحيه المتنوّعة.
    و لا يسعنا أن نقرّر – في هذا المقام و بحظ وافر من الاطمئنان – أنّ هذه الضروب الأجناسية( خرافة، شعر شعبي، حكاية، قصص، ماثورات تراثية...) لا يزال معظمها في حال البكارة و ما تحمله من نفرة و استعصاء، لأنّها قد مثلت هامش الأدب أو تخومه القصيّة التي قبعت فيها بعد أن حكم عليها الأدب الرّسمي بالاقصاء و التهميش، لذلك ظلت مستبعدة و حتّى و إن استدعيت فمن باب التفكّه و الهزل. إلاّ أنّ الناظر في حضور هذه الأنماط الخطابيّة في رواية "وراء السّراب ...قليلا" يلفي جدلا مستمرّا بينها و بين أنماط خطابيّة أخرى مثلت مهادا أساسيا لحركة الأدب العالم كالتاريخ والشعر و النثر...، وتكثيفا دلاليا أضفى عليها بعدا وظيفيا جديدا سجّلت بموجبه عودة إلى حرم الأدب،
    فتطالعنا أصوات عديدة تمتح من الخرافة قدرا و تقتطع من الأعاجيب والأساطير حيّزا معبّرا من ذاكرة المؤلف الرّوائية ، و تلتقط من الواقع ملامح البساطة والعفوية في لغته الدّارجة و أغنياته الشعبيّة يهزج بها السّارد المتخيّل في وحي بأن مجمل هذه القرائن النصيّة تقوم شاهدا على أنّ الذي يقبع وراء السطور كائن تاريخي مادّي لملمت ذاكرته أصداء الماضي البعيد و الرّاهن المعيش في لحظة إبداعيّة فنيّة قوامها التحاور بين التالد و الطارف و التجاور بين الأجناس الأدبيّة عالمها و شعبيّها شعرها و نثرها واقعيها و عجيبها، حتّى لكأنّ هذا التوزع النصّي بين شذور الأدب و نتفه يعكس طبيعة الخطاب الرّوائي ذاته، و حتّى لكأنّ هذا النبش في طبقات النّصوص الغائبة و الحاضرة يجلو ذات الأديب في لحظة إبداعية محمومة قوامهاالاضطراب و التمزّق و التشتت بين جراح عميقة في آنيتها و أمـل في شفائها ينشـــده الكاتب في ما "وراء السّراب ...قليلا" .

    الهوامش :

    1انظر على سبيل المثال لا الحصر :"القيامة ...الآن "،" أسرار صاحب الستر "، " الدراويش يعودون إلى المنفى..."
    2درغوثي ( إبراهيم) : " وراء السراب...قليلا" ، رواية ، مركز الحضارة العربية، ط 3 . القاهرة 2005، ص ص152-153.

    3 حفيظ (عمر): التجريب في كتابات إبراهيم درغوثي القصصية والروائية. ط .المغاربية للطباعة والنشر والاشهار. ط1. نوفمبر1999، ص97

    4 لجينات عدّة مؤلفات في مجال السرد منها: Figures I عام 1966 و Figures II عام 1969 Figures III عام 1972 و Minologieعام 1976 و Architexte عام 1979 و Palimpsestes عام 1982 و Seuils عام 1987.

    5عنوان كتاب لشكري المبخوت :" جمالية الألفة".
    6شبيل ( عبد العزيز): نظرية الأجناس الأدبيّة في التراث النثري، جدلية الحضور و الغياب، كلية الآداب و العلوم الإنسانية بسوسة، ط سبتمبر 2001، ص 290.

    - 7التجريب في كتابات إبراهيم درغوثي القصصية و الروائية، مرجع مذكور سابقا، ص 80.

    - 8 السماوي( أحمد): التطريس في القصص: إبراهيم درغوثي أنموذجا، مطبعة التسفير الفني صفاقس، الثلاثية الرابعة 2002، ص90.

    - 9شقروش (شادية)، الخطاب السردي في أدب إبراهيم درغوثي، دار سحر للنشر، دت، ص6.

    - 10- انظر: G.Genette, Figures III, PP 252-253, id, seuil 1972 .

    - 11 لمزيد التعمّق في الفرق بين الراوي و السارد، و اكتناه الصوت السردي في الأعمال الروائية ينظر في : الخطاب القصصي في الرواية العربية المعاصرة من 1976 الى 1986، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه دولة .محمد الخبو : إشراف محمود طرشونة، تونس 2001. الفصل الأوّل : التلفظ القصصي ص 275 و ما بعدها.

    - 12. الخطاب السردي في أدب إبراهيم الدرغوثي، مرجع مذكور سابقا، ص ص 39-40.

    13 - عنوان كتاب لجيرار جينات ''Les palimpsestes'' عام 1982.


    - 14. عنوان مقال لمفيد بركان : جمالية التيه في رواية "شبابيك منتصف الليل" لإبراهيم درغوثي، الحياة الثقافية، ع 122 السنة 26. فيفري 2001 ص ص136-140.

    15 - السماوي( أحمد)، التطريس في القصص، إبراهيم درغوثي أنموذجا، مطبعة التسفير الفنّي صفاقس، 2002،ص 143.

    - 16. جمالية التيه...، مرجع مذكور سابقا، ص 139.

    17 - صدرت الرواية الخامسة لإبراهيم درغوثي "وراء السّراب ...قليلا" بعد أن فرغ أحمد السماوي من انجاز بحثه حول التطريس في القصص، فأقرّ بأنّ الرّواية قد "جمع فيها صاحبها بين الأسطورة و التاريخ و الأدب الشعبي(...) و قد جاءت لغتها متينة السبك شعرية الايقاع" . التطريس في القصص، م م س ، ص8 ، هامش رقم 17.


    - 18. لمزيد الإحاطة بمفهوم العجيب و الغريب، انظر: العجيب و الغريب في التراث المعجمي: الدّلالات و الأبعاد بقلم حمادي الزنكري، حوليات الجامعةالتونسية،ع33. 1992، ص 174 و ما بعدها.

    - 19.القاضي (محمد): " رواية شبابيك منتصف الليل"، الحياة الثقافية،ع 80، سنة 21، ديسمبر1996،ص57 .

    20الرّواية، الهامش، ص79.

    - 21. لمزيد التوسّع ينظر في مقال الهادي غابري : العجائبي في رواية وراء السراب ...قليلا، الحياة الثقافية، السنة30،ع166،جوان2005 ص ص12-20

    22 العجائبي في رواية "وراء السراب...قليلا"، مرجع مذكو سابقا، ص 13.
























    وهم الأنا وأطياف السّراب
    في رواية: " وراء السراب ...قليلا "
    لابراهيم درغوثي
    الدكتور: تبرماسين عبد الرحمان و دهيلي نسرين/ بسكرة-الجزائر

    رواية "وراء السّراب.. قليلا" واحدة من الأعمال المؤسسة لمجتمع إنساني يعلو الحيواني ولا يرقى للملائكية، في محالة لإرساء التوازن البشري، والحوارية الحضارية، ضمن منظومة الأدب العجائبي المؤدلج؛ الذي يسعى المبدع من خلاله إلى التموقع داخل مجتمع يمارس حصاره العرفي والسياسي والعقائدي..على أفراده ضمن إطار فني عالي التركيز، فتصبح عملية التأسيس لأدب من هذا النوع هي تأسيس للهوية ذاتها وانتشالا من التشويه الاجتماعي، وانقلابا "على الذات ولكن في الذات وبالسيرورة التاريخية" / المضللة أحيانا.
    إنّ الأدب المؤدلج في أبسط معانيه هو أدب تخييل الواقع " الذي يفيض بغناه، ويصبح آهلا بمخلوقات الطبيعة، ولكن أيضا بالخلق الفني" في محاولة لمراودة هذا الواقع عن نفسه، في حين تتطلب العجائبية خيالا خصبا يحمل المتلقي إلى ما ورائيات الإبداع من خلال التعبير:عن قوانين تتعارض وتلك التي تسود الواقع الحقيقي – في مقابل الواقع الخيالي- وفي هذا الإطار يصبح "العجائبي" لعبة أيديولوجية أكثر منها تخيّلية، لأنه عادة ما يقترن بسلوكيات الحيرة والتردد والخوف ضمن عالم فوق طبيعي ويقع الفانطاستيك الذي يترجم بالعربية ب"العجائبي" بين جنسين مجاورين له هما الغريب والعجيب ، وهو ليس عبث بالماوراء قدر ما هو تأسيس للواقع المشوه، المسجون داخل عاهة فكرية تسمى الغيبيات والقوى الخارقة "يتجاوز نطاق تأثيرها وسلطانها حدود التفسير العقلي والمنطقي لظواهر الطبيعة" من مثل الشّق والرّئي*، وهنا يتفق "العجائبي" كفعل سردي خيالي مع الفضاء الدلالي لمصطلح "سراب"؛ الذي يعادل موضوعيا الدرجة القصوى للظمأ، في مقابل الدرجة القصوى للخيالي الروائي وللوهمي البشري الممتص من امتداد الجهل واحتجاب اليقين، فتضطر الذات إلى استيراد أوهامها القابعة في عوالم الجن والتفاسير الميتافيزيقية.
    وهنا يقول الفعل السردي واقعيته المضمرة، من خلال المزواجة بين هاتين التقنيتين، مما يجعل الرواية أكثر الأنواع تركيزا وبسترة إذ تتمثل الواقع من جهة، ولا تتملص من نرجسية الكتابة من جهة أخرى تلك النرجسية التي " لا نرى كيف يمكن أن يتشكل الإبداع" دونها.
    و لاستغوار هذا النوع من النّصوص استقطبنا بعض البؤر المشفّرة فيه؛ والتي تجمع "الأنا" العربي بال"هو" الغربي في علاقتهما بعضهما ببعض تلك العلاقة المتأزمة - التي تجد متنفسها الصحي في هذا النوع من الأعمال الإنسانية ذات الطابع الإشكالي- التي مهما سعى البعض في تعليلها تبقى أزمة "أنا" أكبر منها أزمة "آخر"، ذلك "الآخر" الذي نحاول بشتى الطرق تجنب الاحتكاك به، فكانت علاقتنا تحكمها التبعية المطلقة لهذا "الآخر"؛ إما ك"الساحر" نهوى الاختباء تحت معطفه الطويل، أو كسلطوي يمارس فعل الخصاء الجماعي، من خلال تسترنا بالضعف واللاحوقلة، واهبيه أسباب القوة والبقاء.
    و لتجميع خيوط الدمى التي تنسج الخيال-الواقعي السردي في الرواية والكشف عن علاقة "الأنا" "بالآخر" عبر وسيط هو الواقع لا غير، واجهنا الرواية بصورتها في المرآة فأفرزت لنا الأطياف الآتية:
    1/ طيف "الأنا" و"الأنا الجمعي":
    تنطلق الرواية من مجموعة طقوس عجائبية تماثل طقوس الزّار* الخرافية، لتضعنا على شفير البدعة العربية التي طمس نورانيتها المفترضة سواد الجهل وانحطاط القيم الإنسانية، مخلفة وراءها زخم لا متناهي من الخرافات والبدع تعشش فينا جيلا بعد جيل؛ فالجدة تلك المرأة التي أكل عليها الدهر وشرب تنقل آمالها في إحياء ابنها إلى زوجة الأب، التي انتظرت يوم البعث بشبقية لا متناهية تفجرت أكثر من مرة على مستوى النّصّ السردي.
    بعدها يقتفي القارئ خطى العمل السردي من خلال مسيرة "عزيز السلطاني"؛ فيطالع في القسم الأول حكاية "عزيز السلطاني" ("الأنا" في حالتها المفردة) ثم ينتقل معه إلى حكاية مجتمع "عزيز السلطاني" في علاقته بعضه مع بعض (الأنا الجمعي)؛ ف"عزيز السلطاني" ذلك الوريث الذي يفترض فيه تولي مقاليد الحكم والثأر لأبيه؛ لم يكن له همّ سوى الجري وراء دفء الأم وبعدها زوجة الأب (المومس الوفية)، أما إخوة يوسف (أي الأعمام) فكان شغلهم الشاغل دنانير الذهب –إرث "عزيز"- التي لاحقّ لهم فيها، وبسببها تم طرد "عزيز" من
    من رحمة العائلة؛ "قرر مجلس العائلة بإجماع أفراده طرد "العزيز" من رحمة العائلة."
    وفي خضم هذه الأحداث لم يتوان الطفل البالغ المدعو "عزيز" عن إشباع غرائزه الجنسية مع المحرّمات أو غيرهن لا يهم فكلهنّ سواء.
    بعد ذلك ينقلنا الروائي مع الشخصية المحورية إلى تقوقع من مستوى آخر يطال "الأنا الجمعية" المغربية، من خلال استدعائه رجال قبائل جرجرة، بنات أولاد نائل، الطرابلسيين، وعمال مناجم صفاقس.. ، لا لتتكاتف وإنما ليحكمها صراع من نوع راق: "صراع البطن والشهوة، والتمييز العرقي" على مرأى من "الساحر" بسلطويته المفروضة، ليشكل فعلا تقوقعيا تنمحي معه مظاهر أنسنة "الأنا" لحساب "الفكر المفرغ من العمق الذي يدور حول وفي أيديولوجية قومية" مشوهة ومحبطة.
    ومما أسس للفعل العجائبي المؤدلج في الرواية انفلات شخوصها من العقائدي المنضبط إلى الجنسي "بجاذبيته العجائبية وشحنته الشبقية بوصفه فضاء لمغامرات البطل وعمقا استراتيجيا لتحليقات رغائبه المجنحة واستيهاماته الجنسية" ؛ تلك الاستيهامات التي أباحت زوجة الأخ لإخوته مرارا وتكرارا، بل وأصبحت صناعة حرفية تعلمها السابقة للاحقة تسمى "حرفة الحمام ذي الرؤوس الآدمية"، وجمعت "عزيز" بزوجة الأب وبناتها سنين معدودة؛ يقول الراوي: "وصارت تزفني في كل ليلة عريسا على واحدة من بناتها، وأنا أنام النهار بطوله متوسدا فخذيها ولا أفيق إلاّ عندما يسكن الظلام الحيّ فأنهمك في اللهو والمجون والأكل وشرب الخمر" .
    إنّ السرد "الإيروسي من هذا المنظور يشيّد كتابة إشكالية يتعالق فيها الحسّي والغريزي بالمكبوت واللامفكر فيه والميتافيزيقي وفق صوغ تخييلي بالغ الجمالية والكثافة والإمتاع" ؛ فهو ببساطة جنسي مرضي بغرض صحي قوامه جسد اللغة لا لغة الجسد، وكأن "درغوثي" طبيب أورام اجتماعية يداويها بالتي هي الدّاء فتمتد أنامله داخل تراكمات "الأنا" بمقدساتها المدنّسة في محاولة لاستئصال ذلك الداء المستفحل في كياننا وكينونتنا، نقصد بذلك شلل الأطفال الذي ربط المجتمع العربي بالماضي العتيد فغلّق الأبواب دونه وعاش في عزلة منقطعة النظير.
    والرواية بولوجها عوالم المسكوت عنه، طرحته معلّب استهلاكي في سوق القيم الإنسانية، يملكه "الآخر" ويغذيه؛ ك"بنات أولاد نائل" الأصيلات "عشر بنات جاء بهنّ واحد من متعهدي الانتدابات الذين أرسلتهم السلطات الفرنسية" لأغراض محددة " كانت فيها البنات قرّة أعين العمال العرب والكفار من فرنسيين وطليان وروس وإسبان ومالطيين وبلغار وبولونيين والناس أجمعين" ؛ فأي كرم هذا؟! إنه كرم الفعل التخييلي "المؤدلج"؛ أين تصبح مالكات الشقوق في حالة ظمأ شبقي يسبب لهنّ الجفاف المطلق؛ ويضعهنّ أمام سراب اللذّة والارتواء بأي شكل، ومن أي ظلّ فحولي فيفجرا لذتهما كمخلوقات حيوانية تعيش لتأكل وتمارس الجنس؛ ويتشكل على المستوى السردي "الظل الفحولي أو السّراب الأنثوي".
    إنّ المقول السردي هنا لا يجعلنا نحمّل الجنس مهمة حضارية -رغم أهمية التأسيس لثقافة جنسية معتدلة- وإنما هو ضربة مقتل لمجتمع يقاد من وسطه؛ "فالجنس" لا يتعدى "كونه غريزة جسدية شأن غرائز الإنسان جميعها في وضعيتها وأهميتها بما لا يجعل لها قداسة خاصة، ولا تعتبر في إطلاقها من القيود شرطا للتقدم والتحضر الفكري" .
    والملفت للنظر في العمل الدرغوثي تفشي الواقعة الجنسية لتطال المجتمع الذكوري والأنثوي في افتتانه بعضه ببعض؛كنساء القصر الملكي اللاتي تتهافتن "على المجون يبدأنّ بالغناء والموسيقى ولعب القمار وينتهين بين أحضان الوصيفات" ، وهنا تصبح الواقعة الجنسية هاجس المجتمع، مبدؤه، وسبب وجوده، وتتشكل كسؤال محفز للقارئ ما الغرض من هذا "الجنسي المؤدلج"؟
    إنّ "الجنسي" رمز الغريزة الإنسانية التي يتساوى فيها "الأنا" و"الآخر"، وهو ثالث التابوهات وأهمها إذ يجمع بين السياسي والديني؛ فالسياسي –كشخص- في أصله جنسي يطأ أو يوطأ، والديني هو الحد الفاصل بين الممارسة الجنسية الصحية الشرعية (المحللة)، والمرضية الشهوانية (المحظورة)، وهو ذاته مصدر الامتداد الإنساني، وهنا تتأسس إحدى علاقات "الأنا بالآخر" من خلال امتلاك كل منهما لأحد كفتي الميزان الكوني، ف "الحضارة عمران الكون المادي والجنس عمرانه البشري وكلاهما شهوة الكينونة" ، وامتلاك أحدهما دون الآخر حالة لا صحية توظف سلبا لتترجم التشوه الاجتماعي هذا التشوه الذي يجعل صورة "الأنا" باهتة في النّصّ يكاد لا يبدو منها سوى الوسط (البطن والجنس)، وملامح مغيّبة تتمثل في الأذنين والأنف: "بدأوا في جدع أنوف الأسرى وفي قصّ آذانهم ومروا على الأموات ففعلوا بهم ما فعلوه بالأحياء الجرحى" ، أما بقية الأعضاء فمطموسة مما يجعلنا نتساءل عن دور هذين العضوين؟
    إنّ استقراء بسيطا للعرف الاجتماعي المغربي ينبئ عن رمزية الأنف والأذن؛ فالأنف رمز الشرف والكرامة وهو أعلى شيء في الوجه البشري، في حين الأذن رمز الانقيادية* إذ تتأثر بكثرة النّم، كما تحملنا الأذن إلى عالم الحمير والبغال باعتباره عالم الدونية "أو لسنا حقيقة بشرا برؤوس بغال" ، أما ثالث الأثافي وأهمها وقوع الأذن في أولى مراتب الخلق والتأثر، واستئصالها مع الأنف يجعل هذه الأعضاء في منأى عن يد "الآخر"، كما يؤدي غيابها إلى طمس صورة "الأنا" في الرواية، وفي هذا الإطار "يولد الكائن المشوه، والمفصول عن فطرته الأصيلة وذاكرته النيئة، وتأخذ المسألة مداها المسخي في مجتمعات العالم الثالثية" .
    إنّ واقع "الأنا" في الرواية يترجم بشكل واضح حالة الاغتراب القصوى التي تعاني منها مجتمعات المغرب العربي بل والوطن العربي المنبعثة من التشتت الظاهري لأقطاره والالتحام الباطني لواقع حضاري، ثقافي، ديني، وتاريخي، فكانت الرواية "كلا وأجزاء في الوقت نفسه تولد معنى انفعاليا وغريزيا وثقافيا عاما، ولكن هذا المعطى لا يدرك إلاّ من الأجزاء، ولا يستقيم وجود هذه الأجزاء إلاّ من خلال اندراجها ضمن هذا الكلّ" ، وبهذا يتأكد على مستوى الفعل الروائي بعده الأيديولوجي النابع من اختراق القيم ذات البعد الإنساني والتاريخي والديني المشترك.
    2/ طيف "الآخر":
    تحدد الرواية علاقتها ب"الآخر" وفق اتجاهين الأول إيجابي محتشم قوامه أن ثقافة شعب ما "تغتني في الاتصال بتقاليد وقيم الشعوب الأخرى " ، والثاني سلبي إلى حده الأقصى.
    أما الأول فنتحسسه من خلال أولائك الأفراد الانقلابيين الذين أخذوا بيد العمال كالطلياني وأصدقاؤه؛ الذين فتحوا أعين العمال على واقعهم المزري لا ليصلحوه ويطرحوا البديل، بل لتغذية انقياديتهم الساذجة، فأزمة العمال أزمة تملك واستلاب وجوع فكري لا بيولوجي، لذلك لم تؤت ثورتهم واحتجاجهم أكلها الموعود لاستنادها إلى التبعية الفكرية المفرغة من الاستيعاب، وبذلك شكل الإيجابي قناعا لبسه السلبي وتخفى به موسعا الهوة بين "الأنا" و"الآخر".
    أما الثاني (السلبي) فيتمثل في تقنية الآخر وجزءه الداكن–لأنها مبعث جبروته-؛ تلك التقانة التي جاءت لتعمق الفارق بين "تاريخ مشلول وآخر يتقدم دون أن تتوفر له قدرة تطاله" فكانت المفارقة الكبرى و"السّراب" الذي ليس بعده "سراب".
    3/ طيف "الأنا في علاقتها ب"الآخر":
    إنّ هذا المتخيل في علاقتنا ب"الآخر" يضعنا أمام زمن ال"هو" الساكن فينا ليرسم ملامح "الظلّ" العربي، ذلك المجتمع الذي لبس عباءة الجد وانكفأ على القبور المنسية، فكانت صدمته كصدمة الذي اتكأ على جدار ظنه قويا وثابتا (الموروث الأبوي)، لينهض من سباته وهو قشة وسط طوفان حضاري يجمع "القوة والهيمنة بإرادة المعرفة وتجسدها بشكل لا نظير له، فتحقق له ذلك الاستئصال لذاكرات وشعوب وقوى كانت بالأمس ندا قويا وباطشا" ، فلم تجد بدا من مسايرة هذا الطوفان، ويؤكد ذلك خاتمة الرواية التي لملمت خيوط اللعبة في يد المدير مؤكدة "الخصاء الفكري"؛ "كان الحاجب الواقف أمام الباب يجبر العامل المّار فوق السراط على الانحناء حتى تكاد جبهته تلمس الأرض...وكان الرّب واقفا بجلاله وراء شرفة الإدارة يراقب من وراء الزجاج الطابور وهو يتقدم بخطى بطيئة" نحو المصير المحتوم "للأموات-الأحياء" داخل مسارهم الدائري كسكة حديدية بدايتها التبعية وآخر محطاتها الاتباعية.
    وبذلك يخلق الفعل الروائي ديناميته المطيحة بهما وبعده الرؤياوي "القائم على التجانس الهارموني للأصوات المتضادة في بنية تشاركيه موحدة وكبديل حداثي وإجرائي كبير الأهمية ينعي فيه دعوة صدام الحضارة" والهوة الكبرى التي يجب تعميقها.
    لقد حاولت الرواية رصد الواقع لا من خلال تقريريته المعهودة وإنما من هامشية أفراده وتسطح نظرتهم التي لم تتعدى منتصف الأجساد، ولا أدلّ على ذلك من عنصر الزمن، حيث مثلت نهاية الرواية بداية المسكوت عنه، ونقصد به زمن الاستشراف وزمن ما بعد الأزمة الذي تعطل بسبب "انعدام القناعة والرؤية الواضحة للمستقبل في كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية" ونتيجة لذلك سادت العتمة وأصبح الانجذاب للماضي هو الحصانة الوحيدة من المستقبل بضبابيته، ليكتمل الثالوث الزمني أو"سراب الأزمنة العطشى"، وهذا ما يفسر تبخر القطار (أعجوبة الكفار) في كل مرة "رأيت القطار يبتعد داخل المهمة القفر ويغيب عن ناظري شيئا فشيئا إلى أن ابتلعه الشفق الأحمر" ؛ إذ ترتبط مسيرة القطار بالمضي قدما أين يقبع المستقبل كزمن ضبابي (سرابي) يصعب تخيله، فنحن أمام واقع تأسست نهايته لحظة بدايته مغيّرة مسار الحاضر من المستقبل إلى الماضي، وبذلك تصدق عليها معادلة الرّوائي "عزّ الدين الجلاوجي" (1+1═0) (ينظر الشكل(1)):


    حاجز الظّلّ (الوهم)

    الماضي الحاضر المستقبل
    محور الزمن

    منطقة حصار الأنا
    الشكل (1)

    إنّ لحظة انفتاح رؤى العمال على العمل النقابي كان ليؤتي أكله لو طعّم بالغذاء الفكري الكلي؛ إذ لا معنى لزيادة الأجور في مجتمع قوّته في بطنه وفحولته، فكانت النتيجة "طابور من العمال يقف أمام باب الإدارة الطابور طويل طويل، أطول من يوم القيامة" ، كما أن الآلة الوافدة كانت لتساعد الإنسان وتحميه لو أحسن تقديمها لهذا الجاهل الذي حسبها وحشا وطامة كبرى، وبهذا وضعنا "الآخر" أمام أمرين أحلاهما مرّ إذ حاول استبدال "العلاقة الاستعمارية بالعلاقة التحضيرية" وقد نجح في ذلك إلى حد كبير بدليل ارتفاع مؤشر الانبهار ب"الآخر" الذي تعاني منه مجتمعات العالم الثالث فكريا.
    والملاحظ في العمل السردي إسقاطه البعد الحربي للاستعمار ذلك أنّ ما تحصده الحروب أقل بكثير مما تستعبده العقول، فهذه الأخيرة تتجاهل "القيم التقليدية للمجتمع، وتستحث على آمال وتطلعات لا علاقة لها بالحاجات الحقيقية لنموّها" مما يجذبها دائما إلى قاع الوحل ويسكنها فيه.
    إنّ إشكالية الرواية حسب رأينا ليست من الفاعل والمفعول به –أو فيه- بل في رغبة الفعل -حيث تملك هذه المجتمعات أسباب بقائها في ذاتها- فالنزاع بين الإنسان المتصلب اليابس، الإنسان المتصوّف المكبوت، والإنسان الذي يتغذى من ماء وجنس ويؤمن بالحياة ويقدر على بعث الحياة وممارسة المادة ممارسة تضبطها مقاييس حضارية ، ويؤكد زعمنا هذا تبادل الأدوار والأمكنة؛ فصاحب الأرض ("الأنا" المالك) يستوطن الكهوف ليستخرج خيرات أرضه قربانا وهبة "للآخر" فيستحوذ الدخيل على كل الامتيازات التي تؤهله للسّيادة.
    إنّ هذا التحول وانقلاب الموازين ليس إلاّ فعلا سلطويا "أيديولوجيا" من "الآخر" الذي تعدى مرحلة الفكر إلى مرحلة الممارسة فقد استطاع "الساحر" "أن يستثمر المعطى الحضاري الإنساني ويستجمعه تحت إرادته عبر جهود جبارة امتدت مدى التاريخ كله ليصل مجهود الرجال ويثمر عن ترتيب البيت الإنساني ترتيبا هرميا يقف على قمته رجل أبيض" هو ذاته "الساحر"، في مقابل الرجل الأسمر الذي رضي بالدرجة الصفر من التصنيف الإنساني، وسيبقى في هذه الدرجة إلى أن يرجع الظّلّ إلى صاحبه ويشكلا شخصا واحد يعيش جنبا إلى جنب مع الآخر لا يرهبه ولا ينظر إليه بإجلال؛ لأننا وببساطة أمام عالم مبني على "المشاركة والثقافات المتقاطعة التي تملك علاقاتها ونزاعاتها من الثراء الفتان ما يمتلكه التاريخ الإنساني عينه" .
    إنّ هذه النافذة التي فتحت على "الأدب المؤدلج" جعلت منه أدبا إنسانيا لا يكتفي بالتموقع داخل الإبداع الأدبي فقط، بل يؤسس لإبداع من نوع آخر هو الإبداع الموجه الذي يذوب في الواقع ويأخذ منه أسباب بقاءه ليرتقي بعدها إلى مصاف الأعمال المجانية الخالدة، كما يؤسس للتغذية الراجعة بين الأدب والمجتمع في تفاعل إيجابي وهذا بالذات ما يجعل الأدب نافذة مفتوحة على الإنساني في حركية دائمة.

    الاحالات:

    1/2 أحمد المديني:أسئلة الإبداع في الأدب العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، لبنان، [ط1]، 1985، ص10.
    المرجع نفسه:ص12.
    ينظر: يوسف شكير، شعرية السرد الروائي عند إدوارد الخراط، عالم الفكر ، الكويت ، [ع2]، [م30]، ص275.
    المرجع نفسه، ص256.
    * الشقّ والرّئي تسميات لأنواع من الجن كثر الحديث عنهما في الرواية .
    أحمد المديني:أسئلة الإبداع في الأدب العربي المعاصر : ص17.
    * الزّار مصطلح يطلق على مجموعة من الطقوس الخرافية تقام حول أضرحة الأولياء الصالحين بالرقص وذبح القرابين.
    إبراهيم درغوثي: وراء السراب..قليلا مركز الحضارة العربية، القاهرة، مصر، [ط3]، 2005، ص60.
    بشرى موسى الصالح: نظرية التلقي"أصول وتطبيقات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، بيروت، لبنان،[ط1]، 2001، ص82.
    يوسف شكير، شعرية السرد الروائي عند إدوارد الخراط، ص257.
    الرواية: ص54.
    يوسف شكير: شعرية السرد الروائي عند إدوارد الخراط: ص258.
    الرواية: ص107.
    المرجع نفسه: ص107.
    كاميليا عبد الفتاح :القصيدة العربية المعاصرة " دراسة تحليلية في البنية الفكرية والفنية" ،دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية ، مصر، [دط]، ص 252.
    الرواية : ص48.
    يمنى العيد: في معرفة النص، دار الآفاق الجديدة، بيروت، لبنان، [ط3]، 1985، ص254.
    الرواية : ص114.
    * يطلق على الذي يكثر الاستماع للغير (ليس له رأي) في الطبقات الشعبية "وذّان" أي يقاد من أذنه .
    الرواية : ص100.
    سيف الرحبي: نزوى، تصدرها مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان،http://www.nizwa.com، تاريخ الزيارة:12 مارس 2010، الساعة 13:57.
    سعيد بنگراد: السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، منشورات الزمن، الدار البيضاء، المغرب، [دط]، 2003، ص129.
    أحمد المديني:أسئلة الإبداع في الأدب العربي المعاصر، ص68.
    المرجع نفسه: ص18.
    سيف الرحبي: نزوى، http://www.nizwa.com.
    الرواية: ص168.
    بشرى موسى الصالح: نظرية التلقي"أصول وتطبيقات، ص82.
    بشير بويجرة: بنية الزمن في الخطاب الروائي الجزائري(1986-1970) المؤثرات العامة في بنية الزمن والنص، دار الغرب، وهران، الجزائر، [دط]، [ج1]، 2001-2002، ص205.
    الرواية: ص58.
    الرواية :ص 168.
    يمنى العيد: في معرفة النص، ص 251.
    أحمد المديني:أسئلة الإبداع في الأدب العربي المعاصر، ص74.
    سمير المرزوقي وجميل شاكر: مدخل إلى نظرية القصة "تحليلا وتطبيقا"، الدار التونسية للنشر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، [دط]، [دت]، ص206.
    عبد الله محمد الغذامي: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الدار البيضاء، المغرب، [ط2]، 2005، ص91.
    بشرى موسى الصالح: نظرية التلقي أصول...وتطبيقات، ص83.



















    الاستلزامات الحوارية للأساليب الخبرية في رواية:
    "الدراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم الدرغوثي
    عبد الرحمن تبرماسين، دلال وشن

    الاستلزام الحواري في اللسانيات الغربية:
    إن البحث في ظاهرة الاستلزام الحواري بدأ مبكرا في بحوث اللغويين الغربيين، بعد اهتمامهم بمباحث فلسفة اللغة وإشكالات معالجة اللغة لما تحمله من معنى تواصلي ونسق تأثيري، وقد ازداد هذا الإشكال حدة لاختلاف المعاني في التخاطب الإنساني والتفريق بين"ما يقال" و"ما يُعنى". وسنكتفي في هذا المقال بمقاربة غرايس للاستلزام باعتباره المُنظِّر لهذا المفهوم التداولي الحديث كشكل جديد للحوار، فجاء بنظرية شاملة حاول من جاء بعده توسيعها و إيضاحها.
    مقاربة غرايس :
    يعد الاستلزام الحواري من أهمّ المبادئ التداولية، وتعود نشأته إلى الفيلسوف بول غرايس*(H P GRICE) في محاضراته التي ألقاها بجامعة هارفارد عام 1967 في إطار بحث له بعنوان" المنطق والحوار"logic and conversation ،الذي حاول فيه التفريق بين ما يقال وما يقصد في الخطابات المختلفة.فهناك من يقصد ما يقول وآخر يقصد عكس ما يقول وثالث يقصد أكثر مما يقول، فما يُقال هو ما تحمله الألفاظ والعبارات من معنى حرفي(القيمة اللفظية) أمَّا ما يُقصد فهو ما يريد المرسل إيصاله إلى المرسل إليه بطريقة غير مباشرة باعتبار هذا الأخير قادرا على التفسير والاستعانة بمختلف المعطيات السياقية لإدراك مراد المرسل، فكان الاستلزام الحواري حلقة الوصل بين المعنى الحرفي الصريح والمعنى المتضمن.
    وقد استهل بول غرايس عمله للتنظير لهذا المفهوم بالتفريق بين نوعين من الدلالة: الدلالة الطبيعية والدلالة غير الطبيعية، إذ إنّ الدلالة الطبيعية تمثل التفسير والبيان المأخوذ من إشارات الجملة وما ينتجه ذلك من علاقة تربط الجمل كظواهر بنتائجها وأسبابها في الواقع، فتصاعد الدخان يدل على وجود النار والبثور الحمراء تدل على مرض الحصبة. فالدلالة الطبيعية لكلتا الجملتين تحيلنا على المعنى الواقعي لهما والمجسد في الإشارات الموجودة في التركيبين( الدخان، الحريق)(البثور، الحصبة).ودلالة غير طبيعية وتعتمد أساسا على فهم قصد المرسل ونيته لا على القول مجملا مثل الرمز، فمجمل اللغات الطبيعية تخرج جملها في مقامات إنجازها من صيغتها الشكلية الصورية إلى معاني تأويلية يستنتجها السامع إذا فهم قصد مكلمه، وما يميز المعنى غير الطبيعي عن المعنى الطبيعي هو فكرة الاصطلاح( أو المواضعة)convention ففي جملتي:
    1- هذه البقع تعني الحصبة.
    2- هذه الرنات الثلاث تعني أنّ الخزان ممتلئ.
    فليس من الاصطلاح في شيء أن البقع تعني الحصبة، في حين أن الرنات الثلاث للخزان إذا ما امتلأ مسألة اصطلاحية محضة، فالدال في العلامة الطبيعية يرتبط ظهوره ارتباطا سببيا أو وجوديا بموضوعه، أمّا في العلامة غير الطبيعية ( الاصطلاحية) فانه يفتقر إلى تناظر فيزيائي مع ما يدل عليه. فكلمة" العنقاء" لا تشبه موضوعها الدالة عليه وليس لها علاقة وجودية معه وإنما يدل عليه عن طريق تداعي المعاني عند مستعملي هذه الكلمة .
    يقسم غرايس الاستلزام الحواري إلى قسمين اثنين هما:
    أ/ استلزام عرفي( حرفي) ويتمثل فيما اصطلح عليه أصحاب اللغة الواحدة من دلالات ومعاني لألفاظ معينة لا تتغير بتغير السياقات والتركيب، مثل"لكن" في العربية التي تستلزم أن يكون ما بعدها مخالفا لما يتوقعه السامع.
    ب/ استلزام حواري وهو متغير بتغير السياقات التي يرد فيها، ولإيضاح الاستلزامين نصوغ المثال الآتي بين مرسل(أ) ومرسل إليه (ب):
    أ/هل الجو ممطر في الخارج؟.
    ب/ عليك بأخذ المظلة وارتداء معطفك أيضا.
    فهذا التركيب حامل لمعنيين اثنين في الآن نفسه فمعناها الحرفي هو المتضمن نصيحة(ب) ل(أ) بضرورة أخذ المظلة وارتداء المعطف عند الخروج، أما المعنى المستلزم فهو الإجابة المتضمنة للسؤال المطروح( الجو ممطر خارجا) .
    ولوصف ظاهرة الاستلزام الحواري أوجد غرايس مبدأ حواريا آخر سماه "مبدأ التعاون" تحكمه مبادئ فرعية أربعة بحيث يرتكز عليها المرسل للتعبير عن قصده مع ضمانه قدرة المرسل إليه على فهمه وتأويله.
    2/ مبدأ التعاون( المشاركة)co-operative principale
    يعتبر هذا المبدأ أساسا للعملية التخاطبية إذ يربط بين أطراف الحوار بشكل مستمر، فيسعون إلى تحقيق التفاهم فيما بينهم بطريقة عقلانية منطقية وهو مبدأ اجتماعي يتحكم في العلاقات الاجتماعية للمتكلمين من خلال الاستعمال العرفي للغة، وأخلاقي لما يُوجِد من احترام وتداول بين المتحاورين.إنه مجموع القواعد التي لابد أن يخضع لها المتحاورون حتى يتحقق التواصل بينهم ويصلوا إلى فائدة مشتركة تنمو بقدر ما يساهم كل طرف مساهمة فعَّالة في الحوار بما يراه مناسبا لمقام التخاطب .
    أما المسلمات الأربع التي يقوم عليها مبدأ التعاون فهي:
    1/ مبدأ الكم(quantité): ويعني وجوب التزام المسهم في الحوار بالقدر المطلوب من المعلومات دون أن يزيد أو ينقص.
    2/مبدأ الكيف(qualité) مفاده أن لا يساهم المتكلم في الحوار بما يعتقد انه كاذب وبما لا يستطيع البرهنة عليه.
    3/ مبدأ الملاءمة(المناسبة العلاقية )partinance)) وينص على أن المشاركة في موضوع الحوار تكون مناسبة وفي الصميم( أي مفيدة) يقول ديكرو" على المخاطب تقديم المعلومات اللازمة والتي يملكها عن موضوع الخطاب وغرضها إفادة المخاطب" .
    4/مبدأ الملاءمة(الطريقة)(modalité) وتوجب أن تكون المشاركة في الحوار واضحة موجزة مرتبة وبعيدة عن اللبس والغموض مثل الترتيب المنطقي أو الزمني عند سرد حادثة معينة.
    هذه المبادئ تعد بمثابة دعائم للحوار السليم في شكله الطبيعي وبخرق إحدى هذه القواعد الأربع تحصل ظاهرة الاستلزام الحواري إذ يظهر عند غرايس مصطلح " الاستهزاء بالمبادئ" كشرط أساسي للاستلزام التخاطبي فهذا الاستهزاء يؤدي إلى الغموض و المراوغة والتلاعب في الحوار لاستكشاف معنى ضمني غير مصرح به في ظاهر القول.
    إن انتهاك المتكلم لإحدى قواعد مبدأ التعاون بصفة واضحة يدفع المخاطب إلى القيام بسلسلة من الافتراضات لتفسير هذا الانتهاك فإذا سالت الزوجة زوجها( متى عدت) وأجابها ( في وقت متأخر) فهذه الإجابة غير كافية من ناحية الكم المعلوماتي فهي تخترق قاعدة الكم مما يؤدي بالزوجة إلى استنتاج إن زوجها لا يعلم بالضبط الوقت الذي عاد فيه سوى انه متأخر وكفى.أما إذا سال التلميذ أستاذه الفاعل يكون منصوبا دائما يا أستاذ فيجيبه الأستاذ نعم كما أن الحال يكون مرفوعا أيضا ففي هذه الحالة خرج الأستاذ عن مبدأ الكيف بتقديمه معلومة خاطئة لا دليل عليها إذ تعمد ذلك ليعرف التلميذ أن إجابته خاطئة ويعاتبه في الآن ذاته عن جهله معلومة كهذه فالتلميذ يوقن أن الحال ليس مرفوعا وذلك يستلزم أن الأستاذ قصد معنى مخالفا لما تحمله كلماته وهو أن إجابة التلميذ خاطئة .
    أما بالنسبة لخرق قاعدة الملاءمة فنورد المثال الأتي
    ا/ هل زينب تلميذة ناجحة في الرياضيات
    ب/ زينب فيلسوفة حكيمة.
    فإجابة (ب) لا تتلاءم مع ما يود (ا) معرفته عن زينب وهي تعني أن زينب ليست تلميذة ناجحة في الرياضيات بقدر ما هي متفوقة في الفلسفة.أما عن خرق مبدأ الجهة فيمكن التمثيل له بالحوار الأتي
    ا/ أين أجد خالدا.
    ب/ اتجه إلى آخر الشارع واصعد العمارة التي تقابلك في الطابق الثالث منها اتجه نحو اليمين إلى المكتب رقم أربعة اطرق الباب وسوف تجده هناك.
    ففي هذه الإجابة خرق لمبدأ من مبادئ الجهة وهو الإيجاز لان القول فيه إطناب وكان من الممكن أن تكون الإجابة من قبيل " انه في المكتب الرابع في الطابق الثالث من العمارة الأخيرة في الشارع".
    كما قسم غرايس الجمل من حيث حمولتها الدلالية إلى معاني صريحة ومعاني ضمنية .
    ا/ المعاني الصريحة هي المعاني المفهومة من تركيب الجملة مباشرة أو القوة الانجازية الحرفية المباشرة ومن صيغها النفي الاستفهام الإثبات النداء...
    ب/ المعاني الضمنية وهي التي تعرف دون النظر في التركيب الوضعي للجملة بل يتحكم السياق في إبرازها ومعرفتها والدلالة عليها وتنقسم بدورها إلى
    • معاني اصطلاحية تلازم الجملة في مقام معين مثل دلالة الاقتضاء.
    • معاني حوارية تتغير بحسب السياقات التي ترد فيها الجملة مثل الدلالة الاستلزامية.
    مما سبق نستنتج أن المتكلم قد يحمل في مواقف عدة إلى توجيه خطابه بطريقة غير مباشرة ويضمنه أشياء تظل خفية دون معرفة قوانين الخطاب والقواعد التي ينتظم بها الكلام فيجبر السامع على التفكير في هذه الأشياء غير المصرح بها والكشف عن الكلام المتضمن في القول الصريح دون أن يفصح به هو الآخر عن طريق عمليات اسستنتاجية تتحكم فيها معطيات السياق بما في ذلك المنطق والتجربة ومما يجعل المتكلم يلمح ولا يصرح بجل أقواله أسباب متعددة منها المجتمع وما يحتويه من عادات وأخلاق ودين...الشيء الذي ينعكس على اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية إضافة إلى بعض المقامات التي تضطر المتكلم إلى استخدام متضمنات القول خشية خدش مشاعر المخاطب كما قد يكون المتحاورون على درجة عالية من الثقافة مما يدفعهم إلى الاكتفاء بالتلميح لا التصريح اوان يكون التلميح غاية في حد ذاته .
    - خصائص الاستلزام الحواري:
    للاستلزام الحواري عند غرايس خواص تميزه عن الاستلزام التقليدي( الاصطلاحي) الذي يرتبط بمعاني كلمات معينة وهذه الخصائص هي
    • يمكن إلغاؤه فالمعنى الضمني ثانوي بالنسبة للمعنى الصريح لذلك يمكن الاستغناء عنه وذلك بإضافة قول من قبل المتكلم ينكر ما يستلزم من كلامه ويحول دونه فإذا قلت( لم أتذوق كل أنواع الحلوى المعروضة) فهذا يستلزم انك تذوقت بعضها لكن إذا أضفت قائلا ( الحقيقة أني لم أتذوق أي واحدة منها) تكون قد ألغيت الاستلزام .
    • انه متصل بالمعنى الدلالي للتركيب ولا علاقة له بالصيغة اللغوية الشكلية للعبارة مهما حدث لها من تغيير فلو استبدلت مفردات وعبارات بأخرى ترادفها لا ينقطع الاستلزام لان مستقره المعنى مثل
    - لا أريد أن تأخذي ملابسي
    - انأ أنظفها وأرتبها داخل الخزانة فقط.
    فالقول الأخير يستلزم نفي الأخذ مطلقا رغم تغيير الصياغة والإجابة الصريحة هي ( أنا لا اخذ ملابسك).
    • انه متغير بتغير السياقات التي يرد فيها فالاستلزام غير ثابت يخضع للطبقات المقامية فيمكن لتعبير واحد أن يؤدي إلى استلزامات مختلفة إذا ما تباينت السياقات فعبارة " و عليكم السلام " اذا قلتها حين دخول أستاذك تنبيء عن الاحترام وإذا قلتها لشخص آخر وتزوي وجهك فذلك يستلزم انك لا تحترمه...
    • انه يمكن تقديره بمعنى أن المتكلم بإمكانه أن يقوم بمجموعة من الاستنتاجات أو العمليات الذهنية بناء على ما سمعه من كلام وصولا إلى الاستلزام المطلوب بعيدا عن المعنى الحرفي. فإذا قلت( جارتنا أفعى) فالمستمع الحاذق يدرك أن المتكلم لم يقصد المعنى الحقيقي وان الجارة فعلا زاحفة من الزواحف وإنما يختفي وراءه معنى أراد المتكلم إخباره به ولكنه لم يسر على قواعد الطريقة المعتادة في الحوار ولا شك انه قصد إضفاء بعض صفات الأفعى على هذه المرأة تعبيرا عن دهائها ومكرها فيقوم المستمع بتقدير الكلام حتى يفهم المعنى .


    الاستلزامات الحوارية للأساليب الخبرية في رواية" الدراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم الدرغوثي:
    استطاع المنجز السردي العربي في العصر الراهن أن يخترق الفضاء ويختزل الزمن بركوبه موجة جديدة للكتابة السردية التي تعتمد على التأصيل والتجريب والعجائبية .
    والروائي التونسي إبراهيم الدرغوثي ينتمي إلى هذا التيار تيار التأصيل الروائي العربي الذي يهدف إلى تشخيص مفارقات التاريخ القريب واليومي حالا بحال ويبني منجزا سرديا له خصوصياته النوعية لا يقف فيها التراث تمثالا جامدا أو واجهة فحسب بل يوظفه بحيث يغدو المتن الحكائي المستوحى من التراث بشخوصه ولغته وفضاءاته استعارة يتكئ عليها لتعرية الواقع الحالي أو الماضي الذي لم يدفن بعد.
    إن القارئ لروايات الدرغوثي يستشف أن الكاتب لم يقصد أن نقرا فحسب فالقراءة ليست غاية في حد ذاتها إنما هي وسيلة لبلوغ غاية أسمى واستلزامات أعمق توصلنا إليها الحكايات المتناسلة داخل الرواية الواحدة" فالرواية عند الدرغوثي ليست حكاية تحكى وإنما هي حفر في الذاكرة المطمئنة وغوص في الغريب والمفاجئ بل العجائبي في ما عد مألوفا أو بلا معنى" .ليثير من خلالها تساؤلات – كان لابد أن تلفت انتباهنا في هذا الواقع- من غير أن يجيب عنها فليست تلك وظيفتها " وهذا يعني أن الرواية لا يقين لها ولا تدعو إلى يقين وإنما هي تزرع الشك وتضع العالم بأسره في حالة أزمة لان غايتها هي أن تطرح السؤال لا أن تقدم أجوبة... الرواية لم تجب وليس من شانها أن تجيب وإنما ظلت تسخر وليس أفضل من السخرية جوابا على ذاك السؤال" .
    ويمكن معرفة مجموع القضايا التي يثيرها الدرغوثي في روايته" الدراويش يعودون إلى المنفى" من خلال مجموع الاستلزامات الحوارية التي يمكننا الوصول إليها واستخلاصها من الأساليب الخبرية الواردة فيها.
    فمن البداية يدعو الكاتب القارئ العربي أن يستيقظ من غيبوبته لاكتشاف الاستعمار في ثوبه الجديد ويرغم الكاتب على الكتابة كأضعف الإيمان ويملي عليه درويش تفاصيلها.
    يقول الكاتب "في اليوم الرابع سال عن السوبر ماركت نطقه هكذا بلكنة أمريكية ..." لماذا اللكنة الأمريكية دون سواها لان أمريكا هي الشبح الذي يسيطر على كل العالم يتدخل في كل شيء ويعبث بالعالم كما يريد ونحن لازلنا لا نعلم من عدونا الحقيقي لازال الرجال العرب نائمون ودرويش يستنهضهم " ومرت أيام و مر أسبوع ومر شهر شهور ومر دهر مرت دهور ودرويش يترقب مجيء الرجال والرجال توسدوا نهود النساء وناموا رأوا درويش يمشي على الماء وناموا.." وكان الكاتب في هذا الإخبار لا يحكي عن درويش بل عن الوطن العربي وتحول درويش إلى قوة خطيرة فبعدما قام بأفعال كثيرة يستثير بها الرجال ويختبرهم ولكن الرجال نائمون انتظرهم أياما وأسابيع بل شهورا ودهورا ولكن الرجال العرب توسدوا نهود النساء واغرقوا في اللهو والمجون ودرويش الذي يعلم أن الدول المتقدمة ستكرر فعلتها بالمجيء من ناحية البحر يترقب جاءتنا تزحف ولا نبالي ونرفع رؤوسنا ونرى الزحف اقترب منا ونسخر ونستهزئ " فنار درويش لا تحرق " وكل منتجاتها في عقر ديارنا " حتى شيخ القبيلة في خيمته يتنصت إلى طنين مكيف الهواء" .
    وفي موضع آخر يشير الكاتب إلى سلاح السياحة الذي يستعمله الغرب للاستيلاء على كل ما هو شرقي فيتحدث عن السائح الفرنسي فرنسوا مرتال " ووصل ككل مرة يصل فيها إلى زقاق البهاليل أمام مبنى قديم تهدمت جدرانه إلا أن يد الفنان الذي أبدع الرسوم والأشكال الهندسية على الحيطان بالأجر الأبيض والأحمر والأصفر والبني مازالت ماثلة للعيان حتى هذا اليوم وصور تلك الرسوم من جهات مختلفة وبأضواء مختلفة وبعدسات مختلفة وتحسر على هذه الكنوز الضائعة" فالتحسر على الشيء هو قمة الحزن عليه فهذا السائح الأجنبي يعرف تماما قيمة هذه المنقوشات على الجدران ويقدر فعلا هذا الإرث الثقافي الفني لأنه نشا على احترام كل ما هو جميل ونادر ودليل ذلك انه اعتبرها كنوزا ولكنها للأسف " كنوز ضائعة" أما نحن أصحاب هذا الإرث العظيم لا نقدر قيمته ولا نقدر أصحابه ولا نعطيه حتى حقه من الاهتمام ففنانونا يموتون كما يولدون ولا نسمع عنهم إلا يوم تشييع جنائزهم .
    ويتفطن درويش إلى هذا السائح الفرنسي والى نواياه الخبيثة فيحرقه بناره بعدما حاول التقدم منه" نظر إلى النيران المشتعلة في رجلي درويش أغمض عينيه مرة أولى وفتحهما ثم أغمضهما مرة أخرى وفتحهما اقترب أكثر من النار وقرب جمرة من وجهه نار درويش لا تحرق قال الرجال أحس بلهيب النار يكويه فرمى الجمرة أرضا" .فلم لم تحرق نار درويش كل الرجال عدا هذا السائح الفرنسي إن درويش يعلم يقينا أن هذا الفرنسي قد أدرك سحر الشرق فجاء ينهبه وبسلب كل ما تصل إليه يداه عرف أن هذه الفرنسي سائح جاء لغرض آخر غير السياحة ورجال الشرق نائمون لا يعرفون حقيقته بعد.
    ثم يذكر الكاتب أن النهب والسرقات الغربية للعرب بدأت منذ الأزل " وكتاب العبر ودوركايم تتلمذ على ابن خلدون وسرق منه علم الاجتماع" فالسرقات توالت منذ أن نام هؤلاء العرب ولم يستفيقوا بعد لحالهم منذ القديم سرق الآخر تراثنا علومنا آدابنا تاريخنا... وهاهم اليوم يواصلون النهب بصورة أخرى اسمها " التحضر والسياحة والانفتاح" وما هذا الفرنسي إلا صورة عنهم جميعا.
    وينتقل الكاتب إلى الحيلة التي يستعملها الغرب للتدخل في شؤون العرب وسياساتهم الداخلية وكيف أصبحوا ينظرون إلينا على أننا إرهاب الدول في مقطع غريب مغرق في العجائبية ترد هذه العبارة " وزير الإعلام يتحدث عن اكتشاف كلاشنكوف داخل حقيبة مسافر عربي في مطار دولي" لماذا المسافر العربي دون غيره هو المتهم لماذا اتهم بحمل السلاح دون غيره من الأشياء المحظورة الأخرى إنها نظرة الغرب لنا على أننا إرهاب العصر بعد أن اختلطت المفاهيم وأصبح الجهاد بمثابة الإرهاب وقولوا الإسلام ما لم يقل وما لم يدع له البتة.
    ثم تأتي الأنوثة سلاحا آخر لإغراء الرجل العربي جعلوا خطيئة حواء الأولى تتكرر كل يوم معه حتى يتسنى تجريده وفي مشهد تتكرر فيه الخطيئة خطيئة أمنا حواء وأبينا ادم عندما أكلا من تفاح الجنة يطالعنا الكاتب على مشهدهما وهما يعاودان الخطأ ولكن بتفاح مستورد من تركيا " وتمد حواء التفاحة لأدم وتقول كل التفاحة يا حبيبي هذا التفاح الأحمر له رائحة أحلى من المسك هو تفاح مستورد من تركيا كل ولا تخف وتعض التفاحة بأسنانها البيضاء كالثلج تقضم قطعة وتمدها لأدم يقطر منها الرضاب - هذه الثمرة ممنوعة يا حبيبتي واكلها حرام علينا.
    لماذا تقول حواء وهي معروضة في الأسواق وتحت الشجر وفوق أغصان الحدائق العمومية ...ويشجعه فرنسوا مرتال لماذا كل هذا الاضطراب يا ادم كل ولا تخف فالتفاح عندنا زهيد الثمن وهو ملقى على قارعة الطريق" فليست حواء فقط هي التي تشجع ادم على الأكل منه بل فرنسوا مرتال كذلك يحببه إليه تماما كما نستورد كل الرذائل و الملذات من الغرب وهم يغروننا ونحن نغرق في أوحاله يزجون بنا وبشبابنا إلى دهاليز الخطيئة وغياهب المحرم باسم التحضر .
    ولا يكتفي هؤلاء بالسخرية من الشرق حاضرا بأساليب ملتوية بل يتنكرون لأمجاد عربية صنعها الأبطال إذ ينادي العربي على السائحة الأمريكية " مسز تعالي هنا هذا جمل عبلة زوجة عنترة فارس بني عبس العبد الأسود قاتل الأبطال وفالق هامات الرجال هل تعرفين عنترة يا سيدتي الجميلة نعم نعم اعرفه هو كلب صاحب الفندق وتتعالى الضحكات" فالمحتوى القضوي لهذه الجملة هو الإخبار عن ملكية صاحب الفندق كلبا اسمه عنترة ولكن المستمع لذلك يدرك تماما أن المعنى المستلزم غير هذا فهم لا يعترفون بأبطالنا وبشجاعتهم حتى أنهم سموا حيواناتهم بأسماء هؤلاء الأبطال وأي حيوان انه الكلب دون غيره قمة التقزيم والاحتقار ثم تتعالى الضحكات وكأنهم تأكدوا واطمأنوا أن العرب لم يعودوا يملكون أبطالا مثلهم ولذلك فلا خوف منهم وليسموا كلابهم على أسمائهم إذلالا لهم ولما فعلوا حتى أن أصوات الرجال أمام إغراء السائحة الأمريكية المتعرية تحول إلى نباح " وترحب بهم الكلاب وينبح الرجال " فهذه الجملة خبرية محتواها القضوي هو الإخبار عن صوت الرجال ولكنه ليس صوتا إنسانيا انه نباح والسامع لهذا الأسلوب الخبري يوقن تماما أن الرجال لم يتحولوا إلى كلاب حقيقية فعلا بل شبههم بذلك أمام إغراء السائحة الأمريكية ذات الفخذين الشقراوين فهي تؤدي مهمتها بكل إتقان بعثت كي تغري الرجال العرب وتسيل لعابهم وتقاسمهم السرير الواحد تلو الآخر وتمنحهم المتعة الجنسية وفي تلك الأثناء تنهب البلاد العربية وتستغل أبشع استغلال والرجال العرب مذبوحون أمام الجمال الغربي .
    وتنجح الأمريكية في مهمتها التي جاءت كسائحة من اجلها ومن ورائها أمريكا وكل الغرب يقول الدرغوثي " وتضحك السائحة الأمريكية التي كانت تراقص الملك وتقول له ما رأيك لو أبادلك هذا الزيت اللزج الكريه الرائحة بقارورة عطر فرنسي وسبحة ومرسيدس وسيوف يمانية وسرير مذهب الحواشي وغلالة شفافة من الحرير ويرد عليها ملك الحيرة أنت ضيفتي ونحن كرام والضيف لا يرد له طلب " هي تضحك لسذاجة النعمان ووزيره الذي خال النفط زيتا فطلب من سيده أن يكتم السر حتى يتقوا حسد قبائل هوازن وثقيف فنحن نعادي بعضنا ولا نعادي أعداءنا ومنذ الأزل نحن مرضى بالسخاء اللامنتهي والذي يوضع خطا في مكان غير مناسب تأخذ الأمريكية النفط وهو عصب اقتصاد بلادها بكل سهولة مقابل مغريات دنيوية وبهارج لا فائدة منها .
    وليست السائحة الأمريكية وحدها هي من نجحت في مهمتها بل فرنسوا مرتال أيضا السائح الفرنسي نجح هو الآخر بعد أن أغدق الجميع بأمواله ومخدراته وأشياء أخرى شغلتهم عن الذكر وعن العديد من عاداتهم الدينية فقد " صار منزل الفرنسي محجا للأهالي يطوفون حوله ويتبركون بأحجاره حتى الكبار شيوخ القبائل وقادة الجند وكبار التجار جرتهم رائحة " الكيف " إلى هناك فجاءوا زرافات ووحدانا وحطوا الرحال داخل حديقة القصر. وترك الشيوخ قراءة القران وقيام الليل والتهجد وإتمام الأوراد وجاءوا يتسولون سجائر الأفيون ويشاهدون الأفلام الخليعة ويمارسون الجنس مع السائحات والسياح الفرنسيس والألمان والأمريكان " بهذا أغراهم السائح الفرنسي ودرويش يراقب ضلالهم وهو غير راض فيحاصرهم بأصابعه بعد أن تضخمت كفه ويهصر أجسادهم هصرا فيسيل العرق وتختنق أنفاسهم وتتحول أصابعه إلى كتل من الصخر ترجمهم ولم يكتف درويش بهذا بل يقرر أن يعود إلى منفاه وكأنه ضاق ذرعا بهذا الواقع الذي يرى ولكن دون أن يترك الأطفال الأبرياء يقرر أخذهم بطريقته الخاصة " ويضم درويش الأطفال إلى صدره ثم يصلي وإياهم صلاة " الوداع" ورأيت المطر يهطل مدرارا فيغسل رجلي درويش وتخمد نار جهنم المشتعلة فيهما منذ الأزل ويقوم يتكئ على عصاه ويفتح الطريق والأطفال يسيرون وراءه كان يقول لهم لا تلتفتوا أبدا إلى الخلف يا أولادي حتى لا تتحولوا إلى قردة أو تتخطفكم الشياطين وتمسخكم تماثيل من الحجر والقرية وراءهم تبدأ في الارتفاع نحو السماء ترتفع القرية ببطء شديد كأنها باخرة كبيرة تغادر الميناء في منتصف الليل وتبتعد أضواء المنازل وتصغر الصورة رويدا رويدا...كأنما شمس تفتت إلى ملايين الأجزاء " فهذه الفقرة تتضمن معاني كثيرة فقصة درويش مع الرجال العرب ورحيله مع الأطفال تذكرنا بقصة سيدنا لوط مع قومه لما دعاهم إلى التوحيد فلم يؤمنوا فلما استيأس منهم أوحى إليه الله أن يرحل مع من امن منهم لان هذه القرية ستحل عليها اللعنة صبحا وأمرهم ألا ينظر احدهم إلى الوراء حتى لا يمسخوا فلم ينظروا إلا امرأته كانت من الخاسئين وكذلك درويش استيأس من مناداة رجال لا نخوة فيهم صم بكم لا يسمعون قرر الرحيل فصلى مع الأطفال صلاة الوداع وذهبت كل تلك الأمارات التي تميز الدرويش ( انطفاء النار التي بين رجليه) ويفتح الطريق بعصاه للأطفال وهنا عصاه تشبه في تأثيرها وفاعليتها عصا سيدنا موسى ويطلب منهم ألا يلتفتوا إلى الخلف حتى لا تمسخهم الشياطين تماثيل حجرية ثم من ورائهم تحل اللعنة بالقرية التي تفتت كذرات الرمل محدثة دويا رهيبا.
    ثم بأسلوب إخباري يحمل الكثير من الاستلزامات يعود بنا الدرغوثي إلى سر العداء الذي تنامى بين هذا السائح الفرنسي ودرويش الذي وحده يعلم حقيقته يظهر هذا العداء في الرسالة التي تركها درويش داخل المحفظة أمانة يوصلها أول من يجدها إلى منزل فرنسوا مرتال دون فتحها يقول في تلك الورقة " أنا أكرهك أيها الفرنسي اللعين ومع دلك فقد قررت أن استودعك بعض أسراري اعرف انك مغرم بالنبش داخل دهاليز الذاكرة وبالبحث عن صور بدء الخليقة وقد قررت قبل الصعود إلى المنتهى أن اترك عندك محفظتي وما فيها وديعة حتى أعود راكبا على ظل حصاني " فدرويش متهم بأكل صور بدء الخليقة من قبل هذا الفرنسي وعلى الرغم من ذلك قرر أن يستودعه أسراره كما صرح له بكرهه الشديد وما تلك الأسرار إلا سور قرآنية و أحاديث نبوية وأشعار عربية ونماذج لخيبات عربية اقتتل فيها العرب فيما بينهم.
    فتحها فرنسوا فإذا بها " الفتنة الكبرى ودم عثمان وقميص عثمان وأصابع نائلة وسيف بن ملجم ينغرز بين أضلع الخليفة الرابع ... والوليد بن يزيد الأموي يعلق المصحف في شجرة ويرميه بالنبال والمأمون يذبح الأمين ... وملوك الطوائف يستنجدون بالكفار لذبح أبناء العم ورائحة شواء لحم أبناء العم تصل السماء السابعة" ولكن لماذا استأمن درويش فرنسوا مرتال على أسراره وهو غريمه لأنه أمهله حتى يعود على حصانه وكأنه سيصعد إلى المنتهى حيث منفاه سيستجمع كل قواه ويرقب هؤلاء السذج من اعلي ثم يأتي ليخلصهم مما هم فيه.
    وبقي فرنسوا يفكر بعودة الدرويش حتى رآه في منامه " رأى درويش في هيئة طائر كاسر يحوم حول المنزل حوم الطائر مدة طويلة ثم حط على رأسه....( رأس الكافر) تململ يمنة ويسرة . والطائر جاثم فوق الرأس ثقيلا رهيبا مرعبا ..والطائر يأكل من رأس الفرنسي ثقب الجمجمة وراح يكرع من المخ والمنقار المحدودب يرتفع و يهبط بخفة و رشاقة" يذكرنا هذا المشهد بتفسير سيدنا يوسف لمنام احد صاحبيه في السجن إذ يصلب وتأكل الطير من رأسه وكذلك فرنسوا تخيل درويش طائرا كاسرا يثقب جمجمته بمنقاره وكأنه يريد أن يستخرج كل ما قرأ فرنسوا من معلومات وأسرار وجدها داخل المحفظة التي تركها له قبل أن يصعد ولكن فرنسوا يستفيق ويحمد الله أن عادت له صور بدء الخليقة فهي مرغوبه الذي سكن من اجله هذه الصحراء.
    ثم يعود الكاتب يتذكر ويذكرنا على لسان عبدو كيف تنامى العداء واشتد بين درويش وفرنسوا مرتال منذ أن عرف درويش حقيقة هذا الفرنسي اللعين. يقول" هكذا مرت السنون الأولى إلى أن كان اليوم الذي التقى فيه بدرويش فتغيرت كل عاداته صار يطلب مني أن احكم إغلاق الأبواب وان أكون يقضا أناء الليل وأطراف النهار ولم يعد ينهر الكلب عندما يشتد نباحه عند الفجر وأكثر من طرح الأسئلة على درويش وتردد اسمه في كل المناسبات التي سمعته يهتف فيها إلى باريس حكى عن درويش الذي يشعل النار في رجليه وعن درويش الذي يدفع للأطفال ثمن طائرات الورق وعن درويش الذي يهزا من رجال القرية ويسب شيوخ القوافل وتجار الصناعات التقليدية واستحكم العداء بين الفرنسي وبين درويش. كان فرنسوا مرتال يردد بمناسبة وبدون مناسبة ( أكل هذا الوحش الشرقي صور بدء الخليقة) " فتصرفات هذا الفرنسي منذ أن جاء بدت غريبة مريبة ملا أيدي البناءين والنجارين والحدادين بالدنانير وملا بطون الرجال والأطفال بكل ما يشتهون استغل كل شيء لصالحه سال عبدو عن الخلافات التي توجد بين العائلات وعن أسبابها عن أصل العداوات بين القبائل التي تسكن الجهة وعن الزيجات بين الأقارب وعن عدد الصم والبكم في كل فخذ من هذه القبيلة أو تلك قاس أحجام رؤوس الأطفال وزع حبوب منع الحمل شجع الأطفال على مطالعة الكتب الفرنسية حضر مع الشيوخ حلقات الذكر وسجل ملاحظاته على دفاتر صغيرة ويهتف إلى تونس كل يوم ملا جيوب عبدو بالدنانير وبطنه بالويسكي ورأسه بالحشيش سال عن درويش وردد اسمه في مناسبات كثيرة دفع المال لأجل الحصول على أخبار عنه. فلم فعل فرنسوا كل هذا أليس لأجل أن يستغل أمورا كثيرة كهذه يستعملها ثغرات كي تخدمه في مسعاه عرف كيف ينقل رذائل حضارته إلى مجتمعنا ورغم ذلك بقي يخاف من درويش و من كل ما هو آت. إلى أن ظهرت الحقيقة ذات يوم بالمصادفة واعترف فرنسوا بالاستسلام يقول عبدو " مشى ناحيتي بخطوات ثقيلة قال وهو يقترب مني لا تحاول الهرب فلن تقدر على ذلك أريد أن تدس هذه الكلمات في دماغك رصاصة واحدة لا تكفي لثقب السماء يا صاحبي ومات" .
    استسلم فرنسوا لأنه وجد من يصده وليس خير من الاعتراف دليلا على الانهزام فالسماء هي الوطن العربي وهو الرصاصة التي جاءت تحاول اختراقه ورغم كل ما فعل لم يستطع فرنسته بألاعيبه التي أصبحت مكشوفة لدى درويش وان انطلت على الأغلبية من العرب ولكن غيره من الغرب جاءوا بجيوش عرمرم ينصرونه ويناصرون ما فعل فغزا الغرب البلاد العربية فلسطين.. بلاد ما بين النهرين... ثم يتكلم هذا الوطن الجريح يشتكي آلامه الطويلة المدى ودون أن يغير أهله شيئا. يقول الوطن " وبعد أن مرت كل هذه الأعوام والدهور مرور السحاب وأنا كما أنا ما تغير شيء في أنا الجميلة دوما العاشقة دوما المعشوقة دوما أنا الحبلى بكل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين أنا التي تعطي ولا تمنن أنا التي تجوع ولا تشتكي أنا التي ( عفوا لن أقول كل شيء)... أردته أن يختار هذه طريق الجنة وهذه طريق النار هذه أبواب قلبي موصدة بألف قفل وهذه المفاتيح في كفي وهذا الغريب يترصده ويترصدني وأنا الحبلى قمحا وزيتونا وعيونا في طرفها حور" .
    فرغم أن هذا الوطن يحمل الخيرات جمعها إلا أننا لا نحسن المحافظة عليه ولذلك اخذ درويش كل سكان قريته (الدراويش) رجالا ونساء وعاد إلى منفاه.
    ومحصول القول إن الأساليب الخبرية لم ترد في الرواية للوصف أو التقرير فقط وإنما تجاوزت ذلك إلى معان استلزامية حوارية تفهم من السياق وتستنتج من مقام التخاطب فالدرغوثي كان الكاتب المرسل الذي يحاور قارئ هذه الرواية ليعمل فكره ويستنتج كل ما لم يصرح به هذا الكاتب العجائبي الغامض. وهذا ما يزيد من جمالية الأسلوب الدرغوثي من حيث التفرد ولفت الانتباه.
    الهوامش:
    • بول غرايس فيلسوف انجليزي ينتمي إلى أصحاب الفلسفة التحليلية بجامعة أكسفورد وهو من مؤسسي نظرية أحكام المحادثة وما تحتوي من مفاهيم كالافتراضات المسبقة الأقوال المضمرة...

  2. #2
    المشرف العام
    الصورة الرمزية د.ليلى ديبي
    الحالة : د.ليلى ديبي غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 1620
    تاريخ التسجيل : Jun 2007
    الدولة : في قارورة دواء
    العمل : صيدلانية
    المشاركات : 26,549
    التقييم : 10

    رد: الدرغوثي والتأسيس الجديد للسرد المهجن /حسام حسين عبدالعزيز

    إن الرواية عموما - وقد أتحمل في سبيل إبداء هذا الرأي انتقادا عارما- جزء من التاريخ، دون أن يكون التاريخ بمعناه الأكاديمي مادة أساسية لها، اللهم إلا إذا أراد الروائي هذا أثناء عملية الخلق الفني لها.
    توقفت عند هذه النقطة كثيراً .. في قسم النقد يجب ان يكون الكاتب موضوعي في رأيه وان لا يهتم ويخاف من الاراء التي ستطرح فيما بعد عن كتاباته ..و إلا ما كان اسمه نقد .. وقد يكون بناء ليس بالمعنى ان يكون هداما..

    شكرا أ.درغوثي

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •